فصل 7 · قراءة 10 د

قايين وهابيل

«بالإيمان قدَّم هابيل لله ذبيحةً أفضل من قايين. فبه شُهِد له أنه بارّ، إذ شهد الله لقرابينه. وبه، وإن مات، يتكلَّم بعدُ!» (عبرانيين 11:4).

وقصّة قايين وهابيل الأصليّة نجدها في تكوين 4:1-8.

من الأسئلة التي كثيرًا ما تُطرح في مسابقات مدارس الأحد: «من هو أول إنسانٍ سفك دمًا؟» وليس ثمّة سببٌ مقنع يحملنا على الظنّ بأنّ آدم لم يكن قد ذبح حيوانًا للطعام، إلا أنّ أول سفكٍ للدم مدوَّنٍ في الكتاب هو سفك هابيل دمَ حَمَل. أما التلاميذ، في تسرّعهم إلى الجواب، فكثيرًا ما يقولون إنّ الأول كان قايين، الذي سفك دم أخيه في فعل قتلٍ عمد.

كان قايين الابن البكر لآدم وحواء. وقد امتلأت أمّه فرحًا وحماسةً لا يوصفان. أفليس هو «النسل» الذي وعد الله به في إعلانه الحرب على الحيّة التي خدعتها (تكوين 3:15)؟ فسمّته قايين — ومعناه «رمح» — قائلةً: «اقتنيتُ رجلًا من عند الرب». ثم لم تلبث أن أدركت خطأها، إذ كبر الصبيّ وظهرت فيه كل الخصائص التي تظهر في أيّ طفلٍ آخر يولد؛ بل لعلّه كان من الشقاوة والمشاغبة بمثل ما هم عليه تمامًا!

ثم يُولد لها ابنٌ آخر تسمّيه هابيل — ومعناه «باطل» — إذ أدركت أنّ المعركة لن تنتهي بالسرعة التي كانت قد ظنّتها. فقد كان ذلك الرجاء كلّه رجاءً باطلًا. ومن الواضح أنه كان لا بدّ أن تأتي «أنسالٌ» أخرى؛ فأيُّها يا تُرى يكون هو الذي يسحق رأس الحيّة؟

ومضت سنون لم تكن فيها شركةٌ مع الله ولا عبادة، بل لم يكن فيها سوى إحساسٍ عميقٍ بالذنب في قلبَي الوالدين، وتساؤلٍ ينمو وشوقٍ يتزايد في قلبَي الابنين. وإني لأتخيّل حياتهم في تلك الأيام الأولى، في تلك البقعة الواقعة خارج الأسوار مباشرةً، وأراهم يسألون والديهم عن الجنّة وعن الكروبيم الواقفين حراسًا على بابها. وإني لأتساءل: هل استطاع آدم أو حواء في يومٍ من الأيام أن يحدّثا ابنيهما بما جرى داخل تلك الأسوار؟ فما كانت تلك بالقصّة التي يودّان أن يتذكّراها! على أنه كان في الإنسان دائمًا شوقٌ إلى العبادة، سواء أكان المعبود هو الإله الحيّ أم واحدًا من الآلهة التي لا تُحصى، والتي تمثّلها ديانات العالم على اختلافها. ولم يكن قايين وهابيل ليختلفا في ذلك عن سائر الناس.

ولمّا كبر الصبيّان، نمت في كلٍّ منهما ميولٌ مختلفة. فاشتغل قايين بالأرض وصار عاملًا فيها، يُنبت الأزهار الجميلة والخضروات والفاكهة والأعشاب. وقد اقتفى في ذلك أثر أبيه الذي كدح في الحقول كل أيام حياته. أما الابن الأصغر، هابيل، فصار راعيًا للغنم، يجول مع القطيع حيثما التمس المرعى الجيّد.

وقايين هو أول من خطر له أن يقدّم هديّةً لله. ولسنا نعرف ما كان قصده من ذلك، لكن ليس ثمّة سببٌ يحملنا على أن نظنّ به أقلّ من أن يكون قربانًا صادقًا مملوءًا بالشكر (واللغة العبريّة تفيد ذلك يقينًا). ولعلّه كان يحدوه الرجاء في أن يُظهر الله له حظوةً عنده فيسمح له بالرجوع إلى داخل الجنّة. ولكن أين يحمل سلّة الغلال التي غسلها وصقلها ورتّبها بعنايةٍ بالغة؟ لعلّه حملها إلى الباب الذي يحرسه الكروبيم. وما كان أجملَ منظرَ تلك السلّة بما فيها من ألوانٍ متنوّعة وروائح ذكيّة! فوضع السلّة أمام الملاك، وأخوه واقفٌ ينظر إليه.

أما الأخ هابيل فيتساءل: ماذا عساه يقدر أن يقدّمه هو قربانًا لله؟

فهو لا يريد أن يُترك خارجًا إن كانت هناك أدنى فرصةٍ لاسترضاء الله، لكن ليس لديه غلالٌ جميلة يأتي بها. بل ليس لديه شيءٌ البتّة ممّا حصّله بعرق جبينه. فكلّ ما عنده بعض البقر والمعز والغنم.

وبالإيمان قدَّم ذبيحةً أفضل من ذبيحة أخيه. فما الذي يعنيه هذا الكلام؟

نقرأ أنّ «الإيمان بالخبر، والخبر بكلمة الله» (رومية 10:17). فمن الواضح إذًا أنّ الله كلَّم هابيل. وإني أتذكّر ههنا كلمات يسوع لبطرس على جبل حرمون، المدوَّنة لنا في متى 16:17، حيث نقرأ: «طوبى لك… إنّ لحمًا ودمًا لم يُعلن لك، لكنّ أبي الذي في السماوات».

ولم يكن صوت الله صوت الرعد، ولا صوتًا تدركه الحواسّ، بل كان ذلك الصوت الداخليّ الذي تسمعه النفس وحدها، والذي كثيرًا ما يمرّ دون أن يُعرف أنه صوته هو.

فعزم هابيل، استجابةً منه لذلك الصوت الداخليّ، وقال في نفسه: «سآتي بحَمَل. حَمَلٍ صغير، بِكرٍ من أبكار غنمي. أذبحه وأُهيّئه وآتي به مع سِمانه». وهكذا قدّم هو أيضًا قربانه أمام الملاك الواقف عند الباب. فكان إيمانه ظاهرًا في طاعته لذلك الصوت الداخليّ.

والخطوة التالية إنما هي لله وحده. فهو الذي قاد الرجلين كليهما إلى ههنا، إذ أراد أن يعلّمهما — ويعلّمنا نحن أيضًا — بعض المبادئ الجوهريّة في حياة البرّ. «فنظر الرب إلى هابيل وقربانه، ولكن إلى قايين وقربانه لم ينظر» (تكوين 4:4).

قوّة العثرة المدمِّرة إنّ الرجلين أنفسهما لهما من الأهميّة ما لقربانَيهما. فالله يعرف قلب الإنسان، ويعرف مَن مِن الناس يستطيع أن يأتمنه على إعلانه وعلى تحريكه الداخليّ.

فقد قال لموسى إنه يعرفه باسمه (أي بصفته)، ولذلك سيُعلن لموسى اسمه هو (أي صفته) ومجده (خروج 33:12-34:8). ولمّا أعلن سمعان أنّ يسوع هو المسيّا، أدرك معلّمه أنّ معرفةً كهذه إنما جاءت بإعلانٍ من الله. فمع أنه كثيرًا ما تكلّم في غير موضعه، ولم يكن له من التعليم إلا أقلّه، فإنّ قلبه كان مستقيمًا، فأعطاه الله الإعلان.

وإذ علم يسوع أنّ هذا كان شهادةً لصفته، غيّر اسمه ودعاه بطرس — ومعناه «صخرة». فكيف يرى الله قلوبنا نحن؟ أيرى فيها صفةً تكون له مَسرّة؟

وأيّ اسمٍ عساه يعطيك أنت؟ أيرى فيك من يستطيع أن يُعلن له مجده، وهو واثقٌ أنك لن تختلس شيئًا من ذلك المجد لنفسك؟ أيرى فيك من قلبه نقيّ، من يستطيع أن يُعلن له ذاته (متى 5:8)؟ فالقلب النقيّ قلبٌ واحد الوجهة، لم تشُبْه محبّةُ الأمور التي في العالم.

ولم يصنع قايين شرًّا حين أتى بقربانه إلى الله. بل الحقّ أنه يستحقّ الثناء على ما فعل؛ غير أنّ الله كان يعلم أنّ في قايين استعدادًا للعثرة التي تقود إلى الخطيّة.

والعثرة في ذاتها ليست خطيّة. فقد كان يسوع سببَ عثرةٍ للفريسيّين والكتبة، بل حتى لبعض أصدقائه، وهو مع ذلك بلا خطيّة. غير أنها سلاحٌ يستعمله الشيطان استعمالًا كثيرًا ليسلب المؤمنين غلبتهم، وقد صارت مصدرًا لانقساماتٍ في الكنائس أكثر ممّا سبّبه أيّ سلاحٍ آخر في ترسانته. ومن المحزن أنّ أعدادًا متزايدة من الناس يتركون ساحة المعركة الروحيّة لأنهم عثروا. فالسبب الأول الذي يجعل المرسلين يتركون حقول خدمتهم والرعاةَ يتركون منابرهم ليس هو المال، ولا اعتلال الصحّة، ولا مشكلات تأشيرات السفر أو اللغة، بل لأنهم — أو أحدًا ممّن يعملون معه — قد عثروا.

وإليك فيما يلي موجزًا مختصرًا لخمسة أمثلةٍ كتابيّة لأناسٍ عثروا، وما الذي كلّفتهم إيّاه عثرتهم.

1. في متى 13:20-21 نرى من يعثر بالكلمة. فهم مثلًا لا يروقهم ما فيها من دعوةٍ إلى التكريس، وكانت النتيجة أن لم يكن هناك ثمرٌ روحيّ (غلاطية 5:22-23).

2. وفي متى 13:53-58 نرى أنّ كثرة الألفة تولّد الاحتقار: فقد عثروا به (متى 13:57)! وكانت النتيجة أن لم تكن هناك خدمةٌ فائقةٌ للطبيعة، ولا أجوبةٌ للصلاة، ولا إعلان.

3. وفي متى 26:6-10 يعثر التلاميذ (ولا سيّما يهوذا) (يوحنا 12:14 ومتى 26:8). وكانت النتيجة أن لم تكن هناك ثقة، فخرج يهوذا ليسلّم ربّه (متى 26:14).

4. وفي متى 26:31-35 يعثر التلاميذ لأنهم لا يفهمون. وكانت النتيجة أن لم تكن هناك شهادة.

فها هو بطرس، «الصخرة»، ينهار أمام جاريةٍ صغيرة.

5. وفي يوحنا 6:51-61 يعثر التلاميذ بدعوة يسوع إلى التكريس. وكانت النتيجة أن لم تكن هناك شركةٌ ولا معاشرة. «من هذا الوقت رجع كثيرون من تلاميذه إلى الوراء، ولم يعودوا يمشون معه» (يوحنا 6:66).

وكان الله سيتحدّى قايين، تمامًا كما تحدّى يسوعُ أولئك الذين أحبّهم. فقد عثر يوحنا المعمدان بيسوع حين لم يزره في السجن، وعثرت به مريم لأنه لم يُسرع إليهم ليمنع موت لعازر (متى 11:2-6 ويوحنا 11:1-35). بل إني أذهب إلى أنّ السبب في بكاء يسوع إنما كان الطريقة التي كلّمته بها مريم حين جاءت أخيرًا لتراه خارج بيت عنيا. فقد استعملت الكلمات نفسها التي كانت أختها مرثا قد قالتها له: «يا سيّد، لو كنتَ ههنا لم يمُتْ أخي!» (يوحنا 11:32)، لكنّ جواب يسوع لها كان مختلفًا كل الاختلاف عن جوابه لأختها. فمن المؤكّد أنه لم يبكِ من أجل لعازر، ولا من أجل النادبين المحترفين، إذ كان عالمًا بحالهم منذ اللحظة التي قرّر فيها ألّا يأتي عند دعوتهم الأولى. وكان يعلم أيضًا أنهم بعد دقائق قليلة سيكونون جميعًا في فرحٍ عظيمٍ بسبب القيامة.

إنّ الرب يسمح للعثرات أن تأتي إلى حياتنا لكي يعلّمنا شيئًا عن أنفسنا، وعن الحال التي عليها قلوبنا.

ومتى سمحنا نحن للعثرة أن تصير خطيّة، فإننا نكشف عن صفةٍ لا يعطي الله صاحبها إعلانًا، ولا يعطيه ذلك التحريك الداخليّ الذي هو الإيمان.

قوّة الدم الكفّاريّة ثانيًا، نظر الله إلى قربان هابيل، ولم ينظر إلى قربان قايين. وقد قال بعضهم إنّ السبب في ذلك أنّ قايين كان ينبغي أن يعلم أنّ الاقتراب إلى الله يقتضي أن يسفك دم حَمَل؛ ولكن من أين له أن يعلم ذلك؟ ثم إنه لم يكن يملك غنمًا — فالغنم كانت لهابيل. وإني لأرى أنّ هذا النوع من الاستدلال يضع العربة أمام الحصان. فإنما اختار الله قربان هابيل ليعلّمهما، ويعلّمنا نحن، ما لم يكن معروفًا من قبلُ: أنّ السبيل الوحيد الذي به يقترب الإنسان إلى الله هو دمُ حَمَلٍ مسفوك. ولم يكن في قربان قايين عيب، لكنّ الله اختار قربان هابيل. بل إنّ الله، فيما بعدُ، حين رسم أنواع القرابين المختلفة لأعياد شعبه، جعل غلّة الحقل قربانًا مقبولًا جدًّا (لاويين 6:14-23).

ونحن نقرأ في العهد القديم كلّه عن الله وهو يمدّ يده إلى خليقته، طالبًا أن يربحهم من جديد إلى الشركة معه هو. فلا يجد إلا قليلين تكون قلوبُهم نقيّةً أمامه، حتى إذا جاء الطوفان محا عن وجه الأرض الجميع، ولم يُبقِ إلا عائلةً واحدة من ثمانية أشخاص. ثم دعا لنفسه فيما بعدُ شعبًا خاصًّا، وأعلن لهم مشيئته في الوصايا العشر. فأثبتوا أنهم عاجزون عن البرّ الذي يطلبه ذلك الناموس، فأعلن لهم كيف سيعالج هو خطيّتهم.

فلأجل كل صورةٍ من صور النجاسة كان لا بدّ أن يُسفك دم. وكان هذا صحيحًا على وجه الخصوص في يوم الكفّارة العظيم الذي كان يُقام كل سنة، حين كانت خطايا الشعب والأمّة تُغطَّى سنةً أخرى. ففي وسط احتفالٍ عظيمٍ وطقوسٍ مهيبة كان يُؤخذ حَمَل. وكان لا بدّ أن يكون «بلا عيب»، ذكرًا ابن سنة. ثم يُسكب دمه في طستٍ ويحمله رئيس الكهنة إلى قدس الأقداس في خيمة الاجتماع أو في الهيكل، حيث يُقدَّم أمام الله. وكانت الأمّة كلها تنتظر حابسةً أنفاسها، راجيةً أن يقبل الله هذه الذبيحة سنةً أخرى. وما كان أعظمَ الفرحَ حين يعود إليهم رئيس الكهنة سالمًا! فقد سُرّ الله من جديد أن يقبلهم شعبًا له!

وما كانت طقوس العهد القديم هذه كلها إلا ظلًّا لما تمّ إتمامه في موت يسوع، حَمَل الله، على صليب الجلجثة؛ غير أنه لم يسفك دمه لكي تُغطَّى خطايانا سنةً واحدةً أخرى فحسب. بل كان موت الحَمَل الكامل لينزع خطايانا نزعًا تامًّا كاملًا، فيُبعدها عنّا كبُعد المشرق من المغرب، ويطرحها في أعماق البحر (المزامير 103:12). فأما الذين وضعوا ثقتهم في العمل الكامل الذي تمّ على الجلجثة، فليس عليهم دينونةٌ بعدُ، بل لهم دخولٌ إلى حضرة الله وإلى الشركة معه. لقد استُردَّ الفردوس من جديد!

استجابة قايين وههنا انكشف قلب قايين على حقيقته. فاغتاظ جدًّا وسقط وجهه. فسأله الرب لماذا اغتاظ، ثم طرح عليه سؤالًا لافتًا للنظر: «إن أحسنتَ أفلا رَفْعٌ؟ وإن لم تُحسن فعند الباب خطيّةٌ رابضة، وإليك اشتياقها وأنت تسود عليها» (تكوين 4:7).

فمن الواضح أنّ قايين لم يكن قد أخطأ بعدُ! فلم تكن هناك خطيّةٌ في اقترابه إلى الله ولا في قربانه. كان موقف قايين خاطئًا، وكان أخذه للعثرة خاطئًا، لكنّ ثمر الخطيّة لم يكن قد أتى بعدُ.

وكان عليه أن يسود على تجربة الخطيّة ويُحسن؛ غير أنه أخفق. فقُتل هابيل، وطُرد قايين خارجًا، ومع ذلك حُملت عليه علامة الله الحافظة.

وللمفسّرين اليهود، عند تأمّلهم في هذه القصّة، فهمٌ لافتٌ للنظر للسؤال الذي طرحه الله ههنا. فهم يرونه إشارةً مبكرةً إلى العشور! فقربان قايين لم يكن مقبولًا لأنه لم يكن قد «قسم بالحقّ» غلّته.

وهم يفسّرون تكوين 4:7 على هذا النحو: «لو أنك قسمتَ بالحقّ، أفما كان قربانك يُقبل؟»

خلاصة وأنا أقرأ قصّة قايين وهابيل في سياق الإيمان، أرى الرب وهو يعلّمنا المبادئ التالية: 1. لا سبيل إلى الاقتراب إلى إلهٍ قدّوس إلا بدم حَمَلٍ مسفوك، وهو الرمز الكامل الذي يشير إلى حَمَل الله الآتي، يسوع.

2. إنّ الله يعرف قلب الإنسان، وهو لا يُعلن ذاته إلا للذين هم أنقياء القلب أمامه.

3. إنّ الله يسمح للعثرات أن تأتي ليعلّمنا ما في قلوبنا من استعدادٍ للخطيّة.

صفحة 1 / 7 · 10 دقيقة متبقية في الفصل