فصل 5 · قراءة 16 د

سماع صوت الله

إنّ سماع صوت الله أمرٌ سهلٌ عند بعض الناس، أما عند غيرهم فهو حاسّةٌ لا بدّ من تقويتها وتمرينها!

كان منظرًا غريبًا ذلك الذي وقعت عليه عينا موسى وهو يرعى غنم حميه. فقد كانت عليقةٌ تتوقّد بالنار توقّدًا شديدًا، ولم تكن تحترق! بل ظلّ ورقها أخضر، والنيران تتلمّظ حوله (خروج 3:2). وما كان قد رأى في حياته كلّها شيئًا يشبه هذه الأعجوبة، لا في أيامه في مصر وهو ابن فرعون، ولا في السنين الطوال التي عاشها راعيًا في أرض مديان. فاقترب قليلًا لينظر ما الأمر.

وفجأةً دوّى صوتٌ يقول: «موسى!»

أتستطيع أن تتخيّل دهشته، ولا سيّما حين تبيّن له أنّ الصوت آتٍ من داخل العليقة المشتعلة نفسها!؟

ثم مضى الصوت يقول: «اخلع حذاءك من رجليك، لأنّ الموضع الذي أنت واقفٌ عليه أرضٌ مقدّسة!» (خروج 3:5). وإني على يقينٍ أنه أسرع إلى الطاعة لهول ما رأى — فلا بدّ أنه كان خائفًا!

وهكذا ابتدأت تلك الفترة الطويلة من الشركة بين الله وموسى. فقد صارا بعد ذلك يتكلّمان معًا كثيرًا، إذ كان الرب يرشد عبده في إخراج بني إسرائيل من عبوديّتهم في مصر، ويعطيه التعليمات لبناء خيمة الاجتماع، ويملي عليه شرائع عديدة لشعب عهده.

بل إننا نقرأ أنه كان يكلّمه «وجهًا لوجه، كما يكلّم الرجل صاحبه» (خروج 33:11). فلا عجب أنّ وجه موسى كان يلمع!

أفلا تغبط موسى على قدرته أن يتكلّم مع الله على هذا النحو؟

أما أنا فأغبطه بلا شكّ.

وللمرء أن يتساءل ويُعمِل الظنّ: ماذا كان الذي رآه موسى وسمعه حين كلّمه الله؟ وكيف كان وقع صوت الله في أذنيه؟

أكان صوتًا عميقًا رنّانًا، كصوت ممثّلٍ شكسبيريٍّ مدرَّبٍ على الإلقاء؟

أكان فيه نغمةٌ خاصّة أو لكنة؟ (لكنةٌ ويلزيّة مثلًا، كلكنتي أنا، ما دام من الواضح أنه يحبّ أن يزور بلدي بين الحين والحين في سكبات نهضةٍ عظيمة؟!) وبأيّ لغةٍ تكلّم — أبلغة مصر حيث تعلّم موسى، أم بلغة المديانيّين حيث عاش موسى السنين الأربعين الماضية؟

وكلّ ما نستطيع أن نقوله على وجه اليقين هو أنها كانت لغةً يفهمها موسى.

أكان صوت إنسانٍ من الناس، أم كان «كصوت مياهٍ كثيرة»، على نحو ما وصف حزقيال النبيّ صوت القدير (حزقيال 43:2)؟

وقد سمعه إيليّا النبيّ يتكلّم بصوتٍ منخفضٍ خفيف، أما إشعياء فقد دوّن أنه فتح له أذنًا وكلّمه فيها (1 ملوك 19:12 وإشعياء 50:5).

ولا شكّ أنه من السهل أن تسلك في مشيئة الله حين يكلّمك بصوتٍ مسموعٍ بالأذن، كما فعل مع موسى وغيره من رجال العهد القديم. فما أيسر أن يسلك المرء سلوك الإيمان في مثل تلك الظروف!

أحقًّا كذلك؟

لعلّ الله كان حينئذٍ سيطلب منّا أكثر من ذلك بكثير لو أنّا استطعنا أن نسمع صوته بوضوح. إذ لم يكن سيبقى لنا عذرٌ في العصيان، وما كانت طاعتنا لتكون إيمانًا. فالعبيد يطيعون ساداتهم، لكنّ طاعتهم كثيرًا ما تكون عن خوف. وليست تلك هي الطاعة التي يطلبها الرب.

إنه يطلب لنفسه شعبًا قد ضُبطت قلوبهم على أن تسمع صوته في الروح، وشعبًا صارت الطاعة هي نفس طبيعتهم.

طاعةٌ لا تصدر عن خوف، بل طاعةٌ تصدر عن صفةٍ راسخة في النفس. فلم يكن قطّ من طبعه أن يُكره شعبه أو يستدرجهم بالحيلة إلى صنع مشيئته أو السلوك بحسب مقاصده. بل أعطاهم على الدوام حرّيّة أن يستجيبوا بمحبّةٍ وبطاعةٍ عن رضًى. فالإيمان الذي يُرضي الله لا يظهر في طاعة الخوف، بل في طاعة المحبّة والرضى.

كان تومي الصغير لا يقرّ له قرارٌ على مائدة العشاء، إذ كان يريد أن يعود إلى الخارج حيث أصدقاؤه في انتظاره. فقالت له أمّه: «لا تستطيع أن تترك المائدة حتى تنتهي من طعامك».

فأخذ تومي يلتهم طعامه التهامًا على عجل. وأضاف أبوه قائلًا: «واجلس على كرسيّك وأنت تأكل». وتباطأ تومي في الاستجابة، فأعاد عليه أبوه الأمر نفسه بصوتٍ أبطأ قليلًا وأعلى قليلًا. ومع ذلك ظلّ تومي متهدّلًا واقفًا بجانب كرسيّه، وعيناه تجهدان لتتابعا أصدقاءه من وراء زجاج النافذة، وهو يحشو فمه بشوكةٍ أخرى مملوءةٍ بالمعكرونة.

وازداد صوت أبيه صرامةً، وتكلّم متمهّلًا موزونَ الكلام: «قد قلت لك أن تجلس حين تأكل! افعل ما أقوله لك الآن!»

فجلس تومي على كرسيّه، وعلى وجهه الملطّخ بالطماطم نظرةٌ عابسةٌ متجهّمة. وكان فمه مملوءًا فلم يستطع أن يتكلّم، لكنّ صوتًا في داخل رأسه كان يصرخ: «قد أكون جالسًا من الخارج، لكني واقفٌ من الداخل!» وما كان ذلك بموقف طاعةٍ يمكن أن يسرّ قلب الأب!

الصوت المنخفض الخفيف كان إيليّا النبيّ قد رأى الله يصنع معجزةً عظيمةً جبّارة أمام أنبياء البعل جميعًا. وقد تجرّأ وأقدم فقتل أولئك القادة الكذبة كلّهم، و«كانت يد الرب عليه» (1 ملوك 18:46). غير أنه لمّا سمع أنّ إيزابل الملكة الشرّيرة تطلب نفسه لتأخذها، هرب إلى البرّيّة ليختبئ هناك وينوح. وصرخ قائلًا: «قد كفى الآن يا ربّ. خذ نفسي!» وما كان هذا بالكلام الذي يتوقّعه المرء من «رجل إيمان»! فأولًا يُرسَل إليه ملاكٌ ليسأله ما باله على هذه الحال، ثم يكلّم الربُّ نفسُه إيليّا — لا في الريح العظيمة التي شقّت الجبل، ولا في الزلزلة، ولا في النار، بل بصوتٍ منخفضٍ خفيف. ولا شكّ أنّ الثلاثة الأولى كانت ستملؤه خوفًا كثيرًا، وكان سيستجيب سريعًا لو أنّ الله تكلّم فيها، أما الصوت المنخفض الخفيف فليس فيه ما يُرهب. ثم يُؤمر أن يرجع في طريقه إلى دمشق وأن يمسح أليشع خليفةً له. وهكذا يستردّ إيليّا غيرته للرب من جديد، لأنه قد سمع صوته. وطاعته هي طاعة الإيمان.

وإني أتذكّر ههنا «توما الشكّاك»، ذلك الرسول الذي أبى أن يصدّق أنّ الرب قد قام من الأموات، حتى يراه بعينيه ويضع أصابعه هو في أثر المسامير في تينك اليدين المجروحتين. فلمّا ظهر يسوع أمامه، آمن توما أخيرًا، فقال له يسوع: «لأنك رأيتني يا توما آمنت! طوبى للذين آمنوا ولم يروا».

وكان في وسعه أن يقول لنا أيضًا: «طوبى للذين لم يسمعوا صوت الله مسموعًا بآذانهم، ومع ذلك قد أطاعوا!»

فسلوك الإيمان وحياة الإيمان التي تُرضي الله، إنما تُرى في ذلك الرجل أو تلك المرأة ممّن «لم يسمعوا» (بالأذن) ومع ذلك قد أطاعوا.

أفينبغي لنا أن نتوقّع أن نسمع صوت الرب؟ بلى، بالطبع ينبغي لنا ذلك! فيسوع نفسه هو الذي قال: «خرافي تسمع صوتي» (يوحنا 10:27).

وحين يريد الرب أن يوصل إلينا كلامه، وأن يعلّمنا مشيئته، وأن يرشدنا في سُبله، فإنه يختار ألّا يفعل ذلك بصوتٍ عالٍ، بل بذلك الصوت المنخفض الخفيف الذي لا تسمعه إلا النفس التي قد ضُبطت على نغمته وتناغمت معه. فهو يريد أن يكلّم خرافه، وأكثرها — وإني على يقينٍ من ذلك — تريد هي أيضًا أن تسمع صوته.

وتوصيل الكلام هو دائمًا مسؤوليّة المتكلّم، ما دام المتلقّي راغبًا في أن يسمع. ولهذا السبب يحرص المعلّم الجيّد دائمًا على أن يعرف هل فهم تلاميذه ما حاول أن يعلّمهم إيّاه.

فهل الله إذًا يكلّمنا نحن خرافه؟ وإن كان يكلّمنا، فلماذا لا نسمع ما يقوله لنا؟

أن نتعلّم كيف نميّز صوته إني أؤمن أنه يكلّمني كلّ يوم، غير أنّ صوته كثيرًا ما يغرق في ضجيج الأصوات الأخرى المتنافرة التي تندفع مسرعةً في رأسي.

وأنا محتاجٌ أن أتعلّم ذلك السرّ الذي تكلّم عنه آباء البرّيّة وكتبوا فيه، وهو سرٌّ فهمه أولئك الرجال والنساء في تاريخ الكنيسة، الذين أثّرت فينا حياتهم إذ رأيناهم في شركةٍ عميقةٍ مع الله؛ أولئك الذين يُدعَون، على سبيل السخرية في الغالب، بالمتصوّفين.

وآباء البرّيّة (وأمّهاتها) هم رجالٌ ونساءٌ عاشوا في القرن الرابع الميلاديّ، في زمنٍ صارت فيه المسيحيّة مقبولةً عند الأباطرة الرومان، ووُلد فيه «العالم المسيحيّ» نظامًا سياسيًّا دنيويًّا. وطاعةً لما فهموه من أمر الرب أن «يحمل الإنسان صليبه» (لوقا 9:23)، انسحبوا من العالم ومن أصواته كلّها، وذهبوا يلتمسون الخلوة في برّيّة مصر. ولم تكن الخلوة عندهم أن يكون المرء وحده، بل أن يقدر أن يقترب إلى الله اقترابًا شديدًا حتى لا يعود يشعر بأحدٍ من الناس حوله. فتعلّموا أن يسكنوا ويهدأوا، وأن ينمّوا في أنفسهم صمتًا داخليًّا، وأن يتأمّلوا فيه، وأن يسمعوا صوته هو.

وإني على يقينٍ أننا لسنا محتاجين أن ننسحب إلى حياة الرهبنة، لكننا محتاجون حقًّا أن نقضي معه وقتًا ذا قيمة، إن أردنا أن نتعلّم كيف نميّز صوته. ولسنا محتاجين إلى عقلٍ جبّار يفهم اللاهوت كلّه، ولا إلى شهادةٍ من كلّيّة كتابيّة أو درجةٍ من مدرسة لاهوت. فهو لا يكلّم العقل والفكر، بل يكلّم الروح، حيث يخاطب روحُه أرواحَنا.

لكي نسمع صوته، نحن نحتاج إلى ما يلي: 1. جوعٍ — بل شغفٍ حارّ — إلى مشيئته.

2. قلبٍ عاقدِ العزم على الطاعة لكلّ ما يريده.

3. وقتٍ يُقضى في كلمته.

4. مكانٍ هادئٍ نتأمّل فيه.

5. صمتٍ داخليٍّ وخلوة.

«قال لي الرب…» ليس ثمّة ما يربك الراعي مثل أن يأتيك أحدهم، بزعم أنه يطلب المشورة، ثم يستهلّ الحديث قائلًا: «قال لي الرب…» وينتهي الحديث عند هذا الحدّ!

وأنا عادةً أحاول أن أسألهم كيف كلّمهم الرب، فلا أكتشف إلا أنّ الأمر — في رأيي — لم يكن أكثر من فكرةٍ خطرت لهم، لعلّها نشأت من انفعال اجتماعٍ من الاجتماعات، أو من حديثٍ مع صديق، وقلّما كانت في الحقيقة نشأت من الرب. فلو أننا كنّا أسرع إلى طرح مثل هذا السؤال كلّما قال الناس: «قال لي الرب»، لربّما كففنا الناس عن هذا الاستخفاف الشديد باستعمال هذه العبارة.

وقد نلت أنا وزوجتي، مدّة أربع سنوات، امتيازًا عظيمًا هو أن نخدم على متن «سفينة الرحمة» التي كانت ترحل بين أوروبا وغرب أفريقيا. وكان على متنها أطبّاء وجرّاحون وممرّضات تطوّعوا بمهاراتهم لإجراء عمليّاتٍ تغيّر مجرى الحياة لمئات المساكين الذين لم يكن في وسعهم أن يدفعوا التكاليف الباهظة للجراحة التي تستلزمها أمراضهم. ومع أنها كانت فترةً مُرضيةً كلّ الرضا، فقد كان فيها أيامٌ كثيرةٌ من الضغط الشديد والإعياء؛ أما الذين في البلاد المتقدّمة، ممّن كانوا يتلقّون التقارير عن العمل الذي يقوم به الطاقم الطبّيّ وسائر بحّارة السفينة، فلا بدّ أنها بدت لهم خدمةً في غاية البهاء والبريق.

وإني لأذكر كثيرين جدًّا ممّن جاءوا ليعملوا على السفينة، وكانوا يقولون إنهم إنما جاءوا لأنّ الرب قال لهم أن يأتوا.

وكان يدهشني دائمًا كم كان منهم من اكتشف، بعد وقتٍ قصيرٍ لا غير، أنّ هذا المكان ليس هو المكان الذي أرادوه حقًّا.

فمن الواضح إذًا أنّ الرب قد أخطأ، أو أنهم ظنّوا صوتًا آخر صوتَه!

وقد أخبرني آخرون أنّ الرب قال لهم أن يفعلوا أمرًا مناقضًا للكتاب المقدس! وإني أعرف شخصيًّا امرأتين تركتا زوجيهما لأنّ «الرب قال لي ذلك»، مع أنه لم يكن ثمّة دليلٌ على خيانةٍ ولا على إساءة معاملة. وكان أحد الزوجين مؤمنًا، غير أنه دخل في ترتيبٍ تجاريّ (مشروعٍ تمامًا من الوجهة القانونيّة) مع غير مؤمن. فزعمت زوجته أنّ الرب قال لها أن تترك زوجها لأنه «مرتبطٌ برباطٍ غير متكافئ» مع غير مؤمن! فيا له من سوء استعمالٍ للكتاب المقدس! وما كان ذلك قطّ بمشيئة الرب لأيّ زواجٍ كان!

وكثيرون من المؤمنين يستعملون هذه العبارة بإخلاصٍ وصدق، معتقدين أنّ الله قد قادهم. ولعلّ ذلك جاءهم بحلم، أو بتشجيع صديق، أو بظروفٍ ساقتهم، أو بآيةٍ من الكتاب برزت أمامهم، أو بـ«مصادفات»، أو بمجرّد رغبةٍ داخليّةٍ شخصيّةٍ آخذةٍ في النموّ.

وهذه كلّها طرقٌ حقيقيّة يستطيع الرب أن يقودنا بها لنسلك في مشيئته، ويُستحسن أن تجتمع معًا. غير أنه من الحكمة أن نقول: «أعتقد أنّ الرب يريدني أن أفعل هذا…»، بدلًا من تلك العبارة «الروحيّة»: «قال لي الرب…»، وهي عبارةٌ قد تصنع الكثير لتضخيم الذات، لكنها كثيرًا ما تضرّ بالشهادة المسيحيّة ضررًا بالغًا.

وتلك المناسبة النادرة إنما هي شهادةٌ شخصيّة.

وقد مرّت بي في حياتي اختباراتٌ عدّة عرفت فيها حضوره على نحوٍ يفوق المعتاد كثيرًا. ودعني أشدّد على أنها اختباراتٌ نادرة، وليست هي القاعدة ولا العادة. ففي مرّتين اثنتين سمعته يكلّمني بصوتٍ مسموعٍ بالأذن. ولست أحاول أن أفسّر هاتين المرّتين، وهما بلا شكّ ليستا لأني كنت في ذينك الوقتين أكثر روحانيّةً منّي في سواهما.

بل الحقّ أنّ المرّتين كلتيهما إنما كانتا في وقتٍ كنت فيه مثقل القلب. وسأحدّثك ههنا عن واحدةٍ منهما.

كان ذلك في سنة 1983، وكنت قد صرت راعيًا لكنيسة التحالف المسيحيّ والإرساليّ الصغيرة في سِدني، بجزيرة فانكوفر في كولومبيا البريطانيّة، منذ أقلّ من سنة. وكانوا جماعةً دافئةً محبّة، وقد نشأت بيننا وبين كثيرين منهم مودّةٌ عميقة. غير أنّ آمال نموّ الكنيسة في العدد لم تكن حسنة، إذ كان هناك «تجميد» لتطوير الأراضي في المنطقة، وكانت المباني الصالحة نادرة.

بل الحقّ أننا كنّا نجتمع في المقرّ المحلّيّ للماسونيّين الأحرار! ولم أكن أتقاضى راتبًا كبيرًا، لكن كان من الواضح أنّ نفقات الكنيسة المحدودة ستتجاوز عمّا قريب دخلها الأشدّ محدوديّة. وكانت هذه الجماعة الصغيرة فرعًا متفرّعًا من الكنيسة الأكبر في فيكتوريا المجاورة، عاصمة المقاطعة، غير أنه لم تكن بينهما آنذاك علاقةٌ تُذكر، فضلًا عن أيّ التزامٍ من الكنيسة الأمّ بتغطية نفقات الكنيسة الابنة الزائدة.

كان ذلك مساء أحدٍ ماطرٍ رذاذًا في أواخر نوفمبر. وكانت آن قد أخذت بناتنا الثلاث إلى اجتماعٍ في الكنيسة الأمّ، أما أنا فعزمت أن أمشي وأتكلّم مع الرب في شأن الثقل المتزايد على قلبي. أأعود إلى التعليم؟

أأعمل ربّما بدوامٍ جزئيّ لأزيد به دخلي، فلا أكون عبئًا ثقيلًا على الكنيسة؟ أم أستقيل وأطلب موقعًا آخر، وأقول للكنيسة إنها لا تستطيع في هذا الوقت أن تحتمل نفقة راعٍ متفرّغٍ كلّ الوقت؟ أم أضع «جزّة صوف» لأحاول أن أعرف مشيئة الله؟ كان ذهني مملوءًا بالأسئلة، لكني لم أكن أتلقّى أيّ جوابٍ منها!

وحملتني خطواتي إلى قمّة موضعٍ بديع الجمال من مواضع تلك المنطقة، يستطيع المرء أن يُطلّ منه على الريف المحيط كلّه.

فقد صارت «بير هيل» مكان خلوةٍ محبَّبًا إلينا نلجأ إليه، وعند قمّتها كان استراحتي. وهناك وجدت «عليقتي المشتعلة»: سمعت صوتًا مسموعًا بالأذن حقًّا!

وكانت كلماته واضحةً كلّ الوضوح، وقد تكرّرت حتى أستطيع أن أفهمها فهمًا واضحًا.

ومع أنّ روحي كانت تشهد أنّ هذه لحظةٌ إلهيّة، فقد تلفّتُّ حولي أنظر هل كان معي أحدٌ آخر على قمّة التلّة. فلم يكن هناك أحدٌ غيري البتّة. كان الرب هو الذي يتكلّم، وكانت كلماته واضحة.

«ستكون راعيًا لكنيسة التحالف في فيكتوريا!»

ولم يكن ثمّة تفسيرٌ كيف يتمّ هذا. فقد كان لكنيسة التحالف في فيكتوريا في ذلك الوقت ثلاثة رعاة، وكان الراعي الأول قد مضى عليه هناك سنةٌ واحدة تقريبًا. وكان حاصلًا على درجة الماجستير في اللاهوت، أما أنا فلم أدخل مدرسة لاهوتٍ قطّ، ولم أُرسَم إلا منذ عهدٍ قريب. فلعلّ الله لم يكن يتكلّم عن الوقت الحاضر، ولعلّ كلماته لم تكن تعني إلا المستقبل؟ ولكن كيف يجيب ذلك عن أسئلتي في حاضري؟

أو لعلّه كان يعني أن أذهب إلى الراعي الأول وأقترح عليه أن تعود الكنيسة الأمّ فتضمّ الكنيسة الابنة إليها، وأن أُقبَل أنا راعيًا رابعًا عندهم؟ هكذا كانت الأفكار تتسابق مسرعةً في ذهني وأنا عائدٌ إلى البيت.

وأخبرت آن بما جرى لي، فعزمنا أن نصمت في هذا الأمر، إيمانًا منّا بأنّ الرب إن كان قد تكلّم حقًّا، فهو قادرٌ كلّ القدرة أن ينفّذ مقاصده بغير تدخّلٍ منّا. فتخيّل دهشتنا حين سمعنا بعد أسبوعين لا غير أنّ الراعي الأول قد أعلن استقالته من كنيسة فيكتوريا!

وقد جُرِّبنا أن نتّصل هاتفيًّا بكلّ من في تلك الكنيسة لنقول لهم إننا نعرف من هو الذي سيكون راعيهم القادم، غير أننا رأينا أنّ التحفّظ والكتمان خيارٌ أفضل، فلزمنا الصمت. وزيادةً في الحذر، ابتعدنا عن تلك الكنيسة طوال الأشهر التالية، لئلّا نُجرَّب فنتلاعب نحن بأوضاعهم لكي تتمّ لهم «مشيئة الله»!

وبعد عدّة أشهر اتّصل بي مشرف المنطقة يدعوني أن أكون راعيًا لكنيسة التحالف في فيكتوريا. فأجبته بالقبول على الفور، حتى إنه قال معلّقًا: «يا لها من سرعة!»

فقلت له: «يا أخي، أنا عرفت منذ أربعة أشهر!»

وخلال السنوات السبع التي قضيتها في كنيسة التحالف بفيكتوريا، جاءتني مرّاتٌ كثيرة جُرِّبت فيها أن أرحل، لكني بقيت لأني كنت أعلم أنّ الرب هو الذي دعاني إلى هناك، وكنت أؤمن أنه هو الذي سيدعوني إلى الخروج متى حان وقت الرحيل. ولسنا نشكّ البتّة في أنه لمّا جاءت الدعوة سنة 1990 للخدمة على متن سفينة الرحمة، كان ذلك هو وقته للانتقال.

فلماذا تكلّم الله بصوتٍ مسموعٍ بالأذن؟ لم يكن ذلك قطّ لأني كنت أكثر روحانيّةً من سواي، ولا لأنه انتبه فجأةً إلى حاجتي! لعلّه — لعلّه فقط — كان لأنّ ثقلي كان حقيقيًّا إلى الحدّ الذي ساقني إلى موضع الخلوة الذي كنت محتاجًا إليه؛ ذلك الموضع الذي فيه فراغٌ داخليٌّ وصمت، حيث أستطيع أن أسمعه يتكلّم. ولعلّه لم يكن إلا فعلًا من أفعال سلطانه، إذ تكلّم في وسط ألمي من عظيم محبّته.

وروايتي لهذه القصّة تذكّرني بكلماتٍ سمعتها مرّةً من فم فلويد مكلونغ، الذي كان في وقتٍ من الأوقات معلّمًا معروفًا في إرساليّة «شبابٌ في مهمّة». كان يتكلّم في موضوع النبوّة، غير أنّ كلماته تنطبق تمام الانطباق على حالي في سماع صوت الله.

قال إنك كلّما نلت كلمة نبوّةٍ من الكلمات، فضعها في الدرج الأسفل وأغلق ذلك الدرج بالمفتاح! فهي لم تُعطَ لك لترشدك في طريقك، بل إنما أُعطيت لك لتبني بها إيمانك وتقوّيه.

فسيأتي وقتٌ تحتاج فيه أن تتذكّر، ولعلّ ذلك يكون في موقفٍ عسير، أنّ الله هو الذي أعطى تلك الكلمة. وعندئذٍ تكون لك ثقةٌ أنه هو الذي أتى بك إلى هذا المكان، وأنه قادرٌ بلا شكّ أن يعبر بك إلى الطرف الآخر.

وإني أرى أنّ هذه كلماتٌ في غاية الحكمة، وما أشدّ الحاجة إليها في هذه الأيام التي تكثر فيها النبوّات الشخصيّة تُقال من فوق المنابر العامّة. فكم من مؤمنين قد بلغ بهم الاضطراب مبلغًا شديدًا بسبب كلمات معرفةٍ ونبوّاتٍ قيلت عليهم، ثم لم يظهر من إتمامها إلا القليل، ولم يُحاسَب قائلوها إلا قليلًا. وإنّ من المواهب الروحيّة التي نحتاج إليها حقًّا اليوم موهبة التمييز.

وثقتي بالرب ليست مبنيّةً على هذه الاختبارات النادرة جدًّا، بل هي مبنيّةٌ على اليقين والثقة بأنه هو الذي يقودني كلّ يومٍ من الأيام وأنا متمسّكٌ بيده. ولست مضطرًّا أن أسمع صوته مسموعًا بأذني، غير أنّ الأمر الجوهريّ هو أن تكون روحي مضبوطةً على نغمة روحه، حتى يستطيع هو أن يقودني.

الصلاة الجماعيّة ومن أعظم البركات التي نلتها ما كان في مجال الصلاة الجماعيّة. فحين كنت مؤمنًا حديث العهد، كنت أجد أكثر اجتماعات الصلاة مملّةً بعض الشيء، إذ كانت الصلوات فيها كثيرًا ما تتكرّر، ولم يكن يظهر من استجابة الله إلا القليل. ثم تغيّرت الأمور حين ابتدأ الرب يعمل عملًا عجيبًا بين شباب كنيستنا. فأخذ هؤلاء الشبّان والشابّات يصلّون بعضهم لأجل بعض على نحوٍ لافتٍ للنظر. وقد صار واضحًا أنهم كانوا يسمعون تحريك الرب الداخليّ في الأمور التي ينبغي أن يصلّوا لأجلها. فابتدأت أدرك ما في الصلاة الجماعيّة من قوّة، حين يكون المصلّون جميعًا سامعين معًا صوت الراعي.

وكنت في ذلك الحين أقود مدرسةً تُدعى «جسر الإرساليّات»، هدفنا فيها أن نتلمذ مؤمنين متلهّفين إلى الخدمة، ونعطيهم «اختبارًا» إرساليًّا في بلدٍ نامٍ أو في العالم الثالث. وفي إحدى الأمسيات كان موضوعنا الصلاة الجماعيّة، فعلّمت الطلّاب الاثني عشر ممارسةً كنت قد تعلّمتها في كنيستي الأولى. أسكتنا قلوبنا أولًا في صلاةٍ هادئة، ثم قرأت مزمورًا تأمّليًّا.

ثم أُوعز إلى الطلّاب أن يتأمّلوا في صمتٍ خمس عشرة دقيقة، متّخذين ذلك المزمور أساسًا لتأمّلهم. ولمّا انقضت الدقائق الخمس عشرة — وهي مدّةٌ طويلةٌ جدًّا عند أكثرنا ممّن لم يعتادوا مثل هذه الممارسة — طلبت من كلّ واحدٍ أن يحدّثنا عمّا خطر له. وكان عليهم أن يصفوا ما رأوه من صور، ويرووا ما جاءهم من قصص، أو يقتبسوا ما تلقّوه من آيات، دون أن يحاولوا تفسير أفكارهم بشيء.

وبينما كان كلّ واحدٍ يروي ما خطر له، أخذت أبحث عن نمطٍ جامع.

وكانت زوجتي آن آخر من تكلّم. وهي ليست ممّن يميلون إلى الاختبارات الروحيّة الخارقة، غير أنها تكلّمت في تلك الأمسية عن رؤيا رأتها: سفينةٌ بيضاء تُبحر على مياهٍ سوداء قبالة ساحل فيكتوريا؛ وكنت أنا قد رأيت سحابةً سوداء ترتفع عن المدينة فتكشف عن سفينةٍ بيضاء على مياهها!

ولخّصت لهم ما قالوه بكلامٍ نحو هذا: «يبدو أنّ لدينا ههنا أربعة موضوعاتٍ تتخلّل تأمّلاتنا كلّها. فقد تكلّم كثيرون منكم عن حكوماتنا، الاتّحاديّة والإقليميّة، وعن شعوبنا الأصليّة، وعن هذه السفينة؛ وإني لأتساءل كيف ينبغي لنا أن نصلّي في هذا كلّه».

وفي تلك الأمسية كان صديقان عزيزان قد جاءا على غير موعدٍ لزيارتي أنا وآن، وكانا في تلك اللحظة جالسَين في جانب قاعة الدرس. وكان روبن وآن جونز يسكنان في شمال الجزيرة، لكنهما كانا يقضيان تلك الأمسية في فيكتوريا، فحضرا درس «جسر الإرساليّات» هذا، وإن لم يكونا من الطلّاب. فتكلّمت آن قائلة: «غاريث، أرجو أن تسامحني على تدخّلي، لكني أظنّ أنّ عند روبن أمرًا في غاية الطرافة يشاركنا به».

فدعوت روبن أن يتكلّم، فحدّثنا عن السبب في وجودهما في فيكتوريا تلك الأمسية. قال: «عند منتصف الليل سأكون في مطار فيكتوريا مع سياسيَّين محلّيَّين (من المقاطعة)، نستقبل فيه سياسيَّين اتّحاديَّين قادمَين لبحث أمر شراء سفينة. وهي سفينةٌ ستُستعمل في إنشاء خدمةٍ للشعوب الأصليّة ممّن هم تحت طائلة المحاكم. فبدلًا من أن يُودَع المذنبون لأول مرّة في السجن، نريد أن نبدأ خدمةً مسيحيّةً نأخذهم فيها إلى البحر مدّة ثلاثة أسابيع، ندرّبهم فيها على مهارات الملاحة البحريّة ونعلّمهم المبادئ المسيحيّة. وستموّل هذا المشروع حكومتا المقاطعة والاتّحاد معًا».

لقد سمعنا من الله! فقد أعلن لنا قلبه، وصرنا نعرف كيف نصلّي. وقد صلّى صفّ «جسر الإرساليّات» ذاك حتى صارت تلك الخدمة أمرًا واقعًا، لأنه كان قد أعطانا إيمانًا على قدر الحاجة.

صفحة 1 / 12 · 16 دقيقة متبقية في الفصل