فصل 3 · قراءة 18 د
ثلاثة أنواع من الإيمان
حين أدرس الكتاب المقدس، أجد فيه ثلاثة أنواع من الإيمان: الإيمان المخلِّص، وثمر الإيمان، وموهبة الإيمان.
الإيمان المخلِّص «لأنكم بالنعمة مخلَّصون، بالإيمان، وذلك ليس منكم. هو عطيّة الله. ليس من أعمال كيلا يفتخر أحد» (أفسس 2:8-9).
وهذه هي خبرة كلّ الذين وُلدوا ثانيةً — وُلدوا من الروح. فنحن نقرّ بأننا خطاة لا رجاء لنا البتّة في هذا العالم، وأننا في أشدّ الحاجة إلى تدخّل الله في حياتنا. فنحن نسلك في الظلمة، لا برّ فينا، ونحن غرباء عن مواعيده وعن بركاته.
ولولا أنّ الله قد جاء بنفسه ودخل إلى حالنا البشريّ هذا الذي نحن فيه، وأعلن لنا محبّته من خلال موت ابنه على الصليب، لكنّا إلى يومنا هذا أمواتًا في خطايانا، ولكنّا نحن أشقى الناس جميعًا؛ غير أنّ برّ الله قد أُعلن لنا نحن، «برّ الله بالإيمان بيسوع المسيح، إلى كلّ وعلى كلّ الذين يؤمنون» (رومية 3:22).
ويعلن بولس أنّ الله يبرّر كلّ من هو من الإيمان بيسوع (رومية 3:26). فيا لها من كلمة جميلة! مُبرَّر — أي كأنّي لم أُخطئ قطّ! فهكذا صار الله ينظر إلينا الآن. إنه يرانا «في ابنه»، لا في خطيّتنا. وكانت نعمته هي أوّل ما عمل. فقد أظهر لنا حظوةً لم نكن نستحقّها البتّة.
وواحد من تعريفات النعمة الكثيرة هو «حظوة غير مستحقّة»؛ غير أنّ التعريف الذي أحبّه هو هذه العبارة التي تُختصر حروفها في كلمة GRACE: غنى الله على حساب المسيح. فقد دفع هو الثمن لكي أنال أنا كلّ بركات هذه الحياة المسيحية العجيبة.
وما دمنا في الحديث عن النعمة، فهل تأمّلت يومًا في الفرق بين النعمة والرحمة؟ دعني أعرض عليك هذا التمييز لتنال منه بركة: النعمة هي أن يعاملني الله بما لا أستحقّ، أمّا الرحمة فهي ألّا يعاملني الله بما أستحقّ!
وعطيّة النعمة هذه من الله لا بدّ أن تُقبَل بالإيمان، وهو الذي سمّيته الإيمان المخلِّص؛ غير أنّ هذا هو أيضًا عطيّة من الله. فأنا لا أقدر أن أومن ما لم يعطني الله القدرة على ذلك!
فليس فيّ أنا ينبوع للإيمان. وقد أختار أنا أن أصدّق، وقد أشتهي أن أصدّق، لكنّ القدرة على ممارسة الإيمان المخلِّص أمر فوق طاقتي أنا. إني أقدر أن أصدّق بعقلي، لكنّ حاجتي أن أومن بقلبي، إذ هذا هو الذي يفرّق فرقًا واضحًا بين الذين تبرّروا والذين لا يزالون في خطاياهم.
وقد نلت مدّة سنتين شرف التعليم في إحدى الأكاديميات اليهودية. وكان منصبي فيها هو رئاسة قسم العلوم، لكني قُرب نهاية مدّتي في تلك المدرسة دُعيت لأتكلّم أمام صفّ الطلبة المتخرّجين في شأن الإيمان المسيحي. وقد أخبرني المعلّم المسؤول عن ذلك الصفّ أنهم يدرسون مقارنة الأديان، وأنّ «موضوع اليوم هو المسيحية!» درس واحد لا غير، يُدرَس فيه ما يقضي فيه كثيرون أعمارهم كلّها بتمامها — وهم بعدُ لا يفهمونه حقّ الفهم!
وفي صباح اليوم التالي، طُلب إليّ أن أمرّ على الحَبر الأكبر، وهو لقاء لم أستطبْه، إذ لم يكن هو طرفًا في الدعوة الأصلية التي وُجّهت إليّ لأتكلّم أمام الطلبة.
فرحّب بي ترحيبًا حارًّا أراح نفسي، ثم حدّثني بما جرى له مع أولئك الطلبة أنفسهم في ذلك الصباح. فقال: «ما رأيتهم قطّ بمثل هذه الحيويّة، ولا بمثل هذا الشوق إلى الكلام عن الله. لقد بُهتوا إذ وجدوا عالِمًا هو في الوقت نفسه رجل إيمان».
وما أشدّ الأسى أن يقع هذا الوهم في نفوس كثيرين. فالذي خبرته أنا أنّ نسبة عالية نسبيًّا من العلماء هم أيضًا رجال إيمان عظيم. بل إنّ كثيرين منهم يقولون إنهم يؤمنون بالله لأنهم، بوصفهم علماء، لا بدّ أن يطرحوا الأسئلة الحقيقية عن الحياة، ولا يجدون الأجوبة إلّا في الإيمان!
ثم أردف الحَبر قائلًا: «الذي يحزنني هو أنّ طلبتي لا يؤمنون بالله إلّا بعقولهم، وأنا لا أدري كيف أُنزل ذلك الإيمان إلى قلوبهم!»
فقلت له إنه ليس هناك إلّا سبيل واحد، وهو الإقرار بأنّ يسوع هو المسيح، ابن الله، المسيّا. فقال إنّ علينا أن نتّفق على أن نختلف، لكنّ الكلمة كانت قد قيلت.
(ولمن أراد رواية أوفى عن ذلك الزمن العجيب في الأكاديمية العبرية، حيث أُعطيت حرّية واسعة لأشارك الناس قناعاتي في المسيح، فليقرأ كتابي الآخر «أحجار العبور».)
وإنه لاقتناع محزن عندي، بعد سنين طويلة قضيتها راعيًا، أنّ كثيرين في جماعاتنا لا يختلفون عن أولئك الطلبة اليهود. فعندهم معرفة عقلية، لكن ليست عندهم خبرة بالمسيح الحيّ. إنهم يرجون (بالمعنى العالميّ للرجاء، بما فيه من احتمالات سلبيّة)، لكنهم لا يعرفون شيئًا عن «المسيح فيكم رجاء المجد» (كولوسي 1:27). بل إنّ كلمة «الخبرة» تستحضر في أذهان كثيرين منهم صورًا للعاطفية الجيّاشة وللكاريزماتيّين الشاردين، فيعقدون العزم على أن يصونوا أنفسهم من هذه التجاوزات.
والرسول يوحنا، «الحبيب»، هو الذي كتب: «كتبت هذا إليكم، أنتم المؤمنين (بالعقل؟) باسم ابن الله، لكي تعلموا (بيقين داخليّ؟) أنّ لكم حياة أبدية، ولكي تؤمنوا (بالقلب؟) باسم ابن الله» (يوحنا الأولى 5:13).
وهو في رسالته كلّها لا يفتأ يؤكّد لنا مرّة بعد مرّة اختبارنا لإيماننا. فيكتب عن الشركة مع الآب، وعن أن نعلم علم اليقين أننا قد عرفناه. ونحن نعلم ذلك لأننا نختبر محبّته في قلوبنا، ونختبر روحه الذي يشهد لأرواحنا أننا أبناء الله.
فالإيمان المخلِّص، وهو عطيّة من الله، يمكّننا من أن نلمس الأمور الإلهيّة، ومن أن نفتح قناةً تتدفّق منها الحياة إلى نفوسنا. فالروح القدس يمنحنا الحياة، فنولد ثانيةً. ونحن نعتمد بالروح إلى جسد المسيح، فنصير واحدًا مع كلّ سائر الآخرين الذين في ذلك الجسد (كورنثوس الأولى 12:13). وهكذا يصير تصديقنا بالعقل معرفةً في القلب؛ غير أننا لسنا بعدُ إلّا أطفالًا في الإيمان، ونحن في حاجة ماسّة إلى أن ننمو.
ومرّة أخرى، إنه لاعتقاد محزن أنّ نسبة كبيرة من المؤمنين المولودين ثانيةً لا يتقدّمون كثيرًا عن نقطة البداية هذه. فهم بعدُ محتاجون أن يُعلَّموا مبادئ كلمة الله. يحتاجون إلى اللبن لا إلى الطعام القويّ. فهم عديمو الخبرة في كلام البرّ، إذ هم أطفال (عبرانيين 5:11-14).
وفي رسالة يوحنا الأولى، يضع الرسول الشيخ ما أعتقد أنه مقياس للنضج المسيحيّ. فهو يشبّه قرّاءه بالأولاد، والأحداث، والآباء (يوحنا الأولى 2:13-14). ومن اللافت للنظر كيف يخاطب كلّ فئة من هذه الفئات، إذ إنه لا يكتب إلى الذين يندرجون في هذه المجموعات بحسب أعمارهم، بل بحسب حالهم الروحيّة. وقد قابلت شبّانًا وشابّات كان يوحنا سيصفهم بأنهم آباء وأمّهات في الإيمان. ومن المحزن، على العكس، أني قابلت كثيرين من المؤمنين الذين هم أكبر منهم سنًّا بكثير، وقد مكثوا في الكنيسة سنين عديدة، لكنهم لم يتقدّموا قطّ عن كونهم أولادًا غير ناضجين.
نعم، قد قال يسوع إننا إن لم نصر مثل الأولاد الصغار فلن ندخل ملكوت السماوات، لكننا متى دخلنا بالولادة الجديدة (يوحنا 3:3-36)، فهو ينتظر منّا أن ننمو إلى النضج. وإني لأعجب من مبلغ الصبيانية التي عليها كثيرون من المسيحيّين في عدم نضجهم.
فالأولاد الصغار قد غُفرت خطاياهم، ولهم علاقة بالآب. وهم يقدرون أن يصلّوا وأن يتمتّعوا ببركات الشركة، لكنهم لا يُظهرون إلّا القليل من دليل النموّ المسيحيّ. ومثل هذا الإنسان قد يكون في أيّ عمر، لكنه يبقى صبيانيًّا روحيًّا. له الإيمان المخلِّص، لا غير.
أمّا الحدَث فهو الذي «قد غلب الشرير»، والذي هو «قويّ، وكلمة الله ثابتة فيه» (يوحنا الأولى 2:14). فهؤلاء هم الناشطون في معركة البرّ؛ يسلكون في الغلبة كلّ يوم، ويزدادون معرفةً بالله في المزيد والمزيد من صفاته.
وكثيرون من المؤمنين لا يدرون أنّ هناك معركة دائرة، فيعيشون حياتهم وهم يجهلون خطط الشيطان التي تسلبهم الأفراح والغلبات التي كان ينبغي أن تكون لهم. وآخرون يعلمون أنّ هناك حربًا، لكنهم يحسبون أنّ طرفَي النزاع هما الله (أو يسوع) والشيطان. فلنكن واضحين في هذا الأمر — ليس اليوم حرب دائرة بين يسوع والشيطان — فتلك المعركة قد خيضت على الصليب منذ 2000 سنة، وقد غلب يسوع فيها!
«إذ جرّد الرياسات والسلاطين أشهرهم جهارًا، ظافرًا بهم فيه» (كولوسي 2:15).
فالمعركة اليوم إنما هي دائرة بين الشيطان وبيننا نحن. أفيخيفك هذا الأمر؟ لا ينبغي له أن يخيفك متى أدركت خططه وحيله، وعلمت أنّ الرب ينتظر منك أنت أن تغلب، «لأنّ الذي فيكم أعظم من الذي في العالم» (يوحنا الأولى 4:4).
وقد كان في وسع بولس أن يقول بحقّ: «لأننا لا نجهل أفكاره» (كورنثوس الثانية 2:11). فكم منّا يقدر أن يقول مثل هذا القول؟ إنّ الحدَث يقدر، «لأنه قويّ، وكلمة الله ثابتة فيه» (يوحنا الأولى 2:14).
وأمّا الأب فهو الناضج، الذي اجتاز المرحلتين الأخريين كلتيهما. فقد بلغ إلى أن «عرف الذي من البدء» (يوحنا الأولى 2:14). إنه قد عرف الكائن الأزليّ. وهذا بلا شكّ هو ما ينبغي أن يكون هدفنا نحن: «أن نعرفه ونعرِّف به» (يوحنا 17:2 ومتى 28:19-20).
وإني لأتذكّر موسى، الذي عُرف بأنه خليل الله. فقد كلّم الله على جبل سيناء وفي خيمة الاجتماع، حتى إنّ وجهه صار يلمع، فلم يقدر الشعب أن يحتملوا النظر إلى لمعانه. لقد عرف الله معرفةً حميمة؛ غير أنّ ذوق الأمور الإلهيّة لا يولّد إلّا شوقًا إلى المزيد من الذوق، فيرفع النبيّ طلبةً إلى الله خليله.
«يا ربّ»، يصرخ، «أرني مجدك!» (خروج 33).
فيقول الله إنه لا يقدر أن يُعلن مجده، إذ إنّ ذلك يتسبّب حتمًا في موت موسى؛ غير أنه يضيف تعليقًا لافتًا.
«يا موسى»، قال له الرب، «أنا قد عرفتك باسمك، ولذلك سأُعلن لك أنا اسمي أنا»، ثم يمضي فيعلن عن نفسه أنه إله رحيم ورؤوف، بطيء الغضب وكثير الإحسان والوفاء (خروج 3:13-15). وكان الاسم في أيام الكتاب المقدس إنما يتكلّم عن صفة صاحبه وخُلقه، وهذا ما سيتبيّن لك إن أنت درست أسماء الكتاب المقدس دراسةً.
فالله إنما يقول إنه يعرف صفة موسى، ولذلك هو راضٍ أن يُعلن له صفته هو.
أتشتهي أنت أن تعرف المزيد والمزيد عن الله، ذاك الذي هو من البدء، الكائن الأزليّ؟ إنه يريد أن يُعلن ذاته لك أنت، وهو يعرف اسمك!
فكيف له أن يُعلن صفته إن كان اسمك أنت «غير الأمين»، «المرائي»، «الشاكّ»، «المتكبّر»، «الضعيف»، «الغاشّ»، أو «الصبيانيّ»؟
إنه ينتظر حتى تنمو أنت وتبلغ إلى النضج، فتصير كالحدَث الذي اسمه «القويّ»، «الغالب»، «الأمين»، «رجل الاستقامة»؛ وعندئذ يُعلن لك المزيد والمزيد من ذاته، لكي تمضي أنت في نضجك إلى قامة أبٍ في الإيمان أو أمٍّ من أمّهاته.
فلنشكر الله على عطيّته العجيبة، عطيّة الإيمان المخلِّص، لكن علينا أن نمضي إلى نضج الإيمان.
ثمر الإيمان «وأمّا ثمر الروح فهو: محبّة، فرح، سلام، طول أناة، لطف، صلاح، إيمان، وداعة، تعفّف. ضدّ أمثال هذه ليس ناموس» (غلاطية 5:22-23).
ولمّا اشترينا بيتنا الأوّل في كندا، سُررنا سرورًا عظيمًا إذ وجدنا في الحديقة عدّة أشجار مثمرة فيها. كانت هناك شجرة تفّاح، وشجرتا برقوق، وشجرتا كرز؛ غير أنّ خيبة الأمل كانت في انتظارنا حين جاء الصيف، إذ كان الثمر رديئًا. فعزمت على تقليم الأشجار، وأخذت المنشار في يدي، وأجريت العمليّة بنفسي. ولم أكن أعرف عن تقليم الأشجار إلّا القليل، سوى أنه لا بدّ من فتح وسط الشجرة للشمس، ومن إزالة كلّ الأفرع الطفيليّة العابثة التي تستنزف الغذاء الواهب للحياة من الأغصان الحاملة للثمر.
فقال لي أصدقائي إني، لجهلي بأصول التقليم الصحيحة، قد قطعت من الشجر أكثر ممّا ينبغي بكثير، وإنّ الأشجار لا بدّ أن تموت الآن. لكننا في الصيف التالي وقفنا ننظر مذهولين، إذ حملت كلّ شجرة منها ثمرًا جيّدًا بمقدار جعلها تنحني إلى الأرض من ثقله.
وإني لأذكر جيّدًا تلك الأمسية التي جلست فيها أنا وآن معًا على أرجوحة حديقتنا، نتنعّم بطقس أونتاريو اللطيف المعتدل. فسمعنا صوتًا غريبًا، تبعته سريعًا أصوات أخرى كثيرة مثله. كان أشبه بأنينٍ طويل يعقبه فجأةً «آآه…» من الارتياح. فأخذنا ننظر حولنا لنرى إن كان هناك أحد من الناس قريب منّا يتوجّع. فتصوّر أنت دهشتنا حين أدركنا أنّ الصوت آتٍ من أشجارنا المثمرة! ثم رأينا سبب ذلك الأنين كلّه.
كان أحد أغصان شجرة التفّاح عندنا ينتفخ، وكان الأنين يُظهر ما تبذله الشجرة من جهد وهي تنمو وتكبر. ثم فجأةً يأتي صوت الارتياح إذ ينفجر ذلك الانتفاخ، فتقفز منه تفّاحة لتأخذ مكانها بين سائر الثمار الجميلة الأخرى التي على الغصن! وكانت شجرتا الكرز والبرقوق تفعلان الشيء نفسه، وإن كان أنينهما يأتي على نغمة أخرى مختلفة.
فمن الواضح أنّ الأشجار كانت تجهد نفسها جهدًا عظيمًا لترضينا، فتُنتج أفضل ثمر تقدر عليه!
وبالطبع، ما من أحد منكم يصدّق تلك القصّة. فمن الحماقة أن نظنّ أنّ شجرةً تقدر أن تأتي بثمر بجهدها هي! ومع ذلك فهذا ما يظنّه كثيرون من المؤمنين حين يتعلّق الأمر بأن يكون لهم ثمر الروح في حياتهم! إذ لا سبيل إلى أن يكون لنا ثمر الإيمان ما لم نكدّ كدًّا لإنتاجه، وما لم نصر أكثر روحانيّة!
وقد فهم داود المرنّم جيّدًا كيف يُنتَج الثمر الروحيّ في الحياة، فكتب لنا في المزمور 1:3 أنّ [البارّ] «يكون كشجرة مغروسة عند مجاري المياه، التي تعطي ثمرها في أوانه».
فكلّ ما تفعله الشجرة أنها تقف هناك واقفة! تفتح أغصانها للشمس، وتشرب المطر، وتمتصّ عصارتها من الأرض المرويّة تحتها. ثم إنّ طبيعة الحياة التي في داخل الشجرة هي التي تُنتج الثمر الموافق لها. وعلى هذا المنوال عينه يُنتَج الثمر الروحيّ.
وإذ نثبت نحن في الكرمة — وهي يسوع — تنفتح قلوبنا لـ«وجه الله المضيء»، ونستقي من ينابيع روح الله. وعندئذ يُنتَج الثمر — أي خصائص الحياة الجديدة التي فينا — في أوانه. وهذا لا يحدث بين عشيّة وضحاها. فالنضج في المسيحيّة يحتاج إلى وقت، ويحتاج إلى استعداد لأن نُقلَّم، ويحتاج إلى وقوف على مواعيد كلمة الله، ويحتاج إلى ثقة ثابتة لا تتزعزع. أمّا الجهد فلا يحتاج إليه البتّة!
وكثيرون من المؤمنين يرون أنفسهم كالأشجار، لكنهم يقضون وقتًا طويلًا جدًّا في فحص أنفسهم بحثًا عن دليل على الثمر. وبدلًا من أن ننظر على امتداد «الأغصان» لنرى هل ظهر الثمر أم لا، يحسن بنا أن نشغل أنفسنا بأن نحوّل أعيننا إلى الداخل، نحو جذع الشجرة، مصدر كلّ الغذاء الذي تناله تلك الأغصان. يحسن بنا أن نحوّل أعيننا إلى يسوع، الكرمة الحقيقيّة التي طُعّمنا فيها. وحينئذ ينمو الثمر من نفسه، ويراه الآخرون في أوانه.
فهو وحده الذي يُنتج ثمر الإيمان في كلّ من يثبت فيه، وفي كلّ من يستقي، كتلك الشجرة التي في المزمور الأوّل، من مجاري مياه الروح القدس.
ولنفهم الآن شيئًا آخر أيضًا عن ثمر الروح كلّه. فنحن نربطه بسهولة بالغة بالخصائص التي توجد في الناس أجمعين، لكنه ليس متاحًا إلّا للذين وُلدوا ثانيةً من الروح وحدهم. فهو وحده الذي يُنتجه هو فينا، وغير المسيحيّ لا يقدر أن يعرف عن ذلك كلّه شيئًا البتّة!
«ولكنّ الإنسان الطبيعيّ لا يقبل ما لروح الله لأنه عنده جهالة، ولا يقدر أن يعرفه لأنه إنما يُحكم فيه روحيًّا» (كورنثوس الأولى 2:14).
وهكذا فإنّ طول الأناة، مثلًا، لا علاقة له تُذكر بالصبر على انتظار إشارة المرور حتى تتغيّر! فكثيرون من غير المؤمنين عندهم من الصبر أضعاف ما عند المؤمنين! والعالم لا يقدر أن يعرف شيئًا عن المحبّة المنسكبة في قلب المؤمن، ولا عن الفرح الذي يثبت حين يسير كلّ ما حولنا إلى الفساد، ولا عن السلام في وسط العاصفة. فهذه كلّها ثمر الروح الساكن فينا، وغنًى لا يناله إلّا ابن الله.
وعلى المنوال عينه، لن يظهر ثمر الإيمان إلّا في حياة المؤمن الآخذ في النضج.
وإذ أدرس هذه الثمار التسع، انتهيت إلى رأي مؤدّاه أنها تزداد ندرةً وغرابةً كلّما مضيت في القراءة. فكلّ مؤمن جديد قد ذاق شيئًا من المحبّة والفرح والسلام. والحقّ أنّ كثيرين، منذ لحظة الولادة الجديدة، يقدرون أن يشهدوا قائلين: «السماء فوقُ أرقّ زرقةً، والأرض حولُ أحلى خضرةً؛ وفي كلّ لون شيء حيّ لم ترَه قطّ عيون بلا مسيح» (ج. ويد روبنسون).
ثم، مع مرور الزمن، يبدو أنّ الفرح والسلام الأوّلين يزولان، إذ يبدأ الآب عمل التأديب فينا ليجعلنا على صورة ابنه هو؛ غير أننا، إذ نثبت فيه، يعود الثمر إلينا مرّةً أخرى في خبرة أغنى وأكمل. لقد اختبرنا في البداية محبّته وهي تغمرنا وتطغى علينا، أمّا الآن فنجدها تمتدّ من خلالنا إلى الآخرين. وفرحه جاءنا أوّل مرّة ترنيمةً جديدة في قلوبنا، جعلت الحياة تبدو كأنها يوم جديد، أمّا الآن فقد بدأنا نجد تلك الترنيمة تتفجّر في داخلنا حتى في أحلك الليالي وأشدّها ظلمةً.
في البداية كان سلامه يُسكّن العواصف التي كانت تهيج في قلوبنا، أمّا الآن فسلامه أمان عميق راسخ في وسط عواصف الحياة كلّها.
وفي المؤمن الآخذ في النضج، نبدأ نرى المزيد من صفة يسوع في احتمال هزء العالم به. فطول أناتنا يحلّ محلّ الطبيعة المتمرّدة التي كانت للإنسان العتيق الذي كنّاه يومًا، ونجد أننا لا نردّ على المواقف المُجهدة كما كنّا نردّ من قبل.
وقد قيل إنك إن أردت أنت أن ترى وداعة يسوع، فانظر إلى أفعاله هو؛ وإن أردت أن ترى صلاحه، فانظر إلى مواقفه هو. وهكذا هو الأمر فينا نحن أيضًا: فإذ ننمو نحن في ثمر الروح، ننضج ونكبر معًا في أفعالنا وفي مواقفنا كلتيهما جميعًا.
وعندئذ تصير حياة الإيمان ظاهرة للعيان بيّنة، إذ يبدأ المؤمن يسلك في طاعة لتحريكات الروح القدس، فيرى يد الرب وهي تقوده وترشده في كلّ الطريق. فالوديع هو ذاك الذي وضع حقوقه الخاصّة به جانبًا، وأخضع نفسه إخضاعًا تامًّا لمشيئة الرب. إنه ليّن مطواع قابل للتعليم؛ يمكن أن يُصاغ ويُشكَّل إناءً صالحًا لاستعمال الملك ونفعه.
وأخيرًا يستطيع أندر الثمر كلّه وأعزّه أن يأتي. وهو ذلك الثمر الذي اشتاق إليه الرسول بولس: التعفّف، أي ضبط النفس والتسلّط عليها. وهو «الإماتة» التي كتب هو عنها في رومية 7:15-24. فقد أدرك هو كم كان مستحيلًا عليه أن يُنتج من نفسه هذا التسلّط على الذات، لولا أنّ مثل هذه الغلبة قد صارت ممكنة بعمل الصليب.
«إذًا لا شيء من الدينونة الآن على الذين هم في المسيح يسوع. لأنّ ناموس روح الحياة في المسيح يسوع قد أعتقني من ناموس الخطيّة والموت» (رومية 8:1-2).
ومثل هذا الثمر لا يأتي إلّا من الروح القدس الساكن في المؤمن، والأمر عينه يصدق على الإيمان. فهو وحده يقدر أن يُنتجه؛ ولن ينفع فيه جهدي أنا!
وأودّ أن أطرح فكرة إضافية أخرى في شأن ثمر الروح.
إنّ كلمة «ثمر» مفردة لا جمع. فهذه ليست ثمارًا كثيرة مختلفة تنمو كلّ واحدة منها مستقلّة عن الأخرى، بل هي ثمر واحد يظهر بطرق مختلفة. وقد قيل إنّ الثلاثة الأولى (المحبّة والفرح والسلام) هي خبرة داخليّة للروح القدس الثابت في المؤمن، وأمّا الثلاثة الثانية (طول الأناة والوداعة والصلاح) فهي تعبير خارجيّ في علاقتنا بمن حولنا من البشر، وأمّا الثلاثة الأخيرة (الإيمان والوداعة والتعفّف) فتتّصل باتّحادنا نحن بالله.
موهبة الإيمان «ولكنه لكلّ واحد يُعطى إظهار الروح للمنفعة… ولآخر إيمان بالروح الواحد…» (كورنثوس الأولى 12:7، 9).
والنوع الثالث من الإيمان الذي أجده أنا في الكتاب المقدس يُدعى موهبة الإيمان. فالرسول بولس يكتب إلى الكنيسة التي في كورنثوس عن «الخاريسماتا»، وهي كلمة ترجمتها من اليونانية «مواهب النعمة»، التي يعطيها الروح القدس للكنيسة. وهناك مواهب كثيرة من هذا القبيل مذكورة لنا بأسمائها في رومية 12 وفي كورنثوس الأولى 12، إلى جانب مواهب الخدمة المسمّاة في أفسس 4:11.
والمواهب تُعطى للأفراد، لا لكي يتمجّدوا هم بها أو يفتخروا بها، بل لكي تكون لمنفعة الجميع جميعًا. والحقّ أنّ المواهب إنما تُعطى للكنيسة، وما الأفراد إلّا الأدوات التي يشاء الروح القدس أن يستخدمها. ومن اللافت للنظر حقًّا أنّ بولس، في المواضع الثلاثة المذكورة كلّها، يشدّد هو أيضًا على وحدانيّة جسد المسيح. فالغرض من هذه المواهب كلّها هو أن تُمكِّن الكنيسة من أن تنمو في الوحدة معًا، لكي تنجح هي في خدمتها، خدمةِ إحضار الرجال والنساء إلى الرب.
فكيف إذًا يظهر برهان موهبة الإيمان وهي تعمل؟
تصوّر هذا المشهد في اجتماع مجلس الشيوخ في كنيسة محلّية. فقد قُدّم للتوّ اقتراح بأن يُبدأ عمل امتداديّ في الحيّ المجاور، سعيًا للوصول إلى شباب المجتمع الذين لا كنيسة لهم. ومن المسلَّم به أنّ هذه هي الكنيسة الإنجيليّة الوحيدة في المنطقة، وأنّ هناك أعدادًا متزايدة من الشبّان العاطلين عن العمل والمحتاجين، وقد أخذوا يشكّلون عصابات للرفقة.
وقد عبّر كثيرون من أعضاء الكنيسة عن مشاعرهم، ما بين الشفقة والخوف، فقُدّم الاقتراح.
وليس عند الراعي ولا عند أحد من الشيوخ الطاقة ولا القدرة على العمل مع هؤلاء الشبّان، فبات من المسلَّم به أنه لا بدّ من توظيف عامل جديد للشباب. «ولكن كيف ندفع له أجرته، وكيف نموّل هذه الخدمة؟»
والسؤال صادق نابع من القلب، إذ كانت الكنيسة تعاني ضيقًا ماليًّا في السنوات الأخيرة. والجواب البسيط — ولا بدّ أن يكون هناك دائمًا من يقدّمه — هو أنه «علينا أن نصلّي أكثر، والله سيدبّر». وهذا صحيح ما دام قصد الله أن يبدأ العمل وأن يوظّف عامل الشباب. لكن كيف نعرف نحن إن كان هذا هو قصده؟ إنّ الكلام يبدو حسنًا، لكن كم من البرامج تبدو لنا حسنة، ثم لا يظهر أنها نالت بركة الله قطّ.
فيقرّر الشيوخ أن يتمهّلوا في هذا الأمر، وأن يصلّوا بشأنه، وأن يجتمعوا معًا بعد أسبوع واحد ليتّخذوا القرار.
وإذ يدخلون قاعة المجلس، تصوّر أنك شاهد غير منظور يقدر أن يقرأ ما يدور في ذهن كلّ رجل منهم. «واحد مع، وواحد ضدّ… اثنان مع، ثلاثة مع، اثنان ضدّ… أربعة مع، أربعة ضدّ… والراعي…» فكيف يمكن لهم أن يبلغوا إلى أيّ اتّفاق، والشبّان في الشوارع ماضون في ضياعهم؟!
فيبدأ الرجال اجتماعهم بالصلاة، ثم يشرعون في مشاركة أفكارهم. وفجأةً يتكلّم رجل واحد منهم كان قد دخل وهو «ضدّ». فيقول: «حين دخلت إلى هنا هذه الليلة، كان رأيي أنّ هذا ليس هو وقت بدء عمل جديد؛ غير أني، إذ أصغيت إلى الحجج المؤيّدة والحجج المعارضة، حدث شيء ما في داخلي أنا فغيّرت موقفي! إني أعلم أنّ الرب في هذا الأمر! وأنا أصوّت بأن نعيّن عاملًا جديدًا للشباب!» ثم يبدأ آخرون غيره يتكلّمون، وفي دقائق قليلة لا غير يُتَّخذ قرار بالإجماع من الجميع. فما الذي حدث؟
فلم يكتفِ كلّ رجل منهم بأن يسمع ما كان يقوله الآخرون، بل، لأنهم كانوا رجالًا يطلبون مشيئة الله طلبًا صادقًا، سمعوه هو يتكلّم في أرواحهم. فقد غرس في كلّ واحد منهم إيمانًا ليؤمن. وهذه هي موهبة الإيمان.
ومع أنّ الصعوبات المالية كانت حقيقية، فقد أعطاهم إيمانًا غلب الظروف. ولعلّه لم يكن إلّا «حبّة خردل» (مرقس 4:30-32)، لكن لأنّ الله نفسه هو الذي غرسها في أرواحهم، فإنّ جبلهم كان لا بدّ أن يُنقل. ومثل هذا الإيمان تكافئه بركة الله دائمًا. ومثل هذا الإيمان ينقل الجبال دائمًا!
وقد رأيت أنا موهبة الإيمان وهي تعمل مرّات عديدة. رأيت أناسًا يصنعون أمورًا عظيمة لله، وكلّ من حولهم يظنّ ذلك مستحيلًا. فقد كفّوا عن النظر إلى الظروف، لأنهم عرفوا تحريكه الداخليّ.
وكان لي صديق عزيز اسمه يوري ريتشاردز، كان في يوم من الأيام يتلعثم تلعثمًا شديدًا حتى إنه لم يكن يستطيع أن ينطق جملة بسيطة. وقد عرف الرب وهو يواجه محاكمة بتهمة السرقة. وكان القاضي قد حذّره قائلًا: «إنّ الطريق الذي اخترت أن تسلكه قد ينتهي بك إلى حبل المشنقة». وكانت المدينة كلّها تعرف ماضيه في الإجرام، وكان كثيرون يسخرون من ارتداده إلى الرب.
وبعد مدّة من الزمن، التقيت أنا ويوري مرّة أخرى بعد ذلك، فاقترح عليّ أشدّ الأمور استحالةً في نظري. فقد أراد أن يحجز القاعة الكبرى في مدينته، وأن يكرز بالإنجيل لكلّ أولئك الذين عرفوه في شبابه، والذين كانوا من قبلُ شديدي عدم التصديق. فنصحته بألّا يقدم على مثل هذه المغامرة، إذ كانت ستسبّب لنا حتمًا حرجًا كبيرًا، ولن تكاد تصنع خيرًا للإنجيل. لكنه أصرّ على أنّ الرب قد وضع هذا الأمر على قلبه، وأنه يؤمن أنه إرشاد منه هو.
فحجزنا القاعة وأعلنّا عن الاجتماع في المدينة. ووقفت أنا جانبًا بعد الكلمات الافتتاحية، وواجه يوري جمهوره. فبدأ للحال يتلعثم في كلامه، فشعرت بالحرج من أجله. حتى إني كدت لا أقوى على الإصغاء إليه.
ثم خيّم على القاعة سكون غريب، إذ صار صوت يوري أكثر ثباتًا، وبدأ يتكلّم بسلطان وثقة، يحدّث الناس بما صنعه الرب. وقد سالت دموع كثيرة في تلك الليلة، إذ صنع الله معجزة في وسطنا، لأنّ واحدًا من «ضعفائه وجهّاله» قد استجاب لموهبة الإيمان التي أعطاه إيّاها. وألوف كثيرة في أنحاء بريطانيا وكندا يقدرون اليوم أن يشهدوا للكرازة الممسوحة التي كان يكرز بها يوري ريتشاردز.
وهكذا أقدّم إليك أنت هذه الأنواع الثلاثة من الإيمان: الإيمان المخلِّص، وثمر الإيمان، وموهبة الإيمان.
والذي يلفت نظري للحال هو أنّ الثلاثة جميعًا مصدرها الله، لا المؤمن! فليس ثمّة شيء أقدر أنا أن أفعله لأُنتج الإيمان فيّ، فأرجوك ألّا تقول لي «زِدْ إيمانك» حين تراني مريضًا أو متعثّرًا في سلوكي المسيحيّ. فالذي أحتاج أن أنمّيه هو المزيد من الثقة، لا المزيد من الإيمان.