فصل 17 · قراءة 8 د
راحاب
«بالإيمان سقطت أسوار أريحا بعدما طيف حولها سبعة أيّام. بالإيمان راحاب الزانية لم تهلك مع العصاة، إذ قبلت الجاسوسين بسلام» (عبرانيين 11:30).
أمّا قصّة أريحا وراحاب فنجدها في سفر يشوع 2 و3، وفي 6:22 وما بعده.
كانت أريحا أوّل مدينةٍ محصّنة صادفها بنو إسرائيل بعدما عبروا نهر الأردنّ ودخلوا أرض كنعان. فكيف لهم أن يفتحوا هذه المدينة وليس عندهم شيءٌ من أسلحة الحرب؟ فأرسل يشوع، القائد الجديد لشعب الله، جاسوسين لينظرا في هذه المشكلة. فدخلا بيت راحاب، وقد كان فيما يظهر مبنيًّا على سور المدينة نفسه. والمذكور عنها أنّها كانت زانية، مع أنّ بعض المفسّرين يرون أنّ هذا لا يعني أكثر من أنّها كانت تدير نُزُلًا للمبيت.
وكان أهل أريحا على علمٍ تامّ باقتراب بني إسرائيل منهم، وقد سمعوا أخبار تلك الأمور العجيبة التي صنعها إلههم من أجلهم؛ فلمّا دخل المدينة رجلان غريبان، كان من الطبيعيّ جدًّا أن يُظنّ بهما أنّهما جاسوسان قد أُرسلا للتجسّس عليهم.
وتقرّر راحاب أن تخدع أهل شعبها، فتُخفي الجاسوسين عن الذين يفتّشون عنهما، وتقول للسائلين إنّ الرجلين قد خرجا من المدينة بُعيد دخولهما إليها. ونحن لا نمدحها على خداعها وكذبها، غير أنّ التاريخ سيُظهر أنّ الله كان قد أعدّ لراحاب مصيرًا أرفع بكثير من كلّ ما كانت تستحقّه.
ويرجع الجاسوسان إلى يشوع بالخبر المشجّع: أنّ سكّان المدينة قد امتلأوا خوفًا، وأنّ «الربّ قد دفع بيدنا الأرض كلّها» (يشوع 2:24).
ويُعطي يشوع شعبه وصايا تبدو في ظاهرها سخيفةً لا معنى لها، ولكنّه إنّما سمعها من الله، فوجب عليه إذًا أن يطيع. فعليهم أن يطوفوا حول المدينة مرّةً واحدة في اليوم ستّة أيّام، ثم سبع مرّاتٍ في اليوم السابع! وكان في وسع الشعب أن يجادلوه، وأن يعترضوا عليه، غير أنّهم كانوا قد صاروا بحلول ذلك الوقت أكثر معرفةً بطرق الله.
إنّ الإيمان ليس ضدًّا للعقل؛ بل هو فوق العقل. ففي اليوم السابع، بعدما طافوا حول المدينة سبع مرّات، ضرب الكهنة بالأبواق، وهتف الشعب هتافًا عظيمًا، فسقطت الأسوار عن آخرها!
فهل كان تصديق يشوع العظيم هو الذي فعل هذا؟ إنّه لأمرٌ لافتٌ حقًّا أنّ اسمه لم يُذكر البتّة في رسالة العبرانيين! فلو أنّ كاتبنا أراد أن يُشير إلى عظمة تصديق يشوع بالله، لكان في وسعه أن يستعمل مثال يشوع وكالب وهما راجعان من تجسّس الأرض في عدد 14. فقد كان رفقاؤهما الجواسيس العشرة قد امتلأوا خوفًا، وأبوا أن يمضوا إلى أبعد من ذلك، حتى غضب كالب ويشوع عليهم وأعلنا: «والربّ معنا. لا تخافوهم» (عدد 14:9). لقد كانا مؤمنين بالله، غير أنّ كاتب العبرانيين لا يحاول أن يُرينا عظمة اتّكالهما، بل بالحريّ أن يُرينا أعمال الله بالإيمان.
إنّ الإيمان لا يحتاج إلى رجلٍ يفهم ويُصدّق؛ بل هو يحتاج إلى أيّ إنسانٍ يطيع، ولو لم يفهم شيئًا ولم يُصدّق! «أومن يا سيّد، فأعِن عدم إيماني» (مرقس 9:24). فهو إنّما يطلب من المرء أن يكون مطيعًا لكلمة الله. وقد كانت الطاعة ههنا ظاهرة، فسقطت الأسوار، بالإيمان. لقد تكلّم الله، وأطاع الشعب، ثم دفع الله الأسوار بيده هو فسقطت. ولو أنّه قال لهم أن يكلّموا الجبل فأطاعوه في ذلك، لكان قد نقل ذلك الجبل من مكانه.
فيا له من مثالٍ غريبٍ على الإيمان تبدو عليه راحاب في النظرة الأولى! فها هي امرأةٌ كاذبة، وخادعة، وخائنة لشعبها هي نفسه، ومع ذلك فإنّ كاتب العبرانيين ويعقوبَ الرسول كليهما يسجّلانها لنا مثالًا على الإيمان. فأين إذًا يتجلّى لنا إيمانها هذا؟ إنّما كان بالإيمان أنّها هي لم تهلك مع الهالكين.
لقد استبقاها الله حيّةً بسبب استجابتها لشهادته في داخلها. فقد قالت للجاسوسين المختبئين على سطح بيتها: «علمتُ أنّ الربّ قد أعطاكم الأرض، وأنّ رعبكم قد وقع علينا، وأنّ جميع سكّان الأرض ذابوا من أجلكم… سمعنا فذابت قلوبنا ولم تبقَ بعدُ روحٌ في إنسانٍ بسببكم، لأنّ الربّ إلهكم هو الله في السماء من فوق وعلى الأرض من تحت» (يشوع 2:9، 11).
وكان جميع جيرانها يُصدّقون ما صدّقته هي بعينه، غير أنّهم ظلّوا متشبّثين برجائهم الباطل أنّهم يستطيعون بطريقةٍ ما أن يصرفوا دينونة الله عن أنفسهم. لقد ظنّوا أنّ آلهتهم ما زال لها شيءٌ من القوّة تقف بها في وجهه. وعلى خلافها هي، أبوا أن يعترفوا بما كانوا يعلمون أنّه الحقّ، لأنّ معرفتهم كانت معرفة الرأس، مبنيّةً على ما سمعوه من قصصٍ وإشاعات، أمّا معرفتها هي فكانت معرفة القلب، شبيهةً جدًّا بمعرفة بطرس حين أعلن على جبل حرمون: «أنت هو المسيح!» (يشوع 2:11). لقد كان لها يقينٌ في القلب واعترافٌ باللسان.
فيا لَخطأ أهل أريحا وضلالهم! إنّهم كالجموع في أيّامنا هذه، الذين يظنّون أنّ الربّ لن يُنفّذ ما أعلنه من عزمه على أن يدين هذا العالم لأجل خطيّته ولأجل رفضه أن يقبل وسيلة النجاة (الوحيدة) التي عيّنها — الخلاص الذي يوجد عند صليب يسوع.
وفي قصّة راحاب يرسم الله صورةً أخرى لذلك الصليب، إذ يطلب من راحاب أن تُدلّي حبلًا من خيوط القرمز من كوّتها، لكي تعرفه الجيوش المهاجمة فيكون لها ضمان النجاة. إنّ خيط القرمز كان على الدوام وسيلة نجاتنا نحن؛ ذلك السيل من الدم الذي ما زال يجري من جراح الجلجثة.
ولمّا سقطت الأسوار، نجت راحاب وأهل بيتها جميعًا كما كان قد وُعدت، وذلك لأنّها وثقت بأنّ ذلك الخيط الذي في كوّتها سيُوفى له بالعهد. وهكذا أيضًا قد التزم الله أن يفي لجميع الذين يأتون إليه بطريق الدم. وليس هناك طريقٌ آخر سواه البتّة! «الذي يؤمن بالابن له حياةٌ أبديّة، والذي لا يؤمن بالابن لن يرى حياةً بل يمكث عليه غضب الله» (يوحنا 3:36). «عالمين أنّكم افتُديتم لا بأشياء تفنى، بفضّةٍ أو ذهب… بل بدمٍ كريم، كما من حملٍ بلا عيبٍ ولا دنس، دم المسيح» (بطرس الأولى 1:18-19).
لقد كانت راحاب عابدة أوثان، قد تربّت على عبادة آلهةٍ أخرى. ولعلّ النور الذي كان عندها لم يكن نورًا عظيمًا، وامتيازاتها كانت قليلة، غير أنّها تبعت وميض ذلك النور الداخليّ.
لقد آمنت إيمانًا عاملًا حيًّا فنجت؛ وهذا هو مبدأ الإيمان الحقيقيّ.
وفي متّى 1 نجد نسب يسوع، ابن داود، ابن إبراهيم. وقصد الرسول هو أن يُري قرّاءه اليهود ذلك الميراث العظيم الملوكيّ الذي جاء منه يسوع. فهو يهوديّ تمامًا، بصفته ابن إبراهيم؛ وهو ملكٌ تمامًا بالنسب من جهة الذكور، بصفته ابن داود. ولكن لاحظ ذلك الاسم المكرَّم الذي في العدد 5. فراحاب الزانية، تلك التي نجت بالإيمان، هي جدّة الملك داود لأبيه من الجيل الثالث! إنّها مذكورةٌ هناك في نسب المخلّص، واحدةً من أجداده المباشرين!!
إنّ ابنتي كورين شديدة الانشغال بتتبّع شجرة عائلتنا. وقد كان هذا في أوّل الأمر شائقًا جدًّا في نظري، ولكن لمّا ابتدأت تحفر أعمق فأعمق، انتابني شيءٌ من القلق.
فقد كنت أقرأ كتابًا من سلسلة «تايم لايف» عن «قراصنة الكاريبي» في القرن الثامن عشر، فراعني أن أجد أنّ بعض أشهرهم سمعةً بالشرّ كانوا من أهل ويلز، مثلي أنا!
وكنت أخشى أن يأتي ذلك اليوم الذي فيه تُعلن كورين، وعلى وجهها نظرة الظفر، أنّ واحدًا من أجدادي كان قرصانًا ذائع الصيت بالشرّ.
وحين قاد الروح القدس الرسل أن يكتبوا الإنجيل، لم يُخفِ عن أعيننا البتّة أنّ يسوع قد جاء من نسل زوانٍ وخادعين وقاتلين ومستهترين بالنساء. بل إنّ أمّه مريم ما كان يسهل عليها قطّ أن تحتمل نظرات جيرانها المرتابة حين ظهر للناس أنّها حبلى من غير زواج! ولم يُقل لنا شيءٌ واحد عن والدَيها هما، أي جدَّي المخلّص. أفيكون ذلك لأنّهما وجدا صعوبةً بالغة في قبول العار الذي كان مثل هذا الحبل سيجلبه عليهما؟ فعلى كلّ حال، كيف يُنتظر منهما أن يُصدّقا أنّ ابنتهما ما زالت عذراء وقد ظهر للعيان أنّها حبلى؟!
ولو كنتُ أنا الله، لفعلتُ الأمر على نحوٍ آخر مختلف كلّ الاختلاف! لجعلتُ ابني يُولد في أفخر مستشفًى في مدينة أورشليم، يعتني به فيه أمهر الأطبّاء وأحذقهم. ولاخترتُ له أمًّا أميرةً من بيت الملوك، أجمل نساء العالم كلّه وأوفرهنّ موهبةً وثقافةً وتعليمًا، ولأحطتُه بكلّ الغنى والمجد اللذين كان قد اعتادهما من قبل. ولأعلنتُ للعالم أجمع، بصوتٍ كالرعد يدوّي من السماء، أنّ ابني قد وُلد.
وعوضًا عن ذلك، اختار الله أن يُولد يسوع في حظيرة، في مكانٍ قذرٍ نتنٍ تسكنه البهائم. وأبوه في حرجٍ وخجل، وأمّه وحيدةٌ منفردة، قد رفضها أصحابها، وربّما أهل بيتها أيضًا، وفي أذنيها معايرات الناس لها بأنّها «زانية». ولم يسمع بإعلان ولادته إلّا بعض الرعاة المتواضعين وهم يرعون غنمهم. فيا لَفشل المسؤول عن العلاقات العامّة عند الله!
ها هي المحبّة! فليس من سبيلٍ البتّة إلى أن يجتذب يسوع الناس ليتبعوه بسبب مقامه أو غناه أو حسبه ونسبه. إنّه لن يسمح لهذه الأمور أن تسلبك حقّك في الاختيار. والشيء الوحيد الذي يطلبه منك هو محبّتك، وهذه لا يمكن أن تُنتزع منك انتزاعًا. إنّه لن يستدرجك بالحيلة لكي تتبعه.
إنّ لعظماء هذا العالم أتباعًا يتشبّثون بهم لأجل المكانة التي يمنحهم إيّاها ذلك. فحين يُنتخب رئيسٌ جديد، نتابع الأخبار باهتمامٍ لنرى من هم الذين سيجمعهم حوله. أمّا يسوع فلا يعرض على أتباعه شيئًا من غنى هذا العالم ولا من سلطانه. بل هو عوضًا عن ذلك يُطابق نفسه بأوضع الناس، لكي يشعر الجميع أنّ في وسعهم أن يقتربوا منه. أأنت مُساءٌ فهمُك، مرفوض، مسحوق، متّهم؟ إنّه يستطيع أن يُشاركك شعورك، لأنّه عُومل المعاملة عينها. أأنت فقيرٌ حقيرٌ في أعين الناس، ليس عندك ما تفتخر به؟ إنّه يفهمك، لأنّه قد سلك ذلك الطريق بعينه.
ويُروى عن نابليون بونابرت أنّه قال: «في سنّ 33 فتح الإسكندر الأكبر العالم المعروف كلّه.
وفي السنّ عينها فتحتُ أنا أيضًا العالم المعروف كلّه. وكلانا إنّما فتح ما فتحه بقوّة السيف. وفي سنّ 33 من عمره فتح يسوع هو أيضًا العالم كلّه بأسره، ولكنّه إنّما فتحه بقوّة المحبّة — وهو قد فتحني أنا نفسي!»
لقد اختار الله امرأةً زانية، بالإيمان، وهو عالمٌ أنّه سيخرج منها مخلّص العالم كلّه؛ ابنه هو الحبيب الكريم، يسوع.
هذه هي النعمة! محبّةٌ بلا استحقاق!
خلاصة لقد قدّم كاتب العبرانيين ويعقوبُ كلاهما راحابَ مثالًا على الإيمان وهو في حال العمل.
وفيما كان بنو إسرائيل يقتربون من أريحا، كان الله يُتمّ مقاصده. فقد كان سيختار امرأةً تصير من أسلاف يسوع، زانيةً من شعبٍ وثنيّ. وما كانت تدري شيئًا البتّة عن المصير الذي ينتظرها حين أخفت الجاسوسين عندها!
وينبغي لنا أن نتعلّم المبادئ التالية: 1. صدّق يشوع الله وأطاع. وهو لم يُذكر باسمه حتى في آيتنا هذه، لأنّ الإيمان لا يجلب كرامةً للإنسان؛ إنّما غرضه أن يجلب الكرامة لله.
2. إنّ يقين راحاب قد صار اعترافًا.
3. إنّ مواعيد الله لنا معلّقةٌ على وضع خيط القرمز (أي الدم) موضع العمل.
4. إنّ لله مصيرًا عظيمًا مُعَدًّا لكلّ الذين يسلكون بالإيمان.
5. إنّ النعمة تمتدّ إلى أوضع الناس وأحقرهم فترفعهم إلى أعالي الملوكيّة.