فصل 18 · قراءة 8 د

وماذا أقول أيضًا؟

«وماذا أقول أيضًا؟ لأنّه يعوزني الوقت إن أخبرتُ عن جدعون، وباراق، وشمشون، ويفتاح، وداود، وصموئيل، والأنبياء، الذين بالإيمان: قهروا ممالك، صنعوا برًّا، نالوا مواعيد، سدّوا أفواه أسود، أطفأوا قوّة النار، نجوا من حدّ السيف، تقوّوا من ضعف، صاروا أشدّاء في الحرب، هزموا جيوش غرباء.

أخذت نساءٌ أمواتهنّ بقيامة. وآخرون عُذّبوا ولم يقبلوا النجاة لكي ينالوا قيامةً أفضل. وآخرون تجرّبوا في هزءٍ وجلد، ثم في قيودٍ أيضًا وحبس. رُجموا، نُشروا، جُرّبوا، ماتوا قتلًا بالسيف، طافوا في جلود غنمٍ وجلود معزى، معتازين، مكروبين، مُذَلّين، وهم لم يكن العالم مستحقًّا لهم. تائهين في براريّ وجبالٍ ومغاير وشقوق الأرض. فهؤلاء كلّهم، مشهودًا لهم بالإيمان، لم ينالوا الموعد، إذ سبق الله فنظر لنا شيئًا أفضل، لكي لا يُكمَلوا بدوننا» (عبرانيين 11:32-40).

إنّ الأعداد التسعة التي يُختم بها هذا الأصحاح تُثبت بوضوحٍ ما ذهبتُ إليه. فبالإيمان صنع كثيرون أعمالًا عظيمة ورأوا معجزاتٍ عظيمة؛ وبالإيمان أيضًا اجتاز آخرون في آلامٍ مبرّحةٍ وكرباتٍ شديدة. ولا شكّ أنّ هذا لم يكن لأنّهم صدّقوا، بل لأنّ الله كان له في ذلك قصدٌ صالح: أنّه حتى بالألم يتمجّد في شعبه. لقد كانوا راضين بهذا لأنّه كانت لهم في الداخل شهادةٌ بالحقّ لم تدعهم يهربون من الحزن والوجع. وكان في وسعهم أن يهربوا لو أنّهم أنكروا ربّهم كما كان مضطهدوهم يطالبونهم.

لقد أوصل الكاتب المقدّس مقصده في الأمثلة السابقة من هذا الأصحاح. وهو الآن يكتفي بأن يجمع أسماءً كثيرة معًا، حتى من غير ترتيبٍ زمنيّ، ولن يضير ذلك قرّاءه، لأنّهم على علمٍ تامّ بتاريخ كلّ اسمٍ جديدٍ يُذكر. ونحن قد يفوتنا وقعُ هذه الأسماء والأعمال إذ تُرمى إلينا رميًا بمثل هذه السرعة، أمّا اليهود فكانت كلّ عبارةٍ منها تُثير عندهم ذكرى حيّةً ماثلة أمام أعينهم.

وقد استعمل يوسيفوس، وهو مؤرّخٌ قديم، العبارة اليونانيّة عينها التي استعملها كاتبنا حين وصف كيف «قهر داود ممالك».

والسبعينيّة — وهي الترجمة اليونانيّة لعهدنا القديم — تستعمل الكلمات عينها لتُخبرنا كيف «صنع داود برًّا»، وكيف «سدّ الإيمانُ أفواه أسود» لأجل دانيال، وكيف «أطفأ الإيمانُ قوّة النار» لأجل شدرخ وميشخ وعبدنغو.

أمّا الإشارة إلى «النجاة من حدّ السيف» فكانت تصرف أفكار القرّاء إلى نجاة إيليّا وأليشع من إيزابل ومن الأراميّين. وثمّة أمثلةٌ أخرى مأخوذة من حياة أمناء لم تُسجَّل في عهدنا القديم، ولكنّها على الأرجح كانت معروفة جيّدًا لقرّاء الأسفار غير القانونيّة، ولا سيّما سفر المكابيّين الثاني. ولا شكّ أنّ عبارتَي «صاروا أشدّاء في الحرب» و«هزموا جيوش غرباء» كانت تحملهم للتوّ على أن يتذكّروا أمجاد أيّام المكابيّين التي لا تُنسى.

غير أنّ قصص الإيمان ليست كلّها قصص انتصارٍ متى نظرنا إليها بعيونٍ بشريّة فانية. فلو أنّ الأصحاح وقف عند العدد 34، لكنّا نُجرَّب أن نظنّ أنّ الذين لهم إيمانٌ بالله لا يصيبهم إلّا الخير: الصحّة والغنى والنجاح. ولكن ها هنا بالحريّ موتٌ واضطهادٌ وألم. أفيكون هذا أيضًا بالإيمان؟ نعم! نعم! نعم! إن كان الله سيتمجّد فيه، فنعم! وقد تمجّد فعلًا بآلام شعبه.

وأنا إذ أقرأ إنجيل يوحنّا، أجد يسوع يتكلّم مرارًا كثيرة عن مجده الآتي. فبماذا تُفكّر أنت حين تقرأ كلمة «المجد»؟ لقد حاولتُ أن أضع لها حدًّا، فانتهيتُ آخر الأمر إلى أنّها ملء الله وقد أُعلن. وقد قال يسوع في يوحنّا 17:1: «أيّها الآب، قد أتت الساعة. مجّد ابنك ليمجّدك ابنك أيضًا» — ثم مضى بعد ذلك إلى الصليب. بل إنّ كلّ إشارةٍ إلى المجد في إنجيل يوحنّا مقترنةٌ بموت يسوع! إنّ المجد إنّما يأتي عن طريق الألم!

وكان تاريخ المكابيّين مملوءًا بأخبار آلام اليهود الأمناء واستشهادهم في تلك الأيّام الشرّيرة، أيّام أنطيوخس أبيفانيس السوريّ. وهي قصصٌ كان في وسع القرّاء العبرانيّين أن يربطوها بالعبارات المذكورة أعلاه؛ وتاريخ الكنيسة منذ أيّام الرسل وأيّام كاتب رسالة العبرانيين مملوءٌ هو أيضًا بأخبارٍ كثيرة شبيهةٍ بها كلّ الشبه.

وفي وسعنا نحن اليوم أن نكتب: «بالإيمان قُتل استفانوس، وهو يصرخ: يا ربّ، لا تُقم لهم هذه الخطيّة!» فبعمل الإيمان هذا أطلق شاول الطرسوسيّ من دينونة الله الواقعة عليه، وبذلك فتح الطريق أمام الله أن يدعو شاول إلى تلك الخدمة العظيمة بولسَ الرسول. ولو أنّ استفانوس قابل كربه باستنزال غضب الله على شاول (وأنا أعترف أنّي كنت سأُجرَّب أن أفعل ذلك!)، فإنّي لأتساءل في نفسي: أكان شاول ليصير قطّ ذلك الرسول العظيم؟

بالإيمان سُجن بولس في رومية لكي يكون له الوقت ليكتب تلك الرسائل العظيمة التي صارت ينبوع تشجيعٍ وإرشادٍ لمؤمنين لا يُحصى لهم عدد على مرّ الأجيال.

بالإيمان اضطُهد المؤمنون الأوّلون لكي ينتشر الإنجيل في أرجاء العالم الرومانيّ كلّه وهم هاربون من وجه مضطهديهم لهم.

وبالإيمان أُحرق كرانمر ورِدلي ولاتيمر أحياءً على أوتاد الحرق هناك في منتصف القرن السادس عشر، لكي «يُوقَد في إنكلترا نورٌ لا يُطفأ أبدًا على مرّ الأيّام» (هيو لاتيمر).

بالإيمان صدر الأمر للمرسلين أن يخرجوا من الصين في منتصف القرن العشرين، لكي تنمو داخل الثقافة الصينيّة كنيسةٌ نقيّة من المؤمنين — لا صورةٌ مقلَّدة عن الكنيسة الغربيّة. وهذا أمرٌ عسيرٌ على كثيرين منّا ممّن لهم ذلك التصوّر المعوجّ أنّ مفهوم الكنيسة الغربيّ وحده هو المقبول عند الله. بل إنّي في أسفاري كلّها كدتُ أبلغ ذلك الموقف الساخر القائل إنّ كنيستنا «الغربيّة» نحن هي أقلّ الكنائس قبولًا عند الله!

وثمّة من لا يقبلون أنّ الكنيسة في الصين قد نمت إلى ملايين مضاعفة منذ خروج المرسلين منها. ودعني أضيف ههنا، لئلّا يُساء فهمي، أنّي أومن إيمانًا راسخًا بالإرساليّات وبالمرسلين. غير أنّي أحيانًا أجد أساليبنا وقلّة الوحدة بيننا أمرًا يصعب عليّ قبوله. وأشكر الربّ أنّ هذا قد صار أقلّ ظهورًا في تاريخ الإرساليّات الحديث.

بالإيمان مات خمسة شبّانٍ أميركيّين في أدغال الإكوادور في 8 كانون الثاني 1956، لكي يصير هنود الأوكا هم أيضًا وارثين معنا غنى الإنجيل. وقد سمّت افتتاحيّات صحف العالم هذا تبديدًا فاضحًا لحياة شبّانٍ أميركيّين، غير أنّ واحدًا منهم، هو جيم إليوت، كان قد كتب في مذكّراته قبل موته بساعاتٍ قليلة: «ليس أحمقَ من يترك ما لا يستطيع أن يحتفظ به، لكي يربح ما لا يستطيع أن يخسره!» (جيم إليوت). وينبغي أن تصير هذه شعارًا لكلّ من يريد أن يسلك بالإيمان.

إنّ أسماء بيت فليمنغ، وروجر يودريان، وإد مَكَلّي، ونيت سِنت، وجيم إليوت، مع أسماء زوجاتهم جميعًا، معروفةٌ جيّدًا في السماء وفي الجحيم معًا. فبالموت والكرب اللذين احتملوهما فُتحت ثغرةٌ واسعة في أسوار ذلك السجن الذي كان يحبس هنود الأوكا في عبوديّة الخطيّة.

ونحن اليوم نستطيع أن نفرح بأنّ ألوفًا كثيرة من أولئك الناس الأعزّاء قد عبروا إلى الحرّيّة التي لا توجد إلّا في المسيح.

فإن كان قارئي لا يعرف شيئًا عن هذا الحادث، فإنّي أشجّعك أن تقرأ كتاب «عبر أبواب المجد» لإليزابيث إليوت، أرملة جيم.

وحقًّا في وسعنا أن نوافق على القول إنّ موت الشهداء كان هو دم الحياة الجاري في عروق الكنيسة. واليوم، في القرن العشرين، لعلّ الاستشهاد والاضطهاد أكثر ممّا كانا في أيّ زمانٍ من التاريخ، ومع ذلك كلّه فالكنيسة غير مغلوبة، وهي ماضيةٌ في النموّ نموًّا متسارعًا لا يقف.

بعضهم يعبر في المياه، وبعضهم في السيول الطامية، وبعضهم في النار، ولكنّ كلّهم إنّما يعبرون بالدم؛ وبعضهم في حزنٍ عظيم، ولكنّ الله يهبهم ترنيمة، في موسم الليل وطول النهار كلّه.

(ج. أ. يَنغ) أفلا يسعنا نحن أيضًا أن نكتب: إنّه بالإيمان دخل (اسمك أنت) وادي الألم الأخير، لأنّ الآب يريد أن يجعله أشبه بابنه الآخر، يسوع؟

«فهؤلاء كلّهم، مشهودًا لهم بالإيمان، لم ينالوا الموعد، إذ سبق الله فنظر لنا شيئًا أفضل، لكي لا يُكمَلوا بدوننا» (عبرانيين 11:39-40).

إنّ هؤلاء الرجال والنساء أهل الإيمان جميعًا قد سُجّلوا لنا مثالًا نقتدي به. فهم لم ينالوا في هذه الحياة أجرًا على أمانتهم. لقد كان لهم إيمانٌ بالله. اتّكلوا عليه هو، وأطاعوا الكلمة التي كلّمهم بها وكلّمهم بها في داخلهم؛ غير أنّهم لم يكونوا قد نالوا ذلك «الشيء الأفضل» الذي هو لنا نحن اليوم.

أمّا أجر أمانتهم فموجودٌ في المخلّص، المسيح، الذي سيُعطي كلّ إنسانٍ بحسب ما يستحقّ — لا بحسب عظمته في أعين العالم ولا في أعين الكنيسة، بل بحسب إيمانه هو. وفوق هذا كلّه، قد أُعطينا نحن الروح القدس الساكن فينا، وهو موعد الآب الذي وعد به (أعمال 1:4)، «المسيح فيكم رجاء المجد»، وهو الذي سيقودنا إلى جميع الحقّ. فشهادته الداخليّة هي وحدها التي تُقدرنا أن نسلك بالإيمان متى استسلمنا نحن لإعلانه في داخلنا. وهو الذي أدخلنا أوّلًا إلى الإيمان المخلّص، وهو الذي سيُنتج فينا ثمر الإيمان ما دمنا واقفين عند جداول الماء الحيّ. وكلّما شربنا شربًا عميقًا من أنهار الماء الحيّ، أثمرنا نحن أيضًا ثمرنا في أوانه.

يا ربّي وإلهي، إنّي أشتاق أن أسلك في مشيئتك أنت. وكما يشتاق الإيّل إلى جداول المياه، هكذا يشتاق قلبي إليك أنت. فاقُدني أنت في مشيئتك. أنا لا أطلب أن أعرف مشيئتك، ولا أن أكون سعيدًا فيها. وإن قدتني في أوديةٍ عميقةٍ مظلمة، فإنّي راضٍ أن أمضي فيها، لأنّك أنت تكون معزّيًا لي حتى في وادي ظلّ الموت. وأنا أعرف كم يمكن أن أكون أحمق وعنيدًا، فمتى خرجتُ عن مشيئتك، أعطيك الإذن كلّه أن تسوقني بالسوط راجعًا إلى الطريق. وكلّ ما أطلبه أن أسمعك أنت في نهاية هذه الرحلة كلّها تقول لي: «نِعِمّا أيّها العبد الصالح والأمين!»

إنّ الصورة التي عندي أنا عن الإيمان هي أنّي لستُ إلّا طفلًا صغيرًا متمسّكًا بيد أبيه السماويّ.

لستُ أدري أيأخذني اليوم إلى مواضع السرور والفرح، مثل «دكّان الحلوى» في هذه الحياة، أم يأخذني عوضًا عن ذلك إلى ألم «طبيب الأسنان». ولكنّي أدري جيّدًا أنّه سيجد من الضروريّ أن يأخذني إلى الثاني إن كثُر ترددي أنا على الأوّل!

ولستُ أدري أيقودني هو غدًا إلى وادٍ عميق أم لا، ولكنّي أدري أنّ مثل هذه الأودية كانت في ماضيَّ كلّه موجودةً على الدوام قبل أن يأخذني معه إلى قمم الجبال.

ولستُ أدري ما هي مشيئته من جهتي (سوى ما تُعلنه الأسفار المقدّسة لنا جميعًا)، ولكنّي أدري أنّه هو وحده يعرف الطريق الممتدّة أمامي.

لستُ أدري ما الذي يحمله الغد، ولكنّي أدري من الذي يحمل الغد بيده، وهو ممسكٌ بيدي!

«أريد لحياتي كلّها أن تكون مملوءةً تسبيحًا لك أنت، يا ربّي الإلهيّ الكريم الذي مات هو لأجلي أنا.

فلتكن مشيئتي كلّها لك، تضبطها المحبّة الإلهيّة، وعِش أنت حياتك أنت فيّ، يا مخلّصي القدير.

القرار: إنّ مشيئتك الإلهيّة الكريمة، بفرحٍ أجعلها لي أنا، وقلبي يكون عرشًا لك أنت، ولك وحدك دون سواك.

اختر أنت لي الطريق التي أسلكها، وحيثما كنتُ أُقاد، أعنّي أن أمضي في الاتّباع، يا مخلّصي القدير.

غريبٌ قد وُلد من جديد، نزيلٌ عابرٌ في الطريق، لستُ من هذا العالم منذ صرتُ أنا لك.

قد فُطمتُ عن زخرفه الزائل، وتغيّرتُ لأعرف محبّتك، فأمسِك أنت يدي في يدك، يا مخلّصي القدير.

وحين يهجم عليّ الأعداء الأشرار ويكادون أن يغلبوا، كن أنت في تلك الساعة المظلمة قوّتي وتُرسي.

فامنحني عندئذٍ حضنك القويّ، واعضدني أنت بنعمتك، وكن في ضعفي أنا قوّتي، يا مخلّصي القدير.

بلى، اختر أنت لي الطريق، وإن كنتُ أنا لا أرى السبب الذي لأجله تشاء أن تقودني هكذا.

أنا أعلم أنّ الطريق الشاقّ سيؤدّي بي إلى ديار النهار، حيث أسكن أنا معك، يا مخلّصي القدير».

(هـ. تي) — يُطلَب الإذن.

تمّ الكتاب

صفحة 1 / 6 · 8 دقيقة متبقية في الفصل