فصل 16 · قراءة 9 د
موسى
«بالإيمان موسى، بعدما وُلد، أخفاه أبواه ثلاثة أشهر، لأنّهما رأيا الصبيّ جميلًا، ولم يخشيا أمر الملك. بالإيمان موسى لمّا كبر أبى أن يُدعى ابن ابنة فرعون، مفضّلًا بالأحرى أن يُذلّ مع شعب الله على أن يكون له تمتّعٌ وقتيّ بالخطيّة. حاسبًا عار المسيح غنًى أعظم من خزائن مصر، لأنّه كان ينظر إلى المجازاة.
بالإيمان ترك مصر غير خائفٍ من غضب الملك، لأنّه تشدّد كأنّه يرى من لا يُرى. بالإيمان صنع الفصح ورشّ الدم لئلّا يمسّهم الذي أهلك الأبكار. بالإيمان اجتازوا في البحر الأحمر كما في اليابسة، الأمر الذي لمّا شرع فيه المصريّون غرقوا» (عبرانيين 11:23-29).
من هنا تبتدئ خلاصةٌ موجزة لحياة موسى، ذلك الرجل الذي دُعي خليل الله.
أمّا القصّة كاملةً، تلك التي يوجزها النصّ الكتابيّ القصير أعلاه، فنجدها في سفر الخروج 2-14.
فبعد ولادته في أرض مصر، أصدر فرعونُ الذي كان يملك على تلك الأرض أمرًا بأن يُقتل كلّ مولودٍ ذكر، إذ كان يخشى أن يكثر اليهود يومًا ما كثرةً مفرطة فينهضوا بالقوّة على مصر. غير أنّ القابلات خفن الله، فلم يفعلن كما أمرهنّ به فرعون. فباركهنّ الله على هذا الصنيع، ونما الشعب اليهوديّ حتى صار قويًّا جدًّا.
وكانت هناك عائلةٌ عبرانيّة لها ابنٌ صغير، فأخفته بالإيمان بين الحلفاء على شاطئ النهر، إلى أن جاء الوقت الذي فيه أعلن الله ذلك الطفل المخبّأ لواحدةٍ من بنات فرعون (خروج 1-2). فالله هو الذي قاد هذا الرجل اللاويّ وامرأته أن يُخفيا ولدهما في الموضع الذي كان الله سيعيّنه لهما؛ الموضع الذي فيه كانت ابنة الملك ستجده.
وإيمان هذين الأبوين إنّما يتجلّى في الطريقة التي أطاعا بها ذلك الدافع الداخليّ.
ولمّا كبر موسى، قاده الله ليصير راعيًا في أرض مديان (عبرانيين 11:27). وهناك مكث إلى أن بلغ الثمانين من عمره، يرعى غنم حميه يثرون (خروج 2:11-3:1). أمّا الرواية الطبيعيّة للأحداث فتخبرنا أنّ موسى هرب خوفًا من فرعون لأنّه كان قد قتل رجلًا! ومع أنّه تربّى في بيت فرعون، فقد كان يعلّمه خدمٌ عبرانيّون — وأمّه نفسها من بينهم — وكان يعرف عن نفسه أنّه ابنٌ للشعب العبرانيّ. وقد أحسّ في داخله بانجذابٍ إلى الشعب الذي وُلد فيه، مع أنّه كان محاطًا بزينة مصر وغناها. وذلك الحنين هو الذي انفجر في عنف القتل، ثم في وحشة الهرب.
وأنا لا أومن أنّ الكتب المقدّسة يناقض بعضها بعضًا، فلا بدّ إذًا أن نقرأ ما جاء في عبرانيين 11 على أنّه تعبيرٌ عن قيادة الله في حياة موسى لكي لا يختبر غضب فرعون. فـ«الخوف» المقصود في هذا الموضع إنّما هو اختبار غضب فرعون نفسه.
إنّ كاتب العبرانيين ينظر إلى الأحداث بعد وقوعها، فيستطيع أن يرى، في كلّ ما جرى في حياة موسى، يدَ الله الواضحةَ وهي تقود. فهو إنّما كان يُعدّ رجلًا لرسالةٍ يرسله بها.
والتاريخ اللاحق يُظهر لنا لماذا أخذه الله من بيت فرعون، وإن كان الفعل الذي سبّب ذلك هو عنف موسى نفسه.
«يا لها من حياةٍ ضائعة!» لعلّنا نقول هذا ونحن ننظر إلى هذا الرجل الذي تدرّب في بيت فرعون، وبلغ من المهارة أن يثبت لنفسه مكانًا في أيّ مجلسٍ من مجالس العظماء. وعوضًا عن ذلك نجده يعمل راعيًا، يرعى الغنم. وقد فعل هذا أربعين سنة «ضائعة»!
ولكن لا شيء يضيع البتّة حين تكون الأمور كلّها في يد الله. فأيّ تدريبٍ أفضل من هذا كان يمكن أن يكون للرسالة التي كان الله يدبّرها ويُعدّ لها؟!
لقد أراد رجلًا يعرف أساليب بلاط فرعون ومسالكه، ويستطيع في الوقت عينه أن يقود أربعين سنة في البرّيّة ملايين من الخراف الثائغة ذوات القدمين!
إنّ كلّ تحوّلٍ في اتّجاه حياة موسى كان الله قد عيّنه وقدّره؛ فقد كان يُعدّ رجلًا خاصًّا لغرضٍ خاصّ، وكان قد اختار الرجل المناسب، لأنّه عرف قلب هذا الرجل، وعرف أنّه يمكن أن يُؤتمن على أن يتبع قيادته بالإيمان.
ولكن كان لا بدّ أوّلًا من العلّيقة المشتعلة بالنار (خروج 3:2)، حيث لاقى الله عناءً شديدًا في إقناع عبده بأن تكون له ثقةٌ أكبر بقدرته وبقيادته (خروج 3:11، و4:1، 10، 13، وغيرها). ولاحظ ما جاء في خروج 4:14، إذ حمي غضب الله بسبب ما كان في موسى من نقصٍ في «التصديق»!
وفي العدد 28 من هذا الأصحاح أطاع موسى حين أُمر أن يصنع الفصح، بأن يرشّ الدم على قائمتَي باب كلّ بيتٍ عبرانيّ في أرض مصر (خروج 12). وكان في وسعه أن يجادل الله في هذا الأمر السخيف، ولكنّه لم يفعل.
هذا هو الإيمان.
والآن في العدد 29 نراه يبتدئ يُظهر ثقةً واتّكالًا أعظم على الله (خروج 14:13)، غير أنّ ما يشدّد عليه هذا العدد هو أنّ الله هو الذي فتح البحر وأغرق المصريّين، لا أنّ موسى «صدّق» فصار الأمر هكذا. إنّما هو أطاع وحسب حين قيل له ما يفعل، وذلك بعدما صرخ إلى الله في يأسه. فمدّ عصاه على مياه البحر الأحمر فانشقّت المياه، واستطاع العبرانيّون أن يعبروا على اليابسة (خروج 14).
وكان في وسعه أن يجادل الله في هذا الأمر السخيف أيضًا، ولكنّه لم يفعل. هذا هو الإيمان.
فلا عجب أن دُعي موسى خليل الله؛ فعنه هو قد كُتب: «ويكلّم الربّ موسى وجهًا لوجه، كما يكلّم الرجل صاحبه» (خروج 33:11). إنّ حياته كلّها مثالٌ على السلوك بالإيمان.
فأيّ مبدأ عسانا أن نتعلّمه نحن من مثال موسى هذا؟
لا شكّ أنّه هذا: أنّ الربّ يسير أمام شعبه حين يسلكون هم بالإيمان. فهو يوجّههم لكي يستخدمهم لمدح مجده. وهو سيأتي بهم إلى موضع المصير الذي رسمه لهم. وهو أحيانًا يقودهم في اختبارات الأودية، وأحيانًا تكون طرقه غير مريحةٍ ولا معقولةٍ في نظرنا، ولكنّه هو يعرف الطريق التي نسلكها.
«حين يريد الله أن يدرّب رجلًا، وأن يُطرب رجلًا، وأن يُمهر رجلًا؛ حين يريد الله أن يصوغ رجلًا لكي يؤدّي أنبل الأدوار وأشرفها؛ حين يشتاق بكلّ قلبه أن يخلق رجلًا بلغ من العظمة والجرأة حدًّا يُدهش به العالم كلّه — فراقب عندئذٍ أساليبه! راقب طرقه!
كيف يُكمّل بلا رأفةٍ أولئك الذين اختارهم اختيارًا ملوكيًّا؛ وكيف يطرقه ويوجعه، وبضرباتٍ جبّارة يحوّله إلى كُتَلٍ من الطين تحت التجربة، لا يفهمها إلّا الله وحده!
وقلبه المعذَّب في تلك الأثناء يصرخ، وهو يرفع يدَيه متضرّعًا!
كيف يُحني ولا يكسر أبدًا أولئك الذين تكفّل بخيرهم؛ وكيف يستخدم من يختارهم، وبقصدٍ محبّ يصهرهم، ويستدرج نفسه المثقلة أن تجرّب غنى الله وتذوقه.
إنّ الله يعلم ما هو صانع!»
(شاعر مجهول) الصخرتان أمّا العمل الوحيد المسجَّل في حياة موسى الذي فيه لم يُطع الأمر الإلهيّ، فنجده في سفر العدد 20. وقد كلّفه فعل العصيان هذا أعظم ما كان يشتهيه في هذه الحياة — أن يدخل أرض الموعد. ويستحقّ الأمر أن نتأمّله بشيء من التفصيل، لأنّه يبدو في النظرة الأولى تصرّفًا شديد التفاهة من إلهٍ يدعو نفسه خليلًا لموسى!
ففي خروج 17، بعد خروج بني إسرائيل من أرض مصر بزمنٍ قصير، ابتدأ الشعب يتذمّرون قائلين إنّه ليس عندهم من الماء ما يكفيهم ليشربوا. فقال الله لموسى: «ها أنا أقف أمامك هناك على الصخرة في حوريب، فتضرب الصخرة فيخرج منها ماءٌ ليشرب الشعب» (خروج 17:6). فأطاع موسى ما أُمر به، فخرج الماء واستطاع الشعب أن يشربوا.
وبعد ذلك بنحو أربعين سنة، عند مدخل أرض كنعان، يقع حادثٌ شبيهٌ به، ولكن بنتائج محرجةٍ ومؤلمة لموسى.
ففي سفر العدد 20 نجد الشعب يتذمّرون من جديد أنّه ليس عندهم ماء. أمّا وصيّة الله لموسى في هذه المرّة فهي أن «خذِ العصا واجمع الجماعة أنت وهارون أخوك، وكلّما الصخرة أمام أعينهم أن تعطي ماءها» (عدد 20:8). ولكنّ موسى، عوضًا عن ذلك، وبّخ الشعب أوّلًا على تذمّرهم، ثم التفت إلى الصخرة فضربها بالعصا. فلم يخرج ماء! وفي حرجه ضربها ثانيةً، فأظهر الله نعمته إذ سمح للماء أن يجري؛ غير أنّ فعل العصيان هذا حمله أن يُعلن: «من أجل أنّكما لم تؤمنا بي حتى تُقدّساني أمام أعين بني إسرائيل، لذلك لا تُدخلان هذه الجماعة إلى الأرض التي أعطيتهم إيّاها» (عدد 20:12). ومع أنّ موسى توسّل إلى الله أن يُغفر له وأن ينال بهجة الدخول إلى كنعان، فإنّ ذلك لم يكن له (تثنية 3:23-26).
وقد يقول قائل إنّ موسى إنّما دِين لأنّه فقد أعصابه مع الشعب. أمّا أنا فلا أظنّ ذلك البتّة. إنّ الله أعظم بكثير من أن يدين خليله لأجل أمرٍ كهذا! ولا نكتشف الحقّ البديع الذي أراد الربّ من موسى أن يرسمه لنا — تلك الصورة التي شوّهها موسى بعصيانه — إلّا حين ندرس الأمر بشيء من العمق.
إنّنا نحتاج أن ننظر في الصخرتين وفي العصوين المذكورتين في الشاهدين اللذين أوردناهما أعلاه. ففي الشاهد الذي في سفر الخروج، الكلمة العبريّة للصخرة هي «تسور»، وهي حجرٌ حادّ قاطع. كانت كصخر الصوّان، الذي تُشحذ منه قطعةٌ صغيرة فتصير سكّينًا. ومثل هذا الحجر كان يُستعمل لذبح حيوانات الذبيحة وتقسيمها. فحين قطع الله عهده مع إبراهيم، إنّما كان ذلك بشقّ الحيوانات نصفين، ووضع بعضها مقابل بعض، حتى عبر بينها مصباح نارٍ إلهيّ (تكوين 15). وحتى اليوم، حين تعقد بعض القبائل الأفريقيّة اتّفاقًا قبليًّا فيما بينها، تستعمل تعبير «قطع عهد». فصورة خروج 17 هي صورة الله واقفًا عند موضع الحجر الحادّ، حاملًا في جسده وقعَ عصا موسى عليه.
فيا له من رمزٍ عجيبٍ يشير مسبقًا إلى ذلك اليوم الذي فيه يقطع لنا مخلّصنا الإله عهدًا أبديًّا، حاملًا في جسده هو ضربات الناموس على خشبة الجلجثة! فمن ذلك الجسد المكسور جرى ماء الحياة؛ الماء الذي من يشرب منه «فلن يعطش إلى الأبد» (يوحنا 4:14).
أمّا في الشاهد الذي في سفر العدد، فالكلمة العبريّة التي تُترجَم «صخرة» هي «سيلاه»، ومعناها الحصن، أو الجرف العالي، أو المعقل المنيع. والعصا المقصودة في هذه المرّة هي عصا هارون — أي عصا رئيس الكهنة. فالرمز هنا إنّما هو رمز مخلّصٍ عالٍ ومرتفع، نأتي نحن إليه ولنا سلطان الكهنة. فنكلّم الصخرة بالصلاة والشفاعة، وبالشكر والعبادة، فيجري الماء من عندها.
وهذه هي الصورة التي أخفق موسى في تقديمها لنا بسبب عصيانه.
كتب بطرسُ الرسول: «فإنّ المسيح أيضًا تألّم مرّةً واحدة من أجل الخطايا، البارّ من أجل الأثمة… [وهو الآن] في يمين الله، إذ قد مضى إلى السماء، وملائكةٌ وسلاطينُ وقوّاتٌ مخضعةٌ له» (بطرس الأولى 3:18، 22).
فالحمد لله أنّ عمل الصليب عملٌ كاملٌ تامّ لا ينقصه شيء. ليس يسوع محتاجًا أن يُقتل مرّةً أخرى بعد. فهو الآن يملك في الأعالي، ونحن نأتي إليه بعيونٍ مرفوعة، لنعبده كملوكٍ وكهنة أمام إلهنا — وهو لا يزال يسكب علينا ماءه الحيّ.
ويجدر بنا أن نلاحظ في عبورنا أنّ موسى دخل أرض الموعد فعلًا، لا في حياة الجسد، بل في الحياة الممجَّدة التي لخليل الله (مرقس 9). فنهاية الرحلة لكلّ من يسلكون بالإيمان هي أنّهم سيكونون مع مخلّصهم، ممجَّدين في حضرته. ومع أنّ الربّ قد يؤدّبنا، فإنّما ذلك إلى حين، لكي يصوغنا على صورته. أمّا المجد الآتي فمضمونٌ أكيد، لأنّ كلّ دينونةٍ وكلّ قصاصٍ قد انتقل عنّا إلى المخلّص!
خلاصة إنّني في حياة موسى أرى أوضح مثالٍ وأجلاه على حياة الإيمان. فقد وجّه الله طوال أيّام حياته كلّها تلك الظروف التي من شأنها أن تصوغ رجلًا حسب قلبه هو ولأغراضه هو. وهذا حقًّا رجلٌ من أولئك الذين يكونون «لمدح مجده» (أفسس 1:12).
1. كلّ الأشياء تعمل معًا للخير لأولئك الذين يسلكون بالإيمان.
2. إنّ أخلّاء الله هم أولئك الذين يسلكون بالإيمان.
3. إنّ الله يبحث عن رجالٍ ونساءٍ يستطيع أن يصوغهم فيجعلهم آنيةً لمجده.
4. إنّ عمليّة الصياغة هذه إنّما هي عمل الإيمان.
5. إنّ الإيمان لا ينجّينا من إزميل النحّات الإلهيّ ولا من مطرقته.