فصل 15 · قراءة 6 د

يوسف

«بالإيمان يوسف عند موته ذكر خروج بني إسرائيل وأوصى من جهة عظامه» (عبرانيين 11:22).

أمّا الرواية الموجزة التي تحدّثنا عن مغفرة يوسف لإخوته، أولئك الذين أساؤوا معاملته أشدّ الإساءة، فنجدها في ختام الأصحاح الخمسين من سفر التكوين. وهناك نقرأ ذلك القول البديع: «أنتم قصدتم لي شرًّا، أمّا الله فقصد به خيرًا، لكي يفعل كما اليوم، ليُحيي شعبًا كثيرًا» (تكوين 50:20). ومع أنّ العدوّ كثيرًا ما يثير الهجمات على شعب الله ويجلبها عليهم، فإنّ أبانا قادرٌ أن يحوّلها إلى خير: خيرٍ لنا نحن، وكرامةٍ لاسمه هو، معًا.

ومن العجيب حقًّا أنّ كاتب العبرانيين، وهو يكتب عن الإيمان، لم يُشِر إلى الوديان التي اجتاز يوسفُ فيها ولا إلى الجبال التي قاده يهوه فوقها، بل اختار عوضًا عن ذلك إشارةً تبدو للناظر عديمة الشأن، تُختم بها أوّل أسفار الكتاب المقدس.

«أنا أموت، ولكنّ الله سيفتقدكم ويُصعدكم من هذه الأرض إلى الأرض التي حلف لإبراهيم وإسحاق ويعقوب» (تكوين 50:24). ثم استحلف إخوته أنّهم متى افتقدهم الله، يأخذون عظامه معهم إلى تلك الأرض التي وُعدوا بها.

وكان لا بدّ من أن تمرّ 400 سنة أخرى قبل أن تتمّ نبوّةُ يوسف هذه على يد موسى وتحت قيادته. ولترى كيف تحقّق طلبه، انظر خروج 13:19 ويشوع 24:32.

لقد كان ليوسف إعلانٌ داخليّ من الله، وقد اعترف به بفمه، على نحو ما كان سيفعل بطرسُ الرسول على جبل

حرمون بعد ذلك بأكثر من 2000 سنة. وفي ذلك يكمن إيمانه.

فماذا عسانا نتعلّم من هذه الآية؟

أوّلًا، نحن نرى الشبه بين الحال التي كان فيها والحال التي كان فيها أبوه وجدّه. فهو، شأنه شأن إسحاق ويعقوب، كان غريبًا نزيلًا في أرضٍ ليست له. ومات هؤلاء الرجال الثلاثة جميعًا من غير أن يدخلوا في الوعد الذي كان الله قد وعد به: وعدِ أرض الموعد، ووعدِ العظمة لأمّة إسرائيل. فإسحاق بقي بدويًّا متنقّلًا لا مستقرّ له، ويعقوب ظلّ إلى آخر أيّامه منفيًّا في أرض مصر، وأمّا يوسف فقد بلغ من الرفعة ذروةً تدوخ لها الرؤوس، ولكنّها ظلّت مع ذلك عظمةَ غريبٍ في أرضٍ غريبة. ومع هذا كلّه أعطى الله الثلاثةَ جميعًا الشهادةَ بأنّ وعده لن يسقط. لقد ماتوا وهم في رجاءٍ، لا في يأس.

ومهما تكن حالنا في هذه الحياة، فنحن مدعوّون أن نسلك الطريق عينه الذي سلكه هؤلاء الآباء: طريقَ الإيمان. وقد نرتفع نحن أيضًا إلى مكانةٍ رفيعة في هذا العالم، ولكن لا يجوز لنا أن ننسى قطّ أنّنا رعايا مملكةٍ أخرى، مملكةٍ أعلى من هذه. ولن يختبر أكثرُنا مواعيدَ الله الكبرى في هذه الحياة، غير أنّ على كلّ واحدٍ منّا أن يحيا حياةً تُقرّب ذلك اليوم الذي فيه يستطيع آخرون أن يفرحوا بها. وقد وعد يسوع وعدًا بديعًا بأنّه لا بدّ أن يُكرَز بالإنجيل في كلّ المسكونة ولجميع الأمم، «ثم يأتي المنتهى» (متى 24:14). فهو في النهاية سيضع للخطيّة حدًّا، ويُدخل ملكوت برّه.

وأنت تحيا في هذا العالم اليوم، قد يخطر لك أنّ مجيئه ما زال بعيدًا، وأنّ بيننا وبينه أمدًا طويلًا. ومع ذلك فإنّ مثال يوسف إنّما أُعطي لنا لكي يعلّمنا أن نتطلّع على الدوام إلى يقين تمام ذلك الوعد، وأن نحيا حياةً كلّها ترقّبٌ لذلك اليوم. إنّ علينا أن نحيا كلّ يومٍ من أيّامنا في نور الأبديّة.

وعلى مرّ تلك السنين الطويلة عرف يوسفُ أمانةَ الله، فتغيّرت لغته وتبدّل حديثه. فلم يعد يتكلّم عن تلك الأحلام التي كان يسود فيها على أهل بيته. ولم يعد يقول: «اذهبوا وأخبروا أبي بكلّ مجدي في مصر».

لقد اختار كاتب العبرانيين مثالَ أيّامه الأخيرة، أيّامِ احتضاره، ليعلّمنا بها شيئًا. فها هو يوسف يقترب من نهاية مجده الأرضيّ، وقد أدرك أنّ كلّ أمجاد هذا العالم وكراماته لا تساوي شيئًا البتّة في عينَي رجلٍ يحتضر. قد تُشبع صاحبها إلى حين، ولكنّها في آخر الأمر ليست إلّا كفقاعةٍ تنتفخ ثم تنفقئ.

إنّ الحياة أمرٌ عابرٌ سريع الزوال.

يقول يعقوب: «ما هي حياتكم؟ إنّها بخارٌ، يظهر قليلًا ثم يضمحلّ» (يعقوب 4:14).

ويُثير الله الإيمان في قلب ذلك الشيخ، حتى إنّه يرى الآن أين يقع ميراثه الحقيقيّ. إنّه في أرضٍ آتية، وفي مجيء منقذٍ آتٍ. وكان المرء ليظنّ أنّه سيشتهي أن يبقى نسله في أرض مصر هذه التي أحسنت إليه كلّ هذا الإحسان. فلماذا إذًا لا يريد أن يبقى جسده هناك؟ لعلّه، لو دُفن في مصر، لبنَوا له نصبًا تذكاريًّا عظيمًا، أو قبرًا فسيحًا في موضعٍ بارز، أو لعلّهم سمّوا باسمه صرحًا فخمًا، فيبقى اسمه معروفًا إلى الأبد. بل لقد كان في وسعه أن يأمر ببناء هيكلٍ ليهوه، وأن يُطلق عليه اسم «كنيسة يوسف بن يعقوب الأوّل التذكاريّة». وبهذا يستطيع أن يُكرم الله من غير أن يخسر شيئًا من مجده هو!

غير أنّ الله لا يُشارك الإنسانَ مجدَه، ولا يشارك فيه أحدًا من خليقته. أنا أتكلّم هنا بشيء من التهكّم بالطبع، ولكن أليس عجيبًا كم من «رجال الله» المرموقين في أيّامنا قد تشبّثوا بمواقعهم تشبّثًا عنيدًا حين كانت كرامتهم أو سمعتهم على المحكّ في معركة الاستقامة والأمانة لعمل الله؟ أوَليس عجيبًا كم يسهل أن يُساق المؤمنون سوقًا إلى «عمل هذا العمل» أو «العطاء لتلك القضيّة» متى ارتبط بذلك ثوابٌ أو حظوة؟ وعوضًا عن ذلك، نحن مدعوّون أن نكون كرجالٍ أموات، لا نطالب بحقوقٍ لأنفسنا، ولا نطلب حظوةً في هذا العالم. فالله لم يدعُنا لنكون مشهورين ولا ناجحين؛ بل دعانا لنكون أمناء.

وينبغي أن يكون موضوعنا، كما كان موضوع يوسف، مجيءَ منقذنا واجتماعَنا نحن إليه. فيسوع هو منقذنا نحن، وهو آتٍ عمّا قريب. وقد أنقذنا فعلًا من عقاب الخطيّة — وهذا هو التبرير، وهو سلامةٌ لأرواحنا. وهو ينقذنا في الوقت الحاضر من سلطان الخطيّة — وهذا هو التقديس، وهو سلامةٌ لنفوسنا. وسيأتي عمّا قريب لينقذنا من حضور الخطيّة نفسه — وهذا هو التمجيد، وهو سلامةٌ لأجسامنا!

وأنا على يقينٍ أنّنا، بخلاف يوسف، لسنا مضطرّين أن ننتظر أكثر من 400 سنة، بل إنّنا «عمّا قريب، عمّا قريبٍ جدًّا، سنرى الملك» (أندريه كراوتش، من ترنيمة «عمّا قريب جدًّا»). وإذ أنظر إلى هذا العالم بمشكلاته المتفاقمة يومًا بعد يوم: من اكتظاظٍ سكّانيّ، ومجاعات، وكوارث طبيعيّة، وانهيارٍ للعائلات وللبنى الاجتماعيّة. وإذ أنظر إلى الكنيسة، وقد اتّسعت اتّساعًا عظيمًا وامتدّت برامجها الإرساليّة إلى معظم أنحاء العالم، أزداد يقينًا أنّه آتٍ سريعًا. وإذ أتأمّل ما في الكنيسة من استقطابٍ بين الأمناء لكلمته وبين أعضائها الأكثر تحرّرًا، لا يصيبني الفزع، بل أُدرك أنّه إنّما يُعدّ الآن عروسه ويطهّرها لنفسه. فإن كنّا أحياءً حين يأتي، مضينا نحن إلى ذلك الميراث؛ وإن كنّا قد رقدنا، فلن نُترك نحن وراءه. وهكذا نرى، في كلمات يوسف التي نطق بها بالإيمان، الأحياءَ والأمواتَ يخرجون معًا من موضع العبوديّة.

«والأموات في المسيح سيقومون أوّلًا. ثم نحن الأحياء الباقين سنُخطف جميعًا معهم في السحب لملاقاة الربّ في الهواء، وهكذا نكون كلّ حينٍ مع الربّ» (تسالونيكي الأولى 4:16-17).

حقًّا إنّ مجد هذا العالم وزخرفه البرّاق يذبلان ويتلاشيان ونحن نتطلّع إلى ذلك اليوم السعيد، اليوم الذي سيأتي عمّا قريب. فهل نحن جاعلون هذا موضوعنا اليوميّ؟ لعلّنا نحتاج أن نعود مرّةً أخرى إلى «فراش موتنا» عند أسفل الصليب، حيث تتغيّر نظرتنا إلى الأشياء كلّها، لأنّ الأموات لا يأبهون لأمور هذا العالم.

خلاصة على فراش موته أُعطي يوسفُ إيمانًا يستطيع به أن ينظر إلى المستقبل فيرى المنقذ، موسى، الذي كان سيأتي ليقود شعب الله خارجًا من مصر ويأخذهم إلى ميراثهم.

ومع أنّه كان رجلًا ناجحًا في أرض مصر، فإنّ الإيمان قد أعلن له أنّ هناك أرضًا أفضل ومستقبلًا أفضل لبني إسرائيل.

1. لقد جاء منقذٌ، هو يسوع، ليأخذنا من عبوديّتنا ويقودنا إلى ملكوته الذي وعد به.

2. الإيمان هو الذي يجعلنا نتطلّع إلى الأمام بعيون رجالٍ قد ماتوا عن هذا العالم.

3. مصيرنا لا يوجد في مقتنياتنا ولا في مركزنا — بل إنّه يوجد في وعده هو.

4. نحتاج أن نحيا كلّ يومٍ من أيّامنا في نور مجيئه الثاني.

5. ما هذه الحياة إلّا لحظةٌ عابرة.

صفحة 1 / 5 · 6 دقيقة متبقية في الفصل