فصل 14 · قراءة 6 د

إسحاق ويعقوب

«بالإيمان إسحاق بارك يعقوب وعيسو من جهة أمورٍ عتيدة.

بالإيمان يعقوب عند موته بارك كلّ واحدٍ من ابنَي يوسف، وسجد على رأس عصاه» (عبرانيين 11:20-21).

وقد جمعت بين هذين الاثنين ههنا لأنهما يعلّماننا المبدأ نفسه عينه.

وقصّة مباركة إسحاق ليعقوب وعيسو نجدها مدوّنة في تكوين 27، وأمّا قصّة مباركة يعقوب لابنَي يوسف فنجدها في تكوين 48.

وليس في يعقوب هذا كثيرٌ ممّا يُمدح عليه ويُثنى. فقد كان محتالًا وسارقًا. صحيحٌ أنّ بيع البكوريّة في مقابل صحنٍ من الحساء كان قرار عيسو نفسه، ولكنّ البركة التي يُنتظر أن تُعطى للبكر إنما سُرقت بتدبير يعقوب وحيلته، وبتشجيعٍ من أمّه له. وإنّي لعلى يقين أنه لم يفهم ذلك المبدأ الكتابيّ الذي كان الله سيعلّمه من خلال خداعه ذاك. وأنا أسمّيه «مبدأ المولود الثاني».

وبعد نصف قرنٍ من الزمان، نجد يعقوب داخلًا في الأمر من جديد، وهو يبارك ابنَي يوسف. فيقود يوسف ولديه الاثنين نحو أبيه الشيخ الأعمى، حريصًا أن يكون الأكبر، منسّى، أمام يمين يعقوب، وهي يد البركة الأولى، وأن يكون الابن الآخر، أفرايم، عن يسار يعقوب. غير أنّ ذلك الشيخ، مع أنه أعمى في ظاهره، كان له نورٌ في داخله يوجّهه أن يشبك ذراعيه، وأن ينطق بالبركة الأعظم على المولود الثاني.

ولسببٍ ما، كان الله يوجّه الشيخ ليصنع أمرًا لم يُسمع بمثله قطّ. فيعترض يوسف، ولكن بلا جدوى. وأمّا يعقوب فسيطيع ذلك التوجيه الداخليّ. وأكرّر أنه ليس ثمّة ما يدلّ على أنه فهم لماذا ينبغي له أن يشبك ذراعيه — إنّ هذا يُقال إنه صُنع «بالإيمان».

فما هو إذًا مبدأ المولود الثاني هذا؟

فلنتأمّل ما دوّنه لنا الكتاب المقدس في هذا الشأن: كان قايين هو الأكبر، وهابيل هو الأصغر. فأكرم الله الأصغر فوق الأكبر.

وكان عيسو هو الأكبر، ويعقوب هو الأصغر. فقال الله عنهما: «أحببت يعقوب وأبغضت عيسو!»

وكان منسّى هو الأكبر، وأفرايم هو الأصغر، لكنّ أفرايم نال البركة الأعظم.

وكان آدم هو أوّل إنسانٍ خُلق، وجاء يسوع من بعده «آدم الثاني»، أي المولود الثاني.

«فإنه إذ الموت بإنسان، بإنسانٍ أيضًا قيامة الأموات. لأنه كما في آدم يموت الجميع، هكذا في المسيح سيُحيا الجميع» (كورنثوس الأولى 15:21-22).

فحتى في أيام العهد القديم، كان الله يرسم لنا ظلًّا لذلك اليوم الذي فيه يأتي «آدمه الثاني» ليبطل الموت الذي جاء على جميع الناس بسبب عصيان آدم الأوّل ذاك.

وهو، «ابن الموعد»، سيقهر الموت ويغلبه بطاعته لمشيئة الله الموجِّهة. وسيكون هو أبًا وجدًّا لجيلٍ جديد من الناس، أولئك «المولودين مرّتين»: مرّةً أولى بالماء (وهي الولادة الطبيعيّة)، ومرّةً ثانية بالروح (وهي الولادة الجديدة). وقد قيل في هذا المعنى قولٌ حقّ: «إن وُلدتَ مرّةً واحدة، متّ مرّتين (أي الموت الطبيعيّ والموت الأبديّ)، وأمّا إن وُلدتَ مرّتين، فلن تموت إلّا مرّةً واحدة» (لقائلٍ مجهول).

إنّ بركات الله إنما يُنطق بها على أولاد ذلك المولود الثاني.

فههنا إذًا نجد مبدأ الولادة الجديدة، فمن لم يولد من فوق «لا يقدر أن يرى ملكوت الله» (يوحنا 3:3)، فضلًا عن أن يقدر على أن يدخله. فآدم، ذلك الإنسان الأوّل، هو أبو «المولودين من الجسد» (يوحنا 3:6). ويسوع، وهو الإنسان الثاني، هو أبو «المولودين من الروح» (يوحنا 3:6).

فإنكم قد وُلدتم ثانيةً، لا من زرعٍ يفنى، بل ممّا لا يفنى، بكلمة الله الحيّة الباقية إلى الأبد (بطرس الأولى 1:23).

وقد رأينا في فصلٍ سابق أنّ العظمة في ملكوت السماوات تُنسب إلى الذين هم مثل «الأصغر» (لوقا 22:26). فالله إذًا، في ما صنعه إسحاق ويعقوب من مباركة المولود الثاني، يقدّم من جديد ذلك المبدأ الذي علّمه يسوع فيما بعد. وقد كان القصد من عملَي «الإيمان» هذين أن يُظهرا لنا أيّ نوعٍ من الناس ينبغي أن نكون بصفتنا «مولودين ثانية».

فلننظر نظرةً أوفى في صفات المولود الثاني، أو الابن الأصغر. فالولد الأصغر لا دعوى له ولا حقّ في الميراث من أبيه الأرضيّ. وموضعه في البيت موضعٌ قليل الشهرة وقليل الكرامة. وهو ذلك الولد الذي تُدفع إليه الثياب والألعاب التي استغنى عنها أخوه الأكبر ورماها.

وفي المدرسة قد يُعرف بأنه أخو فلان لا غير، ليست له هويّة خاصّة به هو. وتُقاس إنجازاته دائمًا بالقياس إلى أخيه الأكبر. وهو، كالابن الضالّ، يستطيع أن يترك البيت وكلّ ما يملك على هذه الأرض في كيسٍ معلّقٍ على كتفه، بينما يبقى أخوه الأكبر ليحرس ميراثه، أي المزرعة.

والولد الأصغر لا يعنيه بقاء الحال على ما هو عليه، ولا يعمل بالسياسة ليحافظ على ما يملك. وهو ثائرٌ متمرّد فيما يخصّ أنظمة هذا العالم. وإنّي لأذكر حين كانت ترجمة «الكتاب الحيّ» تُعدّ للنشر. فقد كان كلّ سفرٍ من أسفار الكتاب المقدس يُنشر على حدة، ولكلٍّ منها عنوانٌ مميّز.

فإنجيل مرقس، وهو الذي يتحدّث عن يسوع بوصفه الخادم، كان عنوانه هو: «يسوع — ثائرٌ لقضيّة». وقد أعلنت أمّه مريم متنبّئةً عنه فقالت: «شتّت المستكبرين بفكر قلوبهم، أنزل الأعزّاء عن الكراسيّ ورفع المتّضعين. أشبع الجياع خيرات وصرف الأغنياء فارغين» (تسبحة مريم — لوقا 1:52-53). إنّ هذا القول إنما هو إعلان حربٍ على أنظمة هذا العالم كلّها! فقد أتى ليقيم ملكوته هو ههنا، وهو يدعو شعبه، أولئك المولودين مرّتين، ألّا يرضوا بمجتمع هذا العالم ولا يقنعوا به على ما هو عليه، بل أن يحيوا حياةً مسيحيّةً مضادّةً لثقافته كلّها.

وإذ أتأمّل في شخصيّاتٍ كتابيّةٍ أخرى قد اشتُهرت بأنها الأصغر أو الأقلّ أو الآخِر، ينجذب قلبي إلى ذلك الفتى الراعي، داود.

فقد كان هو أصغر بني يسّى الثمانية (صموئيل الأول 16). فمن كان يستطيع أن يتوقّع له في ذلك الحين مثل هذا المستقبل حين جاء النبيّ صموئيل ليمسحه ملكًا على إسرائيل؟ ولم تكن له خبرةٌ في شيءٍ إلّا في رعاية الغنم، ولكنه لم يكن يضيّع وقته سدًى! فقد كان يتمرّن بالمقلاع، ويقوم بعمله بأمانة، ويحمي غنم أبيه من الأسد ومن الدبّ.

ومع أنه كان آخر الصفّ في نيل ما يستغني عنه غيره، فإنه لم يُظهر قطّ استياءً ولا تذمّرًا. بل تعلّم أن يقبل موضعه وأن ينتظر دوره. وقد اختاره الرب ليكون ملكًا لأنه عرف قلبه. فقد قال الله لصموئيل: «لأنه ليس كما ينظر الإنسان. لأنّ الإنسان ينظر إلى العينين، وأمّا الرب فإنه ينظر إلى القلب» (صموئيل الأول 16:7).

وقد تعلّم داود أن يتّكل على الله، حتى حين بدت الظروف كعمالقةٍ منتصبين أمامه. فما ثبّت نظره قطّ على المشكلات، بل أبقى عينيه على الرب. وكانت ثقته في الرب وفي المقلاع، لا في سلاح شاول الذي لم يكن قد جرّبه. فأنت، ماذا جرّبت أنت؟

أكلمة الله؟ أم اسمه؟ إنهما يثبتان في الامتحان.

ولمّا دخل داود قصر شاول، لم يشأ أن يستعجل جدول الله. فقد كان قد تعلّم كيف ينتظر! فلا تسبق الله؛ فإنك لن تسير حينئذٍ إلّا في ظلّ نفسك! ومع أنّ فرصًا سنحت له بدا فيها أنّ الله يضع العرش أمامه، فقد ظلّ داود منتظرًا، قائلًا: «حاشا لي من قِبَل الرب أن أعمل هذا الأمر بسيّدي، بمسيح الرب، فأمدّ يدي إليه» (صموئيل الأول 24:6). فما كان عنده مكانٌ للمناورات السياسيّة البتّة. تلك هي طريقة العالم — وليست هي طريقة أهل الملكوت، والله كان يعرف قلب داود!

خلاصة إنّ كاتب عبرانيين 11 يرى أنّ إسحاق ويعقوب، وهما من الآباء، قد قادهما الله لينطقا بالبركة على المولود الثاني، حتى من خلال خداع يعقوب. وهذه هي المبادئ الكتابيّة التي يريد الرب أن يعلّمنا إيّاها: 1. طوبى للإنسان الذي وُلد مرّتين.

2. إنّ بركاتنا إنما تأتينا بآدم المولود ثانيةً، ذاك الذي فدانا من لعنة آدم المولود أوّلًا.

3. إنّ أولاد المولود الثاني مدعوّون أن يكونوا مسيحيّين مضادّين للثقافة، لا يحبّون أنظمة هذا العالم، ويُظهرون صفات «الأصغر».

صفحة 1 / 5 · 6 دقيقة متبقية في الفصل