فصل 13 · قراءة 7 د

امتحان إبراهيم

«بالإيمان قدّم إبراهيم إسحاق وهو مجرَّب. قدّم الذي قبل المواعيد وحيدَه، الذي قيل له: إنه بإسحاق يُدعى لك نسل. إذ حسب أنّ الله قادرٌ على الإقامة من الأموات أيضًا، الذين منهم أخذه أيضًا في مثال» (عبرانيين 11:17-19).

وهذه المرّة يُضرب المثل من طاعة إبراهيم حين قال له الله أن يقدّم ابنه إسحاق ذبيحة، في تكوين 22. تكلّم الله فأطاع إبراهيم. كان يعرف مواعيد الله من جهة نسله، وكان يظنّ أنّ هذا الوعد سيتمّ بإسحاق، غير أنّ الكلمة قد جاءت، فأطاع إبراهيم. هذا هو الإيمان! لم يفهم لماذا يطلب الله منه أن يصنع هذا الأمر المروّع؛ ولم يسأله عن ذلك ولم يجادله. بل أطاع في بساطةٍ وسكون.

كان يعلم أنّ ما وعد الله به، فلا بدّ لله نفسه أن يتمّمه. فإن كان الله قد وعد أن يبارك جميع أمم الأرض بابن الموعد إسحاق، وكان عليه هو أن يميت إسحاق، فلا بدّ لله أن يصنع المستحيل — أن يقيمه من الأموات حيًّا.

ويعلن الرسول بولس في رومية 4:3 فيقول: «فآمن إبراهيم بالله فحُسب له برًّا». ثم يكتب الرسول يعقوب في رسالته هو أيضًا فيقول: «ألم يتبرّر إبراهيم أبونا بالأعمال، إذ قدّم إسحاق ابنه على المذبح؟ فترى أنّ الإيمان عمل مع أعماله، وبالأعمال أُكمل الإيمان، وتمّ الكتاب القائل: فآمن إبراهيم بالله فحُسب له برًّا» (يعقوب 2:21-23). ويمضي الرسول يعقوب في كلامه فيقول إنّ «الإيمان بدون أعمالٍ ميّت» (يعقوب 2:14-16). فليس هناك البتّة شيءٌ اسمه إيمان ما لم يظهر ويُعلَن للناس في الأعمال!

وكما هو الحال في سائر أمثلة عبرانيين 11، لنا ههنا مثالٌ رمزيّ يعلّمنا حقائق عن الله وعن مقاصده هو فينا نحن. فههنا مرّةً أخرى تعاليم واضحة من جهة القيامة ومن جهة أمانة الله. فالله قد قطع وعدًا، وهو قادرٌ أن يتمّمه؛ غير أنّ هناك حقائق أخرى بعدُ تُجتنى من هذه الآيات.

وستأتي على أهل الإيمان أوقاتٌ يمتحن الله فيها شعبه. وهو لا يفعل ذلك ليتعلّم شيئًا من النتائج، لأنه يعرف الخاتمة قبل أن يبتدئ الامتحان نفسه، ولا هو يمتحننا بأن يسمح للتجارب أن تأتي علينا. فتلك إنما هي عمل الشيطان وحده، إذ يستخدم شهواتنا الجسدانيّة نحن ليضلّنا بها عن الطريق.

بل إنّ يسوع علّم تلاميذه أن يصلّوا: «يا أبانا، لا تدخلنا في تجربة» (لوقا 11:4)، عالمًا أنّ ذلك ليس قطّ من مشيئة الله في شيء. وأمّا الامتحان فأمرٌ آخر. لأنه بامتحاننا إيّانا يطهّرنا، ويصوّرنا شيئًا فشيئًا على صورة ابنه يسوع.

وحين يُعالَج الخام المعدنيّ في المصانع لاستخراج المعدن النقيّ منه، فإنه يمرّ بامتحانٍ عسيرٍ شديد في الأتون وفي مطاحن الضغط. فيُسخَّن الخام حتى ينصهر كلّه، ويُرفَع الزَّغَل عن وجهه. وحين لا تبقى فيه شائبةٌ واحدة، يتوهّج المعدن المذاب بنورٍ نقيّ صافٍ، وإذا صُبّ أظهر على سطحه صورةً منعكسةً كاملةً لا عيب فيها. ولهذا السبب عينه يمتحننا الرب — لكي نعكس نحن مجده وصورته.

وقد كنت سنين كثيرة معلّمًا في مدرسة، في نظامٍ يقوّم تلاميذه بامتحاناتٍ سنويّة واختباراتٍ دوريّة. ولم يكن ذلك النظام محبوبًا عند التلاميذ بالطبع، وقد شكا منه من الآباء ما شكا، حتى إنّ الامتحان اليوم قد قلّ في المدارس قلّةً نسبيّة، وكثيرًا ما يتخرّج التلميذ دون أن يُمتحَن قطّ فيما قد يكون حصّله من معرفةٍ أو فهم. ومن أكبر ما يُؤخذ على الامتحانات أنها تُنتج راسبين على الدوام.

وعلى خلاف الرأي الشائع، أنا ممّن يؤمنون بأنّ الرسوب قد يصير حجر عبورٍ ثمينًا إلى النجاح. فهو يمكّننا أن نعرف أين هي مواطن القوّة فينا، وأين نحتاج أن نبذل جهدًا أكبر، وأين نستطيع أن نوجّه طاقاتنا توجيهًا أنجع. وبعبارةٍ أخرى، إنّ نتيجة الامتحان تعيننا أن نركّز تركيزًا أدقّ على الطريق الممتدّ أمامنا. ولمّا كنت أنا في المدرسة، رسبت في بعضٍ من امتحاناتي العامّة. فاخترت حينئذٍ أن أركّز على المواد التي نجحت فيها، حتى انتهيت آخر الأمر إلى درجةٍ جامعيّة بمرتبة الشرف. وما عدّني أحدٌ من الناس قطّ فاشلًا راسبًا لمجرّد أنّي لم أستطع أن أجتاز علامةً معيّنة في مادّتين اثنتين لا غير!

وأمّا الله فلا يحسبنا قطّ راسبين إن نحن لم نجتز امتحانه الحاضر.

وكما كتبنا في فصلٍ سابقٍ من هذا الكتاب، فإنّ واحدًا من الامتحانات التي يسمح الرب أن تأتي على حياة المؤمن هو امتحان العثرات.

وقد قال يسوع إنها لا بدّ آتية، فحريٌّ بنا أن نتعلّم كيف نتصرّف حيالها (لوقا 17:1).

وهناك امتحانٌ آخر، هو امتحان الباب المغلق. وقد ذقت أنا خيبة الأمل حين أغلق الله بابًا أمامي، وقد كنت أتوقّع أن أعبره إلى فرصةٍ جديدةٍ رائعة. وكان الحرج شديدًا، لأنّي كنت قد تحدّثت بغير تحفّظ عن هذه الفرصة العجيبة التي وضعها الله أمامي، ثم إذا بي أجد أنه، حين جاء الوقت، لم يقدني إلى الأمام، بل أغلق الباب. فكم تمنّيت لو أنّي لم أتحدّث بذلك الانطلاق، إذ شعرت بحماقةٍ شديدة حين لم يتمّ الأمر.

وقد سألت الله عن أسبابه، ولا بدّ لي أن أعترف أنّ الأمر استغرق وقتًا قبل أن أستطيع أن أخضع لمشيئته في هذا الشأن.

وقد مضت 10 سنوات أخرى قبل أن أستطيع أن أرى لماذا أغلق ذلك الباب على وجه التحديد. فقد كان ذلك لكي يُعدّ لي طريقًا أفضل منه بكثير. وأنا أروي هذه القصّة بتفصيلٍ أوفى في كتابي الآخر «أحجار العبور».

وهناك امتحانٌ ثالث قد نمرّ به، وهو يتعلّق بتلك الأشياء التي قد تعوقنا عن أن يقودنا الرب.

وهذه تشمل مواطن قوّتنا الشخصيّة، وعلاقاتنا بالناس، وما نملك من الأشياء. وقد يُطلب منّا، كما طُلب من إبراهيم، أن نتخلّى عن أعزّ ما عندنا. والله لا يفعل ذلك ليؤذينا — فما كان هذا قصده قطّ. إنما يفعله ليحرّرنا من كلّ اتّكالٍ قد يكون لنا على قدراتنا نحن وعلى مواهبنا.

وكثيرًا ما نجد أننا متى وضعنا أملاكنا كلّها أمامه، عاد فدعانا أن نأخذها ثانيةً بين أيدينا لنستعملها في خدمته هو. وإنّي لأذكر صديقي روب، وقد كان المغنّي الرئيس في إحدى فرق الروك آند رول حين جاء إلى الرب. وكان ارتداده حقيقيًّا كلّ الحقيقة، فما لبث أن وجد أنّ الغناء في النوادي الليليّة لم يعد يشبع نفسه. فوضع قيثارته جانبًا، لأنّ الموسيقى الوحيدة التي كان يعرف كيف يعزفها لم تكن تصلح للأغاني الجديدة التي كان يشتهي أن يغنّيها. ومضت أربع سنوات قبل أن يصدّق أنّ الرب يريده أن يعود فيحمل تلك الآلة، وعندئذٍ ابتدأ يغنّي أغاني جديدة لم يكن يعرفها من قبل. وروب اليوم في خدمةٍ موسيقيّة متفرّغة كلّ التفرّغ للرب.

وقد كان على موسى أن يضع عصا الرعي من يده — وهي علامة مهنته التي يعيش منها وعلامة سلطانه (خروج 4:3) — ثم أُمر أن يحملها ثانية، ولكنها دُعيت هذه المرّة «عصا الله»، وبها كان أن يصنع بعدُ أعمالًا عظيمة، كأن يفتح طريقًا في البحر الأحمر (خروج 4:17).

وكان على جدعون أن يتخلّى عن جيشه لكي يصنع الله نصرةً عظيمة على المديانيين (القضاة 7).

وقد نُدعى نحن أيضًا أن نتخلّى عن علاقاتٍ لنا، أو عن أهلٍ وذوي قربى، أو عن بيتٍ نسكنه. ودعني أذكّرك ههنا بوعد يسوع لنا: «الحقّ أقول لكم: إن ليس أحدٌ ترك بيتًا أو والدَين أو إخوةً أو امرأةً أو أولادًا من أجل ملكوت الله، إلّا ويأخذ في هذا الزمان أضعافًا كثيرة، وفي الدهر الآتي الحياة الأبديّة» (لوقا 18:29-30).

وكلّما قرأت قصّة إبراهيم وإسحاق، أحسست بشيءٍ من الألم الذي في قلب الأب. فما أشدّ ما لا بدّ أن يكون قد قاساه من العذاب، وهو يصعد بابنه إلى الجبل عالمًا ما في رأسه من المقاصد. ومع ذلك ظلّ متمسّكًا بالرجاء أن يغيّر الله الخاتمة بطريقةٍ ما، حتى إنه تكلّم متنبّئًا فقال: «الله يرى له الخروف للمحرقة» (تكوين 22:8).

ولم يكن يدري هو كم سيكون هذا القول صادقًا في يومٍ آتٍ، إذ على ذلك الجبل عينه، بعد قرونٍ عدّة، وقف أبٌ آخر ينظر ابنه الوحيد يموت، حملًا مذبوحًا لأجل خطايا العالم. فكم لا بدّ أن يكون قلب أبينا السماويّ قد تحزّن، ومع ذلك فقد كان قد عزم أن يموت ابنه. فما كان هناك سبيلٌ آخر يلتقي فيه العدل بالرحمة، لكي نُفتدى نحن من حالنا تلك، حال الخطيّة والضلال.

خلاصة لم يكن الله قاسيًا ولا غافلًا عن مشاعر إبراهيم حين طلب منه أن يقدّم ابنه الوحيد ذبيحة — ابن الموعد. فقد كان له مصيرٌ عظيم قد أعدّه لعبده، غير أنه كان لا بدّ أن يُمتحَن في الأتون أوّلًا. وهذه هي المبادئ التي يكشفها لنا هذا الجزء من عبرانيين 11: 1. إنّ الله أمينٌ في أوقات امتحاننا.

2. ومتى دعانا الله أن نضع شيئًا من أيدينا ذبيحةً له، فإنما ذلك لكي نعود فنحمله ثانيةً بقوّة.

3. وإنّ الله لا يسمح للامتحان أن يأتي على حياتنا إلّا لكي يجعلنا أنقياء.

4. وخطّته للفداء هي أن «يرى هو له الخروف».

صفحة 1 / 5 · 7 دقيقة متبقية في الفصل