فصل 12 · قراءة 5 د

اعتراف الإيمان

«في الإيمان مات هؤلاء أجمعون، وهم لم ينالوا المواعيد، بل من بعيدٍ نظروها وصدّقوها وحيّوها، وأقرّوا بأنهم غرباء ونزلاء على الأرض. فإنّ الذين يقولون مثل هذا يُظهرون أنهم يطلبون وطنًا. فلو ذكروا ذلك الذي خرجوا منه، لكان لهم فرصةٌ للرجوع. ولكن الآن يبتغون وطنًا أفضل، أي سماويًّا. لذلك لا يستحي بهم الله أن يُدعى إلههم، لأنه أعدّ لهم مدينة» (عبرانيين 11:13-16).

ويظهر أنّ كاتب هذه الرسالة إنما يشير إلى «الكثيرين» المذكورين في العدد 12، أي ذرّيّة إبراهيم وسارة الذين ماتوا جميعًا قبل مجيء يسوع مسيّاهم. فهم في أوقات إيمانهم وتوكّلهم على يهوه، أقرّوا بحاجتهم إليه، «وأقرّوا بأنهم غرباء ونزلاء على الأرض» (عبرانيين 11:13). وسواء أكانوا في أرض مصر أم في البرّيّة أم في سبي بابل، فقد كان بنو إسرائيل يعرفون في أعماق قلوبهم حنينًا عميقًا إلى الوطن، ذلك الموضع الذي وُعدوا به في كلام الله لإبراهيم، ولكن لم يكن يستطيع أن يضرب بجذوره ويستقرّ في أرضٍ غير كنعان أو فلسطين إلّا القليل منهم.

«على أنهار بابل هناك جلسنا، بكينا أيضًا عندما تذكّرنا صهيون. على الصفصاف في وسطها علّقنا أعوادنا. لأنه هناك سألنا الذين سبونا كلام ترنيمة، ومعذّبونا سألونا فرحًا قائلين: رنّموا لنا من ترنيمات صهيون.

كيف نرنّم ترنيمة الرب في أرضٍ غريبة؟» (مزمور 137:1-4).

كان في وسعهم أن يبقوا حيث هم في البلد الذي وُلدوا فيه، غير أنّ قلب الغريب النزيل كان فيهم. وهذه هي سمة كلّ من هم نسل إبراهيم الحقيقيّ: أنهم لا يشعرون في هذا العالم أنهم في بيتهم. فقد وُلد في داخلهم جوعٌ إلى أمورٍ أعلى، إلى مدينةٍ سماويّة، صانعها وبارئها هو الله.

والله هو الذي وضع فيهم هذا الحنين، بفعل الإيمان الذي بادر هو به. وأهل الإيمان لا بدّ أن يستجيبوا لذلك الشوق على الدوام.

ويقول الرسول بولس في تعليمه عن الإيمان الوارد في رومية 4:1-12: «فماذا نقول إنّ أبانا إبراهيم قد وجد؟» فقد «آمن إبراهيم بالله فحُسب له برًّا». وأمّا الذي لا يعمل شيئًا، ولكن يؤمن بالذي يبرّر الفاجر ويثق به، فإيمانه هو يُحسب له برًّا.

وفي ذلك الحين لم يكن إبراهيم بعدُ يهوديًّا مختونًا، ومع ذلك حُسب بارًّا حتى قبل أن يصير ابنًا لذلك العهد (اليهوديّ). وكان ذلك لكي يكون هو أبًا، لا للمختونين (اليهود) وحدهم، بل أيضًا لكلّ الذين يُحسبون أبرارًا خارج ذلك العهد (اليهوديّ). فليس حفظ الناموس (ولا أيّ عملٍ صالحٍ آخر) هو ما يجعل الإنسان بارًّا أمام الله: إنما يكون ذلك بالإيمان وحده لا غير. ومن ثمّ فإنّ إبراهيم يُعتبر أبًا لجميع الذين تبرّروا بالإيمان. وهكذا فحتى لنا نحن الأمم، السالكين بالإيمان، يكون وعد الله المبنيّ على النعمة وعدًا أكيدًا لا يتزعزع. فنحن أيضًا سنرث الأرض!

«لذلك لا يستحي بهم الله أن يُدعى إلههم، لأنه أعدّ لهم مدينة» (عبرانيين 11:16).

فإلى أيّ حدٍّ أنت متعلّق بهذا العالم؟ أتجد قيمة نفسك في مقدار ما تستطيع أن تجمعه من ثروته أو من شهرته؟ أتحتاج إلى رضاه عنك وتصفيقه لك ليكون لك اعتبارٌ عند نفسك؟ أم أنت ممّن يدعوهم يسوع «الأعظم» في ملكوته؟

وفي إحدى المرّات كان تلاميذ يسوع يفعلون ما يستطيبه كثيرون منّا نحن أيضًا. كانوا منهمكين في نقاشٍ شائق. ويودّ المرء لو كان النقاش في أمرٍ ذي شأن، كالأمان الأبديّ أو الاختطاف قبل الضيقة، غير أنّ ذلك يكون إحسان ظنٍّ بهم فوق ما هم أهلٌ له وما يستحقّون. فقد كانوا في الحقيقة يتخاصمون في أيّهم هو الأعظم (مرقس 9:33-34)! ولذلك ابتدأ يسوع يعلّمهم ما معنى أن يكون الإنسان عظيمًا في ملكوته، ههنا على الأرض، وفي تلك المدينة التي أعدّها هو لهم.

1. عليهم أن يكونوا خدّامًا، بل عبيدًا (مرقس 10:42-45).

2. عليهم أن يرضوا أن يكونوا آخر الكلّ وأصغر الكلّ (مرقس 9:35 ولوقا 9:48).

3. عليهم أن يتّضعوا فيصيروا مثل الولد الصغير (متى 18:4).

4. عليهم أن يكون لهم موقف الأصغر (لوقا 22:26).

وهذا التعليم مناقضٌ كلّ المناقضة لبنى السلطة في هذا العالم، بل — وا أسفاه — لكثيرٍ ممّا نراه اليوم في قيادة الكنيسة. فأين هم القادة الخدّام، الذين لا يطلبون لأنفسهم صدارةً ولا كرامة، بل يُسرّون أن يكونوا آخر الكلّ وأصغر الكلّ حين ينال غيرهم الشهرة والتصفيق؟ وأين هم المؤمنون الذين هم كالولد الصغير: شفّافون، لا يقدرون أن يخادعوا طويلًا، لا يحقدون ولا يعثرون؟ وأين هم الأصغرون الذين ليس للعالم فيهم تعلّق، ولا لهم رغبةٌ تُذكر في المطالبة بحقوقهم أو في المحافظة على قاعدة نفوذهم؟

فأين هم الناس الذين يسلكون بالإيمان، أولئك الذين لا يستحي الله بهم؟

ومع أنّ هؤلاء الناس كانوا يُحسبون غرباء نزلاء في هذا العالم، فقد كانوا يعلمون ثلاثة أمور: 1. علموا أنّ الله قد قطع وعدًا لإبراهيم.

2. وعلموا أنّ يسوع هو الذي يتمّم ذلك الوعد.

3. وعلموا أنّ لهم مصيرًا مجيدًا ينتظرهم هناك — أن يسكنوا في مدينة الله.

ويذكّرني هذا بيوحنا 13:3، حيث إنّ يسوع، «وهو عالمٌ أنّ الآب قد دفع كلّ شيءٍ إلى يديه، وأنه من عند الله خرج، وإلى الله يمضي»، قام حينئذٍ فغسل أرجل تلاميذه (يوحنا 13:1-20)! فما تصير الخدمة أمرًا سهلًا إلّا حين يعرف الإنسان مقامه وموضعه أمام الله.

أتستطيع أن تنظر إلى الوراء فترى موضعًا ابتدأ الله فيه عمل الإيمان فيك، حين أتى بك هو إلى الصليب؟ وهل تنظر أيضًا إلى الأمام عالمًا أنه سيدخل بك إلى ذلك المصير المجيد الذي رسمه لك؟

أتسلك في الإيمان الذي يقود إلى ذلك المصير؟ سلوكًا ليس بقوّتك أنت ولا بحولك، بل بدافعٍ منه هو في داخلك أنت؟

إنّ الإيمان يقتضي أن تكون لنا رؤيا واضحة لمواعيد الله، وشوقٌ إلى حضوره.

خلاصة 1. إنّ أهل الإيمان لن يشعروا قطّ في هذا العالم أنهم في بيتهم. فهم غرباء مسافرون، ولذلك سيعيشون بحسب ذلك.

2. وهم لا يريدون البتّة أن يرجعوا إلى طرق العالم، ولا إلى حيله وسياساته، ولا إلى أساليبه وجوائزه، ولا إلى ملذّاته ومواعيده.

3. ويعلن الملك أنك لكي تكون عظيمًا، يجب أن يكون لك موقف الخادم، والولد الصغير، ومن هو آخر الكلّ، ومن هو أصغر الكلّ، ومن هو الأصغر سنًّا.

4. ونحن بصفتنا نسل إبراهيم الروحيّ — ذلك الأب لجميع أولاد الإيمان — لنا مصيرٌ عظيمٌ ينتظرنا. فنحن «سنرث الأرض».

5. إنّ مواعيد الله العظيمة لا تأتي البتّة إلّا إلى الذين ماتوا عن ذواتهم.

6. إنّ الله لا يستحي بنا!

صفحة 1 / 4 · 5 دقيقة متبقية في الفصل