فصل 11 · قراءة 7 د

سارة

«بالإيمان سارة نفسها أيضًا أخذت قدرةً على إنشاء نسل، وبعد وقت السنّ ولدت، إذ حسبت الذي وعد صادقًا. لذلك وُلد أيضًا من واحد، وذلك من مُمات، مثل نجوم السماء في الكثرة، وكالرمل الذي على شاطئ البحر الذي لا يُعدّ» (عبرانيين 11:11-12).

وأمّا الرواية التي تحدّثنا عن سارة فنجدها في تكوين 18:9-15، وفي تكوين 21:1-7.

وحين نقرأ ما ورد في سفر التكوين، يستوقفنا ما يبدو عند سارة من قلّة التصديق، ولا شكّ أننا ما كنّا لنعدّها مرشّحةً لتكون بطلةً عظيمة من أبطال الإيمان، لو كان الإيمان يُساوى بالتصديق العقليّ. بل إنّ سارة تكشف مرّةً بعد مرّة عن طبيعتها البشريّة، وهي تخطّط وتحتال مع زوجها.

كان الله قد قال لإبراهيم إنه سيكون له وارثٌ من صلبه، وإنه سيصير أبًا لأمّةٍ عظيمة، غير أنّ سارة عاقرٌ لا تلد، والعقل يحكم بأنّ وعد الله باطلٌ لا طائل تحته. وأمّا هي فمُصرّة على أن يكون لها ولد، ولو كان ذلك يعني أن تدفع جاريتها هاجر إلى زوجها إبراهيم لتضاجعه. وكان الولد أن يُحسب لسارة هي، ولكنها لمّا رأت هاجر ومعها الصبيّ، ثارت في صدرها غيرةٌ بشريّة، فطُردت هاجر من البيت.

ومن هذا الابن، إسماعيل، كانت تأتي الأمم العربيّة العظيمة، وما زال العالم إلى اليوم يحصد زوبعتها. ولاحظ أنّ الله نفسه هو الذي أقام هذه الأمم، إلّا أنّ عهده يبقى مع أولاد الموعد (تكوين 18:19). فلا تتعجّب من العداوة القائمة المستمرّة بين الأمم العربيّة وبني إسرائيل؛ إذ ستظلّ هناك على الدوام مخاصمةٌ بين ثمر الإنسان الجسدانيّ وثمر وعد الله. وعلى سبيل المثال، أوصى يسوع تلاميذه أن يمكثوا في أورشليم منتظرين موعدًا (آخر) من مواعيد أبيه، هو المعموديّة بالروح القدس (أعمال الرسل 1:4-5).

أفليس أمرًا عجيبًا أنّ الثمرة الجسدانيّة لهذا الموعد كثيرًا ما تكون شقاقًا وخصامًا بين شعب الله، عوض أن تكون تلك القوّة العظيمة التي كان ينبغي أن تؤهّلنا لنصير الشهود الذين دعانا المسيح أن نكون إيّاهم؟! لقد وُلد إسماعيل من خطط البشر وحيلهم وتدابيرهم، وأمّا إسحاق فوُلد «بالإيمان». وجميع أديان العالم إنما هي مبنيّة على تعاليم البراعة البشريّة الجسدانيّة وعلى مبادئها، وأمّا كنيسة يسوع المسيح فمؤلَّفة من شعبٍ متبرّرٍ بالإيمان.

ثم نرى بعد ذلك سارة وإبراهيم يتواطآن على خداع أبيمالك ملك جرار، متظاهرَين أمامه بأنهما أخٌ وأخت. فقد خاف إبراهيم أن يقتله أهل جرار لكونه زوج سارة، لكي يتمكّن أبيمالك من أن يأخذها امرأةً له. وأمّا لو ظنّ الملك أنهما أخوان، فربّما أخذ سارة على أيّ حال، ولكن تُحفظ حياة إبراهيم على الأقلّ! فهل تقرأ في هذا صنيع أناسٍ لهم إيمانٌ عظيم بالله؟

أي إن كان الإيمان يُساوى بالتوكّل. فما أشدّ وقع هذا على النفس: أنّ الملك الوثنيّ أبيمالك كان أنقى قلبًا وأكثر مخافةً لله من رجل الإيمان نفسه! فقد ردّ سارة إلى زوجها، ولم يكن قد انتهك حرمة زواجهما، وأعطاهما عطايا كثيرة تبرئةً لهما أمام الناس أجمعين.

وقد أكرم الله أبيمالك وأهل بيته، إلّا أنّ يده ظلّت مع ذلك موضوعةً على إبراهيم وسارة ليقودهما في أعمال الإيمان.

وبالإيمان — وهو فعل الله أو عطيّته — استطاعت سارة أن تحبل.

ومع أنها كانت قد جاوزت التسعين من عمرها، وُلد ابن الموعد، إسحاق. اجتمع الزوجان معًا، فأحيا الله النطفة والبييضة كلتيهما حتى تمّ الحبل. ولمّا قبلت سارة أنّ غثيان الصباح إنما هو دليل أمانة الله، كان ذلك هو دليل إيمانها. فهي لم تصارع ما كان يجري في داخلها، مع أنه كان مخالفًا لكلّ ما اختبرته هي، أو اختبره أحدٌ تعرفه، في مثل تلك السنّ. فما كان بدنها ليلفظ ما كان الله يلده فيها، ولا كانت هي لتُسقطه.

وكثيرًا ما نرفض نحن أعمال الروح القدس في حياتنا لأننا لا نفهم! وكم من مرّة نُسقط تلك الموهبة أو الخدمة التي يريد الله أن يلدها فينا، لأننا نخاف أن ندفع الثمن؟! أمّا سارة فلم تفعل.

دروسٌ نتعلّمها من إيمان سارة أوّلًا، الله أمينٌ لمواعيده حتى حين يبدو الأمر مستحيلًا. بل إنه ليس عنده شيءٌ غير ممكن!

ثانيًا، إنّ الله يطلب شعبًا من أهل الإيمان يقدر هو أن يقودهم، لا أن تقودهم السياسات والحيل. والكنيسة اليوم ممتلئة إلى هذا الحدّ بخطط الإنسان وتنظيماته، حتى لم يبقَ فيها موضعٌ يتحرّك فيه الروح القدس.

لقد أنجبت سارة ابنًا واحدًا بالتدبير والحيلة، فكانت النتيجة حزنًا عظيمًا لشعب الله على مدى القرون كلّها التي تلت ذلك إلى يومنا هذا. وأمّا ابنها الآخر فقد كان «بالإيمان»، وهو ابن الموعد. ومن هذا الابن أقام الله لنفسه شعب عهده، الشعب الذي به تتبارك جميع أمم الأرض. وهم الأمّة التي حملت إلينا الكتاب المقدس، والمسيّا مخلّصنا يسوع.

عمل الله بطريقة الله يذكّرني هذا بالمرّة التي أراد فيها الملك داود أن يُرجع تابوت العهد إلى أورشليم. والقصّة مرويّة لنا في أخبار الأيام الأول 13 و15. كان التابوت عند العبرانيين يمثّل حضور الله في وسط شعبه، غير أنه كان قد خرج من الأرض مدّة عشرين سنة، بعدما أخذه الفلسطينيون منهم في الحرب في أيام كهنوت عالي الجسدانيّ. وقد تألّم الفلسطينيون تألّمًا شديدًا مدّة سبعة أشهر والتابوت في بلادهم، فوضعوه على عجلةٍ جديدة تجرّها بقرتان مرضعتان لم يسبق قطّ أن عَلاهما نيرٌ معًا.

وقد سمح الله لهم أن يُعيدوا التابوت سالمًا عبر تخوم إسرائيل، بلا مرضٍ ولا أذى؛ ولكن لمّا حاول داود أن يستعمل الطريقة نفسها ليردّ «حضور الله» إلى أورشليم، انزلقت ثيرانه المدرَّبة، فكانت النتيجة موتًا.

فاغتاظ داود من الله جدًّا، لكنه اضطُرّ سريعًا أن يتوب حين قرأ طريقة الله في حمل التابوت، المدوَّنة في عدد 4. فقد جلب الله الدينونة على شعبه «لأننا لم نسأله حسب المرسوم» (أخبار الأيام الأول 15:13).

وإنّي لأرى أنّ مسحة حضور الله وقوّته غائبةٌ، مع الأسف الشديد، عن كثيرٍ جدًّا ممّا نحن نسمّيه كنيسة.

أفيكون هذا لأننا نحاول أن نبني كنيسته بطريقتنا لا بالطريقة التي رسمها هو؟ بل أفيكون أننا لا نبني كنيسته البتّة، إنما نبني كنيستنا نحن؟ إنه لم يعد قطّ أن يضع مسحته على شيءٍ يُصنع بقوّة الإنسان أو حكمته، لكنه قال: «أبني كنيستي، وأبواب الجحيم لن تقوى عليها» (متى 16:18). ثم إنه سيبني كنيسته على الصخرة، كما تجسّدت في بطرس! فأيّ خصلةٍ في بطرس يقصدها المعلّم؟ لا شكّ أنه لا يقصد اندفاعه وسلوكه الجسدانيّ! وأنا أقترح أنّ الصخرة هي إيمانٌ كالذي أظهره الرسول باعترافه بيسوع أنه المسيح. فقد قال له يسوع: «طوبى لك يا بطرس. إنّ أبي الذي في السماوات هو الذي أعلن لك هذا» (متى 16:17). فالإيمان يُرى هنا في إعلانٍ يتلوه اعتراف؛ في مبادرةٍ من الله يتلوها جوابٌ من الإنسان.

أفما آن لنا أن نرجع إلى صنع عمل الله بطريقة الله؟

قد آن لنا أن نعود فنكون أهل الكتاب، نُسند عملنا وسلوكنا إلى مبادئه وإلى وصاياه. وأنا مقتنع أننا متى عملنا عمل الله بطريقة الله، نلنا مسحة إحيائه على كلّ مساعينا. فمثلًا، عندنا خططٌ وتدابير كثيرة لنكرز بها لمن حولنا من الناس. فنحن نستعمل «النواميس الروحيّة الأربعة» أو «الطريق الرومانيّ». ونتعلّم أساليب مرتّبة على حروف الهجاء كما يتعلّمها الباعة، ونُعدّ «اجتماعاتٍ مراعيةً للباحثين عن الحقّ». ونكتب منشوراتٍ كثيرة، ونُقيم برامج كرازيّة. وكلّ هذه أمورٌ حسنة في ذاتها، ولكن هل هي طريقة الله؟

وأنا أتحدّاك أن تنتزع من كتابك المقدس ورقةً واحدة تعطيها لغيرك لتكون منشورًا للبشارة. فهل تستطيع أن تجد تدبيرًا واحدًا استحدثته الكنيسة الأولى نقدر نحن أن نقتدي به اليوم؟

ولا شكّ أنّ الروح القدس كان قادرًا أن يحرّك واحدًا آخر من التلاميذ، أندراوس مثلًا أو فيلبّس، فيُخرج لنا كتابًا عنوانه «منشورات مضمونة النجاح»، أو «خمسون طريقة تربح بها أصدقاءك ليسوع»، لو كانت تلك هي خطّة الروح للخلاص! ولكنّا حينئذ طبعناه آخر أسفار الكتاب المقدس، بأوراقٍ تُنتزع منه انتزاعًا تسهيلًا للاستعمال.

وأنا مقتنع أنّ الكتاب المقدس يحوي فعلًا خطّة الله للخلاص؛ غير أننا وإن كنّا لا نستطيع أن ننتزع منه صفحةً واحدة نعطيها لغيرنا منشورًا للبشارة، فإننا نستطيع أن ننتزع منه أسفارًا بتمامها تؤكّد على طريقته هو. إنها وحدة شعبه!

«أيها الآب، أطلب ليكون الجميع واحدًا، ليؤمن العالم أنك أرسلتني؛ وليعلم العالم أنك أرسلتني وأحببتهم كما أحببتني» (يوحنا 17).

إنّ خططنا وتدابيرنا كلّها ستُثمر بعض الثمر، لأنه إلهٌ غنيٌّ في النعمة، ولكن لن يأتي الحصاد الكامل حتى نصنع الأمر بطريقة الله. فهو يريد أن يبني كنيسته، وأن يعطينا الأمم كلّها ميراثًا لنا، لكنه لن يصنع ذلك إلّا بطريقته هو وحدها.

وطريقته هي طريق الإيمان، وأحد الوجوه التي تظهر بها هذه الطريق إنما هو وحدتنا نحن في الروح.

خلاصة إنّ مثال سارة، تلك المرأة المحتالة التي ضحكت من الله، قد أُعطي لنا لكي يعلّمنا المبادئ الآتية: 1. عند الله كلّ شيءٍ مستطاع.

2. إنّ العقل البشريّ والإيمان متناقضان.

3. لن يتحقّق ما رسمه الله لنا من مصير إلّا بالإيمان.

4. علينا أن نعمل عمل الله بطريقة الله!

صفحة 1 / 5 · 7 دقيقة متبقية في الفصل