فصل 10 · قراءة 6 د
إبراهيم
«بالإيمان إبراهيم لمّا دُعي أطاع أن يخرج إلى المكان الذي كان عتيدًا أن يأخذه ميراثًا، فخرج وهو لا يعلم إلى أين يأتي. بالإيمان تغرّب في أرض الموعد كأنها غريبة، ساكنًا في خيامٍ مع إسحاق ويعقوب الوارثَين معه لهذا الموعد عينه. لأنه كان ينتظر المدينة التي لها الأساسات، التي صانعها وبارئها الله» (عبرانيين 11:8-10).
والمثال الأشهر لحياة الإيمان، الذي استعمله بولس ويعقوب وكاتب الرسالة إلى العبرانيين، إنما هو إبراهيم ذلك الرجل المترحّل، وقصّته مدوّنة لنا في تكوين 11-25. والذي يشدّد عليه كاتب العبرانيين ههنا هو الإيمان الذي أظهره إبراهيم بصفته غريبًا نزيلًا، رجلًا لا تشدّه إلى شيءٍ ممّا يملك رابطة.
وحين نقابل بين آيات العبرانيين المذكورة أعلاه وبين الرواية التاريخيّة الواردة في تكوين 11:31، نرى أنّ الله وإن كان يدعو أبرام (الذي صار فيما بعد إبراهيم) إلى أرض الموعد، أرض كنعان، فإنّ خروجه من أور الكلدانيين إنما كان على يد أبيه تارح. وكثيرًا ما يقود الله أولاده من خلال قرارات غيرهم. ولم يكلّم الله أبرام مباشرةً إلّا بعدما خرج من حاران. فقد كان هو الإناء المختار الذي به يقيم الله شعبه ويعطيهم أرضهم.
وعلى خلاف نوح، لم يُختَر أبرام لأنه كان بارًّا، بل إنه كان يسكن في بلدٍ يعبد الأصنام، ومعرفته بالله ضئيلة. وقد كان في الرجال الذين سبقوه كثيرون ممّن عبدوا الله، غير أنّ أحدًا منهم لم يُختَر ليكون أبًا لتلك الأمّة العظيمة، أمّة شعب الله.
كان هابيل صالحًا، وقدّم ذبائح بحسب مشيئة الله، لكنه إنما قدّمها عن نفسه وحدها. ولم يكن مختارًا اختيارًا خاصًّا.
وكذلك أخنوخ ونوح، فقد كان كلٌّ منهما فردًا في سلوكه مع الله.
وقد عبد ثلاثتهم الإله الحقّ، إلّا أنّ أحدًا منهم لم يُختَر اختيارًا خاصًّا ليكون البداءة في استرداد ما أضاعه آدم وأضاعته البشريّة معه.
فأبرام هو الذي اختاره الله، وهو رجلٌ عابدٌ للأصنام (يشوع 24:2)! دعا الله أبرام لأنّ له سببًا خاصًّا في دعوته إيّاه — إذ كان أبرام أن يصير نقطة البدء في الاسترداد الإلهيّ ممّا جرّه السقوط على الإنسان. وحين نتحوّل إلى العهد الجديد، تكون أوّل كلماتٍ نقرأها فيه: «كتاب ميلاد يسوع المسيح ابن داود ابن إبراهيم» (متى 1:1). فالله يبتدئ بشارته السارّة (الإنجيل) بإبراهيم!
ولمّا تكلّم الله، أطاع أبرام. لم يفهم ما هو مقبلٌ عليه، ولا وقف ليناقش الله في خططه ويتدارس معه أمرها. إنما أطاع فحسب و«خرج». وكان في وسعه أن يتذمّر قائلًا إنه قد بلغ من العمر 75 سنة، وإنه أكبر من أن يبتدئ حياة الترحال، لكنه لم يفعل. خرج وهو لا يعلم إلى أين يذهب. كان قد سمع بأرضٍ بعيدة، بملكوتٍ يكون له من بعدُ ميراثًا. وكان قد سمع الوعد بأنّ اسمه سيكون عظيمًا، وأنه سيكون بركةً لجميع شعوب الأرض.
ومع أنه لم يكن قد عرف الله قبل ذلك الوقت، فقد غُرس في داخله يقينٌ يجعله يصدّق أنّ مواعيد الله أكيدةٌ لا تتخلّف. فخرج… إنّ الله يطلب في أيامنا هذه رجالًا ونساءً عيونهم مثبّتة على ملكوته هو، لا على أسواق الغرور في هذا العالم. يقول ناظم الترنيمة رقم 695 في «ترنيمات الثالوث»: «أنا غريبٌ ههنا في أرضٍ ليست لي، وبيتي بعيدٌ هناك على شاطئٍ من ذهب.
سفيرٌ أنا لأمورٍ وراء السماء، وإنما أنا ههنا في شغلٍ لمليكي».
وقد عبّر أ. ب. كارتر عن هذا المعنى في ترنيمته «ليس هذا العالم بيتي»، إذ قال: «ليس هذا العالم بيتي، وما أنا فيه إلّا عابر سبيل.
فكنوزي مذخورةٌ في مكانٍ ما وراء زرقة السماء.
والملائكة تشير إليّ من باب السماء المفتوح، فما عدتُ أستطيع أن أشعر في هذا العالم أنّي في بيتي!»
ويحضّنا الرسول يوحنا ألّا نحبّ العالم ولا الأشياء التي في العالم (يوحنا الأولى 2:15). ونحن بالطبع مدعوّون أن نحبّ أهل هذا العالم ومحاسن الخليقة فيه، تلك التي تحملنا على عبادة الله، غير أنّ يوحنا إنما يقصد الأنظمة التي صنعتها أيدي البشر: سياساتها ومكرها، ونزعتها الإنسانيّة العلمانيّة ومساوماتها، وباطلها وماديّتها. ولم تكن لإبراهيم في مثل هذه الأمور رغبةٌ البتّة ولا نصيب، لأنه كان غريبًا نزيلًا، عابر سبيل، وكان سلوكه سلوكًا مع الله، سلوكًا بالإيمان.
ويذكّرني هذا بالابن الضالّ في المثل الذي رواه يسوع في لوقا 15. فقد خرج من بيت أبيه وبدّد نصيبه من الميراث على ملذّات هذا العالم. ثم رجع إلى نفسه وثاب إلى رشده، فعاد إلى البيت نادمًا تائبًا يقول: «يا أبي، أخطأت إلى السماء وقدّامك، ولستُ مستحقًّا بعدُ أن أُدعى لك ابنًا. اجعلني كأحد أجراك» (لوقا 15:18-19). غير أنّ الأب يستقبله استقبالًا حارًّا، فيُلبسه أفخر الحلل، ويجعل حذاءً في رجليه، ويقيم له وليمةً وفرحًا، على ما في ذلك من غيظٍ شديدٍ لأخيه الأكبر. ومع أنّي أرى نفسي في هذا الابن الضالّ، عارفًا ذنبي، معترفًا بمحبّة الآب الذي ما زال يقبلني ويحسبني ابنًا له، فإنّي لا أكاد أجد فيه شيئًا يستوجب المدح والثناء — إلى أن أقابله بأخيه الأكبر!
ويشكو الابن الأكبر إلى أبيه ممّا لقيه الابن الضالّ من المعاملة، فيقول له: «لقد جلب علينا العار، وبدّد ميراثه في اشتهاء هذا العالم، وأمّا أنا فقد بقيت أمينًا في البيت. فلماذا ذبحت له العجل المسمّن؟ أنت لم تعاملني قطّ هكذا!» (لوقا 15:28-30). فيا له من رياءٍ متعالٍ راضٍ عن نفسه! فيجيبه الأب: «يا بنيّ، العجول المسمّنة كلّها لك! وكلّ ما بقي فهو ميراثك!» (لوقا 15:31). لقد اشتهى الابن الضالّ ملذّات هذا العالم، لكنه قد رجع الآن إلى نفسه، وجاء في ندامةٍ وتوبةٍ صادقة.
وأمّا الابن الأكبر فقد اشتهى هو أيضًا أشياء هذا العالم — لا الخمر والنساء والغناء، بل أملاكه هو. فقد كانت المزرعة ملكًا له، ولم يكن يريد لشيءٍ أن يسلبه ميراثه. والحقّ أنّ المزرعة هي التي كانت تملكه!
وليس من الخطأ أن يكون للإنسان أملاكٌ في هذا العالم، غير أنّ السلوك بالإيمان يقتضي ألّا تملكنا هي، كما كان الأمر عند إبراهيم! فأمسِكها بيدٍ مُرخاة، حتى إذا دعاك الرب أن تخرج، لا يكون هناك شيءٌ يمسك بك ويعوقك. وهذا بلا شكّ هو السبب في أنّ المؤمن لا ينبغي له أن يكون مديونًا قطّ. فحين نكون مدينين لأحدٍ بمالٍ، عاجزين عن الوفاء به متى طُولبنا، نكون في عبوديّةٍ لذلك الإنسان، غير أحرارٍ في أن نجيب حين يدعونا الرب أن «نخرج». والحقّ أننا في تلك اللحظة إنما نعبد المال، لا الله. وأنا أرى أنّ هذا الأمر من الخطورة عند الرب بحيث لا ينبغي لنا أن نأتي بعشورنا وتقدماتنا إلى مذبحه إن كان لآخر شيءٌ علينا، أي إن كنّا مديونين له.
بل علينا أن نخرج من الدَّين قبل أن نقدّم عشورنا لله (متى 5:23-26).
ولعلّ هذا ما عناه الرب حين قال: «الكبير فيكم ليكن كالأصغر، والمتقدّم كالخادم» (لوقا 22:26). فالفرق بين الأخوين إنما كان في موقف كلٍّ منهما من أشياء هذا العالم. فقد كان الأخ الأكبر مهتمًّا لئلّا يُبدَّد ميراثه في وليمةٍ للضالّ العائد. ولم يكن يريد لأحدٍ أن يقلق عليه سكونه، بل كان راضيًا بما هو قائم. وعلى النحو نفسه، كان عيسو مستعدًّا أن يبيع بكوريّته في مقابل عطيّةٍ حاضرة وإشباعٍ عاجلٍ زائل، وأمّا أخوه الأصغر يعقوب، فمع كونه محتالًا، كان رجلًا مترحّلًا يسلك — بل ويصارع — مع الله.
وكما جرى للابن الضالّ، سيق يعقوب إلى التوبة، وأمّا عيسو فلا. فكان ميراث أحدهما في الله، وأمّا ميراث الآخر ففي «طبيخ عدس». وممّا يستوقف النفس ويثير العجب أنّ الله نفسه يعلن قائلًا: «أحببت يعقوب وأبغضت عيسو» (ملاخي 1:3). وممّا هو جديرٌ بالملاحظة أيضًا أنّ المواعيد التي أُعطيت لأبرام عابد الأصنام قد أُعيدت مرّةً أخرى ليعقوب المحتال، وأنه هو أيضًا صار واحدًا من آباء الشعب اليهوديّ الثلاثة العظام: إبراهيم وإسحاق ويعقوب.
إنّ الله يطلب رجالًا ونساءً كإبراهيم. أناسًا يرضون أن يقودهم الرب في الوقت الذي يريده وإلى المكان الذي يريده هو بالضبط. ولا يزال يقول لنا نحن أيضًا: «اطلبوا أوّلًا ملكوت الله وبرّه» (متى 6:33).
وسنعود إلى النظر في إبراهيم مرّةً أخرى في فصلٍ لاحق، حيث نرى مزيدًا من البيّنات على سلوكه بالإيمان مع الله، وهي بيّناتٌ استشهد بها أيضًا الرسولان يعقوب وبولس في كتاباتهما.
خلاصة قُدّم إلينا إبراهيم في عبرانيين 11 ليعلّمنا هذه المبادئ: 1. إنّ الله لا يختار الإنسان من أجل شيءٍ قد يدّعي أنه هو إيّاه. بل هو يختار ضعفاء العالم وجهّاله، وأدنياءه والمزدرى به، لكي لا يفتخر كلّ ذي جسدٍ أمامه (كورنثوس الأولى 1:27-29).
2. إنّ أهل الإيمان هم الذين تثبت عيونهم وقلوبهم على ملكوتٍ سماويّ؛ وموقفهم هو موقف «الأصغر»، وليست لهم بهذا العالم إلّا روابط مُرخاة واهية.
3. إنّ الله ابتدأ عمل الفداء في رجلٍ كان أن يصير المثال الأوّل للسلوك بالإيمان، ذلك السلوك الذي يظهر في توكّلٍ مطيع.