فصل 9 · قراءة 4 د
نوح
«بالإيمان نوح، لمّا أُوحي إليه عن أمورٍ لم تُرَ بعدُ، خاف فبنى فلكًا لخلاص بيته، فبه دان العالم، وصار وارثًا للبرّ الذي حسب الإيمان» (عبرانيين 11:7).
وقصّة نوح والفلك يمكن أن نجدها في تكوين 6:5-7:24. وههنا أمامنا مثالٌ لرجلٍ وجد نعمةً في عينَي الرب. فقد كان رجلًا بارًّا، كاملًا في أجياله، وكان يسير مع الله (تكوين 6:9).
وفي تكوين 6:13 كلَّم الله نوحًا. وليس من العسير أن تعرف ما الذي يريده الرب منك حين يكلّمك هو نفسه.
ولم يكن من العسير أن يصدّق نوحٌ اللهَ، غير أنّ نوحًا صنع أكثر من مجرّد التصديق؛ فقد أطاع، وفعل كلّ ما أمره الله به. هذا هو الإيمان! تصديقٌ يظهر في طاعةٍ عمليّة.
وكانت الوصايا التي أُعطيت لنوح غريبةً كلّ الغرابة، ومع ذلك أطاعها كلّها. فهو لم يكن قد رأى طوفانًا قطّ ولا سفينة، لكنه عند أمر الله شرع في العمل ولم يسترح حتى تمّ العمل كلّه. ولسنا نقرأ عن أحدٍ أعان نوحًا في هذا المشروع الهائل، ولا حتى بنيه؛ على أنهم هم ونساءهم كانوا سينتفعون بطاعة نوح. وفي الجملة، ثمانية أشخاصٍ دانت حياتهم لنعمة الله ولطاعة نوح.
فما المبدأ الكتابيّ الذي نستطيع أن نتعلّمه من مثال الإيمان هذا؟
وثمّة جوابٌ واحدٌ واضح يعطيه لنا يسوع نفسه في متى 24:37-39، حيث يعلّم اليهود عن رجوعه لكي يقيم ملكوته المسيّانيّ.
وكما كانت أيام نوح، كذلك يكون أيضًا مجيء ابن الإنسان. ففي تلك الأيام التي قبل الطوفان كانوا يأكلون ويشربون ويتزوّجون ويزوّجون، إلى اليوم الذي دخل فيه نوح الفلك. ولم يعلموا لماذا، حتى جاء الطوفان وأخذ الجميع؛ كذلك يكون أيضًا مجيء ابن الإنسان.
فالناس سيكونون غافلين عن أمور الله لاهين عنها، ولذلك ستأتي عليهم دينونةٌ عظيمة. ولن يخلص منهم إلا القليلون — بقيّةٌ باقية لا غير.
فههنا مبدأٌ ثابت: مبدأ اليقين بأنّ دينونةً آتيةٌ لا محالة على هذا العالم؛ غير أنّ ثمّة حقًّا آخر يظهر لنا في التدبير الذي أعدّه الله لنا بابنه يسوع. فقد هيّأ لنا الوسيلة التي بها نخلص من الدينونة الآتية على كلّ من يأبى أن يسير معه.
لقد أُعِدَّ لنا فلكٌ في يسوع، والدعوة مبذولةٌ لكلّ من يشاء أن يدخل فيه! وإننا نشكر الرب أنه كان مطيعًا لمشيئة الآب، وإن كانت تلك الطاعة تعني له كربَ جثسيماني وصليبًا على أكمة الجلجثة. فمن أجل نعمة الآب وطاعة الابن، يجد كلُّ من يدخل خلاصًا.
وكما أغلق الرب باب فلك نوح حين صار الثمانية جميعًا في داخله (تكوين 7:16)، كذلك «ختمنا» هو في ابنه بالروح القدس (أفسس 1:13). ولسنا ننال في فلكنا يسوع أمانًا فحسب، بل نحن مباركون هناك بكلّ بركةٍ روحيّة (أفسس 1:3). بل إنّ أفسس 1 كلّه يتكلّم عن مثل هذه البركات.
ففيه: ● صرنا قدّيسين وبلا لومٍ قدّامه (عدد 4).
● صرنا أبناءً لله بالتبنّي (عدد 5).
● ننال نعمة الله الغنيّة (عدد 6).
● لنا الفداء (أي أن نُشترى ونُستردّ من العبوديّة)، ولنا غفران خطايانا (عدد 7).
● يُعلن لنا الله سرّ مشيئته ويعرّفنا به (عدد 9).
● سيجمع الله الخليقة كلّها (عدد 10).
● عُيِّنّا سابقًا لنكون نحن الذين يحيون لمدح مجده (عدد 11).
● خُتِمنا بروحه القدّوس، روحِ الموعد (عدد 13).
ثم يكتب لنا بولس في أفسس 2:6 أنّ الله قد أقامنا معه وأجلسنا معه في السماويّات في المسيح، لكي يُظهر لنا غنى نعمته الفائق الذي لا يُقاس، باللطف علينا في المسيح يسوع.
وليس أماننا في قدرتنا على أن نبني لأنفسنا فلكًا، ولا في أعمالنا الصالحة. فبرّنا نحن لا يُجدي شيئًا. ولا نستطيع أن ننجو بما نخترعه أو ندبّره من حِيَل؛ بل الأمر كلّه بالنعمة، بالإيمان. فالله هو الذي رسم طريق الخلاص وأعدّه، وهو الذي يدعونا أن ندخل فيه. وقد نصدّق نحن، لكننا إن لم نُطع دعوته فلن نخلص. فالإيمان المخلّص يقتضي استجابةً فيها طاعة.
ثم إنّ كلّ من كان يسكن بالقرب من نوح لا بدّ أنه كان يعلم بأمر تلك السفينة العجيبة التي كان يبنيها. وكانوا جميعًا يعرفون ما كان يكرز به، غير أنّ أحدًا منهم لم يشأ أن يستجيب لدعوته.
فقد دِين أولئك الناس برفضهم أن يقبلوا ما كان بيّنًا ظاهرًا أمام أعينهم. وهكذا اليوم أيضًا، ليست بشارة الخلاص في يسوع مخفيّةً عن العالم، لكنّ الناس يختارون ألّا يستجيبوا لتلك الدعوة؛ ومن ثمّ فإنّ وجود الكنيسة في العالم لا يزال دينونةً له.
خلاصة إنّ قصّة نوح، بوصفها مثالًا من أمثلة الإيمان، إنما تعلّمنا المبادئ التالية: 1. ثمّة دينونةٌ آتيةٌ على هذا العالم.
2. إنّ الله، بنعمته، قد جعل لنا طريقًا للنجاة في ابنه يسوع، وليس الخلاص في أحدٍ غيره.
3. إنّ النعمة صفةٌ أصيلة من صفات الله.
4. إنّ الخلاص يقتضي استجابةً فيها طاعةٌ لدعوة الله.
وذلك هو الإيمان المخلّص.