فصل 5 · قراءة 25 د
الكتاب الخامس
الفصل الأول
اقبل ذبيحة اعترافاتي من خدمة لساني، الذي جبلته وحرّكته ليعترف لاسمك. اشف جميع عظامي، ولتقل: يا ربّ، من مثلك؟ فإنّ من يعترف لك لا يعلّمك ما يجري في داخله، إذ القلب المغلق لا يحجب عنه عينك، ولا تقدر قساوة الإنسان أن تردّ يدك، لأنك تذيبها متى شئت، رحمة أو انتقاما، ولا شيء يختفي من حرّك. بل لتسبّحك نفسي لكي تحبّك، ولتعترف لك بمراحمك لكي تسبّحك. إنّ خليقتك كلّها لا تكفّ عن تسبيحك ولا تصمت: لا روح الإنسان بصوت موجّه إليك، ولا الخليقة الحيّة أو الجامدة بصوت الذين يتأمّلونها؛ حتى تنهض نفوسنا من إعيائها نحوك، مستندة إلى ما خلقت، وعابرة منه إليك أنت الذي صنعتها صنعا عجيبا؛ وهناك الانتعاش والقوّة الحقّة.
الفصل الثاني
ليمض القلقون الفجّار وليهربوا منك؛ ومع ذلك فأنت تراهم، وتفصل الظلمة. وها إنّ الكون جميل وهم فيه، وإن كانوا هم قبحاء. وبماذا أضرّوك؟ أو بماذا شانوا سلطانك الذي هو عادل كامل من السماء إلى هذه الأرض السفلى؟ فإلى أين هربوا حين هربوا من وجهك؟ أو أين لا تجدهم أنت؟ لكنهم هربوا لكي لا يروك وأنت تراهم، فيعثروا بك وهم عمي (لأنك لا تتخلّى عن شيء ممّا صنعت)؛ أقول: لكي يعثر الظالمون بك فيصابوا بعدل، منسحبين من لطفك، عاثرين باستقامتك، ساقطين على وعورتهم هم. جاهلين حقّا أنك في كلّ مكان، أنت الذي لا يحويك مكان! وأنك وحدك قريب حتى من الذين يبتعدون عنك. فليرجعوا إذن وليطلبوك؛ لأنك لم تتخلّ عن خليقتك كما تخلّوا هم عن خالقهم. ليرجعوا وليطلبوك؛ فها أنت هناك في قلبهم، في قلب الذين يعترفون لك، ويلقون بأنفسهم عليك، ويبكون في حضنك بعد كلّ طرقهم الوعرة. حينئذ تمسح أنت دموعهم برفق، فيزدادون بكاء، ويفرحون في البكاء؛ إذ إنك أنت، يا ربّ، — لا إنسان من لحم ودم، بل — أنت، يا ربّ، الذي صنعتهم، تعيد صنعهم وتعزّيهم. أما أنا فأين كنت حين كنت أطلبك؟ كنت أنت أمامي، وأما أنا فكنت قد مضيت بعيدا عنك؛ ولم أكن أجد نفسي، فكم بالأحرى أجدك!
الفصل الثالث
أريد أن أكشف أمام إلهي تلك السنة التاسعة والعشرين من عمري. كان قد قدم يومئذ إلى قرطاج أسقف من أساقفة المانويين اسمه فاوستوس، فخّ عظيم من فخاخ إبليس، وقد علق به كثيرون بطعم كلامه الناعم؛ وهو كلام وإن كنت أمدحه، كنت أقدر أن أميّزه من حقيقة الأمور التي كنت أتوق إلى تعلّمها؛ ولم أكن ألتفت إلى صنعة الخطابة بقدر ما ألتفت إلى العلم الذي كان فاوستوس هذا، الممدوح عندهم، يضعه أمامي لأتغذّى به. وكانت الشهرة قد سبقته بأنه أعلم الناس بكلّ معرفة نفيسة، وأبرعهم في العلوم الحرّة. ولمّا كنت قد قرأت الكثير من كتب الفلاسفة ووعيته جيدا، قارنت بعض أقوالهم بخرافات المانويين الطويلة تلك، فوجدت الأولى أرجح؛ وإن كانوا لم يبلغوا إلا أن يحكموا في هذا العالم السفلي، أما ربّه فلم يقدروا البتّة أن يجدوه. لأنك عظيم يا ربّ، وتنظر إلى المتواضع، أما المتكبّر فتعرفه من بعيد. ولا تقترب إلا من منسحقي القلوب، ولا يجدك المتكبّرون، لا، ولو أحصوا بمهارتهم الفضولية النجوم والرمل، وقاسوا السماوات المرصّعة بالكواكب، وتتبّعوا مسالك السيّارات.
فإنهم بالفهم والذكاء اللذين وهبتهما لهم يبحثون في هذه الأمور، وقد اكتشفوا منها الكثير؛ وأنبأوا قبل سنين كثيرة بكسوف ذينك النيّرين، الشمس والقمر، — في أيّ يوم وأيّ ساعة، وبكم إصبعا — فلم يخطئ حسابهم، وجرى الأمر كما أنبأوا؛ ودوّنوا القواعد التي اكتشفوها، وهي تقرأ إلى هذا اليوم، ومنها يتنبّأ آخرون في أيّ سنة، وفي أيّ شهر من السنة، وفي أيّ يوم من الشهر، وفي أيّ ساعة من النهار، وبأيّ جزء من نوره، سيكسف القمر أو الشمس؛ فيكون كما أنبئ به. فيعجب من هذه الأمور ويندهش الناس الذين لا يعرفون هذا الفنّ، أما الذين يعرفونه فيتهلّلون وينتفخون؛ وإذ يبتعدون عنك بكبرياء أثيمة، ويحرمون نورك، يتنبّأون بكسوف نور الشمس الذي سيكون، قبل وقوعه بزمن طويل، ولا يرون كسوف نورهم هم، وهو كائن الآن. فإنهم لا يبحثون بتقوى من أين نالوا الذكاء الذي به يبحثون في هذا. وإذ يجدون أنك أنت صنعتهم، لا يسلمون أنفسهم إليك لتحفظ ما صنعت، ولا يذبحون لك ما صنعوه هم بأنفسهم؛ ولا يذبحون تخيّلاتهم المحلّقة كطيور السماء، ولا فضولهم الغوّاص (الذي به، كسمك البحر، يجوبون سبل الغمر المجهولة)، ولا ترفهم كبهائم الحقل؛ لكي تحرق أنت، يا ربّ، النار الآكلة، همومهم الميتة تلك، وتعيد خلقهم خلقا لا يموت.
لكنهم لم يعرفوا الطريق، كلمتك، الذي به صنعت هذه الأشياء التي يحصونها، وصنعتهم هم الذين يحصون، والحسّ الذي به يدركون ما يحصون، والفهم الذي منه يحصون؛ ولم يعرفوا أنّ لحكمتك لا إحصاء. أما الابن الوحيد فقد صار هو نفسه لنا حكمة وبرّا وقداسة، وأحصي بيننا، وأدّى الجزية لقيصر. لم يعرفوا هذا الطريق الذي به ينزلون من أنفسهم إليه، وبه يصعدون إليه. لم يعرفوا هذا الطريق، وحسبوا أنفسهم مرتفعين بين النجوم ومتلألئين؛ فإذا بهم قد سقطوا على الأرض، وأظلم قلبهم الغبيّ. إنهم يقولون أشياء كثيرة صادقة عن الخليقة؛ أما الحقّ، صانع الخليقة، فلا يطلبونه بتقوى، ولذلك لا يجدونه؛ أو إن وجدوه، عارفين أنه الله، لا يمجّدونه كإله ولا يشكرونه، بل يحمقون في أفكارهم، ويزعمون أنهم حكماء، ناسبين إلى أنفسهم ما هو لك؛ وبذلك يسعون، بأشدّ العمى اعوجاجا، إلى أن ينسبوا إليك ما هو لهم، مختلقين الأكاذيب عليك أنت الحقّ، ومبدلين مجد الله الذي لا يفنى بشبه صورة الإنسان الذي يفنى، والطيور، وذوات الأربع، والزحّافات، مستبدلين حقّك بالكذب، ومتّقين وعابدين المخلوق دون الخالق.
ومع ذلك فقد احتفظت من هؤلاء القوم بحقائق كثيرة عن الخليقة، ورأيت علّتها من الحسابات، ومن تعاقب الأزمنة، ومن شهادات النجوم المنظورة؛ وقارنتها بأقوال ماني، الذي كتب في هذه الموضوعات في هذيانه أوسع الكتابة؛ فلم أجد فيها أيّ تفسير للانقلابين أو الاعتدالين، أو لكسوف النيّرين العظيمين، ولا لشيء من هذا القبيل ممّا كنت قد تعلّمته في كتب الفلسفة الدنيوية. بل كنت مأمورا أن أؤمن؛ ومع ذلك لم يكن ذلك يوافق ما ثبت بالحسابات وبما رأيته بعيني، بل كان مناقضا له تماما.
الفصل الرابع
أفيرضيك إذن، أيها الربّ إله الحقّ، كلّ من يعرف هذه الأمور لأجلها؟ حقّا إنه لشقيّ من يعرف هذه كلّها ولا يعرفك أنت؛ أما من يعرفك فسعيد وإن لم يعرف هذه. ومن يعرفك ويعرفها معا، فليس هو أسعد بسببها، بل بسببك أنت وحدك، إن كان، وهو يعرفك، يمجّدك كإله ويشكرك، ولا يحمق في أفكاره. فكما أنّ من يعرف كيف يملك شجرة، ويؤدّي لك الشكر على الانتفاع بها، وإن لم يعرف كم ذراعا ارتفاعها ولا إلى أيّ مدى تمتدّ، هو أحسن حالا ممّن يقدر أن يقيسها ويعدّ جميع أغصانها، وهو لا يملكها، ولا يعرف خالقها ولا يحبّه؛ كذلك المؤمن، الذي له عالم الغنى هذا كلّه، والذي كأن لا شيء له وهو يملك كلّ شيء، بالتصاقه بك أنت الذي تخدمك كلّ الأشياء، وإن لم يعرف حتى مدارات الدبّ الأكبر، فمن الحماقة أن يشكّ في أنه في حال أفضل من ذاك الذي يقدر أن يقيس السماوات، ويحصي النجوم، ويزن العناصر، ثم يهملك أنت الذي صنعت كلّ شيء بعدد ووزن ومقدار.
الفصل الخامس
ولكن من أمر ماني أن يكتب في هذه الأمور أيضا، وهي أمور لم تكن البراعة فيها ركنا من أركان التقوى؟ فإنك قلت للإنسان: هوذا التقوى والحكمة؛ وقد كان يمكنه أن يجهلها ولو أحاط بهذه الأمور علما كاملا؛ أما هذه الأمور، فلمّا تجرّأ بأشدّ الوقاحة على أن يعلّمها وهو لا يعرفها، فقد بان أنه لا يمكن أن يكون له علم بالتقوى. فإنّ ادّعاء معرفة هذه الأمور الدنيوية باطل حتى حين تعرف؛ أما الاعتراف لك فهو التقوى. لذلك تكلّم هذا الضالّ في هذه الأمور كثيرا، حتى إذا دحضه الذين تعلّموها حقّا، ظهر أيّ فهم كان له في تلك الأمور الأخرى الأغمض. لأنه لم يكن يرضى أن يستخفّ به، بل سعى إلى أن يقنع الناس «بأنّ الروح القدس، المعزّي والمغني لمؤمنيك، كان حالّا فيه شخصيّا بسلطان تامّ». فلمّا انكشف أنه علّم باطلا عن السماء والنجوم، وعن حركات الشمس والقمر (وإن كانت هذه الأمور لا تتعلّق بعقيدة الدين)، صار تجاسره المدنّس للمقدّسات ظاهرا بما فيه الكفاية، إذ كان يلقي أشياء لم يكن يجهلها فحسب، بل كانت مزيّفة أيضا، بغرور من الكبرياء بلغ من الجنون أنه سعى إلى أن ينسبها إلى نفسه كما إلى شخص إلهيّ.
فإني حين أسمع أخا مسيحيّا يجهل هذه الأمور ويخطئ فيها، أقدر أن أرى رجلا كهذا متمسّكا برأيه وأنا صابر؛ ولا أرى أنّ جهلا بموضع الخليقة الجسمانية أو طبيعتها يمكن أن يضرّه، ما دام لا يعتقد فيك شيئا لا يليق بك، أيها الربّ خالق الكلّ. ولكنه يضرّه إن ظنّ أنّ ذلك يتعلّق بصورة عقيدة التقوى، وظلّ مع ذلك يؤكّد بعناد شديد ما هو جاهل به. ومع ذلك فإنّ ضعفا كهذا، في طفولة الإيمان، تحتمله أمّنا المحبّة، إلى أن ينمو المولود الجديد إلى إنسان كامل، فلا يعود محمولا بكلّ ريح تعليم. أما من تجرّأ على هذا النحو أن يكون المعلّم والمصدر والمرشد والرأس لكلّ من استطاع أن يقنعهم، حتى إنّ من تبعه ظنّ أنه لا يتبع مجرّد إنسان، بل روحك القدوس؛ فمن ذا الذي لا يحكم بأنّ جنونا عظيما كهذا، متى ثبت عليه مرّة أنه علّم شيئا باطلا، ينبغي أن يمقت وينبذ نبذا تامّا؟ لكنني لم أكن قد تحقّقت بعد بوضوح هل يمكن تفسير تعاقب الأيام والليالي في طولها وقصرها، وتعاقب النهار والليل نفسه، مع كسوف النيّرين العظيمين، وكلّ ما قرأته من هذا القبيل في كتب أخرى، تفسيرا يوافق أقواله؛ حتى إذا أمكن ذلك بوجه ما، بقي الأمر عندي موضع سؤال: أهو كذلك أم لا؛ غير أنه كان يمكنني، بسبب قداسته المزعومة، أن أسند تصديقي إلى سلطانه.
الفصل السادس
وطوال تلك السنين التسع تقريبا، التي كنت فيها تلميذا لهم بعقل مضطرب، كنت أتوق توقا مفرطا إلى قدوم فاوستوس هذا. فإنّ سائر أتباع البدعة، الذين صادفتهم اتفاقا، لمّا عجزوا عن حلّ اعتراضاتي في هذه الأمور، ظلّوا يعدونني بقدوم فاوستوس هذا، الذي بمحاورته تنجلي هذه المعضلات، وما هو أعظم منها إن كانت لي، بأيسر سبيل وأوفاه. فلمّا جاء، وجدته رجلا حلو الحديث، يتكلّم بطلاقة وبعبارات أحسن، غير أنه يقول الأشياء عينها التي اعتادوا أن يقولوها. ولكن ماذا تجدي أناقة الساقي البالغة ظمئي إلى شراب أثمن؟ لقد كانت أذناي قد شبعتا من مثل ذلك، ولم تكن تلك الأقوال تبدو لي أفضل لأنها قيلت على نحو أفضل؛ ولا صادقة لأنها فصيحة؛ ولا النفس حكيمة لأنّ الوجه وسيم واللغة رشيقة. أما الذين كانوا يعدونني به فلم يكونوا قضاة صالحين في الأمور؛ ولذلك بدا لهم فهيما حكيما لأنه كان عذب الكلام. على أنني شعرت بأنّ صنفا آخر من الناس يرتابون حتى في الحقّ، ويأبون التسليم به إن ألقي في كلام ناعم غزير. أما أنت، يا إلهي، فكنت قد علّمتني من قبل بطرق عجيبة خفيّة، ولذلك أؤمن بأنك أنت الذي علّمتني، لأنه الحقّ، وليس غيرك معلّم للحقّ، أينما أشرق علينا ومن أين أشرق. فمنك إذن كنت قد تعلّمت الآن أنه لا ينبغي أن يبدو شيء مقولا بالصدق لأنه قيل ببلاغة، ولا بالكذب لأنّ نطق الشفتين غير متناسق؛ ولا، من جهة أخرى، صادقا لأنه ألقي بخشونة، ولا كاذبا لأنّ اللغة غنيّة؛ بل إنّ الحكمة والحماقة كالطعام الصحّي وغير الصحّي، والعبارات المزخرفة وغير المزخرفة كآنية القصور وآنية الريف؛ فكلا صنفي الطعام يمكن أن يقدّم في كلا صنفي الصحون.
فذلك الشغف الذي انتظرت به ذلك الرجل زمنا طويلا، كان يبتهج حقّا بحيويّته وحرارته في المناظرة، وبحسن اختياره للألفاظ وسرعته فيها ليكسو بها أفكاره. فكنت أبتهج، وكنت، مع كثيرين آخرين وأكثر منهم، أمدحه وأطريه. غير أنه ساءني ألّا يسمح لي، في مجمع سامعيه، أن أطرح عليه تلك المسائل التي كانت تقلقني وأشاركه فيها في حديث أليف. فلمّا أتيح لي ذلك، وبدأت مع أصدقائي أشغل أذنيه في أوقات لم يكن فيها ممّا لا يليق به أن يتباحث معي، وعرضت عليه ما كان يحرّكني، وجدته أوّلا جاهلا تماما بالعلوم الحرّة، ما خلا النحو، وحتى هذا على نحو عاديّ. ولكن لأنه كان قد قرأ بعض خطب شيشرون، وقليلا جدّا من كتب سينيكا، وشيئا من الشعراء، وتلك المجلّدات القليلة من كتب بدعته التي كتبت باللاتينية وبعبارة أنيقة، وكان يتمرّس يوميّا في الكلام، فقد اكتسب نوعا من الفصاحة، ازدادت عذوبة وإغراء لأنها كانت في ظلّ ذكاء حسن، ومع ضرب من الرشاقة الطبيعية. أليس الأمر كذلك كما أتذكّره، أيها الربّ إلهي، يا ديّان ضميري؟ أمامك قلبي وذاكرتي، أنت الذي كنت في ذلك الحين تقودني بسرّ عنايتك الخفيّ، وتضع ضلالاتي المخزية تلك أمام وجهي، لكي أراها وأبغضها.
الفصل السابع
فبعدما اتضح أنه يجهل تلك الفنون التي ظننته يتفوّق فيها، بدأت أيأس من أن يفتح لي المعضلات التي كانت تحيّرني ويحلّها (وإن كان، مهما جهلها، يمكنه أن يتمسّك بحقائق التقوى لو لم يكن مانويّا). فإنّ كتبهم مشحونة بخرافات مسهبة عن السماء والنجوم والشمس والقمر، ولم أعد أظنّه قادرا على أن يفصل فصلا مرضيا فيما كنت أرغب فيه كثيرا: هل، إذا قورنت هذه الأمور بالحسابات التي قرأتها في موضع آخر، كان ما ورد في كتب ماني أرجح، أو على الأقل مساويا لها. فلمّا عرضت ذلك لينظر فيه ويبحث، تنحّى بتواضع عن حمل هذا العبء. فقد كان يعلم أنه لا يعلم هذه الأمور، ولم يستح أن يعترف بذلك. إذ لم يكن من أولئك الثرثارين، الذين احتملت كثيرين منهم، ممّن تصدّوا لتعليمي هذه الأمور فلم يقولوا شيئا. بل كان لهذا الرجل قلب، وإن لم يكن مستقيما نحوك، فلم يكن غادرا بنفسه كلّ الغدر. فإنه لم يكن جاهلا بجهله تماما، ولم يكن ليتورّط متهوّرا في جدال لا يقدر أن ينسحب منه ولا أن يتخلّص منه بشرف. وحتى لأجل هذا ازددت له حبّا. لأنّ تواضع النفس الصادقة أجمل من معرفة تلك الأمور التي كنت أرغب فيها؛ وهكذا وجدته في جميع المسائل الأصعب والأدقّ.
وإذ فترت هكذا غيرتي على كتابات ماني، وازداد يأسي من سائر معلّميهم، بعدما رأيت أنه، وهو المشهور بينهم، قد ظهر على هذه الحال في أمور شتّى كانت تحيّرني، بدأت أشتغل معه بدراسة ذلك الأدب الذي كان هو أيضا شديد الولع به (والذي كنت في ذلك الحين، بصفتي أستاذا للبلاغة، أعلّمه الطلّاب الشبان في قرطاج)، وأن أقرأ معه إمّا ما رغب هو في سماعه، أو ما رأيته ملائما لذكائه. أما جميع مساعيّ التي عزمت بها على التقدّم في تلك البدعة، فقد انتهت تماما بعدما عرفت ذلك الرجل؛ لا أنني انفصلت عنهم كلّ الانفصال، بل كمن لا يجد شيئا أفضل، كنت قد عزمت على أن أقنع مؤقّتا بما وقعت عليه كيفما اتفق، إلى أن يلوح لي، لعلّه، ما هو أجدر بالاختيار. وهكذا بدأ فاوستوس ذاك، الذي كان فخّ موت لكثيرين، يرخي، من غير أن يريد أو يدري، ما كنت مأسورا فيه. فإنّ يديك، يا إلهي، في قصد عنايتك الخفيّ، لم تتخلّيا عن نفسي؛ ومن دم قلب أمّي، بدموعها المسكوبة ليلا ونهارا، قدّمت لك ذبيحة من أجلي؛ وعاملتني بطرق عجيبة. أنت فعلت ذلك، يا إلهي: لأنه من قبل الربّ تتثبّت خطوات الإنسان، وهو يعدّ طريقه. أو كيف ننال الخلاص إلا من يدك التي تعيد صنع ما صنعت؟
الفصل الثامن
أنت عاملتني حتى أقتنع بالذهاب إلى روما، وبأن أعلّم هناك بالأحرى ما كنت أعلّمه في قرطاج. وكيف اقتنعت بهذا، لن أهمل أن أعترف لك به؛ لأنّ في هذا أيضا ينبغي أن تتأمّل أعمق خفايا حكمتك، ورحمتك الحاضرة لنا أشدّ الحضور، وأن يعترف بهما. فلم أرد الذهاب إلى روما لأنّ أصدقائي الذين أقنعوني بهذا ضمنوا لي مكاسب أعلى ومراتب أرفع (وإن كانت هذه الأمور أيضا ذات أثر في نفسي في ذلك الحين)، بل كان سببي الأوّل والوحيد تقريبا أنني سمعت أنّ الشبان هناك يدرسون في سكينة أكبر، ويضبطون تحت نظام أحكم، فلا يندفعون بوقاحة، على هواهم، إلى مدرسة من ليسوا تلاميذه، بل لا يسمح لهم بدخولها إلا بإذنه. أما في قرطاج فيسود بين الطلّاب تسيّب مخز جامح أشدّ الجموح. فهم يقتحمون بجسارة، وبحركات تكاد تكون مجنونة، يفسدون كلّ نظام أقامه أحد لخير تلاميذه. ويرتكبون صنوفا من الاعتداءات، ببلادة عجيبة، يعاقب عليها القانون لولا أنّ العادة تسندهم؛ وتلك العادة تظهرهم أشدّ شقاء، إذ يفعلون الآن كأمر مباح ما لن يكون مباحا أبدا بحسب ناموسك الأزلي؛ ويظنّون أنهم يفعلونه بلا عقاب، في حين أنهم يعاقبون بالعمى نفسه الذي به يفعلونه، ويقاسون ما هو أسوأ بما لا يقاس ممّا يفعلون. فالأخلاق التي أبيت أن أتخلّق بها وأنا طالب، اضطررت أن أحتملها في غيري وأنا معلّم؛ ولذلك سررت بالذهاب إلى حيث أكّد لي كلّ من يعرف المكان أنّ مثل ذلك لا يفعل. أما أنت، يا ملجإي ونصيبي في أرض الأحياء، فلكي أبدّل مسكني الأرضي من أجل خلاص نفسي، كنت تنخسني في قرطاج لكي أنتزع منها، وتعرض عليّ في روما مغريات لكي أجتذب إليها، على أيدي أناس عاشقين لحياة مائتة، هؤلاء يفعلون أفعال الجنون، وأولئك يعدون وعود الباطل؛ ولكي تقوّم خطواتي، كنت تستخدم في الخفاء اعوجاجهم واعوجاجي. فإنّ الذين كانوا يقلقون سكينتي كان قد أعماهم هياج مخز، والذين دعوني إلى مكان آخر كانوا يتذوّقون الأرض. وأنا الذي كنت هنا أمقت شقاء حقيقيّا، كنت هناك أطلب سعادة غير حقيقية.
ولكن لماذا رحلت من هنا وذهبت إلى هناك، كنت أنت تعلم، يا الله، ولم تظهره لي ولا لأمّي التي ناحت على سفري نوحا مريرا، وتبعتني حتى البحر. لكنني خدعتها وهي تتشبّث بي بالقوّة، لكي تستبقيني أو تذهب معي، وتظاهرت بأنّ لي صديقا لا أستطيع أن أفارقه حتى تهبّ له ريح مواتية للإبحار. وكذبت على أمّي، وعلى أمّ مثلها، وأفلتّ: فهذا أيضا غفرته لي برحمتك، إذ حفظتني، وأنا ممتلئ هكذا بأدناس ملعونة، من مياه البحر، لأجل ماء نعمتك؛ الذي متى اغتسلت به جفّت ينابيع عيني أمّي، التي كانت تسقي بها من أجلي كلّ يوم الأرض تحت وجهها. ومع ذلك، إذ أبت أن ترجع من دوني، أقنعتها بصعوبة أن تبيت تلك الليلة في موضع قريب من سفينتنا، حيث كان مصلّى تذكارا للطوباوي كبريانوس. وفي تلك الليلة رحلت خفية، أما هي فلم تتخلّف عن البكاء والصلاة. وماذا كانت، يا ربّ، تطلب منك بكلّ تلك الدموع، إلا أن لا تدعني أبحر؟ لكنك، في عمق مشوراتك، وإذ استجبت لجوهر رغبتها، لم تلتفت إلى ما طلبته حينئذ، لكي تجعلني ما كانت تطلبه دائما. فهبّت الريح وملأت أشرعتنا، وأخفت الشاطئ عن أنظارنا؛ وكانت هي هناك في الغد، مجنونة من الحزن، تملأ أذنيك بالشكاوى والأنين، وأنت كنت حينئذ لا تلتفت إليها؛ إذ كنت، من خلال رغباتي، تسوقني مسرعا لأضع حدّا لكلّ رغبة، وكان الجزء الأرضيّ من محبّتها لي يؤدّب بسوط الأحزان المقسوم لها. فقد كانت تحبّ أن أكون معها، كما تفعل الأمّهات، ولكن أكثر بكثير من كثيرات؛ ولم تكن تعلم أيّ فرح عظيم كنت مزمعا أن تصنعه لها من غيابي. لم تكن تعلم؛ ولذلك بكت وولولت، وبهذا العذاب ظهر فيها ميراث حواء، إذ كانت تطلب بالحزن من ولدته بالحزن. ومع ذلك، بعدما اتّهمت غدري وقساوة قلبي، عادت فانصرفت إلى التشفّع لديك من أجلي، ومضت إلى مكانها المعهود، ومضيت أنا إلى روما.
الفصل التاسع
وإذا بي هناك يستقبلني سوط المرض الجسدي، وكنت منحدرا إلى الجحيم، حاملا كلّ الخطايا التي ارتكبتها، ضدّك وضدّ نفسي وضدّ الآخرين، خطايا كثيرة وثقيلة، فوق قيد الخطيئة الأصلية الذي به نموت جميعا في آدم. فإنك لم تكن قد غفرت لي شيئا من هذه في المسيح، ولا كان هو قد أبطل بصليبه العداوة التي جلبتها على نفسي معك بخطاياي. وكيف كان له ذلك بصلب خيال، وهو ما كنت أعتقده؟ فبقدر ما كان موت نفسي حقيقيّا، كان موت جسده يبدو لي كاذبا؛ وبقدر ما كان موت جسده حقيقيّا، كانت حياة نفسي، التي لم تؤمن به، كاذبة. وإذ اشتدّت الحمّى، كنت أرحل وأمضي إلى الأبد. فلو كنت رحلت من هنا حينئذ، فإلى أين كنت أمضي إلا إلى النار والعذابات، كما استحقّت آثامي بحسب حقّ قضائك؟ وهذا لم تكن هي تعلمه، ومع ذلك كانت تصلّي من أجلي وهي غائبة. أما أنت، الحاضر في كلّ مكان، فقد سمعتها حيث كانت، وحيث كنت أنا رحمتني؛ فاستعدت صحّة جسدي، وإن كنت ما أزال مهتاجا في قلبي المدنّس للمقدّسات. فإنني لم أرغب في معموديّتك في كلّ ذلك الخطر؛ وقد كنت في صباي أفضل حالا، حين طلبتها من تقوى أمّي، كما سبق أن رويت واعترفت. لكنني كنت قد كبرت لخزيي، وسخرت بجنون من وصفات دوائك، أنت الذي لم تدعني، وأنا على تلك الحال، أموت موتا مضاعفا. ولو طعن قلب أمّي بهذا الجرح، لما شفي أبدا. فإنني لا أستطيع أن أعبّر عن المحبّة التي حملتها لي، وعن مقدار الألم الأشدّ الذي كانت تتمخّض به بي الآن في الروح، أكثر ممّا كان عند ولادتها إيّاي في الجسد.
فلست أرى إذن كيف كانت ستشفى، لو أنّ موتا كهذا لي طعن أحشاء محبّتها. وأين كانت ستذهب تلك الصلوات القويّة التي لا تنقطع، المرفوعة إليك وحدك بلا فتور؟ أفكنت، يا إله المراحم، تحتقر القلب المنكسر والمنسحق لتلك الأرملة العفيفة الرزينة، الكثيرة الصدقات، الممتلئة واجبا وخدمة لقدّيسيك، التي لم يكن يمرّ يوم دون أن تقدّم القربان على مذبحك، والتي كانت تأتي إلى كنيستك مرّتين في اليوم، صباحا ومساء، بلا انقطاع، لا من أجل الثرثرة الفارغة وخرافات العجائز، بل لكي تسمعك أنت في أحاديثك، وتسمعها أنت في صلواتها؟ أكنت تحتقر وتردّ عن عونك دموع امرأة كهذه، طلبت بها منك لا ذهبا ولا فضّة، ولا خيرا متغيّرا أو زائلا، بل خلاص نفس ابنها؟ أنت الذي بعطيّتك كانت هكذا؟ حاشا، يا ربّ. بل كنت قريبا، وكنت تسمع وتعمل، بالترتيب الذي حدّدت من قبل أن يتمّ به الأمر. حاشا أن تخدعها في رؤاك وأجوبتك، التي ذكرت بعضها ولم أذكر بعضها، والتي حفظتها في قلبها الأمين، وكانت، وهي تصلّي دائما، تلحّ بها عليك كأنها صكّ بخطّ يدك. فإنك، لأنّ رحمتك إلى الأبد، تتنازل فتصير أيضا، بمواعيدك، مدينا للذين تغفر لهم جميع ديونهم.
الفصل العاشر
فشفيتني إذن من ذلك المرض، وأبرأت ابن أمتك، في الجسد حينئذ، لكي يحيا، فتهبه أنت صحّة أفضل وأدوم. وحتى حينئذ، في روما، انضممت إلى أولئك «القدّيسين» المخدوعين المخادعين؛ لا إلى تلاميذهم فحسب (وكان منهم ذاك الذي مرضت في بيته وتعافيت)، بل أيضا إلى الذين يسمّونهم «المختارين». فإنني كنت ما أزال أظنّ «أننا لسنا نحن الذين نخطئ، بل طبيعة أخرى لا أدري ما هي تخطئ فينا»؛ وكان يرضي كبريائي أن أكون بريئا من اللوم؛ وأن لا أعترف، متى ارتكبت شرّا، بأنني ارتكبت شيئا، لكي تشفي نفسي لأنها أخطأت إليك: بل كنت أحبّ أن أعذرها، وأن أتّهم شيئا آخر لا أدري ما هو، كان معي، ولكنه لم يكن أنا. غير أنه في الحقيقة كان أنا كلّي، وكان فجوري قد قسمني على نفسي: وكانت تلك الخطيئة أعسر شفاء، إذ لم أكن أحكم على نفسي بأنني خاطئ؛ وكان إثما ملعونا أن أوثر أن تغلب أنت، أنت يا الله القدير، فيّ لهلاكي، على أن أغلب أنا منك لخلاصي. فلم تكن بعد قد جعلت حارسا لفمي، وبابا يحفظ شفتيّ من حولهما، لكي لا يميل قلبي إلى كلام رديء، لأتعلّل بعلل الخطايا مع أناس فاعلي إثم؛ ولذلك كنت ما أزال متّحدا بمختاريهم.
أما الآن، وقد يئست من التقدّم في ذلك التعليم الباطل، فحتى تلك الأمور (التي كنت قد عزمت على أن أقنع بها إن لم أجد أفضل منها) صرت أتمسّك بها بتراخ وإهمال أكثر. فقد خطرت لي، نصف خاطرة، فكرة أنّ أولئك الفلاسفة الذين يسمّونهم الأكاديميين كانوا أحكم من سائرهم، لأنهم رأوا أنّ على الناس أن يشكّوا في كلّ شيء، وقرّروا أنّ الإنسان لا يستطيع أن يدرك أيّ حقيقة: إذ كنت أنا أيضا مقتنعا بوضوح بأنهم هكذا رأوا، كما يشاع عنهم عادة، وأنا لم أكن حينئذ أفهم حتى مرادهم. ومع ذلك كنت أثني مضيفي ذاك، بحرّية وعلانية، عن الثقة المفرطة التي لمستها فيه بتلك الخرافات التي تمتلئ بها كتب ماني. غير أنني كنت أعيش معهم في صداقة أوثق ممّا مع غيرهم ممّن لم يكونوا من هذه البدعة. ولم أعد أدافع عنها بحماستي القديمة؛ ومع ذلك فإنّ ألفتي بتلك الشيعة (وروما تؤوي منهم كثيرين في الخفاء) جعلتني أبطأ في طلب أيّ طريق آخر: ولا سيّما أنني يئست من أن أجد الحقّ، الذي صرفوني عنه، في كنيستك، أيها الربّ ربّ السماء والأرض، خالق كلّ ما يرى وما لا يرى: وبدا لي من غير اللائق جدّا أن أؤمن بأنّ لك هيئة جسد بشريّ، وأنك محدود بالملامح الجسدية لأعضائنا. ولأنني حين أردت أن أفكّر في إلهي، لم أكن أعرف ماذا أتصوّر إلا كتلة من الأجسام (لأنّ ما لم يكن كذلك لم يكن يبدو لي شيئا البتّة)، فقد كان هذا أعظم سبب، بل يكاد يكون السبب الوحيد، لضلالي الذي لا مفرّ منه.
فمن هنا اعتقدت أنّ الشرّ أيضا جوهر من هذا القبيل، وأنّ له كتلته الكريهة الشنيعة؛ إمّا غليظة، وهي ما سمّوه الأرض، وإمّا رقيقة لطيفة (كجسم الهواء)، وهي ما يتخيّلونه عقلا خبيثا يدبّ في تلك الأرض. ولأنّ تقوى ما، على ما كانت عليه، ألزمتني أن أؤمن بأنّ الإله الصالح لم يخلق قطّ طبيعة شرّيرة، تصوّرت كتلتين متضادّتين، كلتاهما بلا حدّ، لكنّ الشرّيرة أضيق، والصالحة أرحب. ومن هذا المبدأ الوبيء تبعتني سائر التصوّرات المدنّسة للمقدّسات. فحين حاول عقلي أن يرجع إلى الإيمان الكاثوليكي، رددت عنه، إذ لم يكن ذلك هو الإيمان الكاثوليكي الذي ظننته كذلك. وبدا لي أنني أكثر توقيرا إن اعتقدت فيك، يا إلهي (الذي تعترف لك مراحمك من فمي)، أنك بلا حدّ، على الأقل من سائر الجهات، وإن كنت مضطرّا أن أعترف بأنك محدود من تلك الجهة الواحدة التي كانت فيها كتلة الشرّ مقابلة لك؛ من أن أتخيّلك محدودا من كلّ الجهات بصورة جسد بشريّ. وبدا لي أفضل أن أؤمن بأنك لم تخلق شرّا (والشرّ، في نظري أنا الجاهل، لم يكن جوهرا ما فحسب، بل جوهرا جسمانيّا، لأنني لم أستطع أن أتصوّر العقل إلا جسما لطيفا، منتشرا في أحياز محدودة)، من أن أؤمن بأنّ طبيعة الشرّ، كما تصوّرتها، يمكن أن تصدر عنك. بل إنّ مخلّصنا نفسه، ابنك الوحيد، اعتقدت أنه قد امتدّ (إن صحّ التعبير) من أجل خلاصنا من كتلة جوهرك الأشدّ نورا، حتى لم أعتقد فيه إلا ما استطعت أن أتخيّله في بطلي. فظننت أنّ طبيعته، وهي على هذه الحال، لا يمكن أن تولد من مريم العذراء دون أن تمتزج بالجسد: ولم أر كيف يمكن لما صوّرته لنفسي على هذا النحو أن يمتزج ولا يتدنّس. فخشيت إذن أن أؤمن بأنه ولد في الجسد، لئلّا أضطرّ إلى أن أؤمن بأنه تدنّس بالجسد. والآن سيبتسم لي روحيّوك بوداعة ومحبّة، إن قرأوا اعترافاتي هذه. ومع ذلك هكذا كنت.
الفصل الحادي عشر
وفوق ذلك، فما انتقده المانويون في كتبك المقدّسة، ظننت أنه لا يمكن الدفاع عنه؛ غير أنني كنت أحيانا أرغب حقّا في أن أتباحث في هذه المسائل واحدة واحدة مع رجل متبحّر جدّا في تلك الكتب، وأن أختبر ما يراه فيها؛ فإنّ أقوال رجل اسمه هلبيديوس، حين كان يتكلّم ويجادل وجها لوجه ضدّ المانويين المذكورين، كانت قد بدأت تحرّكني حتى في قرطاج: إذ أورد من الكتب المقدّسة أمورا لا يسهل ردّها، وبدا لي جواب المانويين عليها ضعيفا. وهذا الجواب لم يكونوا يحبّون أن يقدّموه علانية، بل لنا وحدنا في الخفاء. وكان مفاده أنّ كتب العهد الجديد قد حرّفها أناس لا أدري من هم، أرادوا أن يطعّموا الإيمان المسيحيّ بناموس اليهود: ومع ذلك لم يخرجوا هم أيّ نسخة غير محرّفة. أما أنا، إذ لم أكن أتصوّر إلا الأشياء الجسمانية، فقد كنت مقيّدا في الغالب، مضغوطا بشدّة، وكأنني مخنوق تحت تلك «الكتل»؛ وإذ كنت ألهث تحتها طلبا لنسمة حقّك، لم أستطع أن أتنسّمها نقيّة غير مشوبة.
الفصل الثاني عشر
فبدأت إذن أمارس باجتهاد ما جئت إلى روما من أجله، أي تعليم البلاغة؛ وأوّلا أن أجمع في بيتي بعض من بهم ومن خلالهم بدأت أعرف؛ وإذا بي أجد في روما إساءات أخرى لم أكن معرّضا لها في أفريقية. صحيح أنّ تلك «الاقتحامات» التي يقوم بها الشبان المستهترون لم تكن تمارس هنا، كما قيل لي: ولكن فجأة، كما قالوا، يتآمر جمع من الفتيان، تهرّبا من دفع أجرة معلّمهم، فينتقلون إلى معلّم آخر؛ — ناقضين للعهد، يستخفّون بالعدل حبّا بالمال. وهؤلاء أيضا أبغضهم قلبي، وإن لم يكن بغضا تامّا: إذ لعلّي أبغضتهم لأنني كنت سأتضرّر منهم أكثر ممّا لأنهم يفعلون ما هو غير مشروع البتّة. حقّا إنّ أمثال هؤلاء أناس أدنياء، وهم يزنون عنك، محبّين هذه السخريات الزائلة من الأمور الزمنية، والربح القبيح الذي يلطّخ اليد التي تقبض عليه؛ معانقين العالم الزائل، ومحتقرين إيّاك أنت الذي تبقى، وتدعو إلى الرجوع، وتغفر لنفس الإنسان الزانية حين ترجع إليك. والآن أبغض هؤلاء الفاسدين المعوجّين، وإن كنت أحبّهم إن كانوا قابلين للإصلاح، حتى يؤثروا على المال العلم الذي يحصّلونه، وعلى العلم إيّاك، يا الله، أنت الحقّ وملء الخير اليقين، والسلام الأطهر. أما حينئذ فكنت بالأحرى أكره شرّهم لأجل نفسي، لا أحبّ لهم الخير وأتمنّاه لأجلك.
الفصل الثالث عشر
فلمّا أرسل أهل ميلانو إلى روما، إلى والي المدينة، ليزوّدهم بأستاذ للبلاغة لمدينتهم، ويرسله على نفقة الدولة، تقدّمت بطلب (عن طريق أولئك الأشخاص أنفسهم، المسكرين بأباطيل المانوية، الذين كنت ذاهبا لأتحرّر منهم، ولم يكن أحد منّا يعلم ذلك) أن يمتحنني سيماخوس، والي المدينة يومئذ، بأن يطرح عليّ موضوعا ما، ثم يرسلني. فجئت إلى ميلانو، إلى الأسقف أمبروسيوس، المعروف في العالم كلّه بأنه من خيرة الناس، عبدك التقيّ؛ الذي كانت عظاته البليغة توزّع حينئذ على شعبك بسخاء دقيق حنطتك، وبهجة زيتك، والسّكر الرزين من خمرك. إليه قدت بك وأنا لا أعلم، لكي أقاد به إليك وأنا أعلم. فاستقبلني رجل الله ذاك كأب، وأظهر لي عند قدومي لطفا يليق بأسقف. ومنذ ذلك الحين بدأت أحبّه، أوّلا لا بوصفه معلّما للحقّ (الذي كنت قد يئست منه تماما في كنيستك)، بل بوصفه رجلا لطيفا نحوي. وكنت أصغي إليه باجتهاد وهو يعظ الشعب، لا بالنيّة التي كان ينبغي لي، بل كمن يختبر بلاغته، هل تطابق ما شاع عنها، أم تتدفّق أغزر أو أضحل ممّا قيل؛ وكنت متعلّقا بألفاظه بانتباه؛ أما المضمون فكنت فيه كمتفرّج غير مبال مستخفّ؛ وكنت أبتهج بعذوبة حديثه، الذي كان أعمق من حديث فاوستوس، لكنه في أسلوبه أقلّ جاذبية وتناغما. أما في المضمون فلا مقارنة؛ فذاك كان هائما بين أوهام المانوية، وهذا كان يعلّم الخلاص على أصحّ وجه. ولكنّ الخلاص بعيد عن الخطاة، كالذي كنت عليه وأنا واقف أمامه حينئذ؛ ومع ذلك كنت أقترب شيئا فشيئا، ومن غير أن أشعر.
الفصل الرابع عشر
فمع أنني لم أكن أجتهد في أن أتعلّم ما كان يقوله، بل فقط في أن أسمع كيف كان يقوله (إذ لم يبق لي إلا ذلك الاهتمام الفارغ، وأنا يائس من طريق مفتوح للإنسان إليك)، فإنّ الأمور التي كنت أرفضها كانت تدخل إلى ذهني مع الألفاظ التي كنت أختارها؛ إذ لم أكن أستطيع أن أفصل بينهما. وبينما كنت أفتح قلبي لأدخل إليه «كم كان يتكلّم ببلاغة»، دخل معه أيضا «كم كان يتكلّم بالحقّ»؛ ولكن ذلك بالتدريج. فأوّلا بدأت هذه الأمور أيضا تبدو لي الآن قابلة للدفاع عنها؛ والإيمان الكاثوليكي، الذي كنت أظنّ أنه لا يمكن أن يقال شيء دفاعا عنه في وجه اعتراضات المانويين، صرت أظنّه الآن ممكن الدفاع عنه بلا وقاحة؛ ولا سيّما بعدما سمعت حلّ موضع أو موضعين من العهد القديم، وكثيرا ما كان ذلك «على سبيل الرمز»، وهي مواضع كنت حين أفهمها حرفيّا أقتل روحيّا. فلمّا شرحت إذن مواضع كثيرة جدّا من تلك الكتب، صرت ألوم يأسي، إذ كنت أعتقد أنه لا يمكن أن يجاب الذين يبغضون الناموس والأنبياء ويسخرون منهم. ومع ذلك لم أر حينئذ أنّ الطريق الكاثوليكي هو الذي ينبغي التمسّك به لأنه هو أيضا يمكن أن يجد مدافعين علماء، يقدرون أن يجيبوا على الاعتراضات بإسهاب وبشيء من الحجّة؛ ولا أنّ ما كنت أتمسّك به ينبغي أن يدان لأنّ كلا الجانبين يمكن الدفاع عنه. فقد بدت لي القضيّة الكاثوليكية غير مغلوبة على نحو لم تصبح معه بعد غالبة.
وحينئذ وجّهت ذهني بجدّ، لأرى هل أستطيع بطريقة ما، ببرهان يقينيّ، أن أثبت على المانويين الكذب. فلو أنني استطعت مرّة أن أتصوّر جوهرا روحيّا، لتهدّمت جميع حصونهم، وطرحت تماما من ذهني؛ لكنني لم أستطع. ومع ذلك، فمن جهة بنية هذا العالم، والطبيعة كلّها التي تبلغها حواسّ الجسد، كلّما ازددت تأمّلا ومقارنة بين الأمور، حكمت بأنّ آراء أكثر الفلاسفة أرجح بكثير. وهكذا، على طريقة الأكاديميين (كما يظنّ بهم)، شاكّا في كلّ شيء، ومتردّدا بين الجميع، استقررت على هذا القدر: أنّ المانويين ينبغي أن يهجروا؛ إذ حكمت بأنه لا يجوز لي، حتى وأنا في شكّي، أن أبقى في تلك البدعة التي صرت أفضّل عليها بعض الفلاسفة؛ على أنني رفضت رفضا تامّا أن أعهد إلى أولئك الفلاسفة بمداواة نفسي المريضة، لأنهم كانوا بلا اسم المسيح المخلّص. فعزمت إذن على أن أبقى موعوظا في الكنيسة الكاثوليكية، التي أوصاني بها والداي، إلى أن يلوح لي أمر يقينيّ أوجّه إليه مسيري.
اكتمل الفصل 5
الكتاب الخامس