الاعترافات
الكتاب السادس

فصل 6 · قراءة 30 د

الكتاب السادس

الفصل الأول

يا مَن أنتَ رجائي منذ صباي، أين كنتَ لي، وإلى أين مضيتَ عنّي؟ ألستَ أنتَ الذي خلقتني وميّزتني عن وحوش البرّية وطيور السماء؟ لقد جعلتني أحكم منها، ومع ذلك كنتُ أسلك في الظلمة وفي المزالق، وأطلبك خارجًا عن نفسي، فلم أجد إله قلبي؛ وكنتُ قد بلغتُ أعماق البحر، ففقدتُ الثقة ويئستُ من أن أجد الحقّ يومًا. وكانت أمّي قد جاءتني الآن، عازمةً بقوّة تقواها، تتبعني برًّا وبحرًا، متّكلةً عليك في كلّ الأخطار. ففي أخطار البحر كانت هي التي تشجّع البحّارة أنفسهم (وهم الذين اعتاد المسافرون الغرباء عن اللجّة أن يتشجّعوا بهم إذا اضطربوا)، مؤكّدةً لهم أنهم سيبلغون البرّ سالمين، لأنك كنتَ قد أكّدتَ لها ذلك برؤيا. فوجدتني في خطر جسيم، يائسًا من أن أجد الحقّ يومًا. ولكن لمّا كشفتُ لها أنني لم أعد مانويًّا، وإن لم أصر بعدُ مسيحيًّا كاثوليكيًّا، لم تطِر فرحًا كمن فوجئ بأمر لم يتوقّعه؛ مع أنها اطمأنّت الآن من جهة ذلك الجزء من شقائي الذي كانت تبكيني من أجله كميت، ولكنْ كميتٍ ستقيمه أنتَ، إذ كانت تحملني على نعش أفكارها، لكي تقول لابن الأرملة: أيها الشاب، لك أقول قم؛ فيحيا ويبتدئ يتكلّم، وتدفعه أنتَ إلى أمّه. فلم يضطرب قلبها بابتهاج صاخب حين سمعت أن ما كانت تطلبه منك كلّ يوم بالدموع قد تحقّق الآن في جزء عظيم منه؛ إذ إنني وإن لم أبلغ الحقّ بعدُ، قد أُنقذتُ من الباطل؛ بل لأنها كانت واثقة بأنك أنتَ الذي وعدتَ بالكلّ ستعطي الباقي يومًا ما، أجابتني بهدوء بالغ وبقلب ممتلئ ثقة: «إنها تؤمن بالمسيح أنها قبل أن تفارق هذه الحياة ستراني مؤمنًا كاثوليكيًّا». هذا ما قالته لي. أمّا لك، يا ينبوع المراحم، فقد سكبت صلوات ودموعًا أغزر، أن تعجّل بمعونتك وتنير ظلمتي؛ وصارت تسرع إلى الكنيسة بلهفة أشدّ، وتتعلّق بشفتي أمبروسيوس، مصلّيةً لأجل ينبوع ذلك الماء الذي ينبع إلى حياة أبدية. وكانت تحبّ ذلك الرجل كأنه ملاك الله، لأنها عرفت أنه به قد اقتِدتُ في الوقت الحاضر إلى حالة الإيمان المتردّدة التي كنتُ فيها، والتي كانت تتوقّع بكلّ ثقة أنني سأعبر منها من المرض إلى العافية، بعد أن تصيبني، إن جاز القول، نوبةٌ أشدّ حدّة، هي التي يسمّيها الأطبّاء «البحران».

الفصل الثاني

ولمّا كانت أمّي مرّةً قد حملت، كما اعتادت في أفريقية، إلى الكنائس المبنيّة تذكارًا للقدّيسين بعضَ الكعك والخبز والخمر، فمنعها البوّاب؛ ما إن علمت أن الأسقف هو الذي نهى عن ذلك، حتى تقبّلت رغبته بتقوى وطاعة جعلتني أنا نفسي أتعجّب كيف سارعت إلى لوم عادتها هي بدل أن تجادل في نهيه. فإنّ إدمان الخمر لم يكن يحاصر روحها، ولا كان حبّ الخمر يستفزّها إلى بغض الحقّ، كما يفعل بكثيرين (رجالًا ونساءً) ينفرون من درس في الاعتدال نفورَ السكارى من جرعة ممزوجة بالماء. أمّا هي، فحين كانت تحمل سلّتها بطعام العيد المعتاد، لتذوقه هي قليلًا ثم توزّعه، لم تكن تضيف إليه أكثر من كأس صغيرة واحدة من الخمر، ممزوجة بالماء بحسب عاداتها في الزهد، تذوقها مجاملةً. وإن كانت هناك كنائس كثيرة للقدّيسين الراقدين ينبغي أن تُكرَّم على هذا النحو، كانت تطوف بتلك الكأس الواحدة عينها لتُستعمل في كلّ مكان؛ وهذه، مع أنها لم تكن قد صارت مائيّة جدًّا فحسب، بل فترت فتورًا كريهًا من طول الحمل، كانت توزّعها على من حولها برشفات صغيرة؛ لأنها كانت تطلب هناك العبادة لا اللذّة. فلمّا وجدت أن هذه العادة قد نهى عنها ذلك الواعظ الشهير والحبر الشديد التقوى، حتى على الذين يستعملونها باعتدال، لئلّا تُعطى بذلك فرصة للإفراط للسكّيرين؛ ولأنّ هذه المراسيم الجنائزية السنوية، إن جاز التعبير، كانت تشبه كثيرًا خرافة الأمم، أقلعت عنها بأطيب خاطر: وبدل سلّة مملوءة من ثمار الأرض تعلّمت أن تحمل إلى كنائس الشهداء صدرًا مملوءًا بطلبات أنقى، وأن تعطي الفقراء ما استطاعت؛ لكي يُحتفَل هناك كما يليق بشركة جسد الرب، حيث ذُبح الشهداء وكُلّلوا على مثال آلامه. ولكن يبدو لي، أيها الرب إلهي، وهكذا يرى قلبي في ذلك أمامك، أنها ربّما ما كانت لتذعن بهذه السرعة لقطع هذه العادة لو نهاها عنها آخر لم تكن تحبّه كما تحبّ أمبروسيوس، الذي أحبّته من أجل خلاصي أشدّ الحبّ؛ وكان هو يحبّها بدوره لسيرتها الشديدة التقوى، إذ كانت حارّةً في الروح بالأعمال الصالحة، مواظبةً على الكنيسة؛ حتى إنه كثيرًا ما كان، حين يراني، ينطلق في مدحها، ويهنّئني بأن لي أمًّا كهذه؛ غير عالم أيّ ابن كان لها فيّ، أنا الذي كنتُ أشكّ في هذه الأمور كلّها، وأظنّ أن طريق الحياة لا يمكن أن يُهتدى إليه.

الفصل الثالث

ولم أكن بعدُ أئنّ في صلواتي أن تعينني؛ بل كانت روحي منصرفة كلّها إلى التعلّم، قلقةً إلى الجدال. وكنتُ أحسب أمبروسيوس نفسه رجلًا سعيدًا بحسب ما يعدّه العالم سعادة، إذ كان عظماءُ القوم يكرّمونه هذا الإكرام؛ ولم تكن تبدو لي شاقّة سوى عزوبته. أمّا أيّ رجاء كان يحمله في داخله، وأيّ صراع كان له ضدّ التجارب التي تحاصر فضائله نفسها، وأيّ عزاء في الشدائد، وأيّ مسرّات عذبة كان خبزك يمنحها لفم روحه الخفيّ حين يجترّه، فذلك ما لم أكن أستطيع أن أخمّنه ولا كنتُ قد اختبرته. ولا كان هو يعرف مدّ مشاعري وجزرها، ولا هاوية خطري. فإني لم أكن أستطيع أن أسأله ما أريد كما أريد، إذ كانت جموع المشغولين، الذين كان يخدم ضعفاتهم، تحجبني عن سمعه وحديثه. وإذا لم يكن منشغلًا بهم (وكان ذلك وقتًا قليلًا) كان إمّا ينعش جسده بالقوت الضروري، أو عقله بالقراءة. وحين كان يقرأ، كانت عينه تنساب على الصفحات، وقلبه يستقصي المعنى، أمّا صوته ولسانه فساكنان. وكثيرًا ما كنّا نأتي (إذ لم يكن أحد يُمنع من الدخول، ولا كان من عادته أن يُعلَن له عن القادم)، فنراه يقرأ هكذا في صمت، ولا يقرأ قطّ بغير ذلك؛ وبعد أن نجلس صامتين طويلًا (فمن ذا الذي يجرؤ على إزعاج إنسان منصرف هذا الانصراف؟) كنّا نضطرّ إلى الانصراف، ظانّين أنه في تلك الفسحة القصيرة التي ينالها، متحرّرًا من ضجيج شؤون الآخرين، لإنعاش عقله، يكره أن يُصرَف عنها؛ ولعلّه كان يخشى، إن عرض الكاتب الذي يقرأه شيئًا بغموض، أن يطلب إليه سامعٌ منتبه أو حائر أن يشرحه، أو أن يناقش بعض المسائل الأصعب؛ فيضيع وقته على هذا النحو، فلا يستطيع أن يتصفّح من الكتب قدر ما يرغب؛ وإن كان حفظه لصوته (الذي كان كلام قليل جدًّا يضعفه) قد يكون السبب الأصدق لقراءته في صمت. ولكن مهما كانت نيّته في ذلك، فلا شكّ أنها في رجل كهذا كانت صالحة.

أمّا أنا فلم تكن لي بالتأكيد فرصة لأسأل ما أشاء من ذلك الوحي المقدّس الذي لك، أعني صدره، إلا إذا كان الأمر يُجاب عنه بإيجاز. وكان ذلك المدّ والجزر فيّ، الذي أردتُ أن أسكبه أمامه، يتطلّب فراغه الكامل، ولم يجده قطّ. نعم، كنتُ أسمعه في كلّ يوم للرب يفصّل كلمة الحقّ بالاستقامة بين الشعب؛ وكنتُ أقتنع أكثر فأكثر بأنّ جميع عُقد تلك الافتراءات الماكرة، التي عقدها مخادعونا أولئك ضدّ الكتب الإلهية، يمكن أن تُحَلّ. ولكن لمّا فهمتُ أيضًا أن «الإنسان المخلوق منك على صورتك» لا يفهمه أبناؤك الروحيّون، الذين ولدتَهم ثانيةً بالنعمة من الأمّ الكاثوليكية، كأنهم يؤمنون بك ويتصوّرونك محدودًا بشكل بشري (مع أنني لم يكن لي حتى أدنى فكرة أو أبهت ظلّ فكرة عمّا عسى أن يكون الجوهر الروحي)؛ احمرّ وجهي خجلًا مع الفرح، لأنني قضيتُ سنين كثيرة أنبح لا على الإيمان الكاثوليكي، بل على أوهام تخيّلات جسدانية. فقد كنتُ من التهوّر والكفر بحيث حكمتُ مدينًا فيما كان ينبغي أن أتعلّمه بالسؤال. فإنك أنتَ، أيها العليّ والقريب جدًّا، الخفيّ جدًّا والحاضر جدًّا، يا من ليست لك أعضاء بعضها أكبر وبعضها أصغر، بل أنتَ بكلّيتك في كلّ مكان، ولستَ في مكان من الأمكنة، لستَ ذا شكل جسدي كهذا، ومع ذلك صنعتَ الإنسان على صورتك؛ وها هو من رأسه إلى قدميه محويّ في المكان.

الفصل الرابع

فإذ كنتُ أجهل إذن كيف تقوم صورتك هذه، كان ينبغي أن أقرع وأطرح الشكّ: كيف يُؤمَن بها، لا أن أعارضها بإهانة كأنّ الإيمان بها كان على ما ظننت. فكان الشكّ فيما ينبغي أن أعتقده يقينًا ينهش قلبي بحدّة أشدّ، بقدر ما كنتُ أخجل من أنني، وقد خُدعتُ وضُلّلتُ زمنًا طويلًا بوعد اليقينيّات، ثرثرتُ بضلال صبيانيّ وحماسة عن أمور كثيرة غير يقينية. فأمّا أنها أباطيل فقد اتّضح لي فيما بعد. غير أنني كنتُ متيقّنًا أنها غير يقينية، وأنني كنتُ من قبل أعدّها يقينية، حين كنتُ بمماحكة عمياء أتّهم كنيستك الكاثوليكية، التي وجدتُ الآن أنها، وإن لم أتحقّق بعدُ من أنها تعلّم الحقّ، فهي على الأقلّ لا تعلّم ما كنتُ قد لُمتُها عليه لومًا شديدًا. فخزيتُ ورجعت: وفرحتُ، يا إلهي، بأنّ الكنيسة الواحدة الوحيدة، جسد ابنك الوحيد (التي وُضع عليّ فيها اسم المسيح وأنا طفل)، لم يكن لها مذاق في الأوهام الطفولية؛ ولا كانت في تعليمها الصحيح تتمسّك بعقيدة تحصرك أنتَ، خالق الكلّ، في المكان، مهما كان عظيمًا واسعًا، محدودًا مع ذلك من كلّ جهة بحدود صورة بشرية.

وفرحتُ أيضًا بأنّ الكتب القديمة، كتب الناموس والأنبياء، قد وُضعت أمامي، لا لتُقرأ الآن بتلك العين التي كانت تبدو لي بها من قبل سخيفة، حين كنتُ أعيّر قدّيسيك بأنهم يفكّرون هكذا، وهم في الحقيقة لم يفكّروا كذلك: وبفرح كنتُ أسمع أمبروسيوس في مواعظه للشعب يوصي كثيرًا وبأشدّ اجتهاد بهذا النصّ قاعدةً: الحرف يقتل ولكن الروح يحيي؛ بينما كان يرفع الحجاب السرّي، كاشفًا روحيًّا ما كان يبدو بحسب الحرف أنه يعلّم أمرًا غير سليم؛ ولم يكن يعلّم في ذلك شيئًا يصدمني، وإن كان يعلّم ما لم أكن أعرف بعدُ أهو حقّ أم لا. فقد كنتُ أمسك قلبي عن التسليم بأيّ شيء خوفًا من السقوط على رأسي؛ ولكنني بالتعليق في الحيرة كنتُ أُقتَل قتلًا أشدّ. إذ كنتُ أريد أن أكون متيقّنًا من الأمور التي لا أراها تيقّني من أن سبعة وثلاثة عشرة. فلم أكن من الجنون بحيث أظنّ أن هذا أيضًا لا يمكن إدراكه؛ ولكنني كنتُ أرغب في أن تكون الأمور الأخرى واضحة وضوحه، سواء الأشياء الجسدية التي لم تكن حاضرة لحواسي، أو الروحية التي لم أكن أعرف كيف أتصوّرها إلا تصوّرًا جسديًّا. وكان يمكن أن أُشفى بالإيمان، فتنجلي بصيرة نفسي، فتتّجه بطريقة ما إلى حقّك الذي يثبت دائمًا ولا ينقص في شيء. ولكن كما يحدث أن من جرّب طبيبًا رديئًا يخاف أن يسلّم نفسه لطبيب صالح، هكذا كان الأمر مع صحة نفسي، التي لم يكن ممكنًا أن تُشفى إلا بالإيمان، وخوفًا من أن تؤمن بالأباطيل رفضت أن تُعالَج؛ مقاومةً يديك، يا من أعددتَ أدوية الإيمان، ووضعتها على أمراض العالم كلّه، وأعطيتها سلطانًا بهذا العظم.

الفصل الخامس

على أنني، إذ قادني هذا إلى تفضيل التعليم الكاثوليكي، شعرتُ بأنّ مسلكه أكثر تواضعًا وأمانة، في أنه كان يطلب أن يُؤمَن بأمور لم يُبرهَن عليها (سواء أكانت في ذاتها قابلة للبرهان ولكن ليس لبعض الناس، أم لم تكن قابلة للبرهان أصلًا)، بينما كان المانويون يسخرون من سذاجتنا بوعد المعرفة اليقينية، ثم يفرضون علينا أن نؤمن بأمور كثيرة غاية في الخرافة والسخف، لأنها لم يكن ممكنًا أن يُبرهَن عليها. ثم إنك أنتَ، أيها الرب، شيئًا فشيئًا، بيد غاية في الرقّة والرحمة، تلمس قلبي وتهدّئه، أقنعتني ــ إذ جعلتني أتأمّل كم من الأمور التي لا تُحصى كنتُ أؤمن بها ولم أرها، ولا كنتُ حاضرًا حين جرت، مثل أمور كثيرة في تاريخ العالم، وأخبار كثيرة عن أماكن ومدن لم أرها؛ وأمور كثيرة عن الأصدقاء، وكثيرة عن الأطبّاء، وكثيرة على الدوام عن سائر الناس، ما لم نؤمن بها لما عملنا شيئًا البتّة في هذه الحياة؛ وأخيرًا بأيّ يقين راسخ كنتُ أؤمن من أيّ والدين وُلدتُ، وهو ما لم يكن في وسعي أن أعرفه لو لم أؤمن بالسماع ــ إذ جعلتني أتأمّل هذا كلّه، أقنعتني بأنّ الملوم ليس الذين آمنوا بكتبك (التي ثبّتَّها بسلطان عظيم كهذا بين جميع الأمم تقريبًا)، بل الذين لم يؤمنوا بها؛ وأنه لا ينبغي أن يُصغى إلى من يقول لي: «كيف تعرف أن تلك الأسفار قد أُعطيت للبشر بروح الإله الواحد الحقّ والحقّ جدًّا؟» فإنّ هذا الأمر عينه كان أولى الأمور جميعًا بأن يُؤمَن به، إذ لم تستطع أيّ مماحكة من المسائل المجدّفة، من كلّ ذلك الحشد الذي قرأته عند الفلاسفة المتناقضين، أن تنتزع منّي هذا الإيمان: «أنك كائن»، أيًّا كنتَ (وهو ما لم أكن أعرفه)، و«أنّ تدبير الأمور البشرية لك».

هذا ما كنتُ أؤمن به، أحيانًا بقوّة أكبر، وأحيانًا أخرى بضعف؛ ولكنني آمنتُ دائمًا بأنك كائن، وبأنك تعتني بنا؛ وإن كنتُ أجهل ما ينبغي أن يُعتقَد في جوهرك، وأيّ طريق يقود إليك أو يعيد إليك. فإذ كنّا أضعف من أن نكتشف الحقّ بالاستدلالات المجرّدة، ولهذا السبب عينه كنّا محتاجين إلى سلطان الكتاب المقدّس، كنتُ قد بدأتُ الآن أؤمن بأنك ما كنتَ لتعطي ذلك الكتاب مثل هذا السموّ في السلطان في كلّ الأرض، لو لم تشأ أن يُؤمَن بك به وأن تُطلَب به. فالأمور التي كانت تبدو غريبة في الكتاب وكانت تصدمني، بعد أن سمعتُ كثيرًا منها يُشرح شرحًا وافيًا، صرتُ أنسبها إلى عمق الأسرار، وبدا لي سلطانه أجدر بالتوقير وأحقّ بالإيمان الورع، لأنه، وهو مبسوط للجميع ليقرأوه، يحفظ جلال أسراره في معناه الأعمق، منحنيًا إلى الجميع ببساطة ألفاظه العظيمة وتواضع أسلوبه، ومستدعيًا مع ذلك أشدّ الاجتهاد ممّن ليسوا خفيفي القلب؛ لكي يتقبّل الجميع في حضنه المفتوح، وينقل عبر ممرّات ضيّقة إليك قلّةً، هي مع ذلك أكثر بكثير ممّا لو لم يقف عاليًا على مثل هذا العلوّ من السلطان، ولم يجتذب الجموع إلى حضنه بتواضعه المقدّس. هذه الأمور كنتُ أفكّر فيها، وكنتَ معي؛ كنتُ أتنهّد، وكنتَ تسمعني؛ كنتُ أتردّد، وكنتَ ترشدني؛ كنتُ أهيم في طريق العالم الرحب، ولم تتركني.

الفصل السادس

كنتُ ألهث وراء الكرامات والمكاسب والزواج؛ وكنتَ تسخر منّي. وفي هذه الرغبات قاسيتُ أمرّ الصلبان، إذ كنتَ أكثر لطفًا بقدر ما كنتَ أقلّ سماحًا بأن يحلو لي شيء ليس هو أنت. انظر قلبي، أيها الرب، يا من شئتَ أن أتذكّر هذا كلّه وأعترف لك به. لتلتصق بك نفسي، الآن وقد حرّرتها من دبق الموت ذاك الشديد الإمساك. ما كان أشقاها! وكنتَ تثير الإحساس بجرحها، لكي تترك كلّ ما سواك فترجع إليك، أنتَ الذي فوق الكلّ، والذي بدونه تكون الأشياء كلّها عدمًا؛ لترجع وتُشفى. ما كان أتعسني حينئذ، وكيف عاملتني لتجعلني أشعر بتعاستي في ذلك اليوم، حين كنتُ أستعدّ لإلقاء خطبة في مديح الإمبراطور، كنتُ سأنطق فيها بأكاذيب كثيرة، وأنال بكذبي تصفيق الذين يعلمون أنني أكذب، وكان قلبي يلهث من هذه الهموم، ويغلي بحمّى الأفكار المُفنية. فبينما كنتُ أجتاز أحد شوارع ميلانو، لاحظتُ متسوّلًا فقيرًا، شبعانَ على ما أظنّ حينئذ، يمزح ويمرح: فتنهّدتُ، وتحدّثتُ إلى الأصدقاء الذين حولي عن الأحزان الكثيرة التي تجرّها حماقاتنا؛ لأننا بكلّ مساعينا هذه، كتلك التي كنتُ أكدح فيها حينئذ، أجرّ تحت نخس الشهوة حِمل شقائي، وأزيده بالجرّ، لم نكن نرجو أن نبلغ إلا ذلك المرح عينه الذي سبقنا إليه ذلك المتسوّل، والذي لعلّنا لن نبلغه أبدًا. فإنّ ما ناله هو ببضعة دريهمات استعطاها، كنتُ أنا أدبّر له بكثير من الالتواءات والمنعطفات المضنية: أعني فرح سعادة زائلة. فهو حقًّا لم يكن له الفرح الحقيقي؛ ولكنني أنا بمخطّطاتي الطموحة تلك كنتُ أطلب فرحًا أقلّ حقيقةً بكثير. وقد كان هو بلا ريب مسرورًا وأنا قلقًا؛ هو خاليًا من الهمّ وأنا ممتلئًا مخاوف. ولكن لو سألني أحد: أتفضّل أن تكون مسرورًا أم خائفًا؟ لأجبتُ: مسرورًا. ثم لو سألني: أتفضّل أن تكون مثله أم كما أنتَ الآن؟ لاخترتُ أن أكون أنا نفسي، وإن أنهكتني الهموم والمخاوف؛ ولكن عن حكم فاسد؛ إذ أكان ذلك هو الحقّ؟ فما كان ينبغي أن أفضّل نفسي عليه لأنني أكثر علمًا منه، ما دمتُ لا أجد في ذلك فرحًا، بل كنتُ أطلب به إرضاء الناس؛ لا لأعلّمهم، بل لأرضيهم فحسب. ولهذا أيضًا كنتَ تسحق عظامي بعصا تأديبك.

فليبتعد إذن عن نفسي الذين يقولون لها: «إنّ الأمر يختلف باختلاف مصدر فرح الإنسان. ذلك المتسوّل فرح بالسُّكر؛ أمّا أنتَ فأردتَ أن تفرح بالمجد». أيّ مجد، يا رب؟ ذاك الذي ليس فيك. فكما لم يكن فرحه فرحًا حقيقيًّا، كذلك لم يكن ذلك مجدًا حقيقيًّا: وقد قلب نفسي أكثر. فهو في تلك الليلة عينها كان سيصحو من سُكره؛ أمّا أنا فقد نمتُ مع سُكري وقمت، وكنتُ سأنام معه وأقوم معه مرّة أخرى، كم من الأيام، أنتَ تعلم يا الله. ولكن «الأمر يختلف حقًّا باختلاف مصدر فرح الإنسان». أعلم ذلك، وفرح الرجاء الأمين يسمو فوق هذا الباطل سموًّا لا يُقاس. أجل، وقد كان هو حينئذ أسمى منّي: فقد كان حقًّا أسعد؛ لا لأنه كان غارقًا في المرح وأنا ممزّق الأحشاء بالهموم فحسب، بل لأنه نال الخمر بالدعاء الطيّب، وأنا بالكذب كنتُ أطلب مديحًا فارغًا منتفخًا. وكثيرًا ممّا يشبه هذا قلته حينئذ لأصدقائي: وكثيرًا ما كنتُ ألاحظ فيهم كيف كان حالي؛ فوجدتُ أنّ حالي سيّئ، فحزنت، فضاعفتُ ذلك السوء عينه؛ وإن ابتسم لي شيء من الرخاء كرهتُ أن أمدّ يدي إليه، لأنه كان يطير قبل أن أكاد أمسكه.

الفصل السابع

هذه الأمور كنّا، نحن الذين كنّا نعيش معًا أصدقاء، ننوح عليها معًا، ولكنني كنتُ أتحدّث فيها خاصّة وبأشدّ ألفة مع أليبيوس ونبريديوس. أمّا أليبيوس فكان قد وُلد في البلدة التي وُلدتُ فيها، من أهل الصدارة فيها، ولكنه أصغر منّي. فقد درس عليّ، حين علّمتُ أولًا في بلدتنا، ثم بعد ذلك في قرطاج، وكان يحبّني كثيرًا لأنني بدوتُ له لطيفًا عالمًا؛ وكنتُ أحبّه لاستعداده العظيم للفضيلة، وقد كان بارزًا بما فيه الكفاية في فتًى لم يبلغ سنًّا أكبر. غير أنّ دوّامة العادات القرطاجية (حيث يُتهافَت على تلك المشاهد الفارغة تهافتًا حارًّا) قد جرّته إلى جنون السيرك. وبينما كان يتقاذفه ذلك تقاذفًا بائسًا، وكنتُ أنا، إذ أعلّم البلاغة هناك، أدير مدرسة عامّة، لم يكن بعدُ ينتفع بتعليمي، بسبب جفوة نشأت بين أبيه وبيني. وكنتُ قد عرفتُ حينئذ كم كان مولعًا بالسيرك ولعًا قاتلًا، وحزنتُ حزنًا عميقًا لأنه بدا مشرفًا على أن يضيّع، بل قد ضيّع فعلًا، رجاءً عظيمًا كهذا: ومع ذلك لم تكن لي وسيلة لنصحه أو لردّه بشيء من الإلزام، لا بلطف صديق ولا بسلطان معلّم. فقد ظننتُ أنه يرى فيّ ما يراه أبوه؛ ولكنه لم يكن كذلك؛ فنبذ رأي أبيه في هذا الأمر، وأخذ يسلّم عليّ، ويأتي أحيانًا إلى قاعة درسي، فيسمع قليلًا ثم ينصرف.

غير أنني كنتُ قد نسيتُ أن أعالج أمره، لئلّا يُفسد ذكاءً حسنًا كهذا بشهوة عمياء متهوّرة إلى الملاهي الباطلة. ولكنك أنتَ، أيها الرب، الذي تدبّر مسار كلّ ما خلقت، لم تنسَه، وهو الذي كان سيكون يومًا بين أبنائك، كاهنًا وموزّعًا لسرّك؛ ولكي يُنسَب إصلاحه إليك أنتَ جليًّا، أتممتَه بي من غير علمي. فبينما كنتُ جالسًا يومًا في مكاني المعتاد وتلاميذي أمامي، دخل، فسلّم عليّ، وجلس، ووجّه ذهنه إلى ما كنتُ أعالجه حينئذ. وكان في يدي بالمصادفة نصّ، وبينما كنتُ أشرحه خطر لي تشبيه من سباقات السيرك، رأيتُه كفيلًا بأن يجعل ما أريد إيصاله أطيب وأوضح، متبّلًا بسخرية لاذعة من الذين استعبدهم ذلك الجنون؛ أنتَ تعلم يا الله أنني لم أفكّر حينئذ في شفاء أليبيوس من تلك العدوى. ولكنه أخذ ذلك كلّه لنفسه، وظنّ أنني قلته لأجله وحده. وحيث كان غيره سيتّخذ من ذلك فرصة للاستياء منّي، اتّخذ منه ذلك الشاب المستقيم الذهن سببًا للاستياء من نفسه ولمحبّتي بحرارة أشدّ. فإنك كنتَ قد قلتَ ذلك منذ زمن بعيد ووضعته في كتابك: وبّخ حكيمًا فيحبّك. ولكنني لم أكن أنا الذي وبّخه، بل أنتَ، يا من تستخدم الجميع، عالمين أو غير عالمين، في الترتيب الذي تعرفه أنتَ (وذلك الترتيب عادل)، جعلتَ من قلبي ولساني جمرًا متّقدًا تُشعل به ذلك الذهن المرجوّ وهو يذوي هكذا، فتشفيه. فليصمت عن تسبيحك من لا يتأمّل مراحمك، التي تعترف لك من أعماق نفسي. فإنه على أثر ذلك الكلام وثب خارجًا من تلك الهوّة العميقة التي كان قد انغمس فيها بإرادته، وأعمته ملاهيها البائسة؛ وهزّ ذهنه بضبط نفس قويّ؛ فتساقطت عنه كلّ أقذار ملاهي السيرك، ولم يعد إليه قطّ. وعلى أثر ذلك ألحّ على أبيه الكاره حتى سمح له بأن يكون تلميذي. فتراجع الأب ورضخ. وإذ ابتدأ أليبيوس يسمعني ثانيةً، تورّط معي في الخرافة نفسها، محبًّا في المانويين ذلك المظهر من العفّة الذي حسبه حقيقيًّا غير مصطنع. بينما كانت عفّة حمقاء مضلّة، توقع النفوس الثمينة في الشِّراك، النفوس التي لم تكن بعدُ قادرة على بلوغ عمق الفضيلة، ولكنها سريعة الانخداع بظاهر ما لم يكن إلا فضيلة ظلّية زائفة.

الفصل الثامن

وكان هو، غير تارك ذلك المسلك الدنيوي الذي فتنه والداه بالسعي فيه، قد سبقني إلى روما ليدرس القانون، وهناك استحوذ عليه على نحو لا يُصدَّق ولعٌ لا يُصدَّق بمشاهد المصارعين. فبينما كان نافرًا تمامًا من هذه المشاهد، ممقتًا لها، لقيه يومًا بالمصادفة عدد من معارفه ورفاقه في الدراسة عائدين من العشاء، فجرّوه بعنف الأصدقاء، وهو يرفض ويقاوم بشدّة، إلى المدرّج، في أيام تلك المشاهد القاسية المميتة، وهو يحتجّ قائلًا: «وإن جررتم جسدي إلى ذلك المكان وأجلستموني هناك، أفتقدرون أن ترغموني أيضًا على أن أوجّه ذهني أو عينيّ إلى تلك المشاهد؟ سأكون إذن غائبًا وأنا حاضر، وهكذا أغلبكم وأغلبها». فلمّا سمعوا هذا قادوه مع ذلك، راغبين لعلّهم في أن يختبروا ذلك الأمر عينه: هل يستطيع أن يفعل كما قال. فلمّا وصلوا إلى هناك، وأخذوا أماكنهم كيفما استطاعوا، كان المكان كلّه يتّقد بتلك اللهوة الوحشية. أمّا هو فأغلق منافذ عينيه، ونهى ذهنه عن أن يجول وراء مثل هذا الشرّ؛ وليته سدّ أذنيه أيضًا! ففي القتال، حين سقط أحدهم، وضربته صيحة عظيمة من الشعب كلّه ضربًا قويًّا، غلبه الفضول، وكأنه مستعدّ لأن يحتقر ذلك ويعلو عليه أيًّا كان حتى بعد رؤيته، ففتح عينيه، فأُصيب في نفسه بجرح أعمق من الجرح الذي أُصيب به في جسده ذاك الذي أراد أن يراه؛ وسقط سقوطًا أشقى من سقوط ذاك الذي ارتفعت لسقوطه تلك الضجّة العظيمة، التي دخلت من أذنيه وفتحت عينيه، لتفسح الطريق لضرب نفسٍ جريئة لا ثابتة وطرحها أرضًا، نفسٍ كانت أضعف لأنها اتّكلت على ذاتها، وكان ينبغي أن تتّكل عليك. فما إن رأى ذلك الدم حتى شرب معه الوحشية؛ ولم يُشِح بوجهه، بل ثبّت عينه، يرتشف الجنون من غير أن يدري، وابتهج بذلك القتال الأثيم، وسكر باللهوة الدموية. ولم يعد الرجل الذي جاء، بل واحدًا من الجمهور الذي جاء إليه، بل رفيقًا حقيقيًّا للذين جاؤوا به إلى هناك. وما حاجتي إلى المزيد؟ لقد نظر، وصاح، واتّقد، وحمل معه من هناك الجنون الذي كان سيدفعه إلى العودة، لا مع الذين جرّوه إلى هناك أولًا فحسب، بل قبلهم أيضًا، بل وإلى أن يجرّ آخرين. ومع ذلك انتشلتَه أنتَ من هناك بيد غاية في القوّة وغاية في الرحمة، وعلّمته أن يتّكل لا على نفسه بل عليك. ولكن هذا كان فيما بعد.

الفصل التاسع

ولكن هذا كان يُدَّخر من قبلُ في ذاكرته ليكون دواءً فيما بعد. وكذلك ذاك الأمر الآخر: أنه حين كان لا يزال يدرس عليّ في قرطاج، وكان يستعيد في الظهيرة في السوق ما كان عليه أن يلقيه عن ظهر قلب (كما اعتاد التلاميذ أن يتمرّنوا)، سمحتَ بأن يقبض عليه حرّاس السوق على أنه لصّ. ولم تسمح بذلك، يا إلهنا، لسبب آخر على ما أظنّ، إلا لكي يبتدئ هذا الذي كان سيصير فيما بعد رجلًا عظيمًا كهذا يتعلّم منذ ذلك الحين أنه في الحكم في الدعاوى لا ينبغي أن يدين إنسانٌ إنسانًا بسرعة عن تصديق متهوّر. فبينما كان يتمشّى وحده جيئةً وذهابًا أمام كرسيّ القضاء، ومعه دفتره وقلمه، إذا بشابّ من المحامين، وهو اللصّ الحقيقي، قد دخل خفيةً ومعه فأس، من غير أن يلحظه أليبيوس، حتى بلغ الشبابيك الرصاصية التي تسيّج دكاكين الصاغة، وأخذ يقطع الرصاص. ولكن لمّا سُمع صوت الفأس، أخذ الصاغة الذين في الأسفل يضجّون، وأرسلوا من يقبض على كلّ من يجدونه. أمّا هو، فلمّا سمع أصواتهم، هرب تاركًا فأسه، خوفًا من أن يُؤخذ بها. وأمّا أليبيوس، الذي لم يره يدخل، فقد انتبه لخروجه، ورأى بأيّ سرعة انطلق هاربًا. وإذ رغب في أن يعرف الأمر، دخل المكان؛ فوجد الفأس، ووقف متعجّبًا يتأمّلها، وإذا بالذين أُرسلوا يجدونه وحده والفأس في يده، وهي التي أفزعهم صوتها فجاء بهم إلى هناك. فأمسكوه وجرّوه، وجمعوا سكّان السوق، يتفاخرون بأنهم قبضوا على لصّ مشهور، وهكذا كان يُساق ليُقدَّم إلى القاضي.

ولكن إلى هذا الحدّ فقط كان أليبيوس سيتعلّم. فإنك في الحال، أيها الرب، أغثتَ براءته التي كنتَ أنتَ وحدك الشاهد عليها. فبينما كان يُساق إمّا إلى السجن وإمّا إلى العقاب، لقيهم مهندس معماري كان يتولّى الإشراف الأعلى على المباني العامّة. فسُرّوا خاصّةً بلقائه، وهو الذي اعتاد أن يتّهمهم بسرقة الأمتعة المفقودة من السوق، كأنهم يُرونه أخيرًا من الذي كان يرتكب هذه السرقات. غير أنه كان قد رأى أليبيوس مرارًا في بيت أحد أعضاء مجلس الشيوخ، الذي كان يتردّد عليه كثيرًا ليؤدّي له التحيّة؛ فعرفه في الحال، وأخذه جانبًا بيده، واستفسر عن سبب هذه البليّة العظيمة، فسمع الأمر كلّه، وأمر جميع الحاضرين، وسط صخب كثير وتهديدات، أن يذهبوا معه. فجاؤوا إلى بيت الشاب الذي ارتكب الفعلة. وهناك أمام الباب كان غلام صغير السنّ بحيث يُرجَّح، إذ لا يتوقّع أيّ أذًى لسيّده، أن يكشف الأمر كلّه. فقد كان قد رافق سيّده إلى السوق. فما إن تذكّره أليبيوس حتى أخبر المهندس: فأرى هذا الغلامَ الفأسَ وسأله: «لمن هذه؟» فقال في الحال: «لنا»: ولمّا سُئل أكثر كشف كلّ شيء. وهكذا انتقلت الجريمة إلى ذلك البيت، وخجل الجمع الذي كان قد ابتدأ يشمت بأليبيوس، وانصرف هو، الذي كان سيصير خادمًا لكلمتك وفاحصًا لدعاوى كثيرة في كنيستك، أوفر خبرة وأحسن تعلّمًا.

الفصل العاشر

فهذا إذن وجدته في روما، فالتصق بي برباط وثيق جدًّا، وذهب معي إلى ميلانو، لكي لا يفارقني، ولكي يمارس شيئًا من القانون الذي درسه، إرضاءً لوالديه أكثر منه إرضاءً لنفسه. وهناك جلس ثلاث مرّات مستشارًا للقاضي، بنزاهة أثارت عجب الآخرين كثيرًا، بينما كان هو يعجب بالأحرى من الآخرين كيف يفضّلون الذهب على الأمانة. وقد امتُحنت أخلاقه أيضًا، لا بطُعم الطمع فحسب، بل بمنخس الخوف أيضًا. ففي روما كان مستشارًا لكونت الخزانة الإيطالية. وكان في ذلك الوقت عضو في مجلس الشيوخ بالغ النفوذ، كان كثيرون مدينين لأفضاله، وكثيرون يخافونه جدًّا. فأراد، بنفوذه المعتاد، أن يُسمح له بأمر لا تسمح به القوانين. فقاومه أليبيوس: فوُعد برشوة؛ فاحتقرها من كلّ قلبه: فلُوِّح له بالتهديدات؛ فداسها: والجميع يتعجّبون من روح نادرة كهذه، لا ترغب في صداقة رجل بهذه العظمة، ولا تخاف عداوته، وهو الذائع الصيت جدًّا بوسائل لا تُحصى لفعل الخير أو الشرّ. والقاضي نفسه، الذي كان أليبيوس مستشاره، مع أنه هو أيضًا لم يكن يريد أن يتمّ ذلك، لم يرفض علانية، بل ألقى الأمر على أليبيوس، زاعمًا أنه لا يسمح له بفعله: إذ في الحقيقة لو فعله القاضي لحكم أليبيوس بخلافه. وبأمر واحد فقط، من باب حبّ العلم، كاد يُغوى، وهو أن تُنسخ له كتب بأسعار الولاية؛ ولكنه استشار العدل فعدّل رأيه إلى الأفضل؛ حاسبًا الإنصاف الذي مُنع به أربح من السلطة التي كانت ستُبيح له ذلك. هذه أمور صغيرة، ولكن الأمين في القليل أمين أيضًا في الكثير. ولا يمكن بأيّ حال أن يكون باطلًا ما خرج من فم حقّك: إن لم تكونوا أمناء في مال الظلم، فمن يأتمنكم على الغنى الحقيقي؟ وإن لم تكونوا أمناء في ما هو للغير، فمن يعطيكم ما هو لكم؟ وإذ كان كذلك، التصق بي في ذلك الوقت، وتردّد معي في العزم: أيّ طريق في الحياة ينبغي أن يُسلك.

ونبريديوس أيضًا، الذي ترك موطنه قرب قرطاج، بل وقرطاج نفسها حيث عاش طويلًا، تاركًا ضيعة أسرته الممتازة وبيته، وأمًّا خلفه لم تكن لتتبعه، قد جاء إلى ميلانو لا لسبب آخر إلا ليعيش معي في بحث متّقد عن الحقّ والحكمة. كان مثلي يتنهّد، ومثلي يتردّد، باحثًا متّقدًا عن الحياة الحقيقية، وفاحصًا شديد الحِدّة لأعسر المسائل. فكانت هناك أفواه ثلاثة معوزين، يبثّ بعضهم بعضًا حاجاتهم تنهّدًا، وينتظرونك لتعطيهم طعامهم في حينه. وفي كلّ المرارة التي كانت برحمتك تتبع شؤوننا الدنيوية، كلّما نظرنا إلى الغاية: لماذا نتألّم كلّ هذا، لاقتنا الظلمة؛ فكنّا ننصرف أنّانين قائلين: إلى متى تكون هذه الأمور؟ وهذا أيضًا كثيرًا ما كنّا نقوله؛ ومع قولنا إياه لم نتركها، لأنه لم يكن قد أشرق لنا بعدُ شيء يقيني نعتنقه إذا تركناها.

الفصل الحادي عشر

وأنا، إذ كنتُ أتأمّل الأمور وأعيد تأمّلها، كنتُ أعجب أشدّ العجب من طول الزمن منذ سنتي التاسعة عشرة، التي ابتدأتُ فيها أتّقد برغبة الحكمة، عازمًا إذا وجدتُها على أن أترك كلّ الآمال الفارغة وجنون الشهوات الباطلة الكاذب. وها أنا الآن في سنتي الثلاثين، عالق في الوحل نفسه، نهِم إلى التمتّع بالأشياء الحاضرة التي كانت تمضي وتُتلف نفسي؛ بينما كنتُ أقول لنفسي: «غدًا سأجده؛ سيظهر جليًّا وأمسكه؛ ها إنّ فاوستوس المانوي سيأتي ويوضّح كلّ شيء! أيها الرجال العظام، يا معشر الأكاديميين، صحيحٌ إذن أنه لا يمكن بلوغ أيّ يقين لتدبير الحياة! كلّا، بل لنبحث بمزيد من الاجتهاد ولا نيأس. ها إنّ الأمور التي في الكتب الكنسية لم تعد تبدو لنا الآن سخيفة، بعد أن بدت أحيانًا سخيفة، ويمكن أن تُفهَم على وجه آخر وبمعنى حسن. سأقف حيث أوقفني والداي وأنا طفل، حتى يُكتشَف الحقّ الواضح. ولكن أين يُطلَب أو متى؟ أمبروسيوس ليس له فراغ؛ ونحن ليس لنا فراغ للقراءة؛ وأين نجد حتى الكتب؟ من أين، أو متى نقتنيها؟ ممّن نستعيرها؟ لتُعيَّن أوقات محدّدة، ولتُرتَّب ساعات معيّنة لخلاص نفسنا. لقد أشرق رجاء عظيم؛ فالإيمان الكاثوليكي لا يعلّم ما كنّا نظنّ ونتّهمه به باطلًا؛ وأعضاؤه المتعلّمون يعدّون من التدنيس أن يُعتقَد أن الله محدود بهيئة جسد بشري: أفنتردّد في أن ‹نقرع›، لكي ‹يُفْتَحْ› لنا الباقي؟ الفترات الصباحية يستغرقها تلاميذنا؛ فماذا نفعل في الباقي؟ لماذا لا نفعل هذا؟ ولكن متى إذن نتودّد إلى أصدقائنا العظام الذين نحتاج إلى حظوتهم؟ ومتى نؤلّف ما نبيعه للتلاميذ؟ ومتى ننعش أنفسنا، مرخين عقولنا من شدّة الهمّ هذه؟

«ليهلك كلّ شيء، ولنصرف عنّا هذه الأباطيل الفارغة، ولنكرّس أنفسنا للبحث الواحد عن الحقّ! الحياة باطلة، والموت غير مضمون؛ فإن باغتنا فجأةً، على أيّ حال نرحل من هنا؟ وأين نتعلّم ما أهملناه هنا؟ أولا نقاسي بالأحرى عقاب هذا الإهمال؟ وماذا لو كان الموت نفسه يقطع كلّ همّ وإحساس وينهيه؟ إذن يجب أن يُتحقَّق من هذا. ولكن حاشا! فليس أمرًا باطلًا فارغًا أن تكون كرامة سلطان الإيمان المسيحي الفائقة قد انتشرت في العالم كلّه. وما كان الله ليصنع لنا أمورًا بهذه العظمة والكثرة، لو كانت حياة النفس تنتهي بموت الجسد. فلماذا نتوانى إذن عن ترك الآمال الدنيوية، وتكريس أنفسنا كلّيًّا لطلب الله والحياة السعيدة؟ ولكن مهلًا! فتلك الأمور أيضًا لذيذة؛ لها حلاوة، وليست قليلة. فلا ينبغي أن نتركها باستخفاف، لأنه يكون عارًا أن نعود إليها ثانيةً. انظر، ليس أمرًا عظيمًا الآن أن ننال منصبًا ما، وماذا عسانا نشتهي بعد ذلك؟ لنا وفرة من الأصدقاء ذوي النفوذ؛ فإن لم يُعرَض شيء آخر، وكنّا في عجلة شديدة، فعلى الأقلّ يمكن أن تُعطى لنا ولاية: وزوجة ومعها شيء من المال، لكي لا تزيد نفقاتنا: ويكون هذا حدّ الرغبة. فكثير من العظماء، والجديرين جدًّا بالاقتداء، قد كرّسوا أنفسهم لدراسة الحكمة وهم متزوّجون.

وبينما كنتُ أقلّب هذه الأمور، وكانت هذه الرياح تتقلّب وتدفع قلبي هنا وهناك، كان الوقت يمضي، وكنتُ أتوانى عن الرجوع إلى الرب؛ ومن يوم إلى يوم أؤجّل أن أحيا فيك، ولا أؤجّل أن أموت كلّ يوم في نفسي. كنتُ أحبّ الحياة السعيدة، وأخشاها في مقرّها الخاصّ، وأطلبها بالهرب منها. كنتُ أظنّ أنني سأكون في غاية الشقاء ما لم تضمّني ذراعا امرأة؛ ولم أفكّر في دواء رحمتك لشفاء ذلك الضعف، إذ لم أكن قد جرّبته. أمّا العفّة فكنتُ أحسبها في مقدورنا نحن (وإن كنتُ لم أجد تلك القدرة في نفسي)، إذ كنتُ من الحماقة بحيث لم أعرف ما هو مكتوب: لا يستطيع أحد أن يكون عفيفًا ما لم تعطه أنتَ ذلك؛ وأنك كنتَ ستعطيه لو قرعتُ أذنيك بأنّات داخلية، وألقيتُ همّي عليك بإيمان راسخ.

الفصل الثاني عشر

أمّا أليبيوس فقد صرفني عن الزواج؛ محتجًّا بأننا لن نستطيع بأيّ حال، إن تزوّجت، أن نعيش معًا في فراغ غير مشتّت في محبّة الحكمة، كما كنّا نرغب منذ زمن طويل. فقد كان هو نفسه حتى ذلك الحين في غاية الطهارة في هذا الأمر، حتى إنّ ذلك كان عجيبًا؛ ولا سيّما أنه في مطلع شبابه كان قد دخل في ذلك المسلك، ولكنه لم يعلق فيه؛ بل شعر بالندم والنفور منه، وعاش منذ ذلك الحين إلى الآن في غاية العفّة. ولكنني عارضته بأمثلة الذين، وهم متزوّجون، أحبّوا الحكمة، وخدموا الله خدمة مرضيّة، وحفظوا أصدقاءهم وأحبّوهم بأمانة. وكنتُ قاصرًا جدًّا عن عظمة نفوسهم؛ وإذ كنتُ مقيّدًا بداء الجسد وحلاوته المميتة، كنتُ أجرّ سلسلتي، خائفًا من أن أُحَلّ، وكأنّ جرحي قد حُكّ، كنتُ أدفع عنّي إقناعاته الصالحة كأنها يد من يريد أن يفكّ قيدي. بل إنّ الحيّة كانت تكلّم أليبيوس نفسه بي، ناسجةً بلساني ومُلقيةً في طريقه أشراكًا لذيذة، لتتعثّر بها قدماه الفاضلتان الحرّتان.

فإنه لمّا كان يتعجّب من أنني، أنا الذي كان يقدّرني تقديرًا غير يسير، عالق هكذا في دبق تلك اللذّة، حتى إنني كنتُ أؤكّد (كلّما تناقشنا في ذلك) أنني لا أستطيع أبدًا أن أحيا حياة العزوبة؛ وكنتُ أحتجّ دفاعًا عن نفسي حين أراه يتعجّب بأنّ ثمّة فرقًا عظيمًا بين معرفته الخاطفة لتلك الحياة، التي لا يكاد يذكرها، والتي يسهل عليه لذلك أن يحتقرها، وبين إلفي المتواصل لها، الذي لو أُضيف إليه اسم الزواج الكريم لما كان له أن يتعجّب لماذا لا أستطيع أن أزدري ذلك المسلك؛ ابتدأ هو أيضًا يرغب في الزواج؛ لا مغلوبًا بشهوة تلك اللذّة، بل بدافع الفضول. فقد كان يودّ، كما قال، أن يعرف ما عسى أن يكون ذلك الشيء الذي بدونه تبدو لي حياتي، وهي في نظره سارّة جدًّا، لا حياةً بل عقابًا. فإنّ ذهنه، وهو حرّ من تلك السلسلة، كان مذهولًا من عبوديّتي؛ وبذلك الذهول كان يمضي إلى الرغبة في التجربة، ومنها إلى التجربة نفسها، ومنها ربّما إلى السقوط في تلك العبودية التي كان يتعجّب منها، إذ كان مستعدًّا لأن يقطع عهدًا مع الموت؛ ومن يحبّ الخطر يسقط فيه. فإنّ ما قد يكون من كرامة في مهمّة تدبير حياة زوجية وأسرة تدبيرًا حسنًا لم يكن يحرّكنا إلا قليلًا. أمّا أنا فقد كانت تعذّبني في الغالب عادة إشباع شهوة لا تشبع، وهي تمسكني أسيرًا؛ وأمّا هو فكان تعجّبٌ مُعجَبٌ يقوده أسيرًا. هكذا كنّا، حتى أتيتَ أنتَ، أيها العليّ، غير تارك تُرابنا، راثيًا لنا نحن البائسين، لمعونتنا بطرق عجيبة وخفيّة.

الفصل الثالث عشر

وكان السعي متواصلًا لتزويجي. فخطبت، ووُعدتُ، ولا سيّما بجهود أمّي، لكي تطهّرني المعمودية الشافية حين أتزوّج مرّة، وهي التي كانت تفرح بأنني أُهيَّأ لها يومًا بعد يوم، وكانت تلاحظ أن صلواتها ومواعيدك تتحقّق في إيماني. وفي ذلك الوقت حقًّا، بطلب منّي ومن شوقها هي، كانت تتوسّل إليك كلّ يوم بصراخ قلب قويّ أن تكشف لها برؤيا شيئًا عن زواجي المقبل؛ فلم تشأ قطّ. نعم، رأت بعض الأمور الباطلة الخيالية، كتلك التي يجمعها نشاط الروح البشري المنشغل بذلك؛ وقد حدّثتني بها، لا بتلك الثقة التي اعتادتها حين كنتَ تُريها شيئًا، بل مستخفّة بها. فقد كانت تستطيع، كما قالت، بإحساس ما لا تستطيع أن تعبّر عنه بالكلام، أن تميّز بين إعلاناتك وبين أحلام نفسها. ومع ذلك مضى الأمر قدمًا، وخُطبت فتاة كانت دون السنّ المناسبة بسنتين؛ ولأنها كانت مرضيّة، انتُظرت.

الفصل الرابع عشر

وكان كثيرون منّا، نحن الأصدقاء، يتشاورون ويمقتون اضطرابات الحياة البشرية الصاخبة، وقد تداولنا وكدنا نعزم الآن على أن نعيش بمعزل عن الأعمال وضوضاء الناس؛ وكان ذلك سيتحقّق على هذا النحو: أن نأتي بكلّ ما يستطيع كلّ منّا أن يحصّله، فنجعل من الجميع بيتًا واحدًا؛ حتى لا يكون شيء، بفضل صدق صداقتنا، ملكًا خاصًّا لأحد؛ بل يكون الكلّ المجموع من الجميع ملكًا بكلّيته لكلّ واحد، والكلّ للكلّ. وكنّا نظنّ أنه قد يكون في هذه الجماعة نحو عشرة أشخاص؛ بعضهم أغنياء جدًّا، ولا سيّما رومانيانوس ابن بلدتنا، صديقي الحميم جدًّا منذ الطفولة، الذي كانت الارتباكات الشديدة في شؤونه قد جاءت به إلى البلاط؛ وكان أشدّهم حماسة لهذا المشروع؛ وكان لصوته في ذلك وزن عظيم، لأنّ ثروته الواسعة كانت تفوق كثيرًا ثروة أيّ واحد من الباقين. وكنّا قد اتّفقنا أيضًا على أن يتولّى موظّفان سنويّان، إن جاز القول، تدبير كلّ ما هو ضروري، ويبقى الباقون بلا إزعاج. ولكن لمّا ابتدأنا نفكّر هل تسمح بهذا الزوجات، اللواتي كنّ لبعضنا فعلًا، ويرجو آخرون أن تكون لهم، انهار ذلك التدبير كلّه، الذي كان يُصاغ صياغة حسنة، بين أيدينا، وتحطّم تمامًا وأُلقي جانبًا. ومن ثَمّ لجأنا إلى التنهّدات والأنّات، وإلى أن نوجّه خطانا في طرق العالم الرحبة المطروقة؛ لأنّ في قلبنا أفكارًا كثيرة، ولكنّ مشورتك تثبت إلى الأبد. وبتلك المشورة سخرتَ من مشورتنا، وأعددتَ مشورتك؛ قاصدًا أن تعطينا طعامنا في حينه، وأن تملأ نفوسنا بركةً.

الفصل الخامس عشر

وفي تلك الأثناء كانت خطاياي تتكاثر، ولمّا انتُزعت من جانبي خليلتي على أنها عائق لزواجي، انتُزع قلبي الذي كان متعلّقًا بها، فجُرح ونزف. فعادت هي إلى أفريقية، ناذرةً لك ألّا تعرف رجلًا آخر أبدًا، تاركةً معي ابني منها. أمّا أنا الشقيّ، الذي لم أستطع أن أقتدي حتى بامرأة، فإذ لم أطق الانتظار، لأنني لم أكن سأنال التي خطبتها إلا بعد سنتين، ولأنني لم أكن محبًّا للزواج بقدر ما كنتُ عبدًا للشهوة، اتّخذتُ أخرى، ولم تكن زوجة، لكي يبقى داء نفسي، بعبودية عادة مستمرّة، قائمًا ومحمولًا في قوّته، بل ومتزايدًا، إلى أن يبلغ سلطان الزواج. ولم يُشفَ ذلك الجرح الذي كان فيّ، والذي أحدثه قطع الأولى، بل بعد الالتهاب والألم الحادّ جدًّا تعفّن، فصارت آلامي أقلّ حدّة، ولكن أشدّ يأسًا.

الفصل السادس عشر

لك الحمد، لك المجد، يا ينبوع المراحم. كنتُ أصير أشقى، وكنتَ أنتَ أقرب. كانت يمينك مستعدّة على الدوام لتنتشلني من الوحل وتغسلني كثيرًا، ولم أكن أعلم؛ ولم يكن شيء يردّني عن هوّة أعمق من اللذّات الجسدية سوى الخوف من الموت ومن دينونتك الآتية؛ وهو خوف لم يفارق صدري قطّ وسط كلّ تقلّباتي. وفي مناقشاتي مع صديقيّ أليبيوس ونبريديوس في طبيعة الخير والشرّ، كنتُ أرى أنّ أبيقور كان سينال في ذهني قصب السبق، لو لم أكن أؤمن بأنّ للنفس بعد الموت حياةً باقية، وأماكن للجزاء بحسب استحقاقات الناس، وهو ما لم يشأ أبيقور أن يؤمن به. وكنتُ أسأل: «لو كنّا خالدين، نعيش في لذّة جسدية دائمة، بلا خوف من فقدانها، فلماذا لا نكون سعداء، أو ماذا عسانا نطلب غير ذلك؟» غير عالم أنّ شقاءً عظيمًا كان منطويًا في هذا الأمر عينه: أنني، وأنا غارق وأعمى هكذا، لم أكن أستطيع أن أبصر ذلك النور، نور الفضيلة والجمال، الذي ينبغي أن يُعانَق لذاته، والذي لا تستطيع عين الجسد أن تراه، ويراه الإنسان الباطن. ولم أفكّر، أنا الشقيّ، من أيّ مصدر نبع أنني حتى في هذه الأمور، على قبحها، كنتُ أتحدّث بلذّة مع أصدقائي، ولا كنتُ أستطيع، حتى بحسب ما كان لي حينئذ من مفاهيم عن السعادة، أن أكون سعيدًا بلا أصدقاء، مهما كانت وفرة اللذّات الجسدية. ومع ذلك كنتُ أحبّ هؤلاء الأصدقاء لذواتهم فقط، وشعرتُ بأنهم يحبّونني بدورهم لذاتي فقط.

يا للطرق المعوجّة! ويل للنفس الجسورة التي رجت، بتركها إيّاك، أن تنال شيئًا أفضل! لقد تقلّبت وتقلّبت، على ظهرها وجنبيها وبطنها، وكان كلّ شيء مؤلمًا؛ وأنتَ وحدك الراحة. وها أنتَ قريب، تنقذنا من تيهاننا البائس، وتضعنا في طريقك، وتعزّينا وتقول: «اركضوا؛ أنا أحملكم؛ نعم، أنا أوصلكم؛ وهناك أيضًا أحملكم».

صفحة 1 / 1 · 30 دقيقة متبقية في الفصل