فصل 4 · قراءة 25 د
الكتاب الرابع
الفصل الأول
طوال هذه السنوات التسع (من السنة التاسعة عشرة من عمري إلى الثامنة والعشرين) عشنا مُضَلَّلين ومُضِلّين، مخدوعين وخادعين، في شهوات شتّى: علانيةً بالعلوم التي يسمّونها حرّة، وسرًّا بديانة كاذبة الاسم؛ متكبّرين هنا، وخرافيّين هناك، وباطلين في كل مكان. فمن جهة، كنا نطارد فراغ المديح الشعبي، حتى تصفيق المسارح، وجوائز الشعر، والتنافس على أكاليل العشب، وحماقات العروض، وجموح الشهوات. ومن جهة أخرى، كنا نبتغي التطهّر من هذه الأدناس، بحمل الطعام إلى الذين كانوا يُدعَون «المختارين» و«القدّيسين»، لكي يصوغوا لنا منه، في مَعمل بطونهم، ملائكةً وآلهةً نتطهّر بهم. هذه الأمور كنت أتبعها وأمارسها مع أصدقائي، الذين خُدعوا بي ومعي. فليسخر مني المتكبّرون، والذين لم تصرعهم وتطرحهم أرضًا، يا إلهي، لخلاص نفوسهم؛ أما أنا فما زلت أعترف لك بخزيي في حمدك. احتملني، أتوسّل إليك، وامنحني نعمةً أن أستعيد في ذاكرتي الحاضرة ضلالات أيامي الغابرة، وأن أقدّم لك ذبيحة الحمد. فما أنا لنفسي من دونك إلا دليلٌ إلى هاويتي؟ أو ما أنا حتى في أحسن أحوالي إلا طفلٌ يرضع اللبن الذي تعطيه، ويقتات بك أنت، الطعامِ الذي لا يفنى؟ وأيّ إنسان هو أيّ إنسان، وما هو إلا إنسان؟ فليضحك منا الآن الأقوياء والجبابرة، أما نحن المساكين والبائسين فلنعترف لك.
الفصل الثاني
في تلك السنوات كنت أعلّم البلاغة، وقد غلبني حبّ الكسب، فكنت أبيع فصاحةً يُغلَب بها الخصوم. غير أني كنت أوثر (وأنت تعلم يا رب) التلاميذ الصالحين (كما يُحسَبون)، وكنت أعلّمهم بلا مكرٍ فنونَ المكر، لا ليستعملوها على حياة البريء، وإن استعملوها أحيانًا لأجل حياة المذنب. وأنت يا الله رأيتني من بعيد أتعثّر في ذلك الطريق الزلق، وأبعث وسط دخان كثير بعضَ شرارات من الأمانة، أبديتها في إرشادي لأولئك الذين كانوا يحبّون الباطل ويبتغون الكذب، وأنا رفيقهم. وفي تلك السنوات كانت لي امرأة واحدة — لا في ما يُدعى زواجًا شرعيًا، بل امرأة وجدتها في هوًى جامح خالٍ من الفهم؛ ولكنها واحدة، وكنت وفيًّا لها أيضًا؛ وقد اختبرت معها في حالتي الخاصة أيّ فرقٍ بين عفّة عهد الزواج، الذي يُعقد لأجل النسل، وبين صفقة حبٍّ شهواني يولد فيه الأولاد على غير إرادة والديهم، مع أنهم متى وُلدوا ألزموهما بمحبتهم.
وأذكر أيضًا أني لما عزمت على دخول مباراة لجائزة مسرحية، سألني ساحرٌ ما الذي أعطيه إن جعلني أفوز؛ أما أنا فقد كرهت تلك الطقوس النجسة ومقتّها، وأجبت: «ولو كان الإكليل من ذهب لا يفنى، لما رضيتُ أن تُقتل ذبابة لأناله». فقد كان سيذبح بعض الكائنات الحية في ذبائحه، ويستميل الشياطين بتلك الإكرامات لتحابيني. لكني لم أرفض هذا الشرّ أيضًا عن محبة نقيّة لك يا إله قلبي؛ فإني لم أكن أعرف كيف أحبّك، أنا الذي لم أكن أعرف كيف أتصوّر شيئًا يتجاوز بريقًا ماديًّا. أوَليست النفس التي تتنهّد وراء مثل هذه الأوهام تزني عنك، وتتّكل على ما ليس بحق، وترعى الريح؟ ومع ذلك لم أكن أريد، ويا للعجب، أن تُقدَّم الذبائح لأجلي للشياطين، وأنا كنت أذبح لهم نفسي بتلك الخرافة. فماذا يعني أن ترعى الريح إلا أن ترعاهم هم، أي أن تصير بضلالك لذّتهم وسخريتهم؟
الفصل الثالث
فأولئك الدجّالون إذن، الذين يلقّبونهم بالرياضيين، كنت أستشيرهم بلا تحرّج، لأنهم لم يكونوا فيما يبدو يستعملون ذبيحة، ولا يصلّون إلى روحٍ ما لأجل عرافتهم: وهو فنّ ترفضه التقوى المسيحية الحقّة وتدينه على الدوام. فإنه حسنٌ أن نعترف لك، وأن نقول: ارحمني، اشفِ نفسي لأني قد أخطأت إليك؛ وألّا نسيء استعمال رحمتك رخصةً للخطيئة، بل نذكر قول الرب: ها أنت قد برئت، فلا تخطئ أيضًا لئلا يكون لك أشرّ. وهم يجتهدون في هدم هذه النصيحة الشافية كلها، قائلين: «علّة خطيئتك مقدّرةٌ في السماء لا مفرّ منها»؛ و«هذا فعلته الزهرة، أو زحل، أو المرّيخ»: لكي يكون الإنسان، ويا للعجب، وهو لحمٌ ودم وفسادٌ متكبّر، بريئًا من اللوم، بينما يحمل اللومَ خالقُ السماء والنجوم ومدبّرها. ومن هو إلا إلهنا؟ عذوبةُ البرّ ذاتها وينبوعه، أنت الذي تجازي كل واحد حسب أعماله، والقلبُ المنكسر والمنسحق لا تحتقره.
كان في تلك الأيام رجلٌ حكيم، ماهر جدًا في الطبّ ومشهور فيه، وضع بيده القنصلية إكليل المباراة على رأسي المعتلّ، لا بصفته طبيبًا: فهذا الداء لا يشفيه إلا أنت، يا من تقاوم المستكبرين وتعطي المتواضعين نعمة. ولكن هل خذلتني حتى بواسطة ذلك الشيخ، أو أمسكت عن شفاء نفسي؟ فلما توثّقت معرفتي به، وتعلّقت بحديثه بمواظبة وانتباه (فقد كان، مع بساطة عبارته، حيًّا نابضًا جادًّا)، وأدرك من كلامي أني منكبٌّ على كتب راسمي الطوالع، نصحني بلطفٍ ونصحِ الأب أن أطرحها عني، وألّا أبذل عبثًا على هذه الأباطيل عنايةً واجتهادًا لازمين للأمور النافعة؛ قائلًا إنه في أولى سنيه درس ذلك الفنّ ليتّخذه حرفةً يعيش منها، وإنه، وقد فهم أبقراط، كان قادرًا أن يفهم سريعًا دراسةً كهذه؛ ومع ذلك فقد تركها واتّجه إلى الطبّ، لا لسببٍ إلا أنه وجدها باطلةً تمامًا، ولم يكن هو، الرجل الوقور، ليكسب عيشه بخداع الناس. «أما أنت»، قال، «فلك البلاغة تعول بها نفسك، فأنت تتبع هذا الأمر باختيارك لا عن ضرورة: فأولى بك إذن أن تصدّقني فيه، أنا الذي اجتهدت في إتقانه حتى أكسب عيشي منه وحده». فلما سألته: كيف إذن يُتنبّأ به بأمور صادقة كثيرة؟ أجابني (بما استطاع) «أن قوة المصادفة، المنبثّة في نظام الأشياء كله، هي التي تُحدث هذا. فإنه إن فتح إنسانٌ اتفاقًا صفحاتِ شاعرٍ ما، نظم وفكّر في أمر مختلف تمامًا، كثيرًا ما يقع بيتٌ يوافق الشأن الحاضر موافقةً عجيبة: فلا عجب إذن إن صدر من نفس الإنسان، وهي لا تدري ما يجري فيها، بدافعٍ أعلى، جوابٌ يوافق شأن السائل وأفعاله، بالمصادفة لا بالصناعة».
وهكذا نقلتَ إليّ هذا القدر، إما منه وإما بواسطته، ورسمتَ في ذاكرتي ما قد أفحصه فيما بعد بنفسي. ولكن في ذلك الوقت لم يستطع هو، ولا عزيزي نبريديوس، الشابّ الصالح صلاحًا فريدًا، ذو المخافة المقدسة، الذي كان يسخر من العرافة كلها، أن يُقنعاني بطرحها، إذ كانت سلطة مؤلّفيها تستميلني أكثر، ولم أكن قد وجدت بعدُ برهانًا أكيدًا (كالذي كنت أطلبه) يظهر به بلا أدنى شكّ أن ما صدق من تنبّؤات المستشارين إنما كان نتيجة المصادفة، لا نتيجة فنّ راصدي النجوم.
الفصل الرابع
في تلك السنوات، لما بدأت أول مرة أعلّم البلاغة في مدينتي، كنت قد اتّخذت لي صديقًا، عزيزًا عليّ أكثر مما ينبغي، لاشتراكنا في الاهتمامات، وكان من سنّي، مثلي في أول تفتّح زهرة الشباب. كان قد نشأ معي منذ الطفولة، وكنّا رفيقين في المدرسة وفي اللعب. لكنه لم يكن بعدُ صديقي كما صار فيما بعد، ولا حتى حينئذ كما تكون الصداقة الحقّة؛ فإنها لا تكون حقّةً إلا بين الذين تُوثّق أنت بينهم، وهم ملتصقون بك، بتلك المحبة التي انسكبت في قلوبنا بالروح القدس المعطى لنا. ومع ذلك فقد كانت عذبةً أكثر مما ينبغي، أنضجتها حرارة الدراسات المتقاربة: فإني كنت قد حرفته عن الإيمان الحق (الذي لم يكن، وهو شابّ، قد تشرّبه تشرّبًا راسخًا عميقًا) إلى تلك الخرافات الباطلة المُهلكة التي كانت أمي تبكي عليّ من أجلها. وها هو الآن يضلّ معي في فكره، ولم تكن نفسي تطيق البقاء من دونه. ولكن هوذا أنت كنت في أعقاب الهاربين منك، إلهَ النقمات وينبوعَ المراحم معًا، تردّنا إليك بطرق عجيبة؛ فأخذت ذلك الرجل من هذه الحياة، ولم يكد يُتمّ سنةً كاملة من صداقتي، التي كانت عذبةً لي فوق كل عذوبة في حياتي تلك.
من يقدر أن يُحصي كل تسابيحك التي اختبرها في نفسه وحده؟ ماذا صنعتَ حينئذ يا إلهي، وكيف لا يُسبَر غور أحكامك؟ فقد ظلّ طويلًا مريضًا بحمّى شديدة، يرقد فاقد الوعي في عرق الموت؛ ولما يُئس من شفائه، عُمِّد وهو لا يدري؛ وأنا في أثناء ذلك قليل الاكتراث، أفترض أن نفسه ستحتفظ بما تلقّته مني، لا بما صُنع بجسده الغائب عن الوعي. لكن الأمر جاء على خلاف ذلك تمامًا: فقد انتعش وشُفي. وفي الحال، حالما استطعت أن أكلّمه (وقد استطعت حالما قدر هو، لأني لم أفارقه قطّ، وكان كلٌّ منا متعلّقًا بالآخر أكثر مما ينبغي)، حاولت أن أمازحه، ظانًّا أنه سيمازحني في تلك المعمودية التي نالها وهو غائب الذهن والحسّ تمامًا، غير أنه كان قد علم الآن أنه نالها. لكنه نفر مني كما من عدوّ، وبجرأة عجيبة مفاجئة أمرني، إن كنت أريد أن أبقى صديقه، أن أكفّ عن مثل هذا الكلام معه. أما أنا فذُهلت وبُهتّ، وكتمت كل انفعالاتي حتى يتعافى، وتقوى صحته بما يكفي لأعامله كما أشاء. لكنه اختُطف من جنوني، لكي يُحفظ عندك لعزائي؛ فبعد أيام قليلة، وفي غيابي، عاودته الحمّى، فرحل.
من هذا الحزن أظلم قلبي كله؛ وصار كل ما أراه موتًا. صار وطني عذابًا لي، وبيت أبي شقاءً غريبًا؛ وكل ما كنت قد شاركته فيه صار، وهو غائب، عذابًا مُمزِّقًا. كانت عيناي تطلبانه في كل مكان، فلم يُعطَ لهما؛ وأبغضت الأماكن كلها لأنه ليس فيها؛ ولم تعد تستطيع أن تقول لي: «ها هو آتٍ»، كما كانت حين كان حيًّا غائبًا. صرت لنفسي لغزًا كبيرًا، وسألت نفسي لماذا هي حزينة، ولماذا تُقلقني بشدّة: فلم تعرف بماذا تجيبني. وإن قلت لها: توكّلي على الله، فقد كانت محقّةً جدًا في عصياني؛ لأن ذلك الصديق العزيز جدًا الذي فقدته كان، وهو إنسان، أصدق وأفضل من ذلك الخيال الذي أُمرت أن تتوكّل عليه. لم يكن عذبًا لي إلا الدموع، فقد حلّت محلّ صديقي في أعزّ مودّاتي.
الفصل الخامس
والآن يا رب قد مضت هذه الأمور، وخفّف الزمن جرحي. أفأتعلّم منك، أنت الحق، وأُدني أذن قلبي من فمك، لكي تخبرني لماذا البكاء عذبٌ للبائسين؟ أوَقد طرحت شقاءنا بعيدًا عنك، مع أنك حاضر في كل مكان؟ أنت ثابت في ذاتك، أما نحن فتتقاذفنا تجارب شتّى. ومع ذلك لو لم ننُح في أذنيك لما بقي لنا رجاء. فمن أين إذن يُجنى ثمرٌ عذب من مرارة الحياة، من الأنين والدموع والتنهّدات والشكوى؟ أيحلو ذلك لأننا نرجو أنك تسمع؟ هذا صحيح في الصلاة، لأن فيها شوقًا إلى الاقتراب منك. ولكن أيصحّ أيضًا في الحزن على شيء مفقود، وفي الغمّ الذي كان يغمرني حينئذ؟ فإني لم أكن أرجو أن يعود إلى الحياة، ولا كنت أطلب ذلك بدموعي؛ بل كنت أبكي وأحزن فحسب. فقد كنت بائسًا، وقد فقدت فرحي. أم أن البكاء في الحقيقة أمرٌ مرّ، ومن فرط نفورنا من الأشياء التي كنا نتمتّع بها قبلًا، يُرضينا حينئذ حين ننفر منها؟
الفصل السادس
ولكن لماذا أتكلّم في هذه الأمور؟ فليس الآن وقت السؤال، بل وقت الاعتراف لك. كنت بائسًا؛ وبائسةٌ كل نفس مقيّدة بصداقة الأشياء الفانية؛ فهي تتمزّق حين تفقدها، وحينئذ تشعر بالبؤس الذي كان فيها قبل أن تفقدها. هكذا كان حالي حينئذ؛ كنت أبكي بمرارة شديدة، وأجد راحتي في المرارة. هكذا كنت بائسًا، وكانت تلك الحياة البائسة أعزّ عليّ من صديقي. فمع أني كنت أودّ لو أبدّلها، إلا أني كنت أشدّ كرهًا لمفارقتها مني لمفارقته؛ بل لا أدري أكنت أفارقها حتى من أجله، كما يُروى (إن لم يكن مختلَقًا) عن بيلاديس وأوريستيس، أنهما كانا يرضيان بالموت كلٌّ عن صاحبه أو معًا، إذ كان ألّا يعيشا معًا أسوأ عندهما من الموت. أما فيّ فقد نشأ شعورٌ غامض، مناقض لهذا كل المناقضة، إذ كنت في آنٍ واحد أمقت الحياة أشدّ المقت وأخاف الموت. وأظنّ أني كلما ازددت حبًّا له، ازددت بغضًا وخوفًا (كما من أقسى الأعداء) للموت الذي أثكلني إياه؛ وتخيّلت أنه سيُفني جميع الناس سريعًا، ما دام قد قدر عليه هو. هكذا كان حالي، إني أذكر. هوذا قلبي يا إلهي، انظر وتأمّل داخلي؛ فإني أذكر ذلك جيدًا، يا رجائي، يا من تطهّرني من نجاسة مثل هذه الأهواء، موجّهًا عينيّ نحوك، ومنتشلًا رجليّ من الشَّرَك. فقد كنت أتعجّب أن يعيش آخرون خاضعون للموت، بينما هو الذي أحببته كأنه لن يموت قطّ قد مات؛ وكنت أتعجّب أكثر أن أعيش أنا، الذي كنت له نفسًا ثانية، وهو ميت. أحسن من قال عن صديقه: «يا نصف نفسي»؛ فقد شعرت أن نفسي ونفسه كانتا «نفسًا واحدة في جسدين»: ولذلك كانت حياتي رعبًا لي، لأني لم أكن أريد أن أعيش منشطرًا نصفين. ولذلك ربما خفت أن أموت، لئلا يموت كلّيًا ذاك الذي أحببته كثيرًا.
الفصل السابع
يا للجنون الذي لا يعرف كيف يحبّ البشر كما يليق بالبشر! يا لي من إنسان أحمق كنت حينئذ، أحتمل بلا صبر نصيب الإنسان! كنت أهتاج حينئذ، وأتنهّد، وأبكي، وأضطرب؛ لا راحة لي ولا مشورة. فقد كنت أحمل نفسًا محطّمة دامية، تأبى أن أحملها، ومع ذلك لم أجد أين أريحها. لا في الغابات الهادئة، ولا في الألعاب والموسيقى، ولا في الأماكن العطرة، ولا في الولائم المتأنّقة، ولا في ملذّات الفراش والمضجع؛ ولا (أخيرًا) في الكتب أو الشعر، وجدت راحة. كل شيء بدا مروّعًا، بل النور نفسه؛ وكل ما لم يكن هو كان منفّرًا بغيضًا، ما عدا الأنين والدموع. ففيهما وحدهما وجدت شيئًا من الانتعاش. ولكن حين كانت نفسي تُنتزع منهما، كان حِملٌ ثقيل من الشقاء يسحقني. إليك يا رب كان ينبغي أن تُرفع، لتخفّفه أنت؛ كنت أعلم ذلك؛ لكني لم أقدر ولم أُرِد؛ ولا سيما أني حين كنت أفكّر فيك لم تكن عندي شيئًا صلبًا أو جوهريًّا. فلم تكن أنت ذاتك، بل مجرّد طيف، وكان ضلالي إلهي. فإن حاولت أن أُلقي حملي عليه لكي يستريح، انزلق في الفراغ، وعاد يندفع عليّ من جديد؛ وبقيت لنفسي موضعًا تعيسًا، لا أستطيع أن أبقى فيه ولا أن أخرج منه. فإلى أين يهرب قلبي من قلبي؟ وإلى أين أهرب من نفسي؟ وأين لا أتبع نفسي؟ ومع ذلك هربت من وطني؛ لأن عينيّ هكذا تقلّ في طلبه، حيث لم تعتادا أن تريانه. وهكذا جئت من تاغاست إلى قرطاج.
الفصل الثامن
الأزمنة لا تضيّع وقتًا، ولا تمضي عبثًا؛ بل تُحدث في العقل، عن طريق حواسّنا، أفعالًا عجيبة. هوذا كانت تذهب وتجيء يومًا بعد يوم، وبذهابها ومجيئها أدخلت إلى ذهني تصوّرات أخرى وذكريات أخرى؛ ورقّعتني شيئًا فشيئًا بمسرّاتي القديمة، التي أفسح لها حزني ذاك الطريق. ومع ذلك فقد أعقبته، لا أحزانٌ أخرى حقًا، بل أسبابُ أحزانٍ أخرى. فمن أين بلغ ذلك الحزن السابق بتلك السهولة إلى صميم نفسي، إلا لأني سكبت نفسي على التراب، إذ أحببت من لا بدّ أن يموت كأنه لن يموت؟ فإن أكثر ما أعاد إليّ الحياة وأنعشني كان تعزيات أصدقاء آخرين، كنت أحبّ معهم ما كنت أحبّه عوضًا عنك؛ وكانت تلك أسطورة عظيمة وكذبة طويلة، كانت نفسنا، وقد استحكّت آذاننا، تتنجّس بإثارتها الزانية. غير أن تلك الأسطورة لم تكن لتموت عندي، كلما مات أحد أصدقائي. وكانت فيهم أمور أخرى تأسر ذهني أكثر: أن نتحدّث ونتمازح معًا، وأن نتبادل الخدمات اللطيفة؛ وأن نقرأ معًا كتبًا معسولة؛ وأن نلهو معًا أو نجدّ معًا؛ وأن نختلف أحيانًا بلا ضغينة، كما يختلف الإنسان مع نفسه؛ وأن نُطيّب بندرة تلك الاختلافات اتفاقاتنا الأكثر تواترًا؛ وأن نعلّم أحيانًا ونتعلّم أحيانًا؛ وأن نشتاق إلى الغائب بلهفة؛ ونستقبل القادم بفرح. هذه العلامات وأمثالها، الصادرة من قلوب الذين يحبّون ويُبادَلون الحبّ، بالوجه واللسان والعينين وألف حركة محبّبة، كانت وقودًا يصهر نفوسنا معًا، ويجعل من الكثيرين واحدًا.
الفصل التاسع
هذا هو ما يُحَبّ في الأصدقاء؛ ويُحَبّ إلى حدّ أن ضمير الإنسان يدينه إن لم يحبّ من يبادله الحبّ، أو لم يبادل الحبَّ من يحبّه، غير طالب من شخصه شيئًا سوى علامات محبته. ومن هنا ذلك النوح إذا مات أحد، وظلمات الأحزان، وانغماس القلب في الدموع، وتحوّل كل عذوبة إلى مرارة؛ ومن فقدان حياة الميت، موتُ الأحياء. طوبى لمن يحبّك، ويحبّ صديقه فيك، وعدوّه لأجلك. فإنه وحده لا يفقد عزيزًا عليه، إذ الجميع أعزّاء عليه في ذاك الذي لا يمكن أن يُفقد. ومن هو هذا إلا إلهنا، الإله الذي صنع السماء والأرض، ويملأهما، لأنه بملئه إياهما خلقهما؟ أنت لا يفقدك أحد إلا من يتركك. ومن يتركك، إلى أين يذهب أو إلى أين يهرب، إلا منك راضيًا إليك غاضبًا؟ فأين لا يجد شريعتك في عقابه؟ وشريعتك حقّ، والحقّ أنت.
الفصل العاشر
يا إله الجنود أرجعنا، أرنا وجهك فنخلص. فإن نفس الإنسان، حيثما التفتت، إن لم تلتفت نحوك، تتسمّر في الأحزان، ولو تسمّرت في أشياء جميلة. ومع ذلك فهذه الأشياء الجميلة، خارجًا عنك وعن النفس، ما كانت لتكون لو لم تكن منك. إنها تُشرق وتغيب؛ وبإشراقها تبدأ كأنها تكون؛ وتنمو لكي تكتمل؛ ومتى اكتملت شاخت وذبلت؛ وليست كلها تشيخ، لكن كلها تذبل. فحين تُشرق وتسعى إلى الكينونة، كلما أسرعت في النمو لتكون، أسرعت أكثر نحو ألّا تكون. هذه هي شريعتها. هذا القدر قسمته لها، لأنها أجزاء من أشياء لا توجد كلها معًا، بل بالزوال والتعاقب تُكمل معًا ذلك الكلّ الذي هي أجزاؤه. وهكذا أيضًا يكتمل كلامنا بعلامات تُصدر صوتًا: لكنه أيضًا لا يكتمل ما لم تمضِ كلمة متى أدّت نصيبها من الصوت، لكي تخلفها أخرى. فلتسبّحك نفسي على هذه الأشياء كلها، يا الله، خالق الكل؛ لكن لا تدع نفسي تلتصق بها بغراء المحبة عن طريق حواسّ البدن. فإنها تمضي حيث كان لها أن تمضي، لكي لا تكون؛ وتمزّق النفس بأشواق وبيئة، لأنها تشتاق أن تكون، ومع ذلك تحبّ أن تستريح فيما تحبّ. لكن في هذه الأشياء لا موضع للراحة؛ فهي لا تثبت، بل تهرب؛ ومن يستطيع أن يتبعها بحواسّ الجسد؟ بل من يستطيع أن يمسكها وهي قريبة منه؟ فإن حاسّة الجسد بطيئة، لأنها حاسّة الجسد؛ وبذلك هي محدودة. إنها تكفي لما صُنعت له؛ لكنها لا تكفي لإيقاف الأشياء الجارية في مسارها من منطلقها المعيّن إلى الغاية المعيّنة. ففي كلمتك التي بها خُلقت، تسمع قضاءها: «من هنا وإلى هنا».
الفصل الحادي عشر
لا تكوني حمقاء يا نفسي، ولا تصيري صمّاء في أذن قلبك من ضجيج حماقتك. اصغي أنتِ أيضًا.
الكلمة نفسه يدعوكِ إلى الرجوع: وهناك موضع الراحة الذي لا يعكّره شيء، حيث لا تُهجَر المحبة إن لم تهجر هي. هوذا هذه الأشياء تزول لكي تحلّ محلّها أخرى، وهكذا يكتمل هذا الكون الأدنى بجميع أجزائه. ولكن أأمضي أنا إلى موضعٍ ما؟ يقول كلمة الله. هناك ثبّتي مسكنك، هناك استودعي كل ما لك من هناك، يا نفسي، على الأقل الآن وقد أعيتك الأباطيل. استودعي الحقَّ كل ما لك من الحق، فلن تخسري شيئًا؛ وسيزهر من جديد ما ذبل منك، وتُشفى جميع أمراضك، وتُصلَح أجزاؤك الفانية وتتجدّد وتُشَدّ حولك: ولن تُلقيك حيث تنحدر هي؛ بل ستثبت معك، وتبقى إلى الأبد أمام الله، الذي يبقى ويثبت إلى الأبد.
فلماذا تنحرفين إذن وتتبعين جسدك؟ بل ليرجع هو ويتبعك أنتِ. كل ما تدركينه به هو جزئيّ؛ والكلّ الذي هذه أجزاؤه لا تعرفينه؛ ومع ذلك فهي تُبهجك. ولكن لو كانت لحاسّة جسدك قدرةٌ على إدراك الكل، ولم تكن هي أيضًا، عقابًا لك، قد حُصرت بعدلٍ في جزء من الكل، لتمنّيتِ أن يزول كل ما هو كائن في الحاضر، لكي يزيدك الكلّ سرورًا. فإن ما نتكلّم به أيضًا تسمعينه بحاسّة الجسد نفسها؛ ومع ذلك لا تريدين أن تقف المقاطع، بل أن تطير، لكي تأتي غيرها، فتسمعي الكل. وهكذا دائمًا، حين يتألّف شيء واحد من أشياء كثيرة لا توجد كلها معًا، يكون مجموعها أبهج من آحادها، لو أمكن إدراكها كلها معًا. لكن أفضل من هذه كلها بكثير هو الذي صنع الكل؛ وهو إلهنا، ولا يزول، لأنه لا شيء يخلفه.
الفصل الثاني عشر
إن أعجبتك الأجساد، فسبّحي الله بمناسبتها، وردّي محبتك إلى صانعها؛ لئلا تكوني أنتِ غير مرضيّة في هذه الأشياء التي تُرضيك. وإن أعجبتك النفوس، فلتُحَبّ في الله: فإنها هي أيضًا متغيّرة، لكنها فيه ثابتة راسخة؛ وإلا لعبرت وزالت. ففيه إذن لتُحَبّ؛ واحملي إليه معك ما استطعت من النفوس، وقولي لها: «إياه فلنحبّ، إياه فلنحبّ: هو صنع هذه، وليس هو ببعيد. فإنه لم يصنعها ثم يمضي، بل هي منه وفيه. هوذا هو هناك، حيث يُحَبّ الحق. إنه في صميم القلب، ومع ذلك فقد ضلّ القلب عنه. ارجعوا إلى قلوبكم أيها العصاة، والتصقوا بالذي صنعكم. قفوا معه فتثبتوا. استريحوا فيه فتجدوا الراحة. إلى أين تذهبون في طرق وعرة؟ إلى أين تذهبون؟ الخير الذي تحبّونه هو منه؛ لكنه صالح وطيّب بنسبته إليه، وبعدلٍ يُمَرَّر، لأنه بغير عدلٍ يُحَبّ أيّ شيء هو منه، إن تُرك هو لأجله. فإلى أيّ غاية تواصلون السير أبدًا في هذه الطرق الصعبة المتعبة؟ لا راحة حيث تطلبونها. اطلبوا ما تطلبون؛ لكنه ليس هناك حيث تطلبون. تطلبون حياةً سعيدة في أرض الموت؛ وليست هي هناك. فكيف تكون حياة سعيدة حيث لا حياة أصلًا؟
«لكن حياتنا الحقّة نزلت إلى هنا، وحملت موتنا، وقتلته، من فيض حياته: ورعد مناديًا إيانا بصوت عظيم أن نرجع من هنا إليه، إلى ذلك الموضع الخفيّ الذي خرج منه إلينا، أولًا إلى حشا العذراء، حيث اقترن بالخليقة البشرية، بجسدنا المائت، لكي لا يبقى مائتًا إلى الأبد، ومن هناك، مثل العريس الخارج من حجلته، مبتهجًا مثل الجبّار ليجري في طريقه. فإنه لم يتوانَ، بل جرى، مناديًا بالكلام والأعمال والموت والحياة والنزول والصعود؛ صارخًا إلينا أن نرجع إليه. وغاب عن عيوننا، لكي نرجع إلى قلوبنا، فنجده هناك. فقد غاب، وها هو هنا. لم يشأ أن يطول بقاؤه معنا، ومع ذلك لم يتركنا؛ فقد مضى إلى حيث لم يفارقه قطّ، لأن العالم به كُوِّن. وفي هذا العالم كان، وإلى هذا العالم جاء ليخلّص الخطاة، وله تعترف نفسي، فيشفيها، لأنها أخطأت إليه. يا بني البشر، حتى متى أنتم بطيئو القلوب؟ أفلا تصعدون وتحيون الآن، بعد نزول الحياة إليكم؟ ولكن إلى أين تصعدون، وأنتم في العُلى، وقد جعلتم أفواهكم في السماء؟ انزلوا لكي تصعدوا، وتصعدوا إلى الله. فإنكم قد سقطتم بصعودكم عليه». قولي لهم هذا، لكي يبكوا في وادي الدموع، وهكذا احمليهم معك صاعدةً إلى الله؛ لأنكِ من روحه تقولين لهم هذا، إن كنتِ تقولينه متّقدةً بنار المحبة.
الفصل الثالث عشر
هذه الأمور لم أكن أعرفها حينئذ، وكنت أحبّ هذه الجمالات الدنيا، وكنت أغرق إلى الأعماق، وكنت أقول لأصدقائي: «هل نحبّ شيئًا غير الجميل؟ فما الجميل إذن؟ وما الجمال؟ ما الذي يجذبنا ويستميلنا إلى الأشياء التي نحبّها؟ فلو لم يكن فيها بهاءٌ وجمال لما استطاعت بأيّ حال أن تجذبنا إليها». ولاحظت وأدركت أن في الأجسام نفسها جمالًا، من حيث إنها تؤلّف كُلًّا ما، وجمالًا آخر من التناسب الملائم المتبادل، كتناسب عضو من الجسم مع كلّه، أو حذاءٍ مع قدم، وما شابه ذلك. وقد نبع هذا التأمّل في ذهني من صميم قلبي، فكتبت «في الجميل واللائق»، في كتابين أو ثلاثة، على ما أظن. أنت تعلم يا رب، فقد غاب ذلك عني؛ إذ ليست هي عندي، بل ضاعت مني، لا أدري كيف.
الفصل الرابع عشر
ولكن ما الذي دفعني، أيها الرب إلهي، إلى أن أهدي هذه الكتب إلى هيريوس، الخطيب في روما، الذي لم أكن أعرفه بوجهه، لكني أحببته لشهرة علمه الذي كان بارزًا فيه، وقد سمعت له بعض أقوال أعجبتني؟ لكنه أعجبني أكثر لأنه أعجب آخرين، كانوا يطرونه غاية الإطراء، مندهشين أن يخرج من رجل سوريّ، تعلّم أولًا الفصاحة اليونانية، خطيبٌ لاتينيّ عجيب، وعالمٌ متبحّر في الأمور المتعلّقة بالفلسفة. يُمدَح أحدهم فيُحَبّ وهو غير منظور: أفتدخل هذه المحبة قلب السامع من فم المادح؟ ليس كذلك. بل من المحبّ يتّقد آخر. فمن هنا يُحَبّ الممدوح، حين يُصدَّق أن المادح يطريه بقلب غير مُراءٍ؛ أي حين يمدحه من يحبّه.
هكذا كنت حينئذ أحبّ الناس بحكم الناس، لا بحكمك يا إلهي، الذي لا ينخدع فيك أحد. ولكن لماذا لم يكن حبّي له لخصالٍ كخصال سائق عربات مشهور، أو مصارع وحوش في المسرح، ذائعِ الصيت بشعبية عامّية، بل على نحو آخر تمامًا، وبجدّ، وكما كنت أودّ أن أُمدح أنا نفسي؟ فإني لم أكن أريد أن أُمدح أو أُحَبّ كما يُمدح الممثّلون ويُحَبّون (مع أني أنا نفسي كنت أمدحهم وأحبّهم)، بل كنت أوثر أن أكون مجهولًا على أن أُعرف هكذا؛ بل أن أُبغَض على أن أُحَبّ هكذا. فأين تُخزَن الآن دوافع هذه المحبّات المتنوّعة المختلفة في نفس واحدة؟ لماذا، ونحن بشر على السواء، أحبّ في غيري ما لو لم أكن أبغضه لما رفضته وطرحته عن نفسي؟ فلا يصحّ القول بأنه كما يُحَبّ الجواد الأصيل ممّن لا يريد، ولو استطاع، أن يكون ذلك الجواد، فكذلك يقال عن الممثّل الذي يشاركنا طبيعتنا. أفأحبّ إذن في إنسانٍ ما أكره أن أكونه، وأنا إنسان؟ الإنسان نفسه لُجّة عظيمة، أنت تُحصي شعره يا رب، ولا يسقط منه شيء على الأرض بدونك. ومع ذلك فإحصاء شعر رأسه أيسر من إحصاء مشاعره وخفقات قلبه.
لكن ذلك الخطيب كان من الصنف الذي أحببته، راغبًا أن أكون أنا نفسي مثله؛ وكنت أضلّ بكبرياء منتفخة، وتتقاذفني كل ريح، لكنك كنت تقودني، وإن في خفاء شديد. ومن أين أعلم، ومن أين أعترف لك بثقة، أني أحببته لمحبة مادحيه أكثر مما أحببته لتلك الأمور ذاتها التي مُدح لأجلها؟ لأنه لو لم يُمدح، بل ذمّه هؤلاء الرجال أنفسهم، ورووا عنه الأمور عينها بذمٍّ واحتقار، لما اتّقدت قطّ ولا تحمّست لمحبته. ومع ذلك لم تكن الأمور لتختلف، ولا هو نفسه ليختلف؛ بل مشاعر الرواة فقط. انظر أين تنطرح النفس العاجزة التي لم تُسنَد بعدُ بصلابة الحق! فكما تهبّ رياح الألسنة من صدور ذوي الآراء، هكذا تُحمَل هنا وهناك، تُدفع إلى الأمام وإلى الوراء، ويُحجب النور عنها، ولا يُرى الحق. وها هو أمامنا. وكان عندي أمرًا عظيمًا أن يعرف ذلك الرجل كلامي وأعمالي: فإن استحسنها ازددت اتّقادًا؛ وإن استهجنها جُرح قلبي الفارغ، الخالي من صلابتك. ومع ذلك فإن «الجميل واللائق»، الذي كتبت فيه إليه، كنت أطيل التأمّل فيه بلذّة، وأتفحّصه، وأُعجب به، وإن لم يشاركني فيه أحد.
الفصل الخامس عشر
لكني لم أكن أرى بعدُ على ماذا يدور هذا الأمر الجليل في حكمتك، أيها القدير، يا من وحدك تصنع العجائب؛ وكان ذهني يجول في الصور الجسمانية؛ فعرّفت «الجميل» وميّزته بأنه ما كان كذلك في ذاته، و«اللائق» بأنه ما كان جماله في تناسبه مع شيء آخر: وأيّدت هذا بأمثلة جسمانية. ثم التفتّ إلى طبيعة العقل، لكن الفكرة الخاطئة التي كانت لديّ عن الروحيّات لم تدعني أرى الحق. ومع ذلك فقد لمعت قوة الحق من تلقاء نفسها في عينيّ، فأدرت نفسي اللاهثة عن الجوهر اللاجسماني إلى الخطوط والألوان والأحجام الضخمة. ولما لم أستطع أن أرى هذه في العقل، ظننت أني لا أستطيع أن أرى عقلي. وبما أني كنت أحبّ السلام في الفضيلة، وأمقت الشقاق في الرذيلة، لاحظت في الأولى وحدةً، وفي الأخرى نوعًا من الانقسام. وفي تلك الوحدة تصوّرت أن النفس العاقلة وطبيعة الحق والخير الأسمى قائمة؛ وأما في هذا الانقسام فقد توهّمت بائسًا أن ثمّة جوهرًا مجهولًا لحياة غير عاقلة، وطبيعة الشرّ الأعظم، الذي لا يكون جوهرًا فحسب، بل حياةً حقيقية أيضًا، ومع ذلك غير صادر عنك يا إلهي، يا من منه جميع الأشياء. ومع ذلك فقد سمّيت الأولى أحاديّةً (مُوناد)، كأنها نفس بلا جنس؛ والأخرى ثنائيّةً (دُواد)؛— الغضب في أعمال العنف، والشهوة في الفجور؛ غير عالم بما أقول. فإني لم أكن قد عرفت أو تعلّمت أن الشرّ ليس جوهرًا، ولا أن نفسنا ليست ذلك الخير الأسمى الذي لا يتغيّر.
فكما تنشأ أعمال العنف إذا فسد ذلك الانفعال في النفس الذي منه ينبع الفعل العنيف، فيهيج بوقاحة وبلا ضابط؛ وتنشأ الشهوات إذا انفلت ذلك الميل في النفس الذي به تُشرَب الملذّات الجسدية، هكذا تُدنّس الأخطاءُ والآراء الباطلة السيرةَ، إذا فسدت النفس العاقلة نفسها؛ كما كانت فيّ حينئذ، إذ لم أكن أعلم أنها ينبغي أن تستنير بنور آخر لكي تشترك في الحق، إذ ليست هي نفسها طبيعة الحق. فإنك أنت تضيء سراجي أيها الرب إلهي، أنت تنير ظلمتي: ومن ملئك نحن جميعًا أخذنا، لأنك أنت النور الحقيقي الذي ينير كل إنسان آتيًا إلى العالم؛ لأنه ليس عندك تغيير ولا ظلّ دوران.
لكني كنت أسعى نحوك، فأُدفع عنك، لكي أذوق الموت: لأنك تقاوم المستكبرين. وأيّ كبرياء أعظم من أن أزعم، بجنون غريب، أني بالطبيعة ما أنت هو؟ فبينما كنت خاضعًا للتغيّر (وهذا كان جليًّا لي، إذ كانت رغبتي نفسها في أن أصير حكيمًا رغبةً في أن أصير من أسوأ إلى أفضل)، آثرت أن أتوهّمك أنت خاضعًا للتغيّر، على أن أتوهّم نفسي لست ما أنت هو. لذلك صُددت عنك، وقاومتَ أنت عنادي الباطل وصلابة رقبتي، فتخيّلت صورًا جسمانية، وأنا جسدٌ اتّهمت الجسد؛ وإذ كنت ريحًا تذهب، لم أرجع إليك، بل مضيت أبعد فأبعد إلى أشياء لا وجود لها، لا فيك، ولا فيّ، ولا في الجسم. ولم تكن حقيقتك قد خلقتها لي، بل ابتدعها بُطلي من الأشياء الجسمانية. وكنت أسأل صغارك المؤمنين، مواطنيّ (الذين كنت، من غير أن أدري، منفيًّا عنهم)، كنت أسألهم بثرثرة وحماقة: «لماذا إذن تضلّ النفس التي خلقها الله؟» لكني لم أكن أحتمل أن يُسأل: «لماذا إذن يضلّ الله؟» وكنت أزعم أن جوهرك الذي لا يتغيّر يضلّ مُكرَهًا، بدلًا من أن أعترف بأن جوهري المتغيّر قد ضلّ طوعًا، وهو الآن، عقابًا له، مطروح في الضلال.
كنت حينئذ في نحو السادسة أو السابعة والعشرين من عمري حين كتبت تلك المجلّدات؛ أقلّب في داخلي أوهامًا جسمانية، تطنّ في أذنَي قلبي، اللتين كنت أوجّههما، أيها الحقّ العذب، إلى لحنك الداخلي، متأمّلًا في «الجميل واللائق»، ومشتاقًا أن أقف وأصغي إليك، وأن أفرح فرحًا من أجل صوت العريس، لكني لم أستطع؛ فبأصوات ضلالاتي كنت أُجَرّ إلى الخارج، وبثقل كبريائي كنت أغرق في أعمق الجبّ. فإنك لم تُسمعني سرورًا وفرحًا، ولم تبتهج العظام التي لم تكن قد اتّضعت بعد.
الفصل السادس عشر
وماذا نفعني أني، ولم أكد أبلغ العشرين، وقع في يدي كتابٌ لأرسطو يسمّونه المقولات العشر (وقد كنت أتعلّق باسمه كأنه شيء عظيم إلهيّ، كلما لاكه أستاذي في البلاغة بقرطاج، وآخرون ممن يُعَدّون علماء، بخدود منتفخة كبرياءً)، فقرأته وفهمته وحدي؟ ولما تباحثت مع آخرين، قالوا إنهم بالكاد فهموه على أيدي أساتذة قديرين جدًا، لم يكتفوا بشرحه شفاهًا، بل رسموا أشياء كثيرة في الرمل، لم يستطيعوا أن يخبروني عنه بأكثر مما تعلّمته بقراءته وحدي. وبدا لي الكتاب يتكلّم بوضوح شديد عن الجواهر، مثل «الإنسان»، وعن أعراضها، كهيئة الإنسان، ما نوعها؛ وقامته، كم قدمًا طولها؛ وقرابته، أخو مَن هو؛ أو أين موضعه؛ أو متى وُلد؛ أو هل هو قائم أم جالس؛ أو منتعل أم متسلّح؛ أو هل يفعل شيئًا أو ينفعل به؛ وكل الأمور التي لا تُحصى مما يمكن أن يُدرج تحت هذه المقولات التسع، التي قدّمت منها بعض الأمثلة، أو تحت تلك المقولة الرئيسة، مقولة الجوهر.
فبماذا أفادني هذا كله، وهو قد أعاقني؟ إذ ظننت أن كل ما هو كائن مندرج تحت تلك المقولات العشر، حاولت أن أفهم على هذا النحو، يا إلهي، وحدانيّتك العجيبة التي لا تتغيّر أيضًا، كأنك أنت أيضًا خاضع لعظمتك أو جمالك؛ بحيث يكونان (كما في الأجسام) قائمين فيك كموضوع لهما: بينما أنت نفسك عظمتك وجمالك؛ أما الجسم فليس عظيمًا أو جميلًا من حيث هو جسم، إذ لو كان أقلّ عظمةً أو جمالًا لبقي مع ذلك جسمًا. لكن ما تصوّرته عنك كان كذبًا لا حقًّا، أوهام شقائي لا حقائق سعادتك. فقد أمرتَ أنت، فتمّ فيّ، أن تُنبت الأرض لي حسكًا وشوكًا، وأن آكل خبزي بعرق جبيني.
وماذا نفعني أني، أنا العبد الدنيء لأهواء دنيئة، قرأت وحدي وفهمت كل ما استطعت الحصول عليه من كتب ما يُسمّى الفنون الحرّة؟ وقد تلذّذت بها، لكني لم أعرف من أين يأتي كل ما كان فيها صادقًا أو يقينيًّا. فقد كان ظهري إلى النور، ووجهي إلى الأشياء المستنيرة؛ ولذلك فإن وجهي، الذي كنت أميّز به الأشياء المستنيرة، لم يكن هو نفسه مستنيرًا. كل ما كُتب في البلاغة أو المنطق، والهندسة، والموسيقى، والحساب، فهمته وحدي من غير عناء كبير ولا معلّم، أنت تعلم أيها الرب إلهي؛ لأن سرعة الفهم وحدّة التمييز كلتيهما عطيّتك: ومع ذلك لم أقدّم لك منها ذبيحة. فلم يَعُد ذلك عليّ بالنفع، بل بالهلاك، إذ سعيت إلى أن أحتفظ لنفسي بنصيبٍ حسن كهذا من ميراثي؛ ولم أحفظ قوّتي لك، بل تهت بعيدًا عنك إلى كورة بعيدة، لأبدّدها على الفجور. فماذا نفعتني المواهب الصالحة التي لم تُستعمل في الخير؟ فإني لم أشعر أن تلك الفنون تُنال بصعوبة كبيرة، حتى على المجتهدين والموهوبين، إلى أن حاولت أن أشرحها لأمثالهم؛ فكان أبرعهم فيها من لم يكن بطيئًا جدًا في متابعتي.
ولكن بماذا أفادني هذا، وأنا أتوهّم أنك أيها الرب الإله، الحق، جسمٌ هائل مضيء، وأني قطعة من ذلك الجسم؟ يا له من انحراف مفرط! لكن هكذا كنت. ولا أخجل يا إلهي أن أعترف لك بمراحمك نحوي، وأن أدعوك، أنا الذي لم أخجل حينئذ أن أجاهر أمام الناس بتجاديفي، وأن أنبح عليك. فماذا نفعني حينئذ ذهني الرشيق في تلك العلوم، وكل تلك المجلّدات الشديدة التعقيد التي حللت عُقدها بلا عون من تعليم بشري، ما دمت قد ضللت ضلالًا شنيعًا، وبمثل هذا العار المدنّس للمقدّسات، في تعليم التقوى؟ أو أيّ عائق كان ذهنٌ أبطأ بكثير لصغارك، ما داموا لم يبتعدوا كثيرًا عنك، لكي ينبت ريشهم في أمان في عشّ كنيستك، ويغذّوا أجنحة المحبة بطعام الإيمان السليم. أيها الرب إلهنا، في ظلّ جناحيك فلنرجُ؛ احمنا واحملنا. أنت تحملنا صغارًا، وحتى إلى الشيبة تحملنا؛ فإن ثباتنا، متى كان هو أنت، كان ثباتًا؛ ومتى كان ثباتنا نحن، كان وهنًا. خيرنا يحيا عندك دائمًا؛ ومتى أعرضنا عنه انحرفنا. فلنرجع الآن يا رب، لكي لا ننقلب، لأن خيرنا يحيا عندك بلا أيّ فساد، وخيرنا هو أنت؛ ولا نخشى ألّا يكون لنا موضع نرجع إليه، لأننا سقطنا منه: فإن مسكننا لم يسقط بغيابنا — أزليّتك.
اكتمل الفصل 4
الكتاب الرابع