الاعترافات
الكتاب الثالث

فصل 3 · قراءة 21 د

الكتاب الثالث

الفصل الأول

جئتُ إلى قرطاج، حيث كان يطنّ في أذنيّ من كلّ جانب مِرجلٌ يغلي بالمحبّات الدنسة. لم أكن قد أحببتُ بعد، ولكني كنتُ أحبّ أن أحبّ، ومن عَوَزٍ دفينٍ في أعماقي كنتُ أمقت نفسي لأني لم أكن أشعر بالعَوَز. كنتُ أطلب ما أحبّه، عاشقًا للحبّ، وأبغضتُ الأمان وطريقًا خاليًا من الفخاخ. فقد كان في داخلي جوعٌ إلى ذلك الطعام الباطن، إليك أنتَ يا إلهي؛ ومع ذلك لم يكن ذلك الجوع يُشعرني بالجوع، بل كنتُ خاليًا من كلّ شوقٍ إلى القوت الذي لا يفسد، لا لأني كنتُ قد شبعتُ منه، بل كلّما ازددتُ منه فراغًا ازددتُ له مقتًا. لهذا كانت نفسي عليلةً مملوءةً قروحًا، تطرح نفسها إلى الخارج في شقاء، تتوق إلى أن تحتكّ بملامسة المحسوسات. غير أنّ هذه لو لم تكن ذوات نفس لما كانت موضعًا للحبّ. فكان أن أُحِبَّ وأن أُحَبَّ حلوًا عندي؛ وأحلى من ذلك حين نلتُ التمتّع بمن أحببت، فدنّستُ إذن ينبوع الصداقة بقذر الشهوة، وغشّيتُ صفاءها بجحيم الفجور؛ وهكذا، وأنا دنسٌ قبيح، كنتُ أشتهي، من فرط الغرور، أن أبدو أنيقًا لطيف المعشر. فسقطتُ متهوّرًا في الحبّ الذي تقتُ أن أقع في شَرَكه. يا إلهي، يا رحمتي، بكم من المرارة رششتَ لي، من فيض صلاحك، تلك الحلاوة؟ فقد صرتُ محبوبًا، وبلغتُ خِفيةً رباط التمتّع، وقُيِّدتُ فَرِحًا بقيودٍ جالبةٍ للحزن، لكي أُجلَد بقضبان الغيرة الحديدية المحمّاة، وبالظنون والمخاوف والغضب والخصام.

الفصل الثاني

واستهوتني أيضًا مشاهد المسرح، الحافلة بصور شقائي وبالوقود لناري. ما بال الإنسان يرغب في أن يحزن وهو يشاهد أمورًا مُفجعةً مأساوية لا يرضى هو نفسه أن يقاسيها بحال؟ ومع ذلك يرغب، وهو متفرّج، في أن يشعر بالحزن لها، وهذا الحزن عينه هو لذّته. أليس هذا إلا جنونًا بائسًا؟ فإنّ المرء يتأثّر بهذه الأفعال بقدر ما يكون أقلّ تحرّرًا من مثل هذه الأهواء. على أنه حين يتألّم في شخصه يُدعى ذلك عادةً شقاءً، وحين يرثي لغيره يُدعى رحمة. ولكن أيّ رحمةٍ هذه لآلامٍ مصطنعةٍ مسرحية؟ فالسامع لا يُدعى إلى الإغاثة، بل إلى الحزن فحسب؛ وهو يصفّق لمُمثّل هذه الأوهام بقدر ما يحزن. فإن مُثِّلت نكبات أولئك الأشخاص (سواء أكانت من أخبار الأقدمين أم من محض الخيال) على نحوٍ لا يستدرّ دموع المتفرّج، انصرف متبرّمًا ناقدًا؛ وإن هاجت عاطفته بقي مشدودًا، وبكى فرحًا.

أفتُحَبّ الأحزان إذن أيضًا؟ الحقّ أنّ الجميع يبتغون الفرح. أم لأنه ما من أحدٍ يرضى أن يكون شقيًّا، يسرّه مع ذلك أن يكون رحيمًا؟ ولأنّ الرحمة لا تكون بغير ألم، فلهذا السبب وحده تُحَبّ الآلام؟ وهذا أيضًا ينبع من ذلك العِرق، عِرق الصداقة. ولكن إلى أين يمضي ذلك العِرق؟ وإلى أين يجري؟ ولماذا يصبّ في ذلك السيل من القار الذي يفور بتلك الأمواج الهائلة من الفجور الدنس، فيتحوّل إليه ويتبدّل عن قصد، منحدرًا بإرادته وفاسدًا عن صفائه السماوي؟ أفتُطرَح الرحمة إذن؟ حاشا. فلتُحَبّ الأحزان إذن أحيانًا. ولكن احذري النجاسة يا نفسي، في كنف إلهي، إله آبائنا، المسبَّح والممجَّد فوق الكلّ إلى الأبد، احذري النجاسة. فإني لم أكفّ الآن عن الرحمة؛ ولكني آنذاك في المسارح كنتُ أفرح مع العشّاق حين يتمتّع أحدهما بالآخر في الإثم، وإن كان ذلك تخيّلًا في التمثيل فحسب. وحين يفقد أحدهما الآخر كنتُ أحزن معهما كأني شديد الرحمة، ومع ذلك كنتُ أجد لذّتي في كلا الأمرين. أمّا الآن فإني أرثي لمن يفرح في إثمه أكثر بكثير ممّا أرثي لمن يُظنّ أنه يقاسي شدّةً لفوات لذّةٍ مُهلكة وضياع سعادةٍ بائسة. هذه لا شكّ هي الرحمة الأصدق، ولكنّ الحزن لا يجد فيها لذّة. فمع أنّ من يحزن للبائسين يُمدَح على قيامه بواجب المحبّة، فإنّ الرحيم حقًّا يؤثر لو لم يكن ثمّة ما يحزن له. فإنه لو صحّ أن تكون الإرادة الصالحة إرادةً سيّئة (وهذا لا يكون أبدًا)، لجاز لمن يرثي بصدقٍ وإخلاص أن يتمنّى وجود بائسين لكي يرثي لهم. فقد يُسمَح إذن ببعض الحزن، ولكن لا يُحَبّ منه شيء. فهكذا تفعل أنتَ أيها الرب الإله، يا من تحبّ النفوس حبًّا أطهر بكثير ممّا نحبّ، وترثي لها رثاءً أبعد عن كلّ فساد، ومع ذلك لا يجرحك حزن. ومن هو كفوء لهذه الأمور؟

أمّا أنا، البائس، فكنتُ آنذاك أحبّ أن أحزن، وأبحث عمّا أحزن له، إذ كان أشدّ ما يسرّني من التمثيل ويجتذبني بأعنف قوّة، في شقاءٍ لغيري مصطنعٍ مُمثَّل، ما استدرّ دموعي. أيّ عجبٍ أن أُصاب بداءٍ قذر، وأنا خروفٌ تعيس شاردٌ عن قطيعك، نافرٌ من رعايتك؟ ومن هنا كان حبّي للأحزان؛ لا تلك التي تغوص فيّ عميقًا، إذ لم أكن أحبّ أن أقاسي ما كنتُ أحبّ أن أشاهده، بل تلك التي تخدش السطح خدشًا خفيفًا عند سماع أباطيلهم؛ فيتبعها، كما يتبع خدشَ الأظفار المسمومة، ورمٌ ملتهب وخُرّاجات وقرحةٌ متعفّنة. تلك كانت حياتي، أفكانت حياةً يا إلهي؟

الفصل الثالث

وكانت رحمتك الأمينة تحوم فوقي من بعيد. في أيّ آثامٍ فادحةٍ أفنيتُ نفسي، ساعيًا وراء فضولٍ مُدنِّسٍ للمقدّسات، لكي يسوقني، بعد أن تركتُك، إلى الهاوية الغادرة وإلى خدمة الشياطين الخدّاعة، الذين قرّبتُ لهم أعمالي الشريرة ذبائح، وفي كلّ هذه كنتَ تجلدني! بل تجرّأتُ، بينما كانت أعيادك تُقام داخل أسوار كنيستك، على أن أشتهي أمرًا وأسعى في تدبيره، ثمارُه تستحقّ الموت، فجلدتني لأجله بعقوباتٍ شديدة، وإن لم تكن شيئًا إلى جانب ذنبي، يا رحمتي العظمى، يا إلهي، يا ملجئي من أولئك المُهلِكين الرهيبين الذين تِهتُ بينهم بعنقٍ صلبة، مبتعدًا عنك أكثر فأكثر، محبًّا طرقي لا طرقك، محبًّا حرّيةً شاردة.

وتلك الدروس أيضًا، التي كانت تُعَدّ جديرةً بالثناء، كانت ترمي إلى التفوّق في ساحات القضاء؛ فكلّما ازداد المرء مكرًا ازداد مدحًا. هكذا عمى الناس، يفتخرون حتى بعماهم. وكنتُ حينئذٍ أوّلَ مدرسة البيان، فكنتُ أفرح بذلك في كبرياء وأنتفخ غطرسة، وإن كنتُ (وأنتَ يا رب تعلم) أهدأ بكثير، وبعيدًا كلّ البعد عن تخريبات أولئك «المخرّبين» (إذ كان هذا الاسم المشؤوم الشيطاني شارةَ الظَّرف عينها) الذين عشتُ بينهم، أستحي، بحياءٍ لا حياء فيه، من أني لم أكن مثلهم. عشتُ معهم، وكنتُ أحيانًا أُسَرّ بصداقتهم، وأنا ما زلتُ أمقت أفعالهم—أي «تخريباتهم» التي كانوا يضطهدون بها حياء الغرباء عبثًا، فيُقلقونه بسخريةٍ لا داعي لها، يغذّون بها مرحهم الخبيث. لا شيء أشبه بأفعال الشياطين عينها من هذه. فبأيّ اسمٍ يُسمَّون أصدق من «المخرّبين»؟ وقد خُرِّبوا هم أنفسهم أولًا وفسدوا كلّ الفساد، إذ كانت الأرواح المضلّة تسخر منهم وتغويهم سرًّا، في الأمر نفسه الذي يلتذّون فيه بالسخرية من الآخرين وخداعهم.

الفصل الرابع

وبين أمثال هؤلاء، في تلك السنّ المضطربة من عمري، كنتُ أدرس كتب البلاغة، راغبًا في أن أتفوّق فيها، لغايةٍ ملعونةٍ مملوءةٍ من المجد الباطل، أي فرحًا بالغرور البشري. وفي مجرى الدراسة المعتاد وقعتُ على كتابٍ لشيشرون، الذي يُعجَب الجميع تقريبًا بلسانه، لا بقلبه. يتضمّن كتابه هذا حثًّا على الفلسفة، ويُدعى «هورتنسيوس». فهذا الكتاب غيّر مشاعري، وحوّل صلواتي إليك أنتَ يا رب، وجعل لي مقاصد ورغبات أخرى. فصار كلّ رجاءٍ باطل في الحال زهيدًا في عينيّ، وتقتُ بشوقٍ متّقدٍ لا يُصدَّق إلى خلود الحكمة، وبدأتُ حينئذٍ أنهض لكي أرجع إليك. فلا لأشحذ لساني (وهو ما بدا أني أشتريه بنفقات أمي، في سنتي التاسعة عشرة تلك، وقد مات أبي قبل ذلك بسنتين)، لا لأشحذ لساني استعملتُ ذلك الكتاب؛ ولا هو بثّ فيّ أسلوبه، بل مضمونه.

كيف كنتُ أحترق حينئذٍ يا إلهي، كيف كنتُ أحترق شوقًا إلى أن أرتقي من الأرضيّات إليك، ولم أكن أعرف ماذا كنتَ ستصنع بي؟ فإنّ عندك الحكمة. أمّا محبّة الحكمة فتُدعى باليونانية «الفلسفة»، وبها أضرمني ذلك الكتاب. وثمّة من يُضلّون بالفلسفة، ساترين أضاليلهم ومموّهين إيّاها باسمٍ عظيمٍ لطيفٍ كريم؛ وكلّ من كانوا كذلك تقريبًا في ذلك العصر والعصور السالفة يُنتقَدون في ذلك الكتاب ويُكشَف أمرهم: وهناك أيضًا تتّضح تلك النصيحة النافعة التي قالها روحك على لسان عبدك الصالح التقيّ: انظروا أن لا يكون أحد يسبيكم بالفلسفة وبغرور باطل، حسب تقليد الناس، حسب أركان العالم، وليس حسب المسيح. فإنه فيه يحلّ كلّ ملء اللاهوت جسديًّا. ولأنّ الكتب الرسولية لم تكن آنذاك معروفةً لديّ (وأنتَ تعلم يا نور قلبي)، فقد سُررتُ بذلك الحثّ، لا لشيءٍ إلا أني به استُنهِضتُ بقوّة وأُضرِمتُ والتهبتُ لكي أحبّ وأطلب وأنال وأمسك وأعانق، لا هذه الشيعة أو تلك، بل الحكمة نفسها أيًّا كانت؛ ولم يكن يكبحني، وأنا متّقدٌ هكذا، إلا أنّ اسم المسيح لم يكن فيه. فهذا الاسم، بحسب رحمتك يا رب، اسمُ مخلّصي ابنك، كان قلبي الغضّ قد شربه بتقوى مع لبن أمي نفسه وخبّأه في أعماقه؛ وكلّ ما خلا من هذا الاسم، مهما بلغ من العلم والتهذيب والصدق، لم يكن يستحوذ عليّ استحواذًا تامًّا.

الفصل الخامس

فعزمتُ إذن أن أوجّه ذهني إلى الكتب المقدسة، لأرى ما هي. ولكن ها أنا أرى شيئًا لا يدركه المتكبّرون، ولا ينكشف للأطفال، متواضعَ المدخل، عاليًا في خباياه، محجوبًا بالأسرار؛ ولم أكن ممّن يستطيعون الدخول إليه، أو أن يحنوا أعناقهم ليتبعوا خطاه. فلم أشعر حين التفتُّ إلى تلك الكتب بما أتكلّم به الآن؛ بل بدت لي غير جديرةٍ بأن تُقارَن بفخامة شيشرون؛ إذ نفر كبريائي المنتفخ من تواضعها، ولم يستطع ذكائي الحادّ أن ينفذ إلى باطنها. ومع ذلك كانت ممّا ينمو مع الصغير. ولكني استنكفتُ أن أكون صغيرًا؛ وإذ كنتُ منتفخًا بالكبرياء، حسبتُ نفسي كبيرًا.

الفصل السادس

لذلك وقعتُ بين قومٍ يهذون في كبرياء، شهوانيّين جدًّا ثرثارين، في أفواههم فخاخ إبليس، مطليّةٌ بدِبقٍ من خليط مقاطع اسمك، واسم ربّنا يسوع المسيح، والروح القدس، الباراقليط، معزّينا. وهذه الأسماء لم تفارق أفواههم، ولكن بقدر ما هي صوتٌ فحسب وضجيجُ لسان، إذ كان القلب خاليًا من الحقّ. ومع ذلك كانوا يصيحون: «الحقّ، الحقّ»، وأكثروا لي الكلام عنه، ولم يكن فيهم: بل كانوا ينطقون بالكذب، لا عليك وحدك (يا من أنتَ الحقّ حقًّا)، بل حتى على عناصر هذا العالم، خلائقك. وقد كان ينبغي لي حقًّا أن أتجاوز حتى الفلاسفة الذين قالوا الحقّ فيها، حبًّا لك يا أبي، أيها الصالح الأسمى، يا جمال كلّ جميل. أيها الحقّ، أيها الحقّ، كم كان مخّ نفسي، حتى آنذاك، يلهث إليك من الأعماق، حين كانوا مرارًا وبطرقٍ شتّى، وفي كتبٍ كثيرةٍ ضخمة، يردّدون ذكرك على مسمعي، وإن لم يكن إلا صدى؟ وهذه كانت الصِّحاف التي قدّموا لي فيها، وأنا جائعٌ إليك، الشمسَ والقمر بدلًا منك، وهما من أعمالك الجميلة، ولكنهما أعمالك لا أنتَ، بل ولا من أعمالك الأولى. فإنّ أعمالك الروحية سابقةٌ لهذه الأعمال الجسدية، وإن كانت سماويةً ساطعة. ولكني لم أكن أجوع وأعطش حتى إلى أعمالك الأولى تلك، بل إليك أنتَ نفسك، أيها الحقّ، الذي ليس عندك تغيير ولا ظلّ دوران: ومع ذلك ظلّوا يقدّمون لي في تلك الصِّحاف أوهامًا برّاقة، كان خيرًا أن أحبّ هذه الشمس عينها (التي هي حقيقية لأبصارنا على الأقلّ) من تلك الأوهام التي تخدع عقلنا عن طريق أعيننا. ومع ذلك، لأني ظننتُها إيّاك، تغذّيتُ بها؛ لا بنَهَم، إذ لم يكن طعمك فيها كما أنتَ؛ فلم تكن أنتَ تلك الفوارغ، ولا كنتُ أتغذّى بها، بل بالأحرى كنتُ أُستنزَف. إنّ الطعام في المنام يشبه كثيرًا طعامنا في اليقظة؛ ومع ذلك لا يتغذّى النائمون به، لأنهم نيام. أمّا تلك فلم تكن تشبهك بوجهٍ من الوجوه، كما كلّمتني أنتَ الآن؛ إذ كانت أوهامًا جسدية، أجسامًا زائفة، والأجسام الحقيقية هذه، سماويةً كانت أم أرضية، التي نراها بأبصارنا الجسدية، أوثق منها بكثير: هذه الأشياء تدركها البهائم والطيور كما ندركها نحن، وهي أوثق ممّا حين نتخيّلها. ثم إننا نتخيّلها بيقينٍ أكبر ممّا نستدلّ بها على أجسامٍ أخرى أوسع غير متناهية لا وجود لها. بمثل هذه القشور الفارغة كنتُ أُطعَم حينئذٍ؛ ولم أكن أتغذّى. أمّا أنتَ، يا حبّ نفسي، الذي أضعف في طلبه لكي أصير قويًّا، فلستَ تلك الأجسام التي نراها، وإن كانت في السماء، ولا تلك التي لا نراها هناك؛ لأنك أنتَ خلقتها، ولا تحسبها من أعظم أعمالك. فكم أنتَ إذن بعيدٌ عن أوهامي تلك، أوهام أجسامٍ لا وجود لها البتّة، وصور الأجسام الموجودة أوثق منها بكثير، والأجسام نفسها أوثق من ذلك، ومع ذلك لستَ أنتَ إيّاها؛ لا، ولا أنتَ النفس التي هي حياة الأجسام. فحياة الأجسام إذن أفضل وأوثق من الأجسام. أمّا أنتَ فحياة النفوس، حياة الحيوات، ولك حياةٌ في ذاتك؛ ولا تتغيّر، يا حياة نفسي.

فأين كنتَ إذن لي حينئذٍ، وكم كنتَ بعيدًا عنّي؟ لقد كنتُ حقًّا أشرد بعيدًا عنك، محرومًا حتى من خرنوب الخنازير التي كنتُ أطعمها الخرنوب. فكم خرافات الشعراء والنحويّين خيرٌ من هذه الفخاخ؟ فالأبيات والقصائد و«ميديا الطائرة» أنفع حقًّا من عناصر هؤلاء القوم الخمسة، المموّهة على أنحاءٍ شتّى، المقابلة لكهوف الظلمة الخمسة، التي لا وجود لها، ومع ذلك تقتل المؤمن بها. فالأبيات والقصائد أستطيع أن أحوّلها إلى طعامٍ حقيقي، و«ميديا الطائرة» وإن كنتُ أنشدها لم أكن أؤيّدها، وإن سمعتُها تُنشَد لم أكن أصدّقها: أمّا تلك الأشياء فكنتُ أصدّقها. ويلٌ، ويلٌ، بأيّ درجاتٍ هبطتُ إلى أعماق الجحيم! كادحًا مضطربًا لافتقاري إلى الحقّ، إذ كنتُ أطلبك يا إلهي (وإليك أعترف بهذا، يا من رحمتني ولم أكن بعدُ معترفًا)، لا بحسب فهم العقل الذي أردتَ أن أفوق به البهائم، بل بحسب حسّ الجسد. أمّا أنتَ فكنتَ أدخلَ فيّ من أعمق ما فيّ، وأعلى من أعلى ما فيّ. فصادفتُ تلك المرأة الوقحة، الجاهلة التي لا تدري شيئًا، المرموز إليها عند سليمان، الجالسة عند الباب، القائلة: كلوا خبز الخفية راضين، واشربوا المياه المسروقة فإنها حلوة: فأغوتني، لأنها وجدت نفسي ساكنةً في الخارج، في عين جسدي، تجترّ ما التهمتُه عن طريقها من طعامٍ كهذا.

الفصل السابع

فإني لم أكن أعرف غير هذا، أي ما هو كائنٌ حقًّا؛ وكنتُ، كأنما بحدّة الذكاء، أُساق إلى موافقة مخادعين حمقى حين كانوا يسألونني: «من أين الشرّ؟» «هل الله محدودٌ بهيئةٍ جسدية، وله شَعرٌ وأظفار؟» «أيُحسَب أبرارًا أولئك الذين كانت لهم زوجاتٌ كثيرات في آنٍ واحد، وقتلوا الناس، وقدّموا ذبائح من الكائنات الحيّة؟» فكنتُ لجهلي أضطرب لذلك كثيرًا، وأنا أبتعد عن الحقّ كنتُ أحسب نفسي متّجهًا إليه؛ لأني لم أكن أعرف بعدُ أنّ الشرّ ليس إلا حرمانًا من الخير، إلى أن ينعدم الشيء كلّيًّا في النهاية؛ وكيف لي أن أرى ذلك، ونظر عينيّ لا يبلغ إلا الأجسام، ونظر عقلي لا يبلغ إلا الخيالات؟ ولم أكن أعرف أنّ الله روح، لا ذو أجزاءٍ ممتدّةٍ طولًا وعرضًا، ولا كيانه حجم؛ لأنّ كلّ حجمٍ يكون في جزئه أقلّ منه في كلّه: وإن كان غير متناهٍ، فلا بدّ أن يكون في الجزء المحدود بحيّزٍ معيّن أقلّ منه في لا تناهيه؛ فلا يكون إذن كلّه في كلّ مكان، كما هو الروح، كما هو الله. وأمّا ما ذلك الذي فينا، الذي به نشبه الله، ويصحّ أن يُقال إننا على صورة الله، فكنتُ أجهله تمامًا.

ولم أكن أعرف ذلك البرّ الباطن الحقيقي الذي لا يحكم بحسب العادة، بل بحسب شريعة الله القدير المستقيمة كلّ الاستقامة، التي بها رُتِّبت سُنن الأماكن والأزمنة بحسب تلك الأزمنة والأماكن؛ وهي في ذاتها واحدةٌ دائمًا وفي كلّ مكان، لا تكون شيئًا في مكانٍ وشيئًا آخر في مكانٍ آخر؛ وبحسبها كان إبراهيم وإسحاق ويعقوب وموسى وداود أبرارًا، وكلّ الذين مدحهم فم الله؛ ولكنّ أناسًا سخفاء حكموا عليهم بأنهم أثمة، إذ حكموا بحكم الإنسان، وقاسوا أخلاق الجنس البشري كلّه بمقياس عاداتهم الهزيلة. كأنّ امرأً في مستودع سلاح، يجهل ما يناسب كلّ عضو، يغطّي رأسه بواقيات الساقين، أو يطلب أن ينتعل خوذة، ثم يشكو من أنها لا تلائمه: أو كأنّ امرأً، في يومٍ تُعطَّل فيه الأعمال علنًا بعد الظهر، يغضب لأنه لا يُسمَح له بأن يُبقي حانوته مفتوحًا، لأنه فتحه في الصباح؛ أو حين يرى في بيتٍ واحد خادمًا يتناول بيده شيئًا لا يُسمَح لساقي الخمر أن يمسّه؛ أو شيئًا مباحًا خارج البيت ممنوعًا في غرفة الطعام؛ فيغضب لأنه في بيتٍ واحد وعائلةٍ واحدة لا يُخصَّص الشيء نفسه في كلّ موضع ولكلّ أحد. هكذا هم الذين يستاؤون حين يسمعون أنّ أمرًا كان حلالًا للأبرار قديمًا، وليس هو كذلك الآن؛ أو أنّ الله، لاعتباراتٍ زمنيةٍ معيّنة، أمر أولئك بشيء وهؤلاء بشيءٍ آخر، والفريقان يطيعان البرّ نفسه: مع أنهم يرون، في الإنسان الواحد، واليوم الواحد، والبيت الواحد، أشياء مختلفة تليق بأعضاء مختلفة، وأمرًا كان حلالًا من قبل لا يكون كذلك بعد زمنٍ ما؛ مباحًا أو مأمورًا به في زاوية، وممنوعًا بحقّ ومعاقَبًا عليه في أخرى. أفيكون العدل إذن متنوّعًا أو متقلّبًا؟ كلا، ولكنّ الأزمنة التي يرأسها لا تجري على وتيرةٍ واحدة، لأنها أزمنة. أمّا البشر الذين أيّامهم على الأرض قليلة، فلأنهم لا يستطيعون بحواسّهم أن يوفّقوا بين أسباب الأمور في العصور الغابرة والأمم الأخرى، التي لم يختبروها، وبين هذه التي اختبروها، مع أنهم في الجسد الواحد، أو اليوم الواحد، أو العائلة الواحدة، يرون بسهولة ما يليق بكلّ عضوٍ وموسمٍ وجزءٍ وشخص؛ فإنهم يعترضون على تلك، ويخضعون لهذه.

هذه الأمور لم أكن أعرفها آنذاك ولا ألاحظها؛ كانت تضرب بصري من كلّ جانب، ولم أكن أراها. كنتُ أنظم أشعارًا لا يجوز لي فيها أن أضع كلّ تفعيلةٍ في كلّ موضع، بل على نحوٍ مختلف في البحور المختلفة؛ ولا حتى في البحر الواحد التفعيلةَ نفسها في كلّ المواضع. ومع ذلك لم يكن للفنّ نفسه، الذي كنتُ أنظم به، أصولٌ مختلفة لهذه الحالات المختلفة، بل كان يجمعها كلّها في واحد. ومع ذلك لم أرَ كيف أنّ ذلك البرّ الذي أطاعه الصالحون والقدّيسون كان يحوي، على نحوٍ أسمى وأرفع بكثير، في واحدٍ كلَّ ما أمر به الله، ولا يتغيّر في شيء؛ وإن كان في الأزمنة المتغيّرة لا يفرض كلّ شيءٍ دفعةً واحدة، بل يوزّع ويفرض ما يليق بكلّ زمن. وكنتُ أنا في عماي أنتقد الآباء القدّيسين، لا فيما استعملوا فيه الأمور الحاضرة كما أمرهم الله وألهمهم فحسب، بل أيضًا فيما كانوا يتنبّأون به عن أمورٍ آتية، كما كان الله يُعلن فيهم.

الفصل الثامن

أيمكن في أيّ زمانٍ أو مكان أن يكون ظلمًا أن يحبّ المرء الله من كلّ قلبه، ومن كلّ نفسه، ومن كلّ فكره؛ وقريبه كنفسه؟ لذلك فإنّ تلك الفواحش القذرة التي هي ضدّ الطبيعة يجب أن تُمقَت ويُعاقَب عليها في كلّ مكانٍ وفي كلّ زمان؛ كفواحش أهل سدوم: التي لو ارتكبتها الأمم كلّها لوقعت كلّها تحت ذنب الجريمة نفسها، بحكم شريعة الله، الذي لم يخلق البشر ليسيئوا استعمال بعضهم بعضًا على هذا النحو. فإنّ الشركة نفسها التي ينبغي أن تكون بين الله وبيننا تُنتهَك حين تتدنّس تلك الطبيعة عينها، التي هو صانعها، بانحراف الشهوة. أمّا الأفعال التي هي تعدٍّ على عادات البشر، فيجب اجتنابها بحسب العادات السائدة في كلّ موضع؛ حتى لا يُنتهَك أمرٌ اتُّفق عليه وأُقِرّ بعادة مدينةٍ أو أمّةٍ أو بشريعتها، بهوى أيّ أحدٍ متفلّتٍ من الشريعة، مواطنًا كان أم غريبًا. فإنّ كلّ جزءٍ لا ينسجم مع كلّه معيب. ولكن حين يأمر الله بعمل أمرٍ ما، مخالفٍ لعادات قومٍ أو عهدهم، فإنه يجب أن يُعمَل، وإن لم يعملوه قطّ من قبل؛ وإن كان قد أُهمِل فيجب أن يُعاد؛ وإن لم يُشرَّع قطّ فيجب أن يُشرَّع الآن. فإن كان يحقّ لملكٍ، في الدولة التي يملك عليها، أن يأمر بما لم يأمر به أحدٌ قبله، ولا هو نفسه من قبل، ولا تكون طاعته مخالفةً للصالح العامّ للدولة (بل تكون مخالفةً له لو لم يُطَع، لأنّ طاعة الملوك عهدٌ عامّ في المجتمع البشري)، فكم بالأحرى يجب علينا أن نطيع الله بلا تردّد في كلّ ما يأمر به، هو المتسلّط على جميع خلائقه! فكما أنّ السلطة الأعظم بين السلطات في مجتمع البشر تُطاع مقدَّمةً على الأدنى، كذلك يجب أن يُطاع الله فوق الجميع.

وكذلك في أفعال العدوان، حيث تكون ثمّة رغبةٌ في الأذى، بالتعيير أو بالضرر؛ وهذه إمّا للانتقام، كعدوٍّ على عدوّ؛ أو لنيل منفعةٍ هي لغيره، كاللصّ على المسافر؛ أو لاتّقاء شرٍّ ما، كما يُفعَل بمن يُخشى؛ أو حسدًا، كالأقلّ حظًّا على الأوفر حظًّا، أو من ازدهر في أمرٍ ما على من يخشى أن يساويه أو يغتمّ لذلك، أو لمجرّد اللذّة بألم الآخرين، كمشاهدي المصارعين، أو الساخرين من الآخرين والمستهزئين بهم. هذه هي رؤوس الإثم التي تنبع من شهوة الجسد، أو شهوة العين، أو شهوة التسلّط، إمّا منفردة، أو اثنتين معًا، أو كلّها جميعًا؛ وهكذا يعيش الناس في الشرّ مخالفين الثلاث والسبع، ذلك الرباب ذا الأوتار العشرة، وصاياك العشر، يا الله العليّ جدًّا، الحلو جدًّا. ولكن أيّ فواحش قذرةٍ يمكن أن تكون ضدّك، أنتَ الذي لا تتدنّس؟ أو أيّ أفعال عدوانٍ ضدّك، أنتَ الذي لا يصيبك ضرر؟ ولكنك تنتقم لما يرتكبه الناس ضدّ أنفسهم، لأنهم حتى حين يخطئون إليك، إنما يسيئون إلى نفوسهم، والإثم يكذب على نفسه، بإفساده طبيعتهم وتحريفها، تلك الطبيعة التي خلقتَها ورتّبتَها، أو بالإفراط في استعمال الأشياء المباحة، أو بالتحرّق في الأشياء غير المباحة إلى ذلك الاستعمال الذي هو ضدّ الطبيعة؛ أو يوجَدون مذنبين، هائجين بالقلب واللسان عليك، رافسين المناخس؛ أو حين يخرقون سياج المجتمع البشري فيبتهجون بجسارةٍ في تحالفاتٍ أو انشقاقاتٍ يمليها هواهم، بحسب ما يكون لهم من غرضٍ يبتغونه أو من سببٍ للإساءة. وهذه الأمور تُصنَع حين تُترَك أنتَ، يا ينبوع الحياة، يا من أنتَ وحدك الخالق والمدبّر الحقّ للكون، وحين يُختار منه، بكبرياء الهوى الذاتي، شيءٌ واحدٌ باطل ويُحَبّ. فبتقوى متواضعةٍ إذن نرجع إليك؛ وأنتَ تطهّرنا من عاداتنا الشريرة، وترحم خطايا المعترفين، وتسمع أنين الأسير، وتحلّنا من القيود التي صنعناها لأنفسنا، إن لم نرفع عليك قرون حرّيةٍ زائفة، فنخسر الكلّ طمعًا في المزيد، بإيثارنا خيرنا الخاصّ عليك، أنتَ خير الجميع.

الفصل التاسع

وبين هذه الفواحش القذرة وأفعال العدوان وكثيرٍ من الآثام، توجد خطايا لأناسٍ هم، على الجملة، سائرون في طريق التقدّم؛ وهذه يذمّها من يحكمون بالحقّ بحسب قاعدة الكمال، أمّا أصحابها فيُمدَحون رجاءَ ثمرٍ آتٍ، كما في النبت الأخضر من الزرع النامي. وثمّة أفعالٌ تشبه الفواحش القذرة أو أفعال العدوان، وليست مع ذلك خطايا؛ لأنها لا تسيء إليك يا ربّنا الإله، ولا إلى المجتمع البشري؛ وذلك حين تُقتنى، مثلًا، أشياء تليق بزمنٍ معيّن لخدمة الحياة، ونحن لا نعرف أكان ذلك عن شهوة التملّك؛ أو حين تُعاقَب أمورٌ، بقصد التقويم، من قِبَل سلطةٍ مُقامة، ونحن لا نعرف أكان ذلك عن شهوة الإيذاء. فكثيرٌ من الأفعال التي يستنكرها الناس في أعينهم تُقَرّ بشهادتك؛ وكثيرٌ ممّا يمدحه الناس يُدان (وأنتَ الشاهد): لأنّ ظاهر الفعل، ونيّة الفاعل، والضرورة الخفيّة التي يقتضيها الزمن، تتفاوت كلٌّ على حدة. ولكن حين تأمر فجأةً بأمرٍ غير مألوفٍ ولا مُتوقَّع، بل وإن كنتَ قد نهيتَ عنه مرّة، وما زلتَ تُخفي إلى حين سبب أمرك، وكان ذلك مخالفًا لنظام جماعةٍ من البشر، فمن يشكّ في أنه يجب أن يُعمَل، ما دامت جماعة البشر التي تخدمك هي البارّة؟ ولكن طوبى للذين يعرفون أوامرك! فإنّ كلّ الأشياء صنعها عبيدك، إمّا لإظهار أمرٍ لازمٍ للحاضر، أو للإنباء بأمورٍ آتية.

الفصل العاشر

وإذ كنتُ أجهل هذه الأمور، كنتُ أسخر من عبيدك وأنبيائك القدّيسين أولئك. وماذا ربحتُ من سخريتي بهم إلا أن أصير سخريةً عندك، منجرفًا دون أن أشعر، خطوةً فخطوة، إلى تلك الحماقات، حتى صدّقتُ أنّ التينة تبكي حين تُقطَف، وأنّ الشجرة، أمّها، تذرف دموعًا لبنية؟ غير أنّ تلك التينة (التي قُطِفت بإثم غيره لا بإثمه هو) لو أكلها قدّيسٌ مانويّ، ومزجها بأحشائه، لتنفّس منها ملائكة، بل لانبثقت منها ذرّاتٌ من الألوهة، مع كلّ أنّةٍ أو زفرةٍ في صلاته، تلك الذرّات من الإله العليّ الحقّ التي كانت ستبقى مقيّدةً في تلك التينة لو لم تُطلَق بأسنان قدّيسٍ من «المختارين» أو بطنه! وكنتُ أنا البائس أصدّق أنّ ثمار الأرض أحقّ بالرحمة من البشر الذين خُلِقت لأجلهم. فلو جاع أحدٌ ليس مانويًّا، وسأل شيئًا منها، لبدت تلك اللقمة التي تُعطى له كأنها محكومٌ عليها بالإعدام.

الفصل الحادي عشر

وأرسلتَ يدك من العلاء، وانتشلتَ نفسي من تلك الظلمة العميقة، إذ كانت أمي، أمَتُك المؤمنة، تبكي لديك من أجلي أكثر ممّا تبكي الأمّهات موت أولادهنّ بالجسد. فقد أبصرت، بذلك الإيمان والروح اللذين نالتهما منك، الموتَ الذي كنتُ فيه، فاستجبتَ لها يا رب؛ استجبتَ لها ولم تحتقر دموعها، حين كانت تنهمر فتسقي الأرض تحت عينيها في كلّ موضعٍ كانت تصلّي فيه؛ نعم، استجبتَ لها. فمن أين كان ذلك الحلم الذي عزّيتَها به، حتى رضيت أن أعيش معها، وأن آكل على المائدة نفسها في البيت، وقد كانت بدأت تنفر من ذلك، ماقتةً تجديفات ضلالي ومستبشعةً إيّاها؟ فقد رأت نفسها واقفةً على مسطرةٍ من خشب، وشابًّا متألّقًا مقبلًا نحوها، بشوشًا مبتسمًا لها، وهي حزينةٌ يغمرها الحزن. فلمّا سألها (ليُعلّمها، كما هي عادتهم، لا ليتعلّم) عن أسباب حزنها ودموعها اليومية، وأجابت بأنها تنوح على هلاكي، أمرها أن تطمئنّ، وقال لها أن تنظر وتلاحظ «أنه حيث هي، هناك أكون أنا أيضًا». فلمّا نظرت رأتني واقفًا بجانبها على المسطرة نفسها. من أين كان هذا، إلا لأنّ أذنيك كانتا مصغيتين إلى قلبها؟ أيها الصالح القدير على كلّ شيء، يا من تعتني بكلّ واحدٍ منّا كأنك لا تعتني إلا به وحده؛ وبالجميع كأنهم واحد!

ومن أين كان هذا أيضًا، أنني حين قصّت عليّ هذه الرؤيا، وأردتُ أن ألويها إلى معنى «أنها بالأحرى لا ينبغي أن تيأس من أن تصير يومًا ما كنتُ أنا عليه»، أجابت في الحال، دون أيّ تردّد: «لا؛ فإنه لم يُقَل لي: ‹حيث هو، هناك أنتِ أيضًا›؛ بل: ‹حيث أنتِ، هناك هو أيضًا›؟» أعترف لك يا رب أنّ جوابك ذلك، على قدر ما أذكر (وقد تحدّثتُ عن هذا مرارًا)، على لسان أمي اليقظة—إذ لم تحتر أمام معقولية تفسيري الباطل، وأبصرت سريعًا ما ينبغي أن يُبصَر، وما لم أكن قد أدركته أنا قطعًا قبل أن تتكلّم—قد حرّكني حينئذٍ أكثر من الحلم نفسه، الذي به أُنبئ، قبل زمنٍ طويل، بفرحٍ للمرأة القدّيسة سيتحقّق بعد زمنٍ طويل، تعزيةً لكربها الحاضر. فقد مرّت نحو تسع سنين كنتُ فيها أتمرّغ في وحل تلك الحفرة العميقة وفي ظلمة الكذب، أحاول النهوض مرارًا، ولكني كنتُ أُطرَح أشدّ ممّا قبل. وطوال ذلك الوقت كانت تلك الأرملة العفيفة التقيّة الرزينة (كمثل من تحبّهم أنتَ)، وقد ازدادت بهجةً بالرجاء، دون أن تفتر قطّ عن بكائها ونوحها، لا تكفّ في كلّ ساعات عبادتها عن النوح على حالي أمامك. ودخلت صلواتها إلى حضرتك؛ ومع ذلك تركتني بعدُ أتخبّط وأنغمس مرّةً بعد مرّة في تلك الظلمة.

الفصل الثاني عشر

وأعطيتَها في غضون ذلك جوابًا آخر، أذكره؛ فإني أتجاوز كثيرًا، مسرعًا إلى الأمور التي تُلحّ عليّ أكثر أن أعترف بها لك، وكثيرًا لا أذكره. أعطيتَها إذن جوابًا آخر على لسان كاهنٍ من كهنتك، أسقفٍ نشأ في كنيستك، متضلّعٍ في كتبك. فلمّا توسّلت إليه هذه المرأة أن يتفضّل فيحادثني، ويدحض أضاليلي، وينزع منّي ما تعلّمتُ من الشرّ، ويعلّمني الخير (إذ كان يفعل ذلك عادةً حين يجد أشخاصًا مؤهّلين لقبوله)، أبى، بحكمة، كما أدركتُ فيما بعد. فقد أجاب بأني ما زلتُ غير قابلٍ للتعليم، منتفخًا بجِدّة تلك البدعة، وقد أربكتُ من قبل كثيرين من قليلي الخبرة بمسائل مُغالِطة، كما أخبرته هي: «ولكن دعيه وشأنه حينًا» (يقول هو)، «صلّي إلى الله من أجله فقط، فسيكتشف بنفسه بالقراءة ما هو ذلك الضلال، وما أعظم كفره». وفي الوقت نفسه أخبرها كيف أنه هو نفسه، حين كان صغيرًا، قد أسلمته أمّه المُضلَّلة إلى المانويين، ولم يقرأ كتبهم كلّها تقريبًا فحسب، بل نسخها مرارًا، وأدرك (دون أيّ جدالٍ أو برهانٍ من أحد) كم ينبغي اجتناب تلك الشيعة؛ واجتنبها. فلمّا قال ذلك، ولم تقتنع هي، بل ألحّت عليه أكثر، بالتوسّلات والدموع الكثيرة، أن يراني ويحاورني، قال، وقد تضايق قليلًا من إلحاحها: «امضي في سبيلكِ، وليبارككِ الله، فإنه لا يمكن أن يهلك ابن هذه الدموع». وقد تلقّت هذا الجواب (كما كانت تذكر مرارًا في أحاديثها معي) كأنه دوّى من السماء.

صفحة 1 / 1 · 21 دقيقة متبقية في الفصل