فصل 2 · قراءة 14 د
الكتاب الثاني
الفصل الأول
أريد الآن أن أستحضر نجاساتي الماضية، وفسادَ نفسي الجسدي؛ لا لأني أحبها، بل لكي أحبك أنت يا إلهي. فحبًّا بمحبتك أفعل ذلك؛ مستعرضًا طرقي الشريرة جدًّا في مرارة ذكراي نفسها، لكي تحلو لي أنت (يا حلاوةً لا تنقطع، يا حلاوةً سعيدةً مضمونة)؛ ومستجمعًا نفسي من جديد من ذلك التبدد الذي مُزِّقتُ فيه إربًا، إذ لما انصرفتُ عنك، أيها الخير الواحد، ضعتُ بين كثرة الأشياء. فقد اضطرمتُ في صباي قبلًا أن أشبع من الأشياء السفلى، وتجرأتُ أن أعود فأتوحش في هذه الأهواء المتنوعة الظليلة: فذوى جمالي، وأنتنتُ في عينيك؛ مرضيًا نفسي، وراغبًا في أن أُرضي أعين الناس.
الفصل الثاني
وما الذي كنت أبتهج به إلا أن أُحِبَّ وأُحَبّ؟ لكني لم أحفظ حدَّ المحبة، من نفسٍ إلى نفس، حدَّ الصداقة المشرق؛ بل من شهوة الجسد الموحلة، ومن فوران الصبا، تصاعدت أبخرةٌ غشّت قلبي وأظلمته، حتى لم أعد أميّز صفاء المحبة المشرق من ضباب الشهوة. كان كلاهما يغلي فيّ مختلطَين، ويدفع صباي الجامح إلى هاوية الرغبات النجسة، ويغرقني في لجّةٍ من الفواحش. كان غضبك قد تجمّع فوقي، وأنا لا أدري. كنت قد صُممتُ من صليل سلسلة فنائي، عقابِ كبرياء نفسي، فتماديتُ في البعد عنك، وأنت تركتني وشأني، وكنت أُقذَف هنا وهناك، وأُستنزَف، وأتبدد، وأفور في زناي، وأنت صامت، يا فرحي المتأخر! أنت حينئذ كنت صامتًا، وأنا أتيه أبعد فأبعد عنك، في مغارسَ للأحزان عقيمةٍ أكثر فأكثر، بانكسارٍ متكبر، وإعياءٍ لا يهدأ.
آه! لو أن أحدًا حينئذ هذّب اضطرابي، وحوّل إلى النفع محاسنَ هذه الأشياء الزائلة، أطرافِ خليقتك القصوى! ولو وضع حدًّا لمتعتها، حتى تنكسر أمواج صباي على شاطئ الزواج، إن لم يكن لها أن تهدأ، وتقف عند غاية النسل، كما تأمر شريعتك يا رب: أنت الذي بهذا الطريق تصوغ نسلَ موتنا هذا، القادر بيدٍ رفيقة أن تثلم الأشواك التي أُقصيت من فردوسك؟ فإن قدرتك الكلية ليست بعيدة عنا، حتى حين نكون نحن بعيدين عنك. وإلا فقد كان عليّ أن أصغي بيقظة أشد إلى الصوت الآتي من السحاب: ولكن مثل هؤلاء يكون لهم ضيق في الجسد، وأما أنا فإني أشفق عليكم. وحسن للرجل أن لا يمس امرأة. و: غير المتزوج يهتم في ما للرب كيف يرضي الرب، وأما المتزوج فيهتم في ما للعالم كيف يرضي امرأته.
إلى هذه الأقوال كان عليّ أن أصغي بانتباه أشد، وأن أنتظر أحضانك بسعادة أوفر، وقد خُصِّصتُ لأجل ملكوت السماوات؛ لكني أنا، الشقيَّ، أزبدتُ كبحرٍ هائج، تابعًا اندفاع مدّي، تاركًا إياك، وتجاوزتُ كل حدودك؛ ومع ذلك لم أفلت من سياطك. إذ أيُّ فانٍ يقدر على ذلك؟ فقد كنتَ دائمًا معي صارمًا برحمة، ترشّ على كل ملذاتي المحرّمة أمرَّ الشوائب: لكي أطلب ملذاتٍ لا شائبة فيها. غير أني لم أستطع أن أكتشف أين أجدها، إلا فيك يا رب، أنت الذي تعلّم بالألم، وتجرحنا لتشفي؛ وتميتنا لئلا نموت بعيدًا عنك. أين كنت، وكم كنت منفيًّا بعيدًا عن مسرّات بيتك، في تلك السنة السادسة عشرة من عمر جسدي، حين تسلّط عليّ جنون الشهوة (الذي تطلق له الوقاحة البشرية العنان، وإن لم تُبِحه شرائعك)، فأسلمتُ نفسي إليه كليًّا؟ أما أهلي فلم يعنوا في الأثناء بأن يتداركوا سقوطي بالزواج؛ بل كان همّهم الوحيد أن أتعلّم الكلام ببراعة، وأن أصير خطيبًا مقنعًا.
الفصل الثالث
ففي تلك السنة انقطعت دراستي: إذ بعد عودتي من مادورا (وهي مدينة مجاورة كنت قد رحلت إليها لأتعلم النحو والبلاغة)، كانت نفقاتُ سفرٍ أبعد إلى قرطاج تُدبَّر لي؛ وذلك بعزم أبي أكثر منه بمقدرته، إذ لم يكن سوى مواطنٍ حرٍّ فقير من تاغاست. لمن أروي هذا؟ لا لك يا إلهي؛ بل أمامك لبني جنسي، بل لذلك النزر اليسير من البشر الذي قد يقع على كتاباتي هذه. ولأي غاية؟ لكي يتفكر كل من يقرأ هذا من أي أعماق ينبغي أن نصرخ إليك. فأي شيء أقرب إلى أذنيك من قلبٍ معترف، وحياةِ إيمان؟ من ذا الذي لم يمتدح أبي، لأنه كان يزوّد ابنه، فوق طاقة موارده، بكل ما يلزم لسفر بعيد لأجل دراسته؟ فكثيرون من المواطنين الأقدر منه بكثير لم يفعلوا شيئًا كهذا لأولادهم. ومع ذلك فإن هذا الأب نفسه لم يكن يبالي كيف أنمو نحوك، ولا كم أكون عفيفًا؛ ما دمت فصيح اللسان، مهما كنت قاحلًا لحراثتك، يا الله، يا من أنت وحدك الرب الحق الصالح لحقلك، قلبي.
ولما كنت في سنتي السادسة عشرة تلك أعيش مع والديّ، تاركًا كل مدرسة إلى حين (إذ تخللت ذلك فترةُ بطالة بسبب ضيق حال والديّ)، نمت أشواك الشهوات النجسة كثيفةً فوق رأسي، ولم تكن هناك يدٌ تقتلعها. ولما رآني أبي في الحمّامات، وقد أخذت أشبّ نحو الرجولة، مكتسيًا فتوةً لا تهدأ، أخبر أمي بذلك مسرورًا، كأنه يتوقع أحفاده منذ ذلك الحين؛ مبتهجًا بذلك الاضطراب الحسي الذي فيه ينساك العالم، أنت خالقه، ويولع بخليقتك بدلًا منك، من خلال أبخرة تلك الخمر الخفية، خمرِ إرادته الذاتية، منحرفًا ومنحنيًا إلى أدنى الأشياء. أما في صدر أمي فكنتَ قد بدأت هيكلك، وأساسَ مسكنك المقدس، في حين كان أبي بعدُ من الموعوظين فحسب، وذلك منذ عهد قريب. فارتاعت هي إذن بخوفٍ ورعدةٍ مقدسين؛ ومع أني لم أكن قد تعمدت بعد، خافت عليّ تلك الطرق الملتوية التي يسلكها الذين يحوّلون نحوك القفا لا الوجه.
ويلٌ لي! أأجرؤ أن أقول إنك كنت صامتًا يا إلهي، حين كنت أتيه بعيدًا عنك؟ أحقًّا كنت حينئذ صامتًا عني؟ ولمن كانت، إن لم تكن لك، تلك الأقوال التي رنّمتَها في أذنيّ بلسان أمي، أمتِك الأمينة؟ ولم يرسخ شيء منها في قلبي حتى أعمل به. فقد كانت تريد، وأذكر أنها حذّرتني على انفراد بقلق شديد، «ألا أزني؛ وخصوصًا ألا أدنّس قط امرأة رجل آخر». كانت هذه تبدو لي نصائحَ نسوانية، أخجل من أن أطيعها. لكنها كانت نصائحك، وأنا لا أدري: وكنت أظن أنك صامت وأنها هي التي تتكلم؛ وأنت بها لم تكن صامتًا عني؛ وفيها كنتَ أنت المحتقَرَ مني، أنا ابنها، ابنَ أمتك، عبدك. لكني لم أكن أدري؛ واندفعت متهورًا بعمى كهذا، حتى إني كنت بين أقراني أخجل من أن أكون أقل وقاحة، حين كنت أسمعهم يتفاخرون بفواحشهم، بل وكانوا يزدادون تفاخرًا كلما ازدادوا انحطاطًا: فكنت أتلذذ، لا بلذة الفعل فقط، بل بالمديح أيضًا. ما الذي يستحق الذم إلا الرذيلة؟ لكني كنت أجعل نفسي أسوأ مما كنت، لئلا أُذمّ؛ وإذا لم أكن قد أخطأت في أمرٍ كما أخطأ أولئك الفاسدون، كنت أدّعي أني فعلت ما لم أفعل، لئلا أبدو محتقَرًا بقدر ما أنا بريء، أو أقلَّ شأنًا بقدر ما أنا أعفّ.
انظر مع أي رفاق كنت أجوب شوارع بابل، وأتمرّغ في وحلها، كأنما في فراشٍ من الأطياب والأدهان الثمينة. ولكي ألتصق بمركزها عينه التصاقًا أشد، داسني العدو غير المنظور، وأغواني، لأني كنت سهل الإغواء. ولا أمُّ جسدي (التي كانت قد هربت من وسط بابل، لكنها كانت تسير أبطأ في أطرافها، إذ نصحتني بالعفة، اكترثت بما سمعته عني من زوجها اكتراثًا يجعلها تحصر في حدود المودة الزوجية (إن لم يكن ممكنًا أن يُقطع حتى الصميم) ما كانت تشعر أنه وبيلٌ في الحاضر وخطرٌ في المستقبل. لم تكترث بهذا، لأنها خشيت أن تكون الزوجة قيدًا وعائقًا لآمالي. لا تلك الآمال في العالم الآتي، التي أودعتها أمي فيك؛ بل الأمل في العلم، الذي كان كلا والديّ حريصين جدًّا على أن أبلغه؛ أبي، لأنه لم يكن يكاد يفكر فيك، ولم يكن يفكر فيّ إلا بأوهام باطلة؛ وأمي، لأنها حسبت أن تلك المناهج المعتادة في التعلّم لا تعوقني عن بلوغك، بل تعينني عليه بعض العون. هكذا أحدس، مستعيدًا، بقدر ما أستطيع، طباع والديّ. وفي الأثناء أُرخيت لي الأعنّة، بما يتجاوز كل اعتدالٍ في الصرامة الواجبة، لأقضي وقتي في اللهو، بل حتى الانحلال في كل ما أهوى. وفي كل ذلك كان ضبابٌ يحجب عني، يا إلهي، ضياء حقك؛ وإثمي انفجر كأنما من الشحم نفسه.
الفصل الرابع
السرقة تعاقب عليها شريعتك يا رب، والشريعةُ المكتوبة في قلوب البشر، التي لا يمحوها الإثم نفسه. فأي لص يحتمل لصًّا؟ ولا حتى لصٌّ غني يحتمل من يسرق عن فاقة. ومع ذلك اشتهيتُ أن أسرق، وسرقت، لا مدفوعًا بجوع ولا بفقر، بل بتخمةٍ من فعل الخير، وبترفٍ في الإثم. فقد سرقت ما كان عندي منه ما يكفي، وأفضلُ منه بكثير. ولم أكن أبالي بأن أتمتع بما سرقت، بل كنت أبتهج بالسرقة والخطيئة نفسها. كانت هناك شجرة إجاص قرب كرمنا، مثقلة بالثمر، لا تغري بلونٍ ولا بطعم. فذهبنا لنهزّها ونسلبها، جماعةً من الفتيان الأشرار، في ليلة متأخرة (إذ كنا بحسب عادتنا الوبيلة قد أطلنا لهونا في الشوارع حتى ذلك الحين)، وأخذنا منها أحمالًا ضخمة، لا لنأكلها، بل لنرميها للخنازير نفسها، بعد أن ذقناها فقط. وهذا لمجرد أن نفعل ما يحلو لنا، لأنه كان مكروهًا. انظر قلبي يا الله، انظر قلبي، الذي رحمتَه في قاع الهاوية التي لا قرار لها. والآن، ها، ليخبرك قلبي بما كان يطلب هناك، حتى أكون شريرًا بلا مقابل، ولا مغري لي بالشر إلا الشر نفسه. كان قبيحًا، وأحببته؛ أحببت أن أهلك، أحببت زلّتي، لا ما لأجله زللت، بل زلّتي نفسها. يا لها من نفسٍ قبيحة، ساقطةٍ من رقيعك إلى الهلاك التام؛ لا تطلب شيئًا بالعار، بل العارَ نفسه!
الفصل الخامس
فإن في الأجساد الجميلة جاذبيةً، وفي الذهب والفضة، وفي كل الأشياء؛ وفي اللمس الجسدي للتجاوب أثرٌ كبير، ولكل حاسة أخرى موضوعها الخاص الملائم لها. وللكرامة الدنيوية أيضًا بهاؤها، وكذلك لسلطان الغلبة والسيادة؛ ومن هنا ينبع أيضًا التعطش إلى الانتقام. ومع ذلك، لكي ننال كل هذه، لا يجوز لنا أن نحيد عنك يا رب، ولا أن نميل عن شريعتك. والحياة أيضًا التي نحياها هنا لها سحرها الخاص، بفضل تناسقٍ ما خاص بها، وتوافقٍ مع كل الأشياء الجميلة هنا في الأسفل. والصداقة البشرية أيضًا عزيزة برباطٍ عذب، بسبب الوحدة المتكونة من نفوس كثيرة. بمناسبة كل هذه وأمثالها تُرتكب الخطيئة، إذ بسبب ميلٍ مفرط نحو هذه الخيرات من المرتبة الدنيا، يُترك الأفضل والأسمى،—أنت، ربنا الإله، وحقك، وشريعتك. فلهذه الأشياء الدنيا ملذاتها، لكن ليس كإلهي الذي صنع كل الأشياء؛ لأنه به يبتهج الصدّيق، وهو فرح المستقيمي القلوب.
فإذا سألنا إذن لماذا ارتُكبت جريمة، لا نصدّق ذلك، ما لم يظهر أنه ربما كانت هناك رغبة في نيل شيء من تلك التي سمّيناها خيراتٍ دنيا، أو خوفٌ من فقدانها. فهي جميلة وبهيّة؛ وإن كانت بالمقارنة مع تلك الخيرات العليا المسعِدة حقيرةً ودنيئة. رجلٌ قتل آخر؛ لماذا؟ لقد أحب امرأته أو أملاكه؛ أو أراد أن يسلب ليعيش؛ أو خاف أن يفقد شيئًا من هذا القبيل على يده؛ أو ظُلم فاشتعل رغبةً في الانتقام. أيرتكب أحدٌ القتل بلا سبب، مبتهجًا بالقتل لذاته؟ من يصدّق ذلك؟ فحتى ذلك الرجل الهائج المتوحش، الذي قيل عنه إنه كان شريرًا وقاسيًا بلا سبب، يُذكر له مع ذلك سبب؛ «لئلا» (يقول) «تخمد اليد أو القلب من البطالة». ولأي غاية؟ لكي ينال، بتلك الممارسة للإثم، بعد أن يستولي على المدينة، الكراماتِ والسلطانَ والثروة، ويتحرر من خوف القوانين، ومن ضيقاته الناشئة عن حاجات بيته، ومن وعيه بجرائمه. فحتى كاتيلينا نفسه إذن لم يحب جرائمه ذاتها، بل شيئًا آخر، لأجله ارتكبها.
الفصل السادس
فماذا أحببتُ فيكِ إذن، أنا الشقي، يا سرقتي، يا فعلةَ الظلام، في تلك السنة السادسة عشرة من عمري؟ لم تكوني جميلة، لأنكِ كنتِ سرقة. ولكن هل أنتِ شيءٌ أصلًا، حتى أخاطبكِ هكذا؟ كان الإجاص الذي سرقناه جميلًا، لأنه كان من خلقك، أنت الأجمل من الكل، خالق الكل، أنت الإله الصالح؛ الله، الخير الأسمى وخيري الحق. كان ذلك الإجاص جميلًا، لكن نفسي الشقية لم تشتهه هو؛ إذ كان عندي وفرةٌ مما هو أفضل منه، وإنما قطفت ذاك لكي أسرق فقط. فإني بعد أن قطفته رميته بعيدًا، ولم تكن وليمتي فيه سوى خطيئتي، التي سرّني أن أتمتع بها. فإن دخل فمي شيء من ذلك الإجاص، فما كان يحلّيه إلا الخطيئة. والآن، أيها الرب إلهي، أسأل عمّا أبهجني في تلك السرقة؛ فإذا هي بلا أي جمال؛ لا أعني جمالًا كالذي في العدل والحكمة؛ ولا كالذي في عقل الإنسان وذاكرته وحواسه وحياته الحيوانية؛ ولا كما أن النجوم مجيدة وجميلة في أفلاكها؛ أو الأرض، أو البحر، المملوء بالحياة الجنينية، الذي يعوّض بولادته ما يفنى؛ لا، ولا حتى ذلك الجمال الزائف الظليل الذي يخص الرذائل المخادعة.
فهكذا يحاكي الكبرياءُ الرفعةَ؛ بينما أنت وحدك الإله المتعالي فوق الكل. والطموح، ماذا يطلب إلا الكرامات والمجد؟ بينما أنت وحدك المستحق الإكرام فوق الكل، والمجيد إلى الأبد. وقسوة العظماء تودّ لو تُهاب؛ ولكن من يُهاب إلا الله وحده، الذي أيُّ شيء يمكن أن يُنتزع أو يُفلت من سلطانه؟ متى، أو أين، أو إلى أين، أو بيد من؟ وملاطفات المتهتكين تودّ لو تُحسب حبًّا: ومع ذلك لا شيء أرقّ من محبتك؛ ولا شيء يُحَبّ على نحوٍ أصحّ من حقك ذاك، المشرق الجميل فوق الكل. والفضول يتظاهر بالرغبة في المعرفة؛ بينما أنت تعرف الكل معرفةً فائقة. بل إن الجهل والحماقة أنفسهما يتستران باسم البساطة وعدم الأذى؛ لأنه لا يوجد شيء أبسط منك: وأي شيء أقلّ أذى، إذ إن أعمال الخاطئ نفسه هي التي تؤذيه؟ بل إن الكسل يودّ لو يستريح؛ ولكن أي راحة ثابتة سوى الرب؟ والترف يطمح إلى أن يُدعى وفرةً وغنى؛ لكنك أنت الملء والفيض الذي لا ينضب من الملذات التي لا تفسد. والتبذير يُظهر ظلًّا للسخاء: لكنك أنت المعطي الأوفر فيضًا لكل خير. والطمع يريد أن يملك أشياء كثيرة؛ وأنت تملك كل الأشياء. والحسد ينازع على التفوق: وأي شيء أفضل منك؟ والغضب يطلب الانتقام: ومن ينتقم بعدلٍ أكثر منك؟ والخوف يجفل من الأمور غير المألوفة والمفاجئة، التي تهدد الأشياء المحبوبة، ويحتاط لسلامتها؛ ولكن ما الذي يكون غير مألوف أو مفاجئًا لك، أو من يفصل عنك ما تحبه؟ أو أين إلا عندك السلامة التي لا تتزعزع؟ والحزن يذوي على الأشياء المفقودة، بهجةِ رغباته؛ لأنه لا يريد أن يُنزع منه شيء، كما لا يمكن أن يُنزع منك شيء.
هكذا تزني النفس، حين تنصرف عنك، طالبةً خارجًا عنك ما لا تجده نقيًّا بلا شائبة، حتى ترجع إليك. هكذا يحاكيك على نحوٍ معوجّ كلُّ الذين يبتعدون عنك، ويرتفعون عليك. ولكنهم حتى بمحاكاتهم إياك هكذا، يشهدون ضمنًا بأنك خالق الطبيعة كلها؛ فلا موضع يُنسحب إليه بعيدًا عنك تمامًا. فماذا أحببتُ إذن في تلك السرقة؟ وبماذا حاكيتُ ربي، ولو على نحوٍ فاسد معوجّ؟ هل أردت، ولو خلسة، أن أفعل ما يخالف شريعتك، لأني لم أستطع ذلك بالقوة، حتى أحاكي، وأنا أسير، حريةً مبتورة، بفعلي دون عقابٍ أمورًا غير مباحة لي، شبهًا مظلمًا لقدرتك الكلية؟ ها هو عبدك، هاربًا من سيده، ونائلًا ظلًّا. يا للعفن، يا لمسخ الحياة، ويا لعمق الموت! أكان يمكنني أن أحب ما لا يحلّ لي، لمجرد أنه لا يحلّ لي؟
الفصل السابع
ماذا أرد للرب، إذ تستعيد ذاكرتي هذه الأمور، ولا ترتاع نفسي منها؟ سأحبك يا رب، وأشكرك، وأعترف لاسمك؛ لأنك غفرت لي أعمالي هذه العظيمة الشنيعة. إلى نعمتك أنسب ذلك، وإلى رحمتك، أنك أذبتَ خطاياي كأنها جليد. وإلى نعمتك أنسب أيضًا كل ما لم أفعله من الشر؛ إذ أيَّ شرٍّ ما كنت لأفعله، أنا الذي أحببت خطيئةً لذاتها؟ نعم، أعترف بأن الكل قد غُفر لي؛ الشرورَ التي ارتكبتها بعنادي، والتي لم أرتكبها بإرشادك. من هو الإنسان الذي، إذ يزن ضعفه، يجرؤ أن ينسب طهارته وبراءته إلى قوته الخاصة؛ فيحبك أقل، كأنه كان أقل حاجة إلى رحمتك، التي بها تغفر الخطايا للراجعين إليك؟ فكل من دعوتَه فتبع صوتك، وتجنب تلك الأمور التي يقرأني أستعيدها وأعترف بها عن نفسي، فلا يهزأ بي، أنا الذي كنت مريضًا فشفاني ذلك الطبيب، الذي بعونه لم يكن هو مريضًا، أو بالأحرى كان أقل مرضًا: ولهذا فليحبك بالقدر نفسه، بل وأكثر؛ لأنه يرى أن الذي به شُفيتُ أنا من هزال الخطيئة العميق هذا، به هو قد حُفظ من هزال الخطيئة المماثل.
الفصل الثامن
فأي ثمر كان لي حينئذ (يا لي من إنسان شقي!) في تلك الأمور التي أخجل الآن من ذكراها؟ ولا سيما في تلك السرقة التي أحببتها لأجل السرقة ذاتها؛ وهي أيضًا لم تكن شيئًا، ولذلك كنت أنا أشقى، أنا الذي أحببتها. ومع ذلك ما كنت لأفعلها وحدي: هكذا كنت حينئذ، أذكر ذلك، ما كنت قط لأفعلها وحدي. أفأحببتُ إذن فيها أيضًا صحبة الشركاء، الذين فعلتها معهم؟ إذن لم يكن ما أحببته السرقةَ وحدها، بل بالأحرى لم أحب شيئًا آخر؛ لأن ظرف الصحبة ذاك لم يكن هو أيضًا شيئًا. ما هو ذلك، في الحقيقة؟ من يقدر أن يعلّمني، إلا الذي ينير قلبي، ويكشف زواياه المظلمة؟ ما هذا الذي خطر ببالي أن أستقصيه، وأناقشه، وأتأمله؟ فلو كنت حينئذ أحببت الإجاص الذي سرقته، ورغبت في التمتع به، لأمكنني أن أفعل ذلك وحدي، لو كان مجرد ارتكاب السرقة كافيًا لنيل لذتي؛ ولما احتجت إلى أن ألهب حكّة رغباتي بتحريض الشركاء. ولكن بما أن لذتي لم تكن في ذلك الإجاص، فقد كانت في الإثم نفسه، الذي أحدثته صحبة رفاق الخطيئة.
الفصل التاسع
فما كان ذلك الشعور إذن؟ حقًّا كان قبيحًا جدًّا: وويلٌ لي أنا الذي كان فيّ. ولكن ما كان؟ من يفهم زلاته؟ كان اللهو، الذي كأنما دغدغ قلوبنا، أننا خدعنا من لم يخطر ببالهم ما كنا نفعله، ومن كانوا يكرهونه كثيرًا. فلماذا إذن كانت بهجتي من هذا النوع حتى لم أفعله وحدي؟ ألأن أحدًا لا يضحك عادةً وحده؟ عادةً لا أحد؛ ومع ذلك يغلب الضحك أحيانًا الناسَ وهم منفردون وحدهم حين لا يكون معهم أحد البتة، إن عرض لحواسهم أو لعقلهم شيء مضحك جدًّا. ومع ذلك ما كنت لأفعل هذا وحدي؛ ما كنت قط لأفعله وحدي. ها هي يا إلهي، أمامك، الذكرى الحية لنفسي؛ وحدي ما كنت قط لأرتكب تلك السرقة التي لم يسرّني فيها ما سرقته، بل أني سرقت؛ ولا كان يطيب لي أن أفعلها وحدي، ولا كنت لأفعلها. أيتها الصداقة المفرطة في عداوتها! يا مُغويةَ النفس التي لا تُدرَك، يا شرهًا إلى الأذى عن لهوٍ وعبث، يا ظمأً إلى خسارة الآخرين، بلا شهوةٍ إلى ربحٍ لي أو انتقام: ولكن حين يقال: «هلمّ نذهب، هلمّ نفعلها»، نخجل من ألا نكون وقحين.
الفصل العاشر
من يقدر أن يحلّ تلك العقدة الملتوية المتشابكة؟ إنها قبيحة: أكره أن أفكر فيها، أن أنظر إليها. أما أنت فإليك أشتاق، أيها البرّ والبراءة، الجميل البهيّ لكل العيون الطاهرة، ذو الشبع الذي لا يورث سأمًا. عندك الراحة الكاملة، والحياة التي لا يعكرها شيء. من يدخل إليك، يدخل إلى فرح سيده: ولا يخاف، ويكون على أحسن حال في الأحسن كليًّا. غرقت بعيدًا عنك، وضللت، يا إلهي، مبتعدًا جدًّا عنك يا سندي، في أيام صباي هذه، وصرت لنفسي أرضًا قاحلة.
اكتمل الفصل 2
الكتاب الثاني