الاعترافات
الكتاب الأول

فصل 1 · قراءة 26 د

الكتاب الأول

الفصل الأول

عظيم أنت يا رب، وحميد جدا؛ عظيمة قدرتك، وحكمتك لا حد لها. والإنسان يريد أن يسبحك؛ الإنسان، وما هو إلا ذرة من خليقتك؛ الإنسان الذي يحمل معه موته، شاهدا على خطيئته، شاهدا على أنك تقاوم المستكبرين: ومع ذلك يريد الإنسان أن يسبحك، وهو ليس إلا ذرة من خليقتك. أنت توقظنا لنبتهج بتسبيحك؛ لأنك خلقتنا لك، وقلبنا قلق حتى يستريح فيك. هبني يا رب أن أعرف وأفهم: أيهما أولا، أن أدعوك أم أن أسبحك؟ ثم أيهما: أن أعرفك أم أن أدعوك؟ فمن ذا يقدر أن يدعوك وهو لا يعرفك؟ فإن الذي لا يعرفك قد يدعوك على غير ما أنت عليه. أم الأحرى أننا ندعوك لكي نعرفك؟ ولكن كيف يدعون بمن لم يؤمنوا به؟ أو كيف يؤمنون بلا كارز؟ والذين يطلبون الرب يسبحونه: لأن الذين يطلبون يجدونه، والذين يجدونه يسبحونه. سأطلبك يا رب داعيا إياك، وسأدعوك مؤمنا بك؛ لأنك قد كرز بك لنا. إيماني يا رب سيدعوك، الإيمان الذي وهبته لي، والذي نفخته في، بتجسد ابنك، وبخدمة الكارز.

الفصل الثاني

وكيف أدعو إلهي، إلهي وربي، وأنا إذ أدعوه إنما أدعوه إلى نفسي؟ وأي موضع في يأتي إليه إلهي فيدخلني؟ أين يمكن أن يأتي الله إلي، الله الذي صنع السماء والأرض؟ أحقا، أيها الرب إلهي، في شيء يسعك؟ أفتسعك إذن السماء والأرض اللتان صنعتهما، وصنعتني فيهما؟ أم لأن شيئا مما هو كائن لا يمكن أن يكون من دونك، يسعك إذن كل ما هو كائن؟ وإذ كنت أنا أيضا كائنا، فلماذا أطلب أن تدخل في، وما كنت لأكون لو لم تكن أنت في؟ لماذا؟ لأني لم أنحدر إلى الجحيم، ومع ذلك فأنت هناك أيضا. فإن نزلت إلى الجحيم فأنت هناك. إذن ما كنت لأكون يا إلهي، ما كنت لأكون البتة، لو لم تكن في؛ بل الأحرى: لو لم أكن أنا فيك، أنت الذي منه كل الأشياء، وبه كل الأشياء، وفيه كل الأشياء؟ هكذا يا رب، هكذا. فإلى أين أدعوك وأنا فيك؟ أو من أين تأتي فتدخل في؟ فإلى أين أمضي وراء السماء والأرض، حتى يأتي إلي إلهي من هناك، هو الذي قال: أنا أملأ السماء والأرض.

الفصل الثالث

أفتسعك إذن السماء والأرض، إذ أنت تملؤهما؟ أم أنك تملؤهما ثم تفيض عنهما، إذ هما لا تسعانك؟ وإذا امتلأت السماء والأرض، فأين تسكب ما يفضل منك؟ أم أنك لا حاجة بك إلى شيء يسعك، أنت الذي تسع كل شيء، لأن ما تملؤه إنما تملؤه بأن تسعه؟ فالآنية التي تملؤها لا تحملك، لأنها لو انكسرت ما انسكبت أنت. وإذا انسكبت علينا، فأنت لا تنحط بل ترفعنا؛ ولا تتبدد بل تجمعنا. ولكن أنت الذي تملأ كل شيء، أتملؤه بذاتك كلها؟ أم لأن الأشياء كلها لا تقدر أن تسعك كلك، تسع جزءا منك؟ وهل تسع كلها معا الجزء نفسه؟ أم يسع كل منها جزءه، الأكبر أكثر والأصغر أقل؟ أيكون إذن جزء منك أكبر وآخر أصغر؟ أم أنك حاضر بكليتك في كل مكان، ولا شيء يسعك بكليتك؟

الفصل الرابع

فما أنت إذن يا إلهي؟ ما أنت إلا الرب الإله؟ فمن هو رب سوى الرب؟ أو من هو إله غير إلهنا؟ أيها الأعلى، الأصلح، الأقدر، القادر على كل شيء؛ الأرحم والأعدل معا؛ الأخفى والأحضر معا؛ الأجمل والأقوى، الثابت الذي لا يدرك؛ الذي لا يتغير ويغير كل شيء؛ لا جديدا قط ولا قديما قط؛ مجددا كل شيء، ومبليا المستكبرين وهم لا يعلمون؛ عاملا أبدا، مستريحا أبدا؛ جامعا دائما ولا يعوزك شيء؛ حاملا ومالئا ومظللا؛ خالقا ومغذيا ومنضجا؛ طالبا وأنت تملك كل شيء. تحب بلا هوى؛ تغار بلا قلق؛ تندم ولا تحزن؛ تغضب وأنت هادئ؛ تغير أعمالك ومشيئتك لا تتغير؛ تسترد ما تجده ولم تفقده قط؛ لا تحتاج أبدا وتفرح بالمكاسب؛ لا تطمع أبدا وتطلب الربا. تتقبل فوق ما يجب لكي تصير مدينا؛ ومن يملك شيئا ليس لك؟ تفي الديون ولا تدين بشيء؛ تسقط الديون ولا تخسر شيئا. وماذا قلت الآن يا إلهي، يا حياتي، يا فرحي المقدس؟ أو ماذا يقول أي إنسان حين يتكلم عنك؟ ولكن ويل لمن لا يتكلم، إذ حتى أفصح الناس بكم.

الفصل الخامس

آه! ليتني أستريح فيك! آه! ليتك تدخل قلبي وتسكره، فأنسى شروري وأعانقك، يا خيري الوحيد! ماذا أنت لي؟ علمني برأفتك أن أنطق به. أو ماذا أنا لك حتى تطلب محبتي، وإن لم أعطك إياها غضبت علي وتوعدتني بويلات عظيمة؟ أفيكون إذن ويلا هينا ألا أحبك؟ آه! من أجل مراحمك، قل لي أيها الرب إلهي ماذا أنت لي. قل لنفسي: أنا خلاصك. تكلم هكذا لكي أسمع. هوذا يا رب قلبي أمامك؛ افتح أنت أذنيه، وقل لنفسي: أنا خلاصك. فلأسرع وراء هذا الصوت وأمسك بك. لا تحجب وجهك عني. دعني أموت—لئلا أموت—فقط دعني أرى وجهك.

ضيق مسكن نفسي؛ فوسعه أنت لكي تدخل إليه. إنه متهدم؛ فرممه أنت. فيه ما لا بد أن يسيء إلى عينيك؛ أعترف بذلك وأعلمه. ولكن من يطهره؟ أو إلى من أصرخ سواك؟ يا رب، من الخطايا المستترة أبرئني، ومن سلطان العدو احفظ عبدك. آمنت لذلك تكلمت. يا رب، أنت تعلم. ألم أعترف لك على نفسي بمعاصي، وأنت يا إلهي غفرت إثم قلبي؟ لا أدخل معك في محاكمة، أنت الذي هو الحق؛ أخشى أن أخدع نفسي، لئلا يكذب إثمي على ذاته. لذلك لا أدخل معك في محاكمة؛ لأنك إن كنت يا رب تراقب الآثام، يا سيد، فمن يقف؟

الفصل السادس

ولكن اسمح لي أن أتكلم إلى رحمتك، أنا التراب والرماد. اسمح لي أن أتكلم، إذ إني أتكلم إلى رحمتك لا إلى إنسان هازئ. وأنت أيضا ربما تزدريني، ولكنك ستعود وترحمني. فماذا أريد أن أقول، أيها الرب إلهي، إلا أني لا أعلم من أين أتيت إلى هذه الحياة المائتة (أأسميها كذلك؟) أو هذا الموت الحي. وحينئذ تلقتني في الحال تعزيات رأفتك، كما سمعت (فإني لا أذكر ذلك) من والدي بحسب الجسد، اللذين من مادتهما جبلتني في زمن ما. وهكذا تلقتني تعزيات لبن المرأة. فلا أمي ولا مرضعاتي ملأن أثداءهن لي من عندهن؛ بل أنت الذي أعطيتني بواسطتهن طعام طفولتي، بحسب ترتيبك الذي به توزع غناك عبر ينابيع الأشياء كلها الخفية. وأنت أيضا أعطيتني ألا أشتهي أكثر مما أعطيت؛ وأعطيت مرضعاتي أن يعطينني عن طيب خاطر ما أعطيتهن. لأنهن، بعاطفة علمتها السماء، كن يعطينني عن طيب خاطر ما فاض لديهن منك. فإن خيري هذا الآتي منهن كان خيرا لهن. بل لم يكن منهن حقا، وإنما بواسطتهن؛ لأن منك يا الله كل الخيرات، ومن إلهي كل خلاصي. وهذا ما تعلمته فيما بعد، إذ كنت أنت، بعطاياك هذه في داخلي وخارجي، تعلن ذاتك لي. فحينئذ لم أكن أعرف إلا أن أرضع، وأن أستريح إلى ما يرضي جسدي، وأبكي مما يؤذيه؛ لا أكثر.

ثم بدأت أبتسم، أولا في النوم ثم في اليقظة: فهكذا قيل لي عن نفسي، وصدقت ذلك، لأننا نرى مثله في سائر الأطفال، وإن كنت لا أذكره عن نفسي. وهكذا شيئا فشيئا صرت أدرك أين أنا، وصارت لي رغبة في أن أعبر عن رغباتي لمن يقدرون على تحقيقها، فلم أستطع؛ لأن الرغبات كانت في داخلي، وهم في الخارج، ولم يكن في وسعهم أن يدخلوا إلى روحي بأي حاسة من حواسهم. فكنت أرمي أطرافي وصوتي كيفما اتفق، صانعا ما أقدر عليه من إشارات قليلة، وعلى قدر ما أستطيع، تشبه ما أريد، وإن كانت في الحقيقة قليلة الشبه به جدا. فإذا لم أطع في الحال (لأن رغباتي كانت مؤذية أو غير مفهومة)، سخطت على الكبار لأنهم لا يخضعون لي، وعلى الذين لا يدينون لي بخدمة لأنهم لا يخدمونني؛ وانتقمت منهم بالبكاء. هكذا عرفت الأطفال بملاحظتي إياهم؛ وأني أنا نفسي كنت كذلك، قد أظهروه لي، وهم لا يشعرون، أفضل مما أظهرته مرضعاتي اللواتي كن يعرفنه.

وهوذا طفولتي قد ماتت منذ زمن بعيد، وأنا حي. أما أنت يا رب، الحي إلى الأبد، والذي لا يموت فيه شيء: فإنك قبل تأسيس العوالم، وقبل كل ما يمكن أن يقال له «قبل»، كائن، وأنت إله كل ما خلقت وربه: فيك تثبت، راسخة إلى الأبد، العلل الأولى لكل الأشياء غير الثابتة؛ ولكل الأشياء المتغيرة ينابيع ثابتة فيك لا تتغير؛ وفيك تحيا المعاني العقلية الأزلية لكل الأشياء غير العاقلة والزمنية. قل لي يا رب، أنا المتضرع إليك؛ قل يا كلي الرأفة، لي أنا البائس الجدير برأفتك؛ قل: أكانت طفولتي خلفا لعمر آخر لي مات قبلها؟ أهو ذاك الذي قضيته في رحم أمي؟ فإني سمعت عنه شيئا، ورأيت بنفسي نساء حبالى؟ وماذا قبل تلك الحياة أيضا، يا الله فرحي، أكنت في مكان ما، أو كنت شيئا ما؟ فليس لي من يخبرني بهذا، لا أب ولا أم، ولا خبرة الآخرين، ولا ذاكرتي أنا. أتسخر مني لأني أسأل عن هذا، وتأمرني أن أسبحك وأعترف لك بما أعرفه؟

أعترف لك يا رب السماء والأرض، وأسبحك من أجل مبادئ وجودي الأولى، ومن أجل طفولتي التي لا أذكر منها شيئا؛ لأنك قضيت أن يستدل الإنسان من غيره على كثير مما يخصه، وأن يصدق كثيرا اعتمادا على شهادة نساء ضعيفات. حتى حينئذ كان لي وجود وحياة، و(عند انتهاء طفولتي) كنت أستطيع أن أبحث عن إشارات أعلم بها الآخرين بإحساساتي. من أين يمكن أن يأتي كائن كهذا إلا منك يا رب؟ أيكون أحد صانع نفسه؟ أم يمكن أن يستمد من موضع آخر عرق يجري فينا الوجود والحياة، إلا منك يا رب، يا من الوجود والحياة فيه واحد؟ لأنك أنت ذاتك الوجود الأسمى والحياة العليا. فإنك أنت العلي ولا تتغير، ولا ينتهي فيك اليوم؛ ومع ذلك فيك ينتهي؛ لأن هذه الأشياء كلها أيضا فيك. فما كان لها سبيل إلى الزوال لو لم تكن أنت حاملها. ولأن سنيك لا تفنى، فسنوك يوم واحد هو اليوم. كم من سنينا وسني آبائنا انسابت عبر «اليوم» الذي لك، ومنه نالت مقدار ما كان لها من وجود وقالبه؛ وستنساب سنون أخرى أيضا، فتنال هكذا قالب درجتها من الوجود. أما أنت فأنت هو، وكل ما للغد وكل ما بعده، وكل ما للأمس وكل ما قبله، أنت صنعته اليوم. ماذا يعنيني إن لم يفهم أحد هذا؟ فليفرح هو أيضا وليقل: ما هذا؟ فليفرح هكذا! وليرض بأن يجدك وهو لا يجد الجواب، خيرا من أن يجد الجواب ولا يجدك.

الفصل السابع

اسمع يا الله. ويل لخطيئة الإنسان! هكذا يقول الإنسان، وأنت ترحمه؛ لأنك صنعته، أما الخطيئة فيه فلم تصنعها. من يذكرني بخطايا طفولتي؟ فإنه ليس أحد أمامك طاهرا من الخطيئة، ولا الطفل الذي ليست حياته على الأرض إلا يوما واحدا. من يذكرني؟ أليس كل طفل صغير أرى فيه ما لا أذكره من نفسي؟ فما كانت إذن خطيئتي؟ أكانت أني تعلقت بالثدي وبكيت؟ فلو فعلت الآن مثل ذلك طلبا لطعام يناسب سني، لكنت عن حق موضع سخرية وتوبيخ. فما فعلته حينئذ كان يستحق التوبيخ؛ ولكن لأني لم أكن أفهم التوبيخ، منعت العادة والعقل أن أوبخ. فإن هذه العادات، متى كبرنا، نقتلعها ونطرحها. ولا أحد، وإن كان يشذب، يطرح عن علم ما هو صالح. أم كان حينئذ صالحا، ولو إلى حين، أن يبكي الطفل طلبا لما يؤذيه لو أعطيه؟ وأن يستاء بمرارة لأن أحرارا، وكبارا عنه، بل والذين كانوا سبب ولادته أنفسهم، لم يخدموه؟ ولأن كثيرين غيرهم، أحكم منه، لم يطيعوا إشارة هواه؟ وأن يبذل جهده ليضرب ويؤذي، لأن أوامر لم تطع، كانت طاعتها ستؤذيه؟ إذن فضعف أعضاء الطفل، لا إرادته، هو براءته. لقد رأيت بنفسي وعرفت رضيعا يحسد؛ لم يكن يقدر أن يتكلم، ومع ذلك شحب لونه ونظر بمرارة إلى أخيه في الرضاعة. من لا يعرف هذا؟ الأمهات والمرضعات يخبرنك أنهن يهدئن هذه الأمور بعلاجات لا أدري ما هي. أفيكون هذا أيضا براءة، حين يفيض ينبوع اللبن بغزارة وفيرة، ألا يحتمل أن يشاركه فيه آخر في أشد الحاجة، وحياته نفسها ما زالت متوقفة عليه؟ نحن نحتمل هذا كله بلطف، لا لأنه ليس شرا أو لأنه شر هين، بل لأنه سيزول مع تقدم السنين؛ فهذه الطباع عينها، وإن احتملت الآن، لا تطاق البتة متى وجدت في سن أنضج.

فأنت إذن أيها الرب إلهي، يا من وهبت الحياة لطفولتي هذه، وزودت الجسد الذي وهبته هكذا بالحواس (كما نرى)، وأحكمت أعضاءه، وزينت تناسقه، وغرست فيه، من أجل خيره وسلامته عامة، جميع الوظائف الحيوية، أنت تأمرني أن أسبحك على هذه الأمور، وأن أعترف لك، وأرنم لاسمك أيها العلي. لأنك أنت الله، القادر على كل شيء والصالح، ولو لم تصنع إلا هذا وحده، الذي لا يقدر أحد أن يصنعه سواك: أنت الذي وحدانيتك قالب كل الأشياء؛ الذي من جمالك تجعل كل شيء جميلا؛ وتدبر كل شيء بناموسك. فهذا العمر إذن يا رب، الذي لا أذكر منه شيئا، والذي آخذه على كلام غيري، وأستدل من سائر الأطفال على أني اجتزته، وإن كان الاستدلال صحيحا، أكره أن أحسبه من هذه الحياة التي أحياها في هذا العالم. فإنه ليس أقل خفاء عني، في ظلال النسيان، من ذاك الذي قضيته في رحم أمي. ولكن إن كنت بالإثم صورت، وبالخطيئة حبلت بي أمي، فأين، أتوسل إليك يا إلهي، أين يا رب، أو متى، كنت أنا عبدك بريئا؟ ولكن هوذا أتجاوز تلك المرحلة؛ وما شأني الآن بما لا أستطيع أن أستعيد منه أثرا؟

الفصل الثامن

ثم انتقلت من الطفولة الأولى إلى الصبا، أو بالأحرى هو الذي جاء إلي، فأزاح الطفولة. ولم تمض هي،—(فإلى أين ذهبت؟)—ومع ذلك لم تعد موجودة. فلم أعد طفلا لا ينطق، بل صبيا يتكلم. هذا أذكره؛ وقد لاحظت فيما بعد كيف تعلمت الكلام. لم يكن الكبار هم الذين علموني الكلمات (كما علموني بعد قليل سائر المعارف) بطريقة مرتبة؛ بل أنا، إذ كنت أتوق بالصراخ والأصوات المتقطعة وشتى حركات أعضائي إلى أن أعبر عن أفكاري، لكي أنال مرادي، ولا أقدر مع ذلك أن أعبر عن كل ما أردت، ولا لكل من أردت، رحت بنفسي، بالفهم الذي وهبته لي يا إلهي، أردد الأصوات في ذاكرتي. فإذا سموا شيئا، والتفتوا نحوه وهم يتكلمون، رأيت وتذكرت أنهم يسمون ما يريدون الإشارة إليه بالاسم الذي نطقوا به. وأنهم كانوا يقصدون هذا الشيء لا غيره كان واضحا من حركة أجسادهم، تلك اللغة الطبيعية، إن صح القول، لجميع الأمم، التي يعبر عنها الوجه، ولحظات العين، وإشارات الأعضاء، ونبرات الصوت، دالة على أحوال النفس وهي تطلب شيئا، أو تملكه، أو ترفضه، أو تتجنبه. وهكذا، بسماعي الكلمات مرارا في مواضعها من الجمل المختلفة، جمعت شيئا فشيئا ما تدل عليه؛ ولما روضت فمي على هذه العلامات، صرت أعبر بها عن إرادتي. وهكذا تبادلت مع من حولي هذه العلامات المتداولة لإراداتنا، فأوغلت أعمق في معترك الحياة البشرية العاصف، وأنا ما زلت معتمدا على سلطة والدي وإشارة الكبار.

الفصل التاسع

يا الله إلهي، أي شقاء وأي سخرية ذقت حينئذ، إذ عرضت علي طاعة معلمي على أنها لائقة بالصبي، لكي أنجح في هذا العالم، وأتفوق في صناعة الكلام التي تخدم «مَجْدَ ٱلنَّاسِ»، والغنى الخداع. ثم أرسلت إلى المدرسة لأتعلم، ولم أكن أعرف (أنا المسكين) ما نفع ذلك؛ ومع هذا، إن تكاسلت في التعلم ضربت. فهكذا رأى أسلافنا أنه الصواب؛ وكثيرون ممن سلكوا الطريق نفسه قبلنا مهدوا لنا مسالك مضنية، كتب علينا أن نجتازها؛ مضاعفين التعب والحزن على بني آدم. ولكنا يا رب وجدنا أناسا يدعونك، فتعلمنا منهم أن نفكر فيك (على قدر طاقتنا) كعظيم ما، يستطيع، وإن كان محجوبا عن حواسنا، أن يسمعنا ويعيننا. فهكذا بدأت، وأنا صبي، أصلي إليك، يا عوني وملجئي؛ وحطمت قيود لساني لأدعوك، متوسلا إليك، وأنا صغير، بلجاجة غير صغيرة، ألا أضرب في المدرسة. ولما لم تستجب لي (ولم يكن ذلك منك تسليما لي إلى الحماقة)، سخر الكبار، بل والداي أنفسهما، اللذان لم يكونا يريدان لي شرا، من جلداتي، التي كانت حينئذ شري الكبير الأليم.

أيوجد يا رب أحد ذو نفس عظيمة إلى هذا الحد، ملتصق بك بمحبة شديدة إلى هذا الحد (فإن ضربا من البلادة قد يفعل ذلك على نحو ما)؛ ولكن أيوجد أحد نال، بالتصاقه بك في تقوى، روحا عظيمة إلى حد أنه يستخف بالمخلعات والكلاليب وسائر أدوات التعذيب (التي يدعوك الناس في كل البلاد لينجوا منها برعب شديد)، ساخرا ممن يخشونها أشد الخشية، كما سخر والدانا من العذابات التي كنا نقاسيها في صبانا على أيدي معلمينا؟ فإننا لم نكن نخشى عذاباتنا أقل، ولا كنا نصلي إليك أقل لكي ننجو منها. ومع ذلك كنا نخطئ، إذ نكتب أو نقرأ أو ندرس أقل مما يطلب منا. فلم تكن تعوزنا يا رب الذاكرة ولا القدرة، اللتان أعطتنا منهما مشيئتك ما يكفي لسننا؛ ولكن لذتنا الوحيدة كانت اللعب؛ ولأجل هذا كنا نعاقب على أيدي من كانوا هم أنفسهم يفعلون مثله. غير أن بطالة الكبار تسمى «أشغالا»؛ وبطالة الصبيان، وهي في حقيقتها الشيء نفسه، يعاقبها أولئك الكبار؛ ولا أحد يرثي لا للصبيان ولا للرجال. أفيستحسن أحد من ذوي الحكمة السليمة أن أضرب وأنا صبي، لأني، بلعبي بالكرة، تقدمت أقل في دروس كان علي أن أتعلمها، لا لشيء إلا لكي ألعب، حين أصير رجلا، لعبا أقل لياقة؟ وماذا كان يفعل غير ذلك من كان يضربني؟ هو الذي، إن غلب في جدال تافه مع زميل له من المعلمين، كان أشد مرارة وحسدا مني حين يغلبني رفيق لعبي في الكرة؟

الفصل العاشر

ومع ذلك فقد أخطأت في هذا، أيها الرب الإله، خالق كل الأشياء في الطبيعة ومدبرها، وأما الخطيئة فمدبرها فقط، أيها الرب إلهي، أخطأت بتعدي أوامر والدي وأوامر معلمي. فإن ما كانوا يريدون أن أتعلمه، أيا كان دافعهم، كان في وسعي أن أحسن استعماله فيما بعد. فقد عصيت لا عن اختيار أفضل، بل حبا في اللعب، مولعا بزهو الغلبة في مبارياتي، وبأن تدغدغ أذناي بالخرافات الكاذبة، لكي تزداد حكتها؛ وكان الفضول نفسه يلتمع في عيني أكثر فأكثر، نحو عروض الكبار وألعابهم. ومع ذلك فالذين يقيمون هذه العروض ينالون من الإكرام ما يجعل الجميع تقريبا يتمنون الشيء نفسه لأولادهم، ومع ذلك يرضون كل الرضا بأن يضربوا، إن شغلتهم تلك الألعاب عينها عن الدروس التي يريدون بها أن يبلغوا منزلة من يقيمونها. انظر يا رب إلى هذه الأمور برأفة، ونجنا نحن الذين ندعوك الآن؛ ونج أيضا الذين لا يدعونك بعد، لكي يدعوك فتنجيهم.

الفصل الحادي عشر

فحين كنت صبيا إذن كنت قد سمعت بحياة أبدية، موعود بها لنا بتواضع الرب إلهنا الذي انحنى إلى كبريائنا؛ ومنذ رحم أمي، التي كانت تترجاك جدا، ختمت بعلامة صليبه وملحت بملحه. لقد رأيت يا رب كيف أني، وأنا بعد صبي، إذ أصابني يوما ألم مفاجئ في المعدة، وصرت على شفا الموت—رأيت يا إلهي (فقد كنت أنت حافظي) بأي لهفة وأي إيمان طلبت، من عناية أمي التقية ومن كنيستك، أمنا جميعا، معمودية مسيحك، إلهي وربي. فاضطربت لذلك أمي بحسب الجسد اضطرابا شديدا (إذ كانت، بقلب طاهر في إيمانك، تتمخض بخلاصي بمحبة أعظم)، وكانت ستسارع في لهفة إلى تدبير تكريسي وتطهيري بالأسرار المخلصة، معترفا بك أيها الرب يسوع لمغفرة الخطايا، لولا أني شفيت فجأة. وهكذا، كأنه لا بد أن أتدنس ثانية إن عشت، أرجئ تطهيري، لأن أدناس الخطيئة بعد ذلك الغسل تجلب ذنبا أعظم وأشد خطرا. وكنت حينئذ مؤمنا: وكذلك أمي وأهل البيت جميعا، إلا أبي: غير أنه لم يغلب سلطان تقوى أمي في، حتى لا أؤمن أنا كما لم يكن هو قد آمن بعد. فقد كان همها الحار أن تكون أنت يا إلهي أبي، لا هو؛ وفي هذا أعنتها لتغلب زوجها، الذي كانت، وهي الأفضل، تطيعه، مطيعة فيه إياك أيضا، أنت الذي أمرت بذلك.

أتوسل إليك يا إلهي، وأود أن أعلم، إن شئت، لأي غاية أرجئت معموديتي حينئذ؟ أكان لخيري أن يرخى لي العنان، إن صح القول، لأخطأ؟ أم لم يرخ؟ فإن لم يكن قد أرخي، فلماذا ما زال يرن في آذاننا من كل ناحية: «دعوه، دعوه يفعل ما يشاء، فإنه لم يعتمد بعد؟» أما في صحة الجسد فلا أحد يقول: «دعوه يجرح جرحا أشد، فإنه لم يشف بعد.» فكم كان أفضل لو شفيت في الحال؛ ثم، بسعي أصدقائي وسعيي، تحفظ صحة نفسي المستردة آمنة في حفظك، أنت الذي وهبتها. أفضل حقا. ولكن ما أكثر أمواج التجربة وأعظمها التي بدت معلقة فوقي بعد صباي! وقد رأتها أمي مسبقا؛ وآثرت أن تعرض لها الطين الذي قد أصاغ منه فيما بعد، لا الصورة نفسها بعد أن تصاغ.

الفصل الثاني عشر

غير أني في الصبا نفسه (الذي كان يخشى علي منه أقل بكثير من الشباب) لم أكن أحب الدرس، وكنت أكره أن أكره عليه. ومع ذلك أكرهت؛ وكان ذلك حسنا في حقي، أما أنا فلم أحسن؛ فلولا الإكراه ما تعلمت. ولكن لا أحد يحسن وهو كاره، وإن كان ما يفعله حسنا. ولا الذين أكرهوني أحسنوا، بل ما كان حسنا جاءني منك يا إلهي. فإنهم لم يكونوا يبالون كيف سأستعمل ما أكرهوني على تعلمه، إلا لإشباع الشهوات التي لا تشبع لفقر غني ومجد مخز. أما أنت، يا من شعور رؤوسنا نفسها معدودة عندك، فقد استعملت لخيري ضلال كل الذين حثوني على التعلم؛ وضلالي أنا، الذي لم أرد أن أتعلم، استعملته لعقابي—جزاء لائق بمن كان صبيا صغيرا إلى هذا الحد وخاطئا كبيرا إلى هذا الحد. فهكذا بالذين لم يحسنوا أحسنت أنت إلي؛ وبخطيئتي أنا عاقبتني بعدل. فإنك أمرت، وهكذا هو الأمر، أن تكون كل نزعة غير منضبطة عقاب نفسها.

الفصل الثالث عشر

ولكن لماذا كرهت اليونانية هذا الكره، وقد درستها صبيا؟ لا أعلم ذلك تماما حتى الآن. أما اللاتينية فأحببتها؛ لا ما علمني إياه معلمي الأولون، بل ما علمني إياه من يسمون النحاة. فإن تلك الدروس الأولى، القراءة والكتابة والحساب، كنت أعدها عبئا وعقوبة لا تقل عن أي درس في اليونانية. ومن أين كان هذا أيضا إلا من خطيئة هذه الحياة وبطلها، لأني كنت جسدا، ونفسا يمضي ولا يعود؟ فإن تلك الدروس الأولى كانت أفضل يقينا، لأنها أرسخ؛ فبها نلت، وما زلت أملك، القدرة على قراءة ما أجده مكتوبا، وعلى أن أكتب بنفسي ما أشاء؛ أما في الأخرى فقد أكرهت على أن أتعلم تيهان رجل يدعى إينياس، ناسيا تيهاني أنا، وأن أبكي ديدو الميتة لأنها قتلت نفسها حبا؛ وأنا في أثناء ذلك أحتمل بعينين جافتين نفسي البائسة وهي تموت بين هذه الأشياء، بعيدا عنك يا الله حياتي.

فأي شيء أشقى من بائس لا يرثي لنفسه؛ يبكي موت ديدو حبا لإينياس، ولا يبكي موته هو لقلة محبته لك يا الله. يا نور قلبي، يا خبز نفسي في أعماقها، يا قوة تهب ذهني نشاطا وتحيي أفكاري، لم أحبك. زنيت عنك، وكان كل من حولي يهتف لي وأنا أزني هكذا: «أحسنت! أحسنت!» لأن صداقة هذا العالم زنى عنك؛ و«أحسنت! أحسنت!» يظل يتردد حتى يستحيي المرء ألا يكون رجلا على هذا النحو. ولم أبك لهذا كله، أنا الذي بكيت ديدو القتيلة، وهي «تطلب بالسيف ضربة وجرحا قاضيا»، وأنا في أثناء ذلك أطلب قضاء أسوأ، أدنى خلائقك وأسفلها، وقد تركتك، أرضا ماضية إلى الأرض. وإن منعت من قراءة هذا كله، حزنت لأني لا أستطيع أن أقرأ ما يحزنني. وجنون كهذا يعد علما أرفع وأغنى من ذاك الذي تعلمت به القراءة والكتابة.

ولكن الآن يا إلهي، اصرخ أنت عاليا في نفسي؛ وليقل لي حقك: «ليس كذلك، ليس كذلك. ذاك الدرس الأول كان أفضل بكثير.» فهوذا أنا أنسى طوعا تيهان إينياس وسائر ذلك كله، ولا أنسى كيف أقرأ وأكتب. ولكن على مدخل مدرسة النحو ستر مسدل! صحيح؛ غير أنه ليس رمزا لسر خفي بقدر ما هو غطاء للضلال. فلا يصخب علي أولئك الذين لم أعد أخشاهم، وأنا أعترف لك يا إلهي بكل ما تريده نفسي، وأرضى بالحكم على طرقي الشريرة، لكي أحب طرقك الصالحة. ولا يصخب علي باعة علم النحو ولا مشتروه. فإني إن سألتهم أصحيح أن إينياس جاء يوما إلى قرطاج، كما يروي الشاعر، أجاب الأقل علما بأنهم لا يعلمون، والأكثر علما بأنه لم يأت قط. ولكن إن سألت بأي حروف يكتب اسم «إينياس»، أجابني كل من تعلم ذلك جوابا صحيحا، بحسب العلامات التي اصطلح عليها الناس. وإن سألت أيضا: أيهما يمكن نسيانه بأقل ضرر لشؤون الحياة، القراءة والكتابة أم هذه الأقاصيص الشعرية؟ فمن لا يرى مسبقا بماذا يجيب كل من لم ينس نفسه تماما؟ إذن فقد أخطأت حين كنت صبيا أوثر تلك الدروس الفارغة على هذه الأنفع، أو بالأحرى أحب تلك وأكره هذه. «واحد وواحد اثنان»؛ «اثنان واثنان أربعة»؛ هذه كانت عندي ترنيمة رتيبة بغيضة: أما «الحصان الخشبي المحشو بالرجال المسلحين»، و«حريق طروادة»، و«طيف كريوسا وصورتها الحزينة»، فكانت المشهد المختار لبطلي.

الفصل الرابع عشر

فلماذا إذن كرهت الآداب اليونانية، وفيها مثل هذه الحكايات؟ فهوميروس أيضا نسج بمهارة مثل هذه الأقاصيص، وهو في غاية العذوبة وفي غاية البطل، ومع ذلك كان مرا في ذوقي وأنا صبي. وهكذا أظن فيرجيليوس سيكون عند صبيان اليونان، إذا أكرهوا على تعلمه كما أكرهت أنا على هوميروس. إنها الصعوبة، في الحقيقة، صعوبة لغة أجنبية، هي التي مزجت، إن صح القول، بالمرارة كل حلاوة الأساطير اليونانية. فلم أكن أفهم منها كلمة واحدة، ولكي أفهم كنت أحث بعنف بتهديدات وعقوبات قاسية. وقد كان وقت (وأنا طفل) لم أكن أعرف فيه اللاتينية أيضا؛ ولكني تعلمتها بلا خوف ولا عذاب، بمجرد الملاحظة، بين ملاطفات مرضعاتي ومزاح الأصدقاء، وهم يبتسمون ويشجعونني لاهين. تعلمت هذا بلا ضغط عقوبة يسوقني، لأن قلبي كان يحثني على أن يلد ما يحبل به، وما كنت أقدر على ذلك إلا بتعلم الكلمات، لا ممن يعلمون، بل ممن يتحدثون معي؛ وفي آذانهم أيضا كنت ألد أفكاري، أيا كان ما أحبل به. فلا شك إذن أن الفضول الحر أقوى أثرا في تعلمنا هذه الأمور من الإكراه المخيف. غير أن هذا الإكراه يكبح شطحات تلك الحرية، بنواميسك يا إلهي، نواميسك التي، من عصا المعلم إلى محن الشهيد، تقدر أن تمزج لنا مرارة نافعة، تردنا إليك من تلك اللذة المهلكة التي تستدرجنا بعيدا عنك.

الفصل الخامس عشر

اسمع يا رب صلاتي؛ لا تدع نفسي تخور تحت تأديبك، ولا تدعني أخور في الاعتراف لك بكل مراحمك، التي بها انتشلتني من كل طرقي الشديدة الشر، لكي تصير لي بهجة فوق كل المغريات التي كنت أسعى وراءها يوما؛ لكي أحبك بكل كياني، وأتمسك بيدك بكل عواطفي، وتنقذني بعد من كل تجربة، حتى المنتهى. فهوذا يا رب، يا ملكي وإلهي، لتكن لخدمتك كل نافعة تعلمتها في صباي؛ لخدمتك أن أتكلم، وأكتب، وأقرأ، وأحسب. فإنك منحتني تأديبك وأنا أتعلم الأباطيل؛ وخطيئتي في التلذذ بتلك الأباطيل قد غفرتها. لقد تعلمت فيها حقا كثيرا من الكلمات النافعة، ولكن هذه يمكن أن تتعلم أيضا في أمور غير باطلة؛ وذلك هو الطريق الآمن لخطى الشباب.

الفصل السادس عشر

ولكن ويل لك أيها السيل الجارف من العادة البشرية! من يقف في وجهك؟ إلى متى لا تجف؟ إلى متى تدحرج بني حواء إلى ذلك المحيط الهائل الرهيب، الذي بالكاد يعبره حتى الذين يرتقون الصليب؟ ألم أقرأ فيك عن جوبيتر المرعد والزاني؟ ولم يكن ممكنا بلا شك أن يكون الاثنين معا؛ ولكن هكذا صور ليكون الرعد المزعوم ستارا للزنى الحقيقي وقوادا له. والآن من من معلمينا المتسربلين بالأردية يصغي بأذن رصينة إلى واحد من مدرستهم نفسها يصرخ: «هذه أقاصيص هوميروس، ينقل الأمور البشرية إلى الآلهة؛ ليته أنزل الأمور الإلهية إلينا!» ولكنه كان يقول أصدق لو قال: «هذه أقاصيصه حقا؛ ولكنه ينسب طبيعة إلهية إلى أناس أشرار، لكي لا تحسب الجرائم جرائم، ولكي يبدو من يرتكبها مقتديا لا بأناس فاسدين، بل بالآلهة السماويين.»

ومع ذلك، أيها السيل الجهنمي، يلقى فيك بنو البشر بمكافآت جزيلة، لكي ينالوا مثل هذا العلم؛ ويقام لذلك احتفال عظيم، حين يجري هذا في الساحة العامة، على مرأى من القوانين التي تفرض راتبا فوق أجور التلاميذ؛ وأنت تضرب صخورك وتهدر: «من هنا تتعلم الكلمات؛ من هنا الفصاحة؛ وهي ألزم ما تكون لبلوغ مآربكم، أو للدفاع عن آرائكم.» كأننا ما كنا لنعرف قط كلمات مثل «مطر ذهبي»، و«حجر»، و«خداع»، و«هياكل السماوات»، أو غيرها مما في ذلك المقطع، لولا أن ترنتيوس أظهر على المسرح شابا فاجرا، يتخذ جوبيتر قدوة له في الإغواء.

«ناظرا إلى صورة رسمت فيها الحكاية،

عن جوبيتر نازلا في مطر ذهبي

إلى حجر داناي ليخدع امرأة.»

ثم انظر كيف يهيج نفسه إلى الشهوة كأنما بسلطان سماوي:

«وأي إله؟ جوبيتر العظيم،

الذي يزلزل أعلى هياكل السماء برعده،

وأنا، الإنسان الفاني المسكين، لا أفعل مثله!

لقد فعلتها، وبكل قلبي فعلتها.»

ليست الكلمات أسهل تعلما قيد شعرة بسبب كل هذه الدناءة؛ ولكن بواسطتها ترتكب الدناءة بخجل أقل. لا أني ألوم الكلمات، فهي، إن صح القول، آنية مختارة ثمينة؛ بل ألوم خمر الضلال الذي يسقيناه فيها معلمون سكارى؛ وإن لم نشرب نحن أيضا ضربنا، ولم يكن لنا قاض رصين نرفع إليه أمرنا. ومع ذلك يا إلهي (يا من في حضرتك أستطيع الآن أن أذكر هذا بلا أذى)، لقد تعلمت هذا كله، لسوء حظي، طوعا وبلذة عظيمة، ولأجله قيل عني إني صبي واعد.

الفصل السابع عشر

احتملني يا إلهي وأنا أقول شيئا عن فطنتي، عطيتك، وفي أي سخافات بددتها. فقد كلفت بمهمة مزعجة لنفسي بما فيه الكفاية، على شرط المديح أو الخزي، وخوف الجلد، أن أنطق بكلمات يونو وهي تهتاج وتنوح لأنها لم تستطع

«أن تصرف أمير طروادة هذا عن لاتيوم.»

وهي كلمات كنت قد سمعت أن يونو لم تنطق بها قط؛ ولكننا كنا مكرهين على أن نضل في آثار هذه الأقاصيص الشعرية، وأن نقول نثرا نحو ما عبر عنه الشاعر شعرا. وكان أكثر من يصفق لكلامه من برزت فيه عواطف الغضب والحزن أكثر من غيره، وكسيت بأنسب الألفاظ، محافظا على هيبة الشخصية. ماذا يعنيني يا حياتي الحقيقية، يا إلهي، أن خطابتي نالت من التصفيق أكثر مما نال كثيرون من أقراني وأترابي؟ أليس هذا كله دخانا وريحا؟ ألم يكن هناك شيء آخر أروض فيه فطنتي ولساني؟ إن تسابيحك يا رب، تسابيحك، كانت قادرة أن تسند غصن قلبي الغض بدعامة كتبك المقدسة؛ فما كان ليزحف ضائعا بين هذه التوافه الفارغة، فريسة مدنسة لطيور السماء. فإن الناس يذبحون للملائكة المتمردين بأكثر من طريقة.

الفصل الثامن عشر

ولكن أي عجب أن أنجرف هكذا إلى الأباطيل، وأن أخرج من حضرتك يا إلهي، وقد وضع أمامي قدوة رجال، إن رووا عملا لهم، ليس في ذاته سيئا، فارتكبوا فيه لحنا أو خطأ لغويا، وليموا عليه، خجلوا؛ أما إن رووا حياتهم الفاسدة بكلام غني مزخرف حسن الترتيب، فمدحوا، افتخروا؟ هذه الأمور تراها يا رب وتسكت؛ طويل الأناة، وكثير الرحمة والحق. أتسكت إلى الأبد؟ وها أنت حتى الآن تنتشل من هذه الهاوية الرهيبة النفس التي تطلبك، والتي تعطش إلى مسراتك، والتي يقول لك قلبها: قد طلبت وجهك؛ وجهك يا رب أطلب. فالعواطف المظلمة هي البعد عنك. فليس بأقدامنا، ولا بتغيير المكان، يترك الناس إياك أو يعودون إليك. أوكان ابنك الأصغر ذاك يبحث عن خيل أو مركبات أو سفن، أو طار بأجنحة منظورة، أو سافر بحركة أعضائه، لكي يبذر في كورة بعيدة بعيش مسرف كل ما أعطيته عند رحيله؟ أب محب حين أعطيت، وأكثر محبة له حين عاد فارغا. فإذن في العواطف الشهوانية، أي المظلمة، يكمن البعد الحقيقي عن وجهك.

انظر أيها الرب الإله، نعم انظر بصبر كعادتك، كيف يراعي بنو البشر بعناية القواعد المصطلح عليها للحروف والمقاطع، التي تلقوها ممن تكلموا قبلهم، مهملين العهد الأبدي للخلاص الدائم الذي تلقوه منك. حتى إن معلما أو متعلما لقوانين النطق الموروثة يسيء إلى الناس أكثر إن نطق، خلافا لقوانين النحو، بلا همزة فقال «نسان»، مما لو أبغض، وهو «إنسان»، «إنسانا» خلافا لقوانينك. كأن عدوا يمكن أن يكون أشد أذى من البغضة التي يلتهب بها ضده؛ أو كأنه يقدر أن يجرح من يضطهده جرحا أعمق مما يجرح هو نفسه بعداوته. حقا لا يمكن لعلم من علوم الحروف أن يكون أعمق رسوخا في الفطرة من سجل الضمير، «أنه يفعل بغيره ما يكره أن يقاسيه من غيره.» ما أعمق طرقك يا الله، أنت وحدك العظيم، الجالس في الأعالي صامتا، والموزع بناموس لا يكل عمى عقابيا على الشهوات الخارجة عن الناموس. إن إنسانا في طلب شهرة الفصاحة، واقفا أمام قاض بشري، يحيط به جمع بشري، يخطب ضد عدوه بأشد البغضة، يحترس أشد الاحتراس لئلا يقتل، بزلة لسان، كلمة «إنسان»؛ ولكنه لا يحترس لئلا يقتل، بهياج روحه، الإنسان الحقيقي.

هذا هو العالم الذي كنت، أنا الشقي، ملقى على بابه في صباي؛ هذا هو المسرح الذي كنت أخشى فيه أن أرتكب لحنا أكثر مما كنت أخشى، إن ارتكبته، أن أحسد من لم يرتكبوه. هذه الأمور أقولها وأعترف بها لك يا إلهي؛ الأمور التي نلت بها المديح من أولئك الذين كنت حينئذ أحسب إرضاءهم الفضيلة كلها. فلم أكن أرى هاوية الدناءة التي طرحت فيها بعيدا عن عينيك. فأمامهم، أي شيء كان أقبح مني، وقد صرت أسخط حتى أمثالي؟ خادعا بأكاذيب لا تحصى مؤدبي ومعلمي ووالدي، حبا في اللعب، وتلهفا على رؤية العروض الباطلة، وتوقا قلقا إلى تقليدها! وارتكبت السرقات أيضا من مخزن والدي ومائدتهما، مستعبدا للشراهة، أو لكي يكون لي ما أعطيه للصبيان الذين كانوا يبيعونني لعبهم، الذي كانوا يحبونه في الوقت نفسه ليس أقل مني. وفي هذا اللعب أيضا كثيرا ما طلبت انتصارات غير عادلة، مغلوبا أنا نفسي في أثناء ذلك بشهوة باطلة للتفوق. وأي شيء كنت أعجز عن احتماله، أو كنت أوبخ عليه بأشد عنف متى كشفته، مثل ما كنت أفعله أنا بالآخرين؟ وإن كشفت فوبخت عليه، آثرت أن أشاجر على أن أذعن. أهذه براءة الصبا؟ ليس كذلك يا رب، ليس كذلك؛ أستغيث برحمتك يا إلهي. فإن هذه الخطايا عينها، إذ تتعاقب سنو النضج، هذه الخطايا عينها تنتقل من المؤدبين والمعلمين، ومن الجوز والكرات والعصافير، إلى الحكام والملوك، إلى الذهب والضياع والعبيد، كما تحل العقوبات الأشد محل العصا. فقصر قامة الطفولة إذن هو الذي مدحته أنت يا ملكنا رمزا للتواضع، حين قلت: لأن لمثل هؤلاء ملكوت السماوات.

ومع ذلك يا رب، لك أنت، خالق الكون ومدبره، الأفضل والأصلح، كان الشكر واجبا لك يا إلهنا، ولو لم تقدر لي إلا الصبا وحده. فإني حتى حينئذ كنت موجودا، وكنت أحيا وأحس؛ وكانت لي عناية مغروسة بسلامتي—أثر من تلك الوحدانية الخفية التي منها استمددت؛ وكنت أحرس بالحس الباطن سلامة حواسي، وفي هذه المساعي الصغيرة، وفي أفكاري عن الأمور الصغيرة، تعلمت أن أبتهج بالحق، وكرهت أن أخدع، وكانت لي ذاكرة قوية، ووهبت النطق، وكانت الصداقة تسليني، وتجنبت الألم والدناءة والجهل. ففي مخلوق صغير كهذا، أي شيء لم يكن عجيبا، لم يكن جديرا بالإعجاب؟ ولكنها جميعا عطايا إلهي: لست أنا من وهبها لنفسي؛ وهي صالحة، وهي معا أنا نفسي. إذن فصالح هو الذي صنعني، وهو خيري؛ وأمامه أبتهج من أجل كل خير كان لي وأنا صبي. فقد كانت خطيئتي أني لا فيه، بل في خلائقه—نفسي وغيري—طلبت اللذات والرفعة والحقائق، فسقطت هكذا متهورا في الأحزان والاضطرابات والضلالات. الشكر لك يا فرحي ومجدي وثقتي، يا إلهي، الشكر لك على عطاياك؛ ولكن احفظها أنت لي. فهكذا تحفظني أنا، وتنمو وتكمل تلك الأشياء التي وهبتها لي، وأكون أنا نفسي معك، إذ حتى أن أكون قد وهبته لي أنت.

اكتمل الفصل 1

الكتاب الأول

صفحة 1 / 1 · 26 دقيقة متبقية في الفصل