كلّ الأشياء للخير ·في قصد الله

فصل 11 · قراءة 4 د

ترجمة بالذكاء الاصطناعي — في انتظار مراجعة ناطق أصلي

في قصد الله

١. قصدُ الله هو سببُ الخلاص.

الأمرُ الثالث والأخير في النصّ، الذي سألمحُ إليه لمحةً موجزة فقط، هو أساسُ دعوتنا الفعّالة وأصلُها، في هذه الكلمات: “حسب قصده” (أفسس ١: ١١). يُترجمها أنسلم: بحسب مشيئته الصالحة. ويقرأها بطرس مارتير: بحسب قضائه. هذا القصدُ، أو قضاءُ الله، هو ينبوعُ بركاتنا الروحية. وهو العلّةُ المُحرِّكة لدعوتنا وتبريرنا وتمجيدنا. وهو أعلى حلقةٍ في سلسلة الخلاص الذهبية. فما السببُ في أن يُدعى إنسانٌ دون آخر؟ إنه من قصد الله الأزلي. قضاءُ الله هو الصوتُ الفاصل في خلاص الإنسان.

فلنَنسُبْ إذن عملَ النعمة كلَّه إلى مسرّة مشيئة الله. لم يَخترْنا الله لأننا كنّا مُستحقّين، بل باختياره لنا يجعلنا مُستحقّين. المتكبّرون مَيّالون إلى أن ينسبوا لأنفسهم أكثرَ ممّا ينبغي، مُشارِكين اللهَ في ذلك. وبينما يصرخ كثيرون ضدّ تدنيس مُقدّسات الكنيسة، هُم في الوقت نفسه مُذنبون بتدنيسٍ أعظمَ بكثير، إذ يسلبون الله مجدَه، حين يذهبون ليضعوا تاجَ الخلاص على رؤوسهم. لكن علينا أن نُرجِع كلَّ شيء إلى قصد الله. علاماتُ الخلاص هي في القدّيسين، أما سببُ الخلاص فهو في الله.

إنْ كان قصدُ الله هو ما يُخلّص، فليست إذن الإرادةُ الحرّة. وهكذا فالبيلاجيون مُتحمّسون في تأكيد الإرادة الحرّة. يقولون لنا إنّ للإنسان قدرةً فطريّة على إتمام ارتداده بنفسه؛ لكنّ هذا النصّ يدحض ذلك. فدعوتُنا هي “حسب قصد الله.” الكتابُ المقدس يقتلع جذرَ الإرادة الحرّة. “ليس لِمَن يشاء” (رومية ٩: ١٦). فالكلُّ يتوقّف على قصد الله. حين يُحكَم على السجين أمام المِنبر، فلا سبيلَ لخلاصه، ما لم يكن للملك قصدٌ أن يُخلّصه. قصدُ الله هو امتيازُه الملكيّ.

إنْ كان قصدُ الله هو ما يُخلّص، فليس إذن الاستحقاقُ بالأعمال. يرى بلّارمينوس أنّ الأعمال الصالحة تُكفّر عن الخطية وتستحقّ المجد؛ لكنّ النصّ يقول إننا مدعوّون بحسب قصد الله، وثمّة نصٌّ موازٍ: “الذي خلّصنا ودعانا، لا بمقتضى أعمالنا، بل بمقتضى قصده ونعمته” (٢ تيموثاوس ١: ٩). فلا وجودَ لشيءٍ اسمُه استحقاق. فأفضلُ أعمالنا فيها نقصٌ وفساد، فما هي إلا خطايا برّاقة؛ لذلك إنْ دُعينا وتبرّرنا، فقصدُ الله هو ما أتى بذلك.

اعتراض. لكنّ الباباويين يستشهدون بذلك الكتاب للاستحقاق: “وأخيراً قد وُضِع لي إكليلُ البرّ، الذي يهبُه لي في ذلك اليوم الربُّ الديّانُ العادل” (٢ تيموثاوس ٤: ٨). وهذا هو مضمون حُجّتهم: إنْ كان اللهُ يُكافئ أعمالَنا بالعدل، فهي إذن تستحقّ الخلاص.

جواب. على هذا أُجيب: إنّ اللهَ يُعطي المكافأةَ بوصفه قاضياً عادلاً، لا لاستحقاق أعمالنا، بل لاستحقاق المسيح. فاللهُ بوصفه قاضياً عادلاً يُكافئنا، لا لأننا استحققنا، بل لأنه وعد. لله محكمتان: محكمةُ رحمةٍ ومحكمةُ عدل: فالربُّ يُدين في محكمة العدل تلك الأعمالَ التي يُكلّلها في محكمة الرحمة. فالذي يحمل الأثرَ الأكبرَ في خلاصنا هو قصدُ الله.

وأيضاً، إنْ كان قصدُ الله هو ينبوعَ السعادة، فلسنا إذن مُخلَّصين بإيمانٍ مُتَوَقَّعٍ مُسبَقاً. فمن العبث أن نظنّ أنّ شيئاً فينا قد يكون له أدنى تأثيرٍ على اختيارنا. يقول بعضهم إنّ الله سبقَ فرأى أنّ أشخاصاً كهؤلاء سيؤمنون، ولذلك اختارهم؛ فيجعلون أمرَ الخلاص مُتوقّفاً على شيءٍ فينا. مع أنّ الله لا يختارنا لأجل الإيمان، بل إلى الإيمان. “اختارنا لنكون قدّيسين” (أفسس ١: ٤)، لا لأننا سنكون قدّيسين، بل لكي نكون قدّيسين. فنحن مُنتَخَبون للقداسة، لا بسببها. فماذا عساه الله يرى فينا سِوى النجاسة والتمرّد! فإنْ خلُص إنسانٌ، فذلك حسب قصد الله.

سؤال. كيف نعرف أنّ لله قصداً أن يُخلّصنا؟

جواب. بأن نُدعى دعوةً فعّالة. “اجتهدوا أن تجعلوا دعوتَكم واختيارَكم ثابتَين” (٢ بطرس ١: ١٠). فنحن نجعل اختيارَنا ثابتاً بأن نجعل دعوتنا ثابتة. “اختاركم اللهُ للخلاص بتقديس” (٢ تسالونيكي ٢: ١٣). فبالجدول نصل أخيراً إلى الينبوع. فإنْ وجدنا جدولَ التقديس يجري في نفوسنا، فقد نصل بهذا إلى ينبوع الاختيار. فحين لا يستطيع الإنسانُ أن يرفع نظرَه إلى السماء، فقد يعرف أنّ القمر هناك برؤيته يُشرق على الماء: كذلك، مع أنّي لا أستطيع أن أنظر إلى سرّ قصد الله، إلا أنّي قد أعرف أنّي مُنتَخَب، بإشراق نعمة التقديس في نفسي. وكلُّ من يجد كلمةَ الله مكتوبةً منسوخةً في قلبه، فله أن يستنتج اختيارَه استنتاجاً لا يُدحَض.

٢. قصدُ الله هو أساسُ اليقين.

وههنا إكسيرٌ فائقٌ من العزاء الذي لا يُوصَف للذين هم مدعوّو الله. فخلاصُهم يستند إلى قصد الله. “أساسُ الله الراسخُ ثابتٌ، إذ له هذا الخاتم: يعلمُ الربُّ الذين هم له. وليتجنّبِ الإثمَ كلُّ مَن يُسمّي اسمَ المسيح” (٢ تيموثاوس ٢: ١٩). نعمُنا ناقصة، وتعزياتُنا تمدّ وتجزر، أما أساسُ الله فثابت. والذين بُنوا على صخرة قصد الله الأزليّ، لا داعيَ لأن يخافوا السقوط؛ فلن تقدر قوّةُ إنسانٍ، ولا عنفُ التجربة، أن تقلبهم أبداً.

(نُشِر هذا العمل أوّلَ مرّة عام ١٦٦٣. وعند إعداد هذه الطبعة رُئِيَ من المُستحسَن تغييرُ التعابير والترقيم المُتقادِمة، وهي تصحيحاتٌ لا شكّ أنّ المؤلّف نفسَه كان سيُقرّها لو كان حيّاً.

ت. إ. واطسون.

تمّت.

كلّ الأشياء للخير Thomas Watson

صفحة 1 / 1 · 4 دقيقة متبقية في الفصل