النص
أعمال الرسل 1:8؛ أعمال الرسل 5:32
باختصار
أن تكون شاهدًا، كما تؤكّد بوث، ليس أن تدافع عن قضيّة بالحجج، بل أن تشهد بما رأيته واختبرته؛ والكنيسة التي كفّت عن الشهادة تكون في الغالب قد كفّت عن الاختبار. وهي تضع أمام كلّ مؤمن، متعلّمًا كان أو أمّيًّا، الواجب البسيط نفسه: أن يخبر بما صنعه الربّ لنفسه.
مرّةً بعد مرّة تُمنح الدعوة نفسها والتكليف نفسه للرسل والتلاميذ. وإلى أقاصي الأرض وإلى نهاية الزمان ينحدر هذا التكليف إلى كلّ واحد من خاصّة الربّ، لأنّه يقول: «ٱذْهَبُوا إِلَى ٱلْعَالَمِ أَجْمَعَ وَٱكْرِزُوا بِٱلْإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا»؛ «وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ ٱلْأَيَّامِ إِلَى ٱنْقِضَاءِ ٱلدَّهْرِ». وهذا يشملنا نحن. ولكلّ تلميذ سبقنا أو سيأتي بعدنا وُعد بحضوره الإلهي في هذا العمل المجيد، عمل الشهادة له.
إنّ الله يحتاج إلى شهود في هذا العالم.
لماذا؟ لأنّ العالم كلّه في ثورة عليه. لقد ابتعد العالم عن الله. العالم يتجاهل الله، وينكر شهادته ويناقضها، ويسيء فهم صفاته وحكمه ومقاصده، وقد مضى في ثورة وتمرّد شاملين كاملين. فإن كان لله أن يحتفظ بأيّ صلة بالإنسان على الإطلاق، وأن يكون له أيّ تأثير فيه، فلا بدّ أن يكون له من يمثّله هنا في الأسفل. لم يكن هناك طريق آخر. لو كانت ولاية من ولايات هذه المملكة في فوضى وعصيان، ولم يكن فيها أشخاص واجبهم أن يمثّلوا الملكة وحكومتها، لانفلتت تمامًا وضاعت من المملكة إلى الأبد. وهكذا لا بدّ أن يكون لله من يمثّله، وله الحمد، فقد كان له شهوده الأمناء منذ البدء إلى الآن. وكما يقول الرسول: «لَمْ يَتْرُكْ نَفْسَهُ بِلَا شَاهِدٍ». فمنذ أيّام أخنوخ الذي سار مع الله إلى هذه الساعة الحاضرة، كان لله دائمًا شهوده الصادقون الأمناء. وفي أسوأ الأزمنة كانت هناك سُرج موقدة ومنيرة. أحيانًا قليلة ومتباعدة، وأحيانًا، كنوح، رجل واحد منفرد في جيل كامل من البشر يشهد لله، ولكن كان هناك واحد على الأقلّ. لم يترك الله نفسه بلا شاهد.
ولكنّ يسوع المسيح الابن، حبيب الآب، كان هو الشاهد العظيم. لقد جاء خصّيصًا ليُظهر الآب للناس، ويشهد له، ويعلنه. هذا كان عمله العظيم. لم يأتِ ليشهد لنفسه بل لأبيه، ولا ليتكلّم بكلامه هو بل بالكلام الذي أعطاه أبوه أن يتكلّم به. جاء ليعلن الله للناس. كان هو «ٱلشَّاهِدُ ٱلْأَمِينُ ٱلصَّادِقُ». وحين كان عليه أن يترك العالم ويرجع إلى أبيه، كلّف تلاميذه أن يأخذوا مكانه وأن يكونوا شهود الله على الأرض. آه أيّها الأصدقاء، إنّ شعب الله الحقيقي هم شهوده الوحيدون. إنّه لا يسمح للملائكة، ولا ندري لماذا، أن يشهدوا له هنا. لقد دعا الإنسان ليشهد له، دعا شعبه: «وَتَكُونُونَ لِي شُهُودًا».
لقد شهد يسوع «بِٱلِٱعْتِرَافِ ٱلْحَسَنِ»، أليس كذلك؟ شهد لأبيه شهادة نبيلة، ثابتة، شجاعة، وختم شهادته بدمه. وعامله العالم كما عامل معظم شهود الله الأمناء منذ البدء: اضطهده وقتله، كما كان سيقتل كلّ شاهد أمين لله لو سمح الله بذلك، ولترك نفسه بلا نور روحي واحد، لأنّ الروح الذي يعمل في أبناء المعصية يحمل بغضة أبدية شيطانية لكلّ ابن حقيقي حيّ روحي لله. إنّه يبغضه كما أبغض الابن نفسه، وليس ذنب إبليس إن لم يُطفئ كلّ شاهد كهذا ويستأصله. بل ذلك لأنّ الله لا يسمح له، بل يمسكنا ويحفظنا ويخلّصنا رغمًا عنه.
إذن كلّف الربّ تلاميذه أن يكونوا شهوده، وقال، وما أجملها من كلمات، ومع ذلك ما أكثر ما تتضمّنه ممّا لا يفهمه إلّا القليلون: «كَمَا أَرْسَلْتَنِي إِلَى ٱلْعَالَمِ أَرْسَلْتُهُمْ أَنَا إِلَى ٱلْعَالَمِ». «كما»: كما أرسلتني لأكون ممثّلك في العالم، لأُنفق وأُنفَق من أجلك، وأسفك دمي من أجلك إن لزم الأمر، هكذا أرسلهم أنا. وهكذا أرسلهم فعلًا، ونالوا النصيب نفسه الذي ناله سيّدهم، ولقي كثيرون منهم النهاية نفسها. ولكنّهم كانوا شهودًا أمناء، فمضوا وشهدوا في كلّ مكان، لليهود وللأمم، في الهيكل وفي السوق، على قارعة الطريق وفي الطرق والسياجات؛ مضوا يشهدون لهذا المخلّص، وواجهوا اليهود الأشرار بأنّهم صلبوه، ورافق الله شهادتهم بالروح، فتجدّد ألوف فوق ألوف، ورجعوا من تمرّدهم إلى الله.
إنّ مجرّد كون الشهادة ضرورية يدلّ على أنّ هناك نزاعًا قائمًا في العالم بشأن أمور الله ودعاواه، وأنّ للمسألة جانبين. فالسواد الأعظم من البشر يقولون إنّ حقّ الله كذب. يقولونه فعليًّا وإن لم يقولوه بالكلام؛ ويا للأسف، يقوله ألوف كثيرة منهم بالكلام أيضًا. كثيرون منهم ينكرون وجوده ذاته، ويقولون إنّه لا سماء ولا جحيم، وإنّ يسوع المسيح كان مجرّد إنسان، وإنّ الدين خرافة، وإنّه لا يوجد شيء اسمه معرفة غفران الخطايا، وإنّ هذه الشهادة كلّها وهم عظيم من أوهام الخيال لا أكثر.
والمسيح يدعو شعبه أن يذهبوا ويكونوا شهودًا لهذه الحقائق. والشهود، كما تعلمون، يتعاملون مع الحقائق لا مع النظريات؛ لا مع ما يظنّونه أو يفترضونه أو سمعوه فحسب، بل مع ما يعرفونه. والله يريد من شعبه أن يشهدوا لحقائق: لشيء قد صُنع ولا يزال يُصنع، لشيء هو حقيقة ولا يزال حقيقة.
ويريدنا أيضًا أن نكون شهودًا صالحين. آه، ما أعظم ما يتوقّف على سيرة الشاهد حتى في محكمة أرضية! إن استطعت أن تُلقي ظلًّا على سيرة الشاهد أو على صدقه، هززت شهادته وأسقطت قيمتها. آه، ما أهمّ أن يكون شهود المسيح شهودًا صالحين، أي أن يمثّلوه هو وحقّه تمثيلًا أمينًا صادقًا! فإن أساؤوا تمثيله، فلا بدّ أن يهلك أحدهم بسبب تناقضهم؛ ويا لهول أن يكون دم النفوس على أذيالنا! أن تسيء تمثيل رجل أو امرأة أو طفل أمر سيّئ بما فيه الكفاية، أمّا أن تسيء تمثيل الله! أن تعرض صورة مشوّهة لديانة يسوع المسيح! أن تحيا حياة خاطئة وتظلّ تعترف بأنّك مسيحي، قائلًا للناس فعليًّا: «انظروا إلي، إلى الطريقة التي أعيش بها وأتصرف، إلى ما أنا عليه: هذه هي ديانة يسوع المسيح». أقول إنّ مثل هذا الإنسان خير له كثيرًا أن يُعلَّق في عنقه حجر رحى ويُغرق في لجّة البحر. حينئذ ينتهي أذاه؛ أمّا الشاهد الكاذب باسم يسوع المسيح فهو أشدّ الخونة أذًى على وجه الأرض. إنّه يُحدث من الضرر أكثر ممّا يُحدثه ألف شاهد زور معادٍ له. آه يا أصدقائي، ليتنا نكون شهودًا صالحين ليسوع المسيح! وكلّما افتُرض أنّ الشاهد يعرف عن الحقّ الذي يشهد له أكثر، عظمت مسؤوليّته. آه، أن يكون خادم الكلمة شاهدًا رديئًا، كما كان بعض الأنبياء قديمًا! انظروا إلى الأمور المريعة التي يقولها الله عن الذين يقودون شعبه إلى الحفرة، ويهتمّون بالصوف أكثر من الخراف؛ أمر مريع! وأن تكون أمّ شاهدة رديئة في عائلتها، فتأخذ صغارها المتعلّقين بأذيالها إلى حافّة الهاوية! وأن يكون صاحب عمل شاهدًا رديئًا، يعترف بأنّه مسيحي ويكون شاهدًا رديئًا أمام عمّاله؛ وأن يكون معلّم مدرسة الأحد شاهدًا رديئًا متناقضًا كاذبًا ليسوع المسيح في صفّه؛ وأن يكون أعضاء الكنائس المسيحية شهودًا رديئين بعضهم لبعض وأمام العالم؛ فمن يستطيع أن يحصي العواقب المريعة؟ آه، إنّ هذه الشهادة المتناقضة هي التي أنزلت مستوى المسيحية العملية وأنزلته حتى لم يبقَ لنا مستوى على الإطلاق، وحتى انطمست المعالم فلم يعد يُرى منها شيء.
شهود أمناء! إنّه يريدنا أن نكون شهودًا أمناء.
أريد أن أشير إلى مؤهّل أو اثنين من مؤهّلات الشاهد الأمين، وليت الروح القدس يعيننا.
فالمؤهّل الأوّل للشاهد الأمين هو المعرفة الشخصية بالحقائق التي يشهد لها. إن بدأ شاهد في محكمة العدل يتكلّم عمّا يظنّه ويشعر به ويعتقده، قال القاضي: «صه، صه! لا نقبل هذا؛ نريد أن نعرف ما تعرفه أنت، ما رأيته وسمعته ولمسته في هذه القضية»؛ وهؤلاء هم نوع الشهود الذين يريدهم يسوع المسيح: الذين يستطيعون أن يقفوا ويقولوا: «أنا أعرف!» نوع الشاهد الذي كانه القدّيس بولس، الذي استطاع أن ينظر في وجه قاضيه ويقول: «ليتك تصير هكذا كما أنا، ما خلا هذه القيود». يا له من رجل وقح، لو لم يكن رجلًا مقدَّسًا! ويا له من معتدّ بنفسه إلى أقصى حدّ! هؤلاء هم نوع الشهود. ترى ماذا شعر أغريباس في تلك اللحظة؟ كيف انقلبت الأدوار! «آه! لقد صرت أنا في قفص الاتهام، وها السجين يجلس على منصة القضاء». هذا هو نوع الشهادة الذي نريده. «ليتك تصير هكذا كما أنا، ما خلا هذه القيود». هل تستطيع أن تقف في قفص الاتّهام وتقول هذا؟ هل تستطيع أن تقف في بيتك وتقوله؟ هل تستطيع أن تقف في أيّ مكان وتقوله؟ هذا ما يريده الربّ يسوع المسيح: أناس يعرفون ويختبرون ويدركون ويعيشون الأمور التي يشهدون لها. هذا ما يموت العالم شوقًا إليه: أناس يستطيعون أن يقفوا ويقولوا: «أنا أعرف». الربّ يريد أناسًا يخبرون العالم أنّهم مخلَّصون. هل تستطيع ذلك؟ حينئذ يبدؤون في الإصغاء إليك. وتبدأ أن يكون لك تأثير فيهم. ويبدؤون يفتحون عيونهم وآذانهم، ويتساءلون هل يمكن أن يخلّصهم الله هم أيضًا. وهذا يختلف تمامًا عن نظرية دقيقة منمّقة في الدين: أن تخبرهم أنّ الله قد خلّصك أنت. لا ما تعلّمناه من الكتب؛ فقد سئم العالم ذلك. لا أعجب من أنّ رجالًا أذكياء ينفرون من الدين. إنّي أجد لهم عذرًا كبيرًا حين أفكّر فيما يضطرّ كثيرون منهم أن يسمعوه من أحد إلى أحد. وكما قال لي أحد السادة: «إنه يكفي ليغثي أي إنسان. نحن نجد شيئا في صحيفة التايمز، أما في الكنيسة فأقسم لك إني لا أستطيع أن أبقى مستيقظا. ليس أني لا أريد لو استطعت، ولكني لا أستطيع». مسكين! كم أشفقت عليه!
لا! لا ما يُؤخذ من الكتب؛ ولا نظرية جافّة منمّقة منقولة بالسماع. حين يبدأ شاهد بما سمع أحدًا يقوله، يقول القاضي: «صه!» ثمّ يقول: «لا نريد هذا، نريد أن نعرف ما رأيته. التزم بالحقائق». ويسوع المسيح يريدك أن تلتزم بالحقائق. أخبرهم، كما يقول يوحنّا، بما رأيته وسمعته ولمسته وأدركته من حقّ الله. المعرفة الشخصية! عجيب كم هي بسيطة لغة الخلاص حين تتعلّمها بالاختبار وتكون مستعدًّا أن تكلّم الناس بوضوح.
ثمّ إنّ الشاهد الأمين يجب أن يقول الحقّ، والحقّ كلّه. لا يجوز له أن يحجب شيئًا بسبب إزعاج شخصي أو ألم أو خسارة أو ربح، بل يجب أن يقول الحقّ كلّه. آه، إنّي أرتعد حين أفكّر في المصير الذي ينتظر بعض من نصّبوا أنفسهم معلّمين، و«اختلسوا جزءا» من الحقّ لأنّه، في تقديرهم، لم يكن مستساغًا أو مربحًا للناس. ما شأني أنا بذلك؟ عليّ أن أكرز بالحقّ، الحقّ الجميل الكامل المستدير، الماسة المتلألئة بالنور الإلهي، لا تقليدًا زجاجيًّا رخيصًا موحلًا، أنصاف حقائق صُنعت منها ضلالات مُهلكة يستدرج بها الشيطان الألوف إلى الجحيم. أعطوا الناس الحقّ كلّه، بجانبيه: الجانب الذي يتعلّق بالله، والجانب الذي يتعلّق بالإنسان؛ وكفّوا عن هذا الهراء الذي يجعل الله يناقض نفسه، لأنّ «إِنَّ ٱللهَ نُورٌ وَلَيْسَ فِيهِ ظُلْمَةٌ ٱلْبَتَّةَ». لو كانت هناك تناقضات لكانت هناك ظلمة. كلّا، إنّ الظلمة في أدمغتنا المسكينة العمياء الضئيلة، لا في الله ولا في كتابه. ففي كتابه، إذا فُسّر تفسيرًا صحيحًا، لا يوجد أيّ تناقض على الإطلاق. الحقّ كلّه: الحقّ الذي يبكّت كما الحقّ الذي يشفي؛ السيف كما البلسم؛ غرز السكّين الإلهية كما سكب الزيت الإلهي. وكما يقول بولس في الأصحاح السادس والعشرين، العدد الثامن عشر: «لِتَفْتَحَ عُيُونَهُمْ كَيْ يَرْجِعُوا مِنْ ظُلُمَاتٍ إِلَى نُورٍ، وَمِنْ سُلْطَانِ ٱلشَّيْطَانِ إِلَى ٱللهِ، حَتَّى يَنَالُوا بِٱلْإِيمَانِ بِي غُفْرَانَ ٱلْخَطَايَا». ويقول إنّه كرز لليهود والأمم «أَنْ يَتُوبُوا». هذا هو الرسول بولس، الشارح العظيم للتبرير بالإيمان: «أَنْ يَتُوبُوا»، ثمّ ماذا؟ آه يا بولس الناموسي، ماذا؟ «عَامِلِينَ أَعْمَالًا تَلِيقُ بِٱلتَّوْبَةِ». آه يا بولس، ظننتك قد خلصت من الأعمال خلاصًا تامًّا وفرغت من الناموس. آه! أنت تكرز بالأعمال، وبعمل أعمال تليق بالتوبة. هذا ليس إنجيلًا يا بولس! ثمّ يضيف بمغزى عميق: «مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَمْسَكَنِي ٱلْيَهُودُ فِي ٱلْهَيْكَلِ وَشَرَعُوا فِي قَتْلِي». ومن أجل ذلك ما زال الفرّيسيون منذ ذلك الحين يحاولون قتل شهود الله الصادقين، شهود الحقّ الكامل، لأنّهم لا يحبّون التعليم الذي يشطر الأوثان والخطيّة شطرين، والذي يقول: «فَٱصْنَعُوا أَثْمَارًا تَلِيقُ بِٱلتَّوْبَةِ».
يجب على الشاهد الأمين أن يقدّم الحقّ كلّه، ويجب أن يقدّمه بنفسه أيضًا. الشاهد الأمين يجب أن يؤدّي الشهادة بشخصه. لا يستطيع أن يشهد بالوكالة. قد يدفع أجور مئة وخمسين مبشّرًا ليذهبوا ويشهدوا عنه: هذا حسن تمامًا. وليس أكثر ممّا ينبغي أن يفعله، بل مئتين وخمسين إن كان له من المال ما يكفي، لأنّ السيّد يطالب بكلّ ما له، قليلًا كان أو كثيرًا، حتى آخر فلس منه، مهما كان عدد الوعّاظ الذين يرسلهم ويعولهم.
لذلك لا يستطيع أبدًا أن يعمل أكثر ممّا ينبغي، ولكنّ ذلك لن يعفيه من الالتزام الشخصي. سيقول له الله: إن كنت قد وضعت سراجي فيك، فذلك لكي يضيء لخير غيرك. وإن كنت قد أعطيتك خبز الحياة، فعليك أن تذهب وتكسره للجموع الجائعة من حولك. أنتم شهودي. قد تدفع للقسّ وللمرسَل، ولكن يجب أن تشهد أنت بنفسك أيضًا، إذ كيف يعوّض شاهد واحد عن اثنين؟ صحيح أنّ الله يريد من القسّ أن يشهد، وليس ذلك أكثر من واجبه لو شهد اليوم كلّه ما دام حيًّا. ولكنّ ذلك لن يعوّض أبدًا عن تقصيرك في الخدمة. أنت يجب أن تشهد؛ فهناك نفوس لك عليها تأثير أكثر من أيّ كائن حيّ آخر، نفوس تستطيع أن تصل إليها أفضل من أيّ شخص آخر، نفوس إن لم تخلّصها أنت فالأرجح أنّها لن تخلُص أبدًا. أنتم شهودي، وإن كانت لكم نعمة الله ومحبّته ونوره، فإنّكم تخاطرون بنفوسكم إن أخفيتموها.
ثمّ، في الموضع التالي، يجب على الشهود الأمناء أن يتكلّموا بصوت جهير، لا أن يلطّفوا الأمر، ولا أن «يغمغموا» كما يقولون في المحكمة. فالقاضي يُلزم الشاهد أن يرفع صوته ليسمعه الجميع. يجب أن يُسمع. «تكلم بصوت عال». ولماذا لا يتكلّم شهود الربّ بصوت جهير؟ ليت شعري متى نفرغ من هذه الديانة المتسلّلة الخجولة التي تختبئ في الزوايا! ليت شعري متى تكفّ إنكلترا المسيحية عن الخجل بإلهها!! إنّ الأمّة الوحيدة تحت السماء التي تخجل بدينها وبإلهها هي الأمّة التي عندها الإله الحقّ لتعبده وتحبّه. يا للمفارقة! تكلّموا بصوت جهير!!
لم يكن داود يعرف شيئًا عن هذه الديانة المائعة، المنقسمة بين هذا وذاك، الممزوجة بالماء. كان داود يفرح بأن يخبر ببرّه في الجماعة العظيمة. كان دائمًا يحدّث عن صلاحه وعن ناموسه، ويرنّم بذلك اليوم كلّه، ويرقص أحيانًا أمام التابوت، ويعمل كلّ أنواع الأعمال الظاهرة ليمجّد إلهه. ولم يكن ذلك كافيًا، فبعد أن دعا الجنس البشري كلّه ليسبّحه، دعا التلال والأشجار لتصفّق بأيديها وترقص فرحًا. نحن نحتاج إلى شيء من هذا النوع من الديانة في أيّامنا هذه. يتكلّمون عن التدبير الجديد؛ أمّا أنا فليتنا نستعيد قليلًا من القديم!
إنّ مصلحة الحقّ تتطلّب هذه الصراحة. كيف يُواجَه الضلال إلّا بالمناداة الجريئة بالحقّ؟ ورسل الشيطان الذين يروّجون أكاذيبه بين البشر، وهم لا يكفّون عن ذلك ليلًا ونهارًا، كيف يُسكَتون إلّا بشهود يصرخون بأمانة في آذانهم: «هذا كذب، وذاك كذب. هذا هو الحق وهذه هي الطريق؛ نحن نعرف ونرى ونشعر، اسلكوا فيها». ارجعوا، ارجعوا، فلماذا تموتون؟ إنّهم يحتاجون إلى شهود صرحاء. هناك شهود زور كثيرون الآن، كما كان دائمًا، فماذا يريد يسوع المسيح؟ يريد شهوده الصادقين أن يخرجوا ويواجهوهم ويكونوا أندادًا لهم، لا أن يتسلّلوا إلى الجحور والزوايا، ويخجلوا بديانتهم، ويتكلّموا عن «ديانة غير لافتة للنظر»؛ هراء غير لافت للنظر! ليس هناك شيء كهذا! اخرجوا أمام العالم. وكما قال إيليا: «إن كان الرب هو الله فاتبعوه»، واخدموه وتكلّموا عنه؛ «وإن كان البعل» هو الإله «فاتبعوه». إذن فلتذهب كلّ هذه الأباطيل، مقادسكم وأناجيلكم واعترافكم؛ افرغوا منها كلّها واتبعوا البعل. كونوا هذا أو ذاك. أظنّ أنّنا نحتاج الآن إلى إيليا يأتي ويدوّي بهذا في إنكلترا كلّها. وددت لو أرى رجلًا يقف في مجلسَي برلماننا ويعترف بالله اعترافًا صريحًا ويستغيث به، ووددت لو أرى كيف يُستقبل.
كنت أفكّر، وأنا أمرّ بالبورصة الملكية ورأيت في أعلاها: «لِلرَّبِّ ٱلْأَرْضُ وَمِلْؤُهَا»، كم من الذين يمشون في ظلّها يؤمنون بذلك. ترى ماذا سيُظنّ بمن يعترف بهذه الحقيقة اعترافًا عمليًّا؟ «آه!» سيقولون، «إنه لا يصلح لمنصبه، لا بد أن تبعدوه؛ في رأسه شيء من الخلل». آه! أنتم تعرفون أنّ الأمر كذلك؛ ولكنّ الله لا يُشمخ عليه، وإن ظنّ الناس ذلك. إنّ الله جالس على كرة السماء، ومع أنّ الشعوب ترتجّ، والأمم تفكّر في الباطل، وملوك الأرض يقومون، فهو يضحك منهم، وعن قليل تأتي بليّتهم.
نقول إنّ العالم يموت جوعًا؛ إلى ماذا؟ إلى العظات؟ لا. إلى الدوريّات؟ لا. إلى القصص الدينية؟ آه، كلّا يا عزيزي. فلا خوف من أن ينقصه شيء منها لسنين طويلة آتية. إلى الأبحاث المطوّلة؟ لا. إلى النظريات المنمّقة؟ لا. إلى العقائد والمذاهب؟ آه، يمكنك أن تحصل عليها بالعشرات. إلى ماذا يموت جوعًا إذن؟ إلى شهادة صريحة مستقيمة أمينة محبّة جادّة عمّا يستطيع الله أن يصنعه للنفوس. هذا ما يحتاج إليه. هذا ما يحتاج إليه أولئك الرجال المساكين في الدكاكين، والذين يروحون ويجيئون في شارع أكسفورد، وفي المسارح، وفي قاعات الرقص، وفي قاعات الحفلات الموسيقية، وفي كلّ مكان؛ هذا ما يحتاج إليه الناس: أن يأتي أحد ويمسكهم بمحبّة من ياقاتهم، ويخبرهم أنّ الله هو الله، وأنّه يستطيع أن يخلّصهم. «لقد خلصني يا أخي، وهو يستطيع أن يخلصك!» هذا ما يحتاج إليه العالم. كلمة واحدة كهذه خير من عظة، وستعمل لله ولخلاص العالم أكثر منها. آه نعم، إنّ الناس يقولون، في الواقع، في كلّ أنحاء هذه البلاد، ألوفًا منهم: «ها أنا ذا؛ أنا عبد مسكين للخطية. أنا أعرف ذلك». يقولونه في ضمائرهم وإن لم يقولوه لكم. وكثيرًا ما يقولونه لنا حين يحاصرهم سيف الروح في زاوية: «أنا أعرف أني مخطئ، خاطئ، شرير». كما قال ذلك العزيز جون ألن، الذي كنت أروي قصّة حياته، مرّةً وهو جالس يشتم وحوله رفاقه، وقال له أحدهم: «يا جوك، لو مت، ماذا يكون مصيرك؟» فقال: «أذهب إلى الجحيم رأسا!» كان رجلًا صادقًا. كان يعرف إلى أين هو ذاهب، وقالها.
قلت لأحد السادة: «يا سيد فلان، ماذا عن نفسك؟» فقال: «إنها في حال شيطانية». مسكين! كان يعرف إلى أين هو ذاهب، وهناك ألوف مثله. أتظنّون أنّهم لا يشعرون بعبوديّتهم؟ أليس لهم عقل وضمير؟ أليس لهم جانب أفضل في طبيعتهم، كما تسمّونه؟ ألم يُومض الله بنور روحه القدّوس على نفوسهم المظلمة، ألم يصارعوا ويجاهدوا؟ نعم، ولكنّهم يقولون: «ليس فينا صحة، وليس لنا عون. لقد فرغنا من اتخاذ العزائم ومن محاولة أن نصير أفضل؛ لا نستطيع. ليس فينا رجاء». وها هم هناك ينتظرون من يأتي ويخبرهم أنّ هناك عونًا في الله. يقولون: «لا أرى فرقا يذكر فيكم أنتم المتدينين. لم أعرف قط أحدا بدا أن الدين قد صنع له الكثير». وحين يُقال لهم أن يؤمنوا يضحكون منكم، ولا أعجب من ذلك. إنّ الضمير البشري المسكين أحسن تعليمًا من كثيرين من معلّميه. إنّه يريد أن يُقوَّم، ويقول: هل من رجاء؟ هل يستطيع الله أن يخلّص من هو مثلي؟ هل خلّص أحدًا مثلي من هذا الاستعباد، من هذه العبودية، من هذا الشقاء، من هذا الانحدار الدائم في الوحل؟ هل خلّص قطّ أحدًا مثلي؟ وأحيانًا يذهب إلى كنيسة مستقلّة أو إلى كنيسة رسمية، ويرجو أن يخبره القسّ، وإذا به يبدأ بحثًا مطوّلًا عن القيامة، أو عن لاهوت المسيح، أو عن شيء آمن به الرجل طوال حياته، فتخيب آماله مرّة أخرى ويقول: «هذا لا ينفعني بشيء». آه أيّها الأصدقاء، إنّي أتكلّم بما أعرفه من شهادة عشرات النفوس. بل لا أستطيع أن أكرّره؛ فإنّه يجعل وجوهكم تلتهب لو سمعتم ما قاله لي رجال ذوو ذكاء وفكر ومكانة في كثير من الغرف الجانبية التي كنت أخدم فيها. لقد آن أوان التغيير. إنّ العالم يتضوّر جوعًا لقلّة الخبز الروحي الحقيقي. إنّه يريد شيئًا يأكله، وأنتم تعطونه حجرًا! ولكنّ الله يقيم شعبًا يعرف ما يحتاج إليه العالم وكيف يعطيه إيّاه، يعرف كيف يكسر خبز الحياة، ويشهد بما صنعه الله له وبما يستطيع أن يصنعه لنفوس أخرى مسكينة جائعة؛ شعبًا يستطيع أن يذهب ويقول: «اسمع يا صديقي، إنه يستطيع أن يخلص من هو مثلك. لقد كنت مثلك يوما. كنت عبدا للخطية، عبدا للخمر، أو مجدفا، أو كذابا، أو لصا، أو مستعبدا لعادة سرية رديئة أسوأ من هذه كلها. كنت عبدا هكذا، وقد خلصني. لقد كسر قيودي وحررني، وأنا الآن حر للرب. لقد خلصني وهو يستطيع أن يخلصك». هذا ما يحتاج إليه العالم: الشهادة، الشهادة الحيّة.
هل خلّص أحدًا منكم؟ هل تشهدون لإخوتكم في البشرية، المساكين الجائعين الغارقين؟ هل تنظرون إليهم يومًا وتفكّرون إلى أين هم ذاهبون؟ هل تشفقون عليهم، وتحبّونهم، وتحنّون إليهم في أحشاء يسوع المسيح؟ هل تعرفون شيئًا عن هذا الحنين؟ فإن كنتم تعرفونه، فكيف تستطيعون أن تمسكوا عن الشهادة؟ «أنتم شهودي لهذه الأمور»، في كلّ مكان، وفي كلّ وقت، وبين جميع الناس!!
من طبيعة الأمر أنّ الشاهد يجب أن يشهد أمام أناس آخرين، أمام سامعين أحياء. هذا هو موضع الشهادة، وأمام الأعداء أيضًا، وحين لا يدري من أين تهبّ الريح، ولا كيف ستُقبل كلمات الله. يجب أن يكون شاهدًا صادقًا، حتى لو اضطرّ أن يختم شهادته بدمه.
هذا هو نوع الشهادة الذي قدّمه الشهداء. كثيرًا ما أتساءل هل يوجد اليوم شهداء. وأحيانًا أظنّ أنّ أعظم نعمة يمكن أن تنالها كنيسة المسيح هي زمن اضطهاد. أعتقد ذلك حقًّا. أعتقد أنّه سيدفعنا إلى الله وبعضنا إلى بعض. حينئذ نكتشف هل نحن مستعدّون أن نترك كلّ شيء لنتبعه. تعلمون أنّه لو أخذ الشهداء بمستوى الحياة الدينية القائم الآن لما صاروا شهداء أبدًا. لكانوا اهتمّوا بسلامة جلودهم، وتركوا للربّ أن يهتمّ بالإنجيل. لو سُمح لهم بشيء من التساهل وبأن يقطعوا نصف الطريق، لما كان هناك شهداء، لأنّهم جميعًا تقريبًا كانوا سينجون بذلك؛ ولكنّهم شعروا أنّ عليهم أن يكونوا أمناء إلى النهاية، وأن يثبتوا في الحقّ كلّه حتى آخر حرف ونقطة، وحين كان في وسعهم أن ينجوا بكتابة ثلاث كلمات على ورقة رفضوا أن يفعلوا، ومضوا إلى المحرقة، وتركوا اللهب يلعق دماءهم. هؤلاء هم الشهود الذين يريدهم الربّ في الخارج، في كلّ مكان، لا يكفّون أبدًا. يشهدون دائمًا. تقول: «دائما؟» نعم، دائمًا. لماذا؟ لأنّ الناس يموتون ويهلكون دائمًا! إن كان الكتاب المقدّس صادقًا، ففي كلّ مكان: أصدقاؤك وجيرانك من حولك. تصلك رسالة: «آه! لقد مات السيد فلان، مرض ثلاثة أيام فقط، ستا وثلاثين ساعة، أربعا وعشرين ساعة، ورحل!» آه! والصدى في نفوس كثيرة بعد ذلك: ماذا لا أعطي لكي تُتاح لي فرصة أن أذهب وأتحدّث معه حديثًا واحدًا! ولكنّه رحل، إلى مكان ما! إلى أين رحل؟ إن كان غير مغسول وغير مغفور له وغير مخلَّص، فإلى أين رحل؟ لقد اضطربت مرّةً بشأن هذه المسألة اضطرابًا ظننت معه أنّي سأفقد عقلي. لم أستطع أن أنام الليل من التفكير في حال الذين يموتون غير مخلَّصين. هل أجرؤ أن أفكّر في ذلك؟ إلى أين رحل؟ آه! هذه النظرة إلى الأمر هي التي قادتني أن أفتح فمي أوّل مرّة علانية لله.
لقد وعدت بعض الأصدقاء هنا الليلة أن أقدّم هذا المثال من اختباري الشخصي، وإلّا فنادرًا ما أشير إليه. كان في نفسي منذ زمن طويل نزاع حول هذه المسألة. بل منذ تجدّدت كان روح الله يلحّ عليّ باستمرار أن أسلك طرقًا من النفع والخدمة بدت لي مستحيلة. ربّما لا يكاد بعضكم يصدّق أنّي كنت من أشدّ التلاميذ الذين خلّصهم الربّ يسوع خجلًا وحياءً. فطوال عشر سنين من حياتي المسيحية كانت حياتي معركة يومية مع الصليب؛ لا لأنّي كنت أرفض عمدًا كما يفعل كثيرون، فهذا ما لم أجرؤ قطّ على فعله. آه، لا! كنت أعزم على أن أفعل، وأقرّر وأنوي، ثمّ حين تأتي الساعة أفشل لقلّة الشجاعة. ما كان ينبغي أن أفشل. أرى الآن كم كنت حمقاء ومخطئة؛ ولكن قبل أن أبدأ الكلام بنحو أربعة أشهر أو خمسة، ثار في نفسي بشدّة ذلك النزاع الذي كان الله قد أيقظه قبل سنين، ولكنّي، بسبب أفكار خاطئة وخوف وخجل، كنت قد تركته يكاد يخمد. وفي ذلك الوقت قادني الله إلى فحص قاسٍ جدًّا لقلبي. لم أكن أتمتّع بالحضور الإلهي كما كنت من قبل. كنت قد فقدت كثيرًا من القوّة والسعادة اللتين تمتّعت بهما يومًا. وفي فترة مرض، بدا لي يومًا كأنّ الربّ كشف لي الأمر كلّه بروحه. لم تكن رؤيا، بل إعلانًا لذهني. بدا كأنّه أرجعني إلى الوقت الذي كنت فيه في الخامسة عشرة والسادسة عشرة، حين أعطيته قلبي أوّل مرّة. وبدا كأنّه أراني، على طول ذلك الطريق المرّ، كيف كان هذا الأمر الواحد هو الذبابة في قارورة الطيب، والمرارة في الكأس، وكيف منعني من أن أنال ما كنت سأناله لولاه. شعرت كيف عاق إعلانه لذاته لي، وعاقني عن النموّ في النعمة وعن تعلّم المزيد من أعماق الله. أراني ذلك، وأذكر أنّي سجدت على وجهي أمامه، ووعدته هناك في غرفة المرض: «يا رب، إن رجعت إلي كما في الأيام القديمة، وافتقدتني من جديد بتلك الإلحاحات من روحك التي كانت لي، فإني سأطيع ولو مت في المحاولة. لا أبالي؛ سأطيع». غير أنّ الربّ لم يفتقدني من جديد على الفور. تركني أتعافى، وخرجت ثانية. وبعد ذلك بنحو ثلاثة أشهر ذهبت إلى الكنيسة التي كان زوجي راعيها، وكان قد رتّب خدمة غير عادية. فحتى في ذلك الحين كان يحاول دائمًا شيئًا جديدًا ليصل إلى الناس الذين في الخارج. كانوا يعقدون اجتماعًا يشترك فيه قسوس وأصدقاء من البلدة، يقدّمون كلّهم شهاداتهم ويتكلّمون لله. كنت في مقعد الراعي مع ابني البكر، وكان حينئذ في الرابعة، وكان هناك نحو ألف شخص. كنت أشعر بانقباض في روحي أكثر من المعتاد، ولا أتوقّع شيئًا خاصًّا، ولكن بينما كانت الشهادات تتوالى شعرت بالروح يحلّ عليّ. أنتم وحدكم الذين شعرتم به تعرفون ما يعنيه. لا يمكن وصفه. شعرت به حتى أطراف أصابع يديّ وقدميّ. وبدا كأنّ صوتًا يقول لي: «الآن، لو ذهبت وشهدت، فأنت تعلمين أني سأباركه لنفسك ولنفوس الناس أيضا»، فشهقت مرّة أخرى وقلت في نفسي: «نعم يا رب، أومن أنك تفعل ذلك، ولكني لا أستطيع أن أفعله». كنت قد نسيت نذري؛ لم يخطر ببالي قطّ. وفي لحظة، بعد أن قلت ذلك للربّ، بدا كأنّي أرى غرفة النوم التي كنت راقدة فيها، وأرى نفسي كأنّي هناك ساجدة أمام الربّ أعده بذلك، ثمّ بدا كأنّ الصوت يقول لي: «هل هذا يتفق مع ذلك الوعد؟» فكدت أقفز وقلت: «لا يا رب، إنه الأمر القديم نفسه من جديد، ولكني لا أستطيع أن أفعله»، وشعرت كأنّي أوثر الموت على أن أفعله. ثمّ قال إبليس: «ثم إنك لست مستعدة للكلام. ستبدين كالحمقاء، ولن يكون عندك ما تقولينه». لقد أخطأ. تجاوز حدّه هذه المرّة. تلك الكلمة هي التي حسمت الأمر. قلت: «آه! هذه هي المسألة بالضبط. لم أكن قط مستعدة أن أكون حمقاء من أجل المسيح، أما الآن فسأكون». ومن غير أن أتوقّف لحظة أخرى نهضت من مقعدي ومشيت في الكنيسة إلى الأمام. كان زوجي العزيز على وشك أن يختم الاجتماع. ظنّ أنّ شيئًا قد أصابني، وكذلك ظنّ الناس. كنّا هناك منذ سنتين، وكانوا يعرفون طبعي الخجول الحييّ. نزل ليسألني: «ما الأمر يا عزيزتي؟» قلت: «أريد أن أقول كلمة». فأُخذ على غرّة حتى إنّه لم يستطع إلّا أن يقول: «زوجتي العزيزة تريد أن تقول كلمة»، وجلس. كان يحاول أن يقنعني بذلك منذ عشر سنين. وفي ذلك الأسبوع نفسه كان هو وسيّدة من الكنيسة يحاولان إقناعي أن أذهب وأخاطب اجتماعًا صغيرًا في بيت ريفي لنحو عشرين من العمّال، فلم يفلحا. قمت، والله وحده يعلم كيف، وإن كان بشر قد تعلّق يومًا بذراع القدير فأنا تعلّقت بها. شعرت كأنّي متعلّقة بذراع بشرية، ومع ذلك كانت ذراعًا إلهية، تسندني. قمت فقط وأخبرت الناس كيف جرى الأمر. اعترفت، كما أظنّ أنّ كلّ إنسان ينبغي أن يعترف، حين يكون قد أخطأ وأساء تمثيل ديانة يسوع المسيح. أخبرت الناس أنّي، مع أنّي كنت أشغل كلّ المواقع المعتادة لزوجة الراعي، ومع أنّي كنت صغيرة السنّ حينئذ، كنت أعمل أكثر بكثير ممّا تعمله كثيرات من الأكبر سنًّا في كنيسة الله، من لقاء المؤمنين وزيارتهم والعمل وراء الستار، حتى إنّهم جميعًا كانوا يعدّونني امرأة مكرّسة جدًّا، وقلت لهم ذلك. قلت: «لا شك أن كثيرين منكم كانوا ينظرون إلي على أني امرأة مكرسة جدا، تعيش بأمانة لله، ولكني عرفت أني كنت أعيش في عصيان، وبقدر ذلك جلبت الظلمة والهزال على نفسي؛ ولكني وعدت الرب قبل ثلاثة أشهر أو أربعة، ولا أجرؤ أن أعصيه. لقد جئت لأخبركم بهذا، ولأعد الرب أني سأكون غير معاندة للرؤيا السماوية».
ولكن آه! ما أقلّ ما رأيته حينئذ ممّا ينطوي عليه ذلك. لم أتخيّل قطّ حياة العلانية التي سيقودني إليها، ولا حياة المحن أيضًا؛ فلم يُسمح لي بعدها قطّ بيوم أحد هادئ آخر، ما دمت أقدر أن أتكلّم أو أقف. كلّ ما أخذته في ذلك اليوم هو الخطوة الحاضرة. لم أرَ ما يأتي بعدها، ولكنّ الربّ، كما يفعل دائمًا حين يكون شعبه صادقين معه ومطيعين، فتح كوى السماء وأفاض بركة حتى لم يكن متّسع لاحتوائها.
قالوا إنّ البكاء في الكنيسة في ذلك اليوم كان أكثر ممّا كان فيها قطّ من قبل. وكثيرون أرّخوا تجديدًا في البرّ من تلك اللحظة عينها، وبدؤوا حياة تعبّد وتكريس لله.
كان يمكن أن أكلّمهم كلامًا صالحًا إلى الآن، ولما حدث ذلك. ذلك الاعتراف الصادق، والخروج والشهادة بالحقّ، صنع ما لم يكن كلام عشرين سنة ليصنعه.
واستمرّ العمل. كلّما تكلّمت كانت الكنيسة تمتلئ إلى أقصى سعتها، وتجدّد كثيرون. لا لي بل لله كلّ المجد. والخزي لي لأنّي لم أبدأ أبكر. لم أكن أنا من صنع ذلك، بل الروح القدس، روح الله القدّوس.
وقد عاملني الربّ معاملة عجيبة جدًّا. فبعد ذلك بثلاثة أشهر مرض زوجي العزيز أوّل مرّة، واضطرّ أن يذهب إلى الريف. فجاءني وفد يطلب منّي أن أتولّى مواعيده في البلدة. قلت إنّي لا أستطيع أن أفكّر في أمر كهذا. ماذا أستطيع أن أصنع بتلك الجماعة الكبيرة؟ لا ينبغي أن يطلبوا منّي ذلك، فانصرفوا. ثمّ رجعوا يسألون هل أتولّى الأمسيات، وتوسّلوا إليّ وألحّوا عليّ حتى وعدت. فترون أنّ الله أجبرني أن أبدأ أفكّر وأعمل. كنت مضطرّة، وقد فعلت ذلك ولي أربعة أطفال صغار، أكبرهم حينئذ في الرابعة وثلاثة أشهر. بدا وقتًا غير مناسب للبدء بالوعظ، أليس كذلك؟ بدا كأنّ الربّ لا بدّ قد أخطأ. ولكنّه أعطاني نعمة وقوّة ومكّنني من ذلك؛ وبينما كنت أرضع طفلي، كثيرًا ما كنت أفكّر فيما سأقوله الأحد التالي، وفي الفترات بين ذلك كنت أدوّن بقلم الرصاص الأفكار كما تخطر لي. ثمّ كنت أظهر أحيانًا ومعي هيكل عظة مخطوط بالرصاص، متّكلة على الربّ أن يعطيني قوّة روحه القدّوس؛ وأظنّ أنّي أستطيع أن أقول إنّه منذ ذلك اليوم، وقد مضى عليه نحو تسع عشرة سنة وتسعة أشهر، لم يسمح لي قطّ أن أفتح فمي من غير أن يعطيني علامات حضوره وبركته. ألا ترون أنّ إبليس، ما دام قد أبقاني صامتة، أبقاني قليلة الثمر نسبيًّا؛ أمّا الآن فلي ما يدعوني إلى الرجاء والتوقّع أن ألتقي في المجد مئات جعلني الله أداة لخلاصهم. لقد عاملني الربّ بحنان بالغ، وأعطاني تشجيعًا عظيمًا؛ ولكن بعض الأمور كانت رهيبة لي في البداية. لم أكن أصعد إلى المنابر حتى طالب الناس بذلك. وأوّل مرّة رأيت اسمي على جدار! لن أنسى ذلك الشعور أبدًا. حينئذ قال زوجي العزيز: «حين أعطيت نفسك للرب، ألم تعطيه اسمك؟» وهكذا كان يمضي بي من أمر إلى آخر، حتى تعلّمت الآن أن أفتخر بالصليب. وحين كان صديق عزيز يتحدّث قبل أيّام عن المشروع الهائل الذي يعنيه الذهاب إلى فرنسا والبدء هناك، قلت: «يا سيدي العزيز، لن أشعر بارتباك أكثر لو ذهبت إلى فرنسا وافتتحت الخدمة هناك الأحد القادم مما أشعر به حين أقف في قاعة القديس أندراوس، لسبب بسيط، هو أني أومن أن الله هو هو في كل مكان، وأن الإيمان نفسه والحقائق نفسها والأمانة نفسها تأتي به إلى معونتنا». «أَنْتُمْ شُهُودِي، يَقُولُ ٱلرَّبُّ»، «وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ ٱلْأَيَّامِ»!
هل تتشجّعين يا أختي؟ لا تبالي بالارتجاف. لقد ارتجفت أنا. لا تبالي بخفقان قلبك. قلبي كاد يخرج من صدري من شدّة الخفقان. لا تبالي بمقدار ضعفك. كثيرًا ما ذهبت من الفراش إلى المنبر، ورجعت من المنبر إلى الفراش. ليس ذلك بقدرة بشرية ولا بحكمة ولا بقوّة ولا بشدّة، بل بروحي، قال الربّ. إنّه يحبّ أن يستخدم الضعفاء، لكي يُرى أنّ فضل القوّة لله. لو كان جيرانك مصابين بوباء مدمّر، وكان في وسعك أن تذهبي وتساعديهم، أما كنت تفعلين؟ أكنت تقولين: «أنا مجرد امرأة، ولا أستطيع»؟ «آه،» كنت ستقولين، «دعوني أذهب كما ذهبت الآنسة نايتنغيل إلى الجنود المرضى والجرحى. دعوني أذهب». وهذه ليست الأجساد بل النفوس. إنّها تموت. إنّها ذاهبة إلى موت أبدي. ألا تقومين؟ آه! لو أنّ جميع المسيحيّين في هذه القاعة الليلة بدؤوا من هذه الساعة يكونون أمناء، ويشهدون ليسوع بثبات في كلّ مكان، فأيّ اضطراب سيحدث! كم تظنّون سيتجدّد في غضون شهر؟ كيف سيبدؤون يتوافدون كالحمام إلى كواها؟ وكيف سيبدأ بعض القسوس يستيقظون؟ سيذهب الناس إليهم ويتوسّلون إليهم صباحًا وظهرًا ومساءً. الله يريدكم أن تشهدوا علانية في كلّ مكان، في أحلك الأفنية والأزقّة وفي شارع أكسفورد على السواء. ابدؤوا، وسيحلّ عليكم روح الله، ومهما حاولوا أن يتخلّصوا من الروح القدس فلن يستطيعوا حين يكون الله قد أمسك بهم. إنّنا نصطاد بهذه الطريقة ألوفًا من الناس لم يكونوا ينوون قطّ أن يتجدّدوا. وكلّ يوم أعيشه أزداد اقتناعًا بأنّه لو كان شعب الله في جدّية يائسة لرُبح الألوف؛ ولكن لا يُرجّح أن يُربحوا بالأسلوب المهذّب في عرض الحقّ عليهم، وهو شائع جدًّا في أيّامنا، لأنّ أحدًا لا يظنّ أنّهم في أيّ خطر! إن كنتم تؤمنون بذلك فابدؤوا. يقول الرسول إنّكم يجب أن تكونوا جنودًا صالحين شجعانًا ليسوع المسيح: وقد كان المسيحيّون الأوّلون كلّ ذلك؛ حاربوا الحرب الحسنة، وغلبوا إبليس «بِدَمِ ٱلْخَرُوفِ وَبِكَلِمَةِ شَهَادَتِهِمْ». كونوا جنودًا للربّ، وهو سيعطي النصرة، وستذهبون وتأخذون أسرى. جبابرة ضخام، ملحدون سود القلوب، مجدّفون سود القلوب، سيسقطون أمامكم كالأطفال الصغار، لأنّ ربّ الجنود سيضع روحه فيكم. «أَنْتُمْ شُهُودِي». اشهدوا! اشهدوا!! لي في كلّ مكان وفي كلّ حين. الربّ يعينكم. آمين.
ملكية عامة. النص المصدر من الطبعة الأصلية.