السير مع الله
George Whitefield

عظة · قراءة 25 د

السير مع الله

صورة George Whitefield George Whitefield

النص

تكوين 5:24

باختصار

«وَسَارَ أَخْنُوخُ مَعَ ٱللهِ». من هذه الكلمات القليلة يرسم وايتفيلد صورة كاملة للحياة المسيحية: ما معنى أن نسير مع الله، والوسائل التي نحفظ بها خطانا معه — الصلاة، والكلمة، وشركة شعبه — ونهاية هذا السير، حين يأخذ الله صديقه إلى البيت.

«وَسَارَ أَخْنُوخُ مَعَ ٱللهِ، وَلَمْ يُوجَدْ لِأَنَّ ٱللهَ أَخَذَهُ»

كثيرةٌ هي الذرائع والحجج التي يتذرّع بها أصحاب العقول الفاسدة مرارًا كي لا يطيعوا وصايا الله العادلة المقدسة. ولكن لعلّ من أشيع الاعتراضات التي يثيرونها قولهم إن وصايا ربنا لا يمكن العمل بها، لأنها تخالف اللحم والدم؛ ومن ثمّ فهو، بحسب قول ذلك العبد له: «إِنْسَانٌ قَاسٍ، تَحْصُدُ حَيْثُ لَمْ تَزْرَعْ، وَتَجْمَعُ مِنْ حَيْثُ لَمْ تَبْذُرْ». هذه، كما نجد، كانت أفكار ذلك العبد الشرير الكسلان المذكور في الأصحاح 25 من إنجيل القديس متى؛ وهي بلا شك عينُ ما يتمسك به كثيرون في هذا الجيل الشرير الفاسق. وقد سبق الروح القدس فرأى ذلك، فاعتنى بأن يُلهم أناس الله القديسين قديمًا أن يدوّنوا أمثلة رجال ونساء قديسين كثيرين، تمكّنوا، حتى في ظل تدبير العهد القديم، من أن يحملوا نير المسيح عليهم بفرح، وحسبوا خدمته حريةً كاملة. وإن القائمة الطويلة من القديسين والمعترفين والشهداء، المسطورة في الأصحاح 11 من الرسالة إلى العبرانيين، لتشهد شهادة وافرة بصدق هذه الملاحظة. فما أعظم سحابة الشهود التي تُعرض هناك أمام أعيننا! كلهم بارزون في إيمانهم، لكن بعضهم يتلألأ بلمعان أشدّ من غيره. فهابيل، أول الشهداء، يتقدم الصفوف. ويليه أخنوخ، لا لأنه التالي في ترتيب الزمن فحسب، بل أيضًا لأجل تقواه السامية؛ فكلمات النص تتحدث عنه على نحو فريد جدًّا. فههنا خبر موجز، ولكنه وافٍ ومجيد، عن سيرته في هذا العالم وعن الطريقة الظافرة التي دخل بها العالم الآتي. فالأولى تتضمنها هذه الكلمات: «وَسَارَ أَخْنُوخُ مَعَ ٱللهِ». والثانية هذه: «وَلَمْ يُوجَدْ لِأَنَّ ٱللهَ أَخَذَهُ». «وَلَمْ يُوجَدْ»، أي إنه لم يُعثر عليه، ولم يُؤخذ بالطريقة المألوفة، ولم يرَ الموت؛ لأن الله كان قد نقله (عبرانيين 11:5). أما من كان أخنوخ هذا، فليس واضحًا كل الوضوح. ويبدو لي أنه كان شخصًا ذا صفة عامة؛ وأظنه كان، مثل نوح، كارزًا بالبر. وإن صدّقنا الرسول يهوذا، فقد كان واعظًا ملتهبًا؛ إذ يقتبس إحدى نبواته التي يقول فيها: «هُوَذَا قَدْ جَاءَ ٱلرَّبُّ فِي رَبَوَاتِ قِدِّيسِيهِ، لِيَصْنَعَ دَيْنُونَةً عَلَى ٱلْجَمِيعِ، وَيُعَاقِبَ جَمِيعَ فُجَّارِهِمْ عَلَى جَمِيعِ أَعْمَالِ فُجُورِهِمْ ٱلَّتِي فَجَرُوا بِهَا، وَعَلَى جَمِيعِ ٱلْكَلِمَاتِ ٱلصَّعْبَةِ ٱلَّتِي تَكَلَّمَ بِهَا عَلَيْهِ خُطَاةٌ فُجَّارٌ». ولكن سواء أكان شخصًا عامًّا أم خاصًّا، فقد أُعطي شهادة نبيلة في الأقوال الحية. فكاتب الرسالة إلى العبرانيين يقول إنه قبل نقله شُهد له «بِأَنَّهُ قَدْ أَرْضَى ٱللهَ»؛ وكان نقله برهانًا على ذلك فوق كل شك. وأودّ أن ألاحظ أنها كانت حكمة عجيبة من الله أن ينقل أخنوخ وإيليا في ظل تدبير العهد القديم، حتى إذا قيل فيما بعد إن الرب يسوع قد رُفع إلى السماء، لا يبدو ذلك أمرًا لا يُصدَّق البتة عند اليهود، إذ كانوا هم أنفسهم يعترفون بأن اثنين من أنبيائهم قد نُقلا قبل ذلك بمئات السنين. ولكن ليس في نيتي أن أستبقيكم أكثر من ذلك بالتوسع في سيرة أخنوخ الموجزة الجامعة أو بإبداء الملاحظات عليها؛ فإن ما أقصده هو أن أقدّم عظة، بحسب ما يعينني الرب، في موضوع خطير وبالغ الأهمية؛ أعني السير مع الله. «وَسَارَ أَخْنُوخُ مَعَ ٱللهِ». فإن أمكن أن يُقال هذا القدرُ بحق عنك وعني بعد رحيلنا، فلن يكون لنا أي سبب لنشكو من أننا عشنا عبثًا.

وفي تناولي للموضوع الذي قصدته، سوف:

أولًا، أحاول أن أبيّن ما تتضمنه هذه الكلمات: سار مع الله.

ثانيًا، أصف بعض الوسائل التي إذا راعاها المؤمنون كما ينبغي، استطاعوا أن يواظبوا على سيرهم مع الله ويحافظوا عليه. و

ثالثًا، أقدّم بعض البواعث التي تحثّنا، إن لم نكن قد سرنا مع الله من قبل، على أن نأتي ونسير مع الله الآن. ثم أختم الكل بكلمة أو كلمتين في التطبيق.

أولًا، عليّ أن أبيّن ما تتضمنه هذه الكلمات: «وَسَارَ أَخْنُوخُ مَعَ ٱللهِ»؛ أو بعبارة أخرى، ما الذي ينبغي أن نفهمه من السير مع الله.

وأولًا، إن السير مع الله يتضمن أن يُنزع سلطانُ العداوة الغالبُ في قلب الإنسان بروح الله المبارك. قد يبدو هذا قولًا صعبًا عند بعضهم، لكن اختبارنا نفسه يثبت كل يوم ما تقرره الأسفار المقدسة في مواضع كثيرة، أن «ٱهْتِمَامَ ٱلْجَسَدِ»، أي ذهن الإنسان الطبيعي غير المتجدد، بل ذهن المتجدد نفسه بقدر ما يبقى فيه جزء لم يتجدد، «هُوَ عَدَاوَةٌ لِلهِ»؛ لا عدوٌّ فحسب، بل العداوة عينها؛ «إِذْ لَيْسَ هُوَ خَاضِعًا لِنَامُوسِ ٱللهِ، لِأَنَّهُ أَيْضًا لَا يَسْتَطِيعُ». والحق أن المرء ليعجب كيف يمكن لأية خليقة، ولا سيما تلك الخليقة البهية، الإنسان، المخلوق على صورة خالقه، أن تحمل أية عداوة، فضلًا عن عداوة غالبة، ضد الإله عينه الذي به يحيا ويتحرك ويوجد. ولكن وا أسفاه! هكذا هو الأمر. لقد اكتسبها أبوانا الأولان حين سقطا عن الله بأكلهما من الثمرة المحرّمة، وانحدرت عدواها المرّة الخبيثة إلى نسلهما كله وعمّته تمامًا. وقد ظهرت هذه العداوة في محاولة آدم أن يختبئ بين شجر الجنة. فحين سمع صوت الرب الإله، بدلًا من أن يركض إليه بقلب مفتوح قائلًا: ها أنذا، وا أسفاه! لم يعد يريد شركة مع الله؛ ثم أظهر عداوته المكتسبة حديثًا أكثر فأكثر بالعذر الذي قدّمه للعلي: «ٱلْمَرْأَةُ ٱلَّتِي جَعَلْتَهَا مَعِي» (أو: هذه المرأة) «هِيَ أَعْطَتْنِي مِنَ ٱلشَّجَرَةِ فَأَكَلْتُ». وبقوله هذا يُلقي في الواقع اللوم كله على الله، كأنه قال: لو لم تعطني هذه المرأة لما أخطأت إليك، فعليك أن تلوم نفسك على تعدّيّ. وعلى هذا النحو عينه تعمل هذه العداوة في قلوب بني آدم. فهم يجدون بين حين وآخر شيئًا يقوم فيهم ضد الله، ويقول لله نفسه: «مَاذَا تَفْعَلُ؟». «إنها تأنف من أي منافس أدنى من الله نفسه» (كما يقول الدكتور أوين العلامة في رسالته الممتازة عن الخطية الساكنة). فأمرها كأمر الأراميين في شأن أخآب: لا تصوّبوا إلا إلى الملك. وهي تضرب كل ما له مظهر التقوى الحقيقية، كما صوّب الأراميون سهامهم إلى يهوشافاط في ثيابه الملكية. لكن المقاومة تكفّ حين تجد أنه ليس إلا مظهرًا، كما كفّ الأراميون عن رمي يهوشافاط حين أدركوا أن من يرمونه ليس أخآب. وقد ظهرت هذه العداوة في قايين الملعون؛ فقد أبغض أخاه هابيل وقتله، لأن هابيل كان يحب إلهه وكان ينال منه حظوة خاصة. وهذه العداوة عينها تسود وتغلب في كل إنسان يولد بالطبيعة من نسل آدم. ومن هنا ذلك النفور من الصلاة ومن الواجبات المقدسة الذي نجده في الأولاد، وكثيرًا جدًّا في البالغين أيضًا، مع أنهم قد بوركوا بتربية دينية. وكل ما في العالم من خطية وشر سافرين، قد غمراه كالطوفان، ليسا إلا جداول كثيرة تجري من هذا الينبوع الرهيب المعدي؛ أعني عداوة قلب الإنسان النجيس جدًّا المخادع. فمن لا يستطيع أن يختم على هذا، لا يعرف بعدُ شيئًا معرفةً مخلّصة، لا من الكتب المقدسة ولا من قوة الله. وكل من يعرف هذا سيقرّ عن طيب خاطر بأنه قبل أن يُقال عن إنسان إنه يسير مع الله، لا بد أن يُحطَّم السلطان الغالب لعداوة القلب هذه؛ لأنه ليس من عادة الناس أن يسيروا معًا ويتصاحبوا وبينهم عداوة وبغضة لا مصالحة فيهما. فانتبهوا لي: أقول إن السلطان الغالب لهذه العداوة لا بد أن يُنزع؛ أما وجودها فينا فلن يُزال كليًّا إلى أن نحني رؤوسنا ونسلم الروح. فالرسول بولس يتكلم بلا شك عن نفسه، لا حين كان فريسيًّا بل حين كان مسيحيًّا حقيقيًّا، إذ يشكو قائلًا: «حِينَمَا أُرِيدُ أَنْ أَفْعَلَ ٱلْحُسْنَى» أجد «أَنَّ ٱلشَّرَّ حَاضِرٌ عِنْدِي»؛ لا متسلطًا عليه، بل مقاومًا ومعاندًا نياته وأعماله الصالحة، حتى إنه لم يكن يستطيع أن يفعل ما يريده بالكمال الذي كان الإنسان الجديد يشتهيه. وهذا ما يسميه الخطية الساكنة فيه. «وهذا هو ‹فرونيما سركوس›»، الذي (بتعبير البند التاسع من بنود كنيستنا) «يفسّره بعضهم بالحكمة، وبعضهم بالشهوانية، وبعضهم بالميل، وبعضهم بالرغبة، رغبة الجسد، وهو باقٍ، نعم، حتى في الذين قد وُلدوا ثانية». أما سلطانها الغالب فيُحطَّم في كل نفس مولودة حقًّا من الله، ويضعف شيئًا فشيئًا أكثر فأكثر كلما نما المؤمن في النعمة، واكتسب روح الله سيادة متزايدة في القلب.

ولكن ثانيًا، لا يتضمن السير مع الله أن تُنزع سطوة العداوة الغالبة في قلب الإنسان فحسب، بل أيضًا أن يكون الإنسان قد تصالح فعلًا مع الله الآب، في البر الكافي كل الكفاية وفي كفّارة ابنه الحبيب وبهما. «هَلْ يَسِيرُ ٱثْنَانِ مَعًا إِنْ لَمْ يَتَوَاعَدَا؟» (يقول سليمان، [والصواب عاموس 3:3]). إن يسوع هو سلامنا كما أنه صانع سلامنا. فحين نتبرر بالإيمان بالمسيح، حينئذٍ، لا قبل ذلك، يصير لنا سلام مع الله؛ ومن ثم لا يمكن أن يقال عنا قبل ذلك إننا نسير معه، لأن السير مع شخص علامة وأمارة على أننا أصدقاء لذلك الشخص، أو على الأقل على أننا، وإن كنا قد تخاصمنا، قد تصالحنا الآن وعدنا أصدقاء من جديد. هذه هي المهمة العظمى التي يُرسل خدام الإنجيل لأجلها. فإلينا أُودعت خدمة المصالحة؛ وعلينا، كسفراء عن الله، أن نتوسل إلى الخطاة، نيابة عن المسيح، أن يتصالحوا مع الله؛ ومتى استجابوا لهذه الدعوة الكريمة، وأُدخلوا فعلًا بالإيمان إلى حال المصالحة مع الله، حينئذٍ، لا قبل ذلك، يمكن أن يقال عنهم إنهم قد بدأوا مجرد البدء أن يسيروا مع الله.

ثم إن السير مع الله يتضمن، ثالثًا، شركة ثابتة دائمة ومخالطة مع الله، أو ما يعبّر عنه الكتاب بقوله: «بِٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ ٱلسَّاكِنِ فِينَا». وهذا ما وعد به ربنا حين قال لتلاميذه إن الروح القدس «مَاكِثٌ مَعَكُمْ وَيَكُونُ فِيكُمْ»؛ لا ليكون كعابر سبيل يبيت ليلة واحدة فقط، بل ليقيم ويجعل مسكنه في قلوبهم. وهذا، على ما أميل إلى الاعتقاد، ما يريدنا الرسول يوحنا أن نفهمه حين يتكلم عن إنسانٍ هو «ثَابِتٌ فِيهِ»، أي في المسيح، وأنه «كَمَا سَلَكَ ذَاكَ هَكَذَا يَسْلُكُ هُوَ أَيْضًا». وهذا ما تعنيه على وجه الخصوص كلمات نصنا: «وَسَارَ أَخْنُوخُ مَعَ ٱللهِ»، أي إنه حفظ وأدام شركة ومخالطة مع الله، مقدسة ثابتة معتادة، وإن لم تكن بلا شك خالية تمامًا من الانقطاع، في المسيح يسوع وبه. وخلاصة ما قيل في هذا الجزء من الرأس العام الأول أن السير مع الله يقوم خصوصًا في ميل الإرادة الثابت المعتاد نحو الله، وفي اتكال معتاد على قدرته ووعده، وفي تكريس طوعي معتاد لكل ما لنا لمجده، وفي نظر معتاد إلى وصيته في كل ما نعمل، وفي رضى معتاد بمشيئته في كل ما نتألم.

رابعًا، يتضمن السير مع الله أن نتقدم ونتقوى في الحياة الإلهية. فـالسير، في أول معاني الكلمة، يفترض فيما يبدو حركة إلى الأمام. فالذي يسير، وإن تحرك ببطء، يمضي إلى الأمام ولا يلبث في مكان واحد. وهكذا الحال مع الذين يسيرون مع الله. فهم يمضون، كما يقول المرنم، «مِنْ قُوَّةٍ إِلَى قُوَّةٍ»؛ أو، بلغة الرسول بولس، يتغيرون «مِنْ مَجْدٍ إِلَى مَجْدٍ، كَمَا مِنَ ٱلرَّبِّ ٱلرُّوحِ». والحق أن الحياة الإلهية، بمعنى من المعاني، لا تقبل زيادة ولا نقصانًا. فحين تولد النفس من الله تصير ابنًا لله بكل معنى الكلمة؛ ولو عاش إلى عمر متوشالح لما كان في النهاية إلا ابنًا لله. ولكنها بمعنى آخر تقبل الذبول والنماء. ومن هنا نجد شعب الله يُلامون على ارتدادهم وعلى تركهم محبتهم الأولى. ومن هنا نسمع عن أطفال وأحداث وآباء في المسيح. ولهذا السبب يحرّض الرسول تيموثاوس أن يجعل تقدمه معروفًا لدى الجميع: «لِكَيْ يَكُونَ تَقَدُّمُكَ ظَاهِرًا فِي كُلِّ شَيْءٍ». وما طُلب هنا من تيموثاوس على وجه الخصوص يأمر به الرسول بطرس جميع المسيحيين على وجه العموم: «وَلَكِنِ ٱنْمُوا فِي ٱلنِّعْمَةِ» (يقول) «وَفِي مَعْرِفَةِ رَبِّنَا وَمُخَلِّصِنَا يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ». فالخليقة الجديدة تنمو في قامتها الروحية؛ ومع أن الإنسان لا يكون إلا خليقة جديدة، فإن هناك من هم أكثر مشابهة للصورة الإلهية من غيرهم، وسيُقبلون بعد الموت إلى درجة أعظم من الغبطة. ولعدم ملاحظة هذا التمييز انزلق بعض النفوس المنعم عليها، ممن قلوبهم خير من عقولهم، دون أن يشعروا (كما انزلق أصحاب العقول الفاسدة المرفوضون من جهة الإيمان) إلى مبادئ لاناموسية صريحة، فأنكروا كل نمو للنعمة في المؤمن، وأنكروا أن تكون في كتب الحق أية علامات للنعمة. فمن مثل هذه المبادئ، وعلى الأخص من الأعمال التي تنتج عنها بطبيعة الحال، لينقذنا رب الأرباب!

فمما قيل إذن يمكننا الآن أن نعرف ما تتضمنه الكلمات «سَارَ أَخْنُوخُ مَعَ ٱللهِ»، أي: أن تُنزع العداوة الغالبة في قلوبنا بقوة روح الله؛ وأن نتصالح فعلًا ونتحد به بالإيمان بيسوع المسيح؛ وأن تكون لنا شركة ومخالطة ثابتة معه وأن نحافظ عليها؛ وأن نتقدم كل يوم في هذه الشركة، حتى نتشكل أكثر فأكثر على الصورة الإلهية.

أما كيف يتم هذا، أو بعبارة أخرى، بأية وسائل يحفظ المؤمنون سيرهم مع الله ويديمونه، فهذا ما سننظر فيه تحت رأسنا العام الثاني.

وأولًا، يحفظ المؤمنون سيرهم مع الله ويديمونه بقراءة كلمته المقدسة. «فَتِّشُوا ٱلْكُتُبَ»، يقول ربنا المبارك، «وَهِيَ ٱلَّتِي تَشْهَدُ لِي». ويقول لنا المرنم الملكي عن كلمة الله: «سِرَاجٌ لِرِجْلِي كَلَامُكَ وَنُورٌ لِسَبِيلِي»؛ ويجعل من صفات الإنسان الصالح أنه «فِي نَامُوسِ ٱلرَّبِّ مَسَرَّتُهُ، وَفِي نَامُوسِهِ يَلْهَجُ نَهَارًا وَلَيْلًا». «ٱعْكُفْ عَلَى ٱلْقِرَاءَةِ» (يقول بولس لتيموثاوس)؛ «لَا يَبْرَحْ سِفْرُ هَذِهِ ٱلشَّرِيعَةِ» (يقول الله ليشوع) «مِنْ فَمِكَ». «لِأَنَّ كُلَّ مَا سَبَقَ فَكُتِبَ كُتِبَ لِأَجْلِ تَعْلِيمِنَا». وكلمة الله نافعة للتوبيخ وللتقويم وللتأديب الذي في البر، وكافية من كل وجه لتجعل كل ابن حقيقي لله متأهبًا تمامًا لكل عمل صالح. فإن ترفّعنا يومًا فوق كتبنا المقدسة، وكففنا عن أن نجعل كلمة الله المكتوبة قانوننا الوحيد في الإيمان والعمل معًا، فسرعان ما ننكشف لكل أنواع الضلال، ونصير في خطر عظيم أن تنكسر بنا السفينة من جهة الإيمان والضمير الصالح. إن ربنا المبارك، مع أن روح الله أُعطي له بلا كيل، كان دائمًا يخضع لقوله «مَكْتُوبٌ» ويحارب به إبليس. وهذا ما يسميه الرسول «سَيْفَ ٱلرُّوحِ». ويمكننا أن نقول عنه ما قاله داود عن سيف جليات: «لَا يُوجَدُ مِثْلُهُ». والكتب المقدسة تُدعى أقوال الله الحية: لا لأنها تُستعمل عادة لتلد فينا حياة جديدة فحسب، بل أيضًا لتحفظ هذه الحياة وتنمّيها في النفس. والرسول بطرس، في رسالته الثانية، يفضّلها حتى على رؤية المسيح متجليًا على الجبل. فبعد أن قال، في الأصحاح 1:18: «وَنَحْنُ سَمِعْنَا هَذَا ٱلصَّوْتَ مُقْبِلًا مِنَ ٱلسَّمَاءِ، إِذْ كُنَّا مَعَهُ فِي ٱلْجَبَلِ ٱلْمُقَدَّسِ»، أضاف: «وَعِنْدَنَا ٱلْكَلِمَةُ ٱلنَّبَوِيَّةُ، وَهِيَ أَثْبَتُ، ٱلَّتِي تَفْعَلُونَ حَسَنًا إِنِ ٱنْتَبَهْتُمْ إِلَيْهَا، كَمَا إِلَى سِرَاجٍ مُنِيرٍ فِي مَوْضِعٍ مُظْلِمٍ، إِلَى أَنْ يَنْفَجِرَ ٱلنَّهَارُ، وَيَطْلَعَ كَوْكَبُ ٱلصُّبْحِ فِي قُلُوبِكُمْ»؛ أي إلى أن نخلع هذه الأجساد ونرى يسوع وجهًا لوجه. وإلى ذلك الحين علينا أن نراه ونخاطبه من خلال مرآة كلمته. علينا أن نجعل شهاداته مشيرينا، وأن نجلس كل يوم، مع مريم، عند قدمي يسوع، سامعين كلامه بالإيمان. وحينئذٍ نجد بالاختبار السعيد أنها لنفوسنا «رُوحٌ وَحَيَاةٌ»، و«مَأْكَلٌ حَقٌّ» و«مَشْرَبٌ حَقٌّ».

وثانيًا، يحفظ المؤمنون سيرهم مع الله ويديمونه بالصلاة السرية. فروح النعمة يصحبه دائمًا روح التضرع. إنها نَفَس الخليقة الجديدة ذاته، ومروحة الحياة الإلهية، التي بها تُحفظ شرارة النار المقدسة التي أوقدها الله في النفس، بل تُذكى حتى تصير لهيبًا. وكثيرًا ما كان إهمال الصلاة السرية مدخلًا لأمراض روحية كثيرة، وتبعته عواقب وخيمة. لاحظ أوريجانوس «أنه في اليوم الذي قدّم فيه البخور لصنم، كان قد خرج من مخدعه دون أن يمارس الصلاة السرية». إنها من أنبل أجزاء سلاح المؤمنين الروحي. «مُصَلِّينَ»، يقول الرسول، «بِكُلِّ صَلَاةٍ وَطِلْبَةٍ كُلَّ وَقْتٍ». «اِسْهَرُوا وَصَلُّوا»، يقول ربنا، «لِئَلَّا تَدْخُلُوا فِي تَجْرِبَةٍ». وقد ضرب مثلًا في أنه ينبغي لتلاميذه أن يصلّوا ولا يملّوا. لا لأن ربنا يريدنا أن نكون دائمًا على ركبنا، أو في مخادعنا، فنهمل واجباتنا الأخرى نحو الآخرين. ولكنه يعني أن تُحفظ نفوسنا في روح الصلاة، حتى نستطيع أن نقول، كما قال رجل صالح في اسكتلندا لأصدقائه وهو على فراش الموت: «لو استطاعت هذه الستائر، أو استطاعت هذه الجدران أن تتكلم، لأخبرتكم أية شركة حلوة كانت لي مع إلهي هنا». يا للصلاة! الصلاة! إنها تجمع الله والإنسان وتبقيهما معًا. إنها ترفع الإنسان إلى الله، وتُنزل الله إلى الإنسان. فإن أردتم إذن، أيها المؤمنون، أن تحفظوا سيركم مع الله، فصلّوا، «صَلُّوا بِلَا ٱنْقِطَاعٍ». أكثِروا من الصلاة السرية المنتظمة. ومتى كنتم في أشغال الحياة العادية، فأكثروا من الصلوات القصيرة المرفوعة، وأرسلوا، من حين إلى حين، رسائل قصيرة بالبريد إلى السماء على أجنحة الإيمان. إنها ستبلغ قلب الله نفسه، وتعود إليكم محمّلة بالبركات الروحية.

ثالثًا، التأمل المقدس المتواتر وسيلة مباركة أخرى يحفظ بها المؤمن سيره مع الله. يقول لوثر إن «الصلاة، والقراءة، والتجربة، والتأمل تصنع الخادم». وهي أيضًا تصنع المسيحي وتكمّله. فالتأمل للنفس كالهضم للجسد. وقد وجد داود القديس الأمر كذلك، ولهذا كان كثيرًا ما ينشغل بالتأمل، حتى في هزيع الليل. ونقرأ أيضًا أن إسحاق خرج إلى الحقل ليتأمل عند المساء، أو كما جاء في الهامش: ليصلي. فالتأمل نوع من الصلاة الصامتة، به كثيرًا ما تُحمل النفس كأنها خارج ذاتها إلى الله، وتصير إلى حدٍّ ما شبيهة بتلك الأرواح المباركة التي تنظر كل حين وجه أبينا السماوي بنوع من الرؤية المباشرة. ولا يقدر أن يخبر بما للتأمل من أثر مبارك في إنماء الحياة الإلهية إلا تلك النفوس السعيدة التي اعتادت هذا العمل الإلهي. يقول داود: «عِنْدَ لَهَجِي ٱشْتَعَلَتِ ٱلنَّارُ». وبينما المؤمن يلهج في أعمال الله وكلمته، ولا سيما في عمل الأعمال ذاك، وعجيبة العجائب تلك، وسرّ التقوى ذاك: «ٱللهُ ظَهَرَ فِي ٱلْجَسَدِ»، حمل الله المذبوح لأجل خطايا العالم، فإنه كثيرًا ما يحس بنار المحبة الإلهية تشتعل فيه، حتى يضطر أن يتكلم بلسانه، ويخبر بإحسانات الرب إلى نفسه. فأكثروا إذن من التأمل، يا جميع الذين ترغبون في أن تحفظوا وتديموا سيرًا لصيقًا ثابتًا مع الله العلي.

رابعًا، يحفظ المؤمنون سيرهم مع الله بمراقبة معاملاته التدبيرية معهم وملاحظتها. فإن كنا نؤمن بالكتب المقدسة، فلا بد أن نؤمن بما أعلنه ربنا فيها: أنه قال لتلاميذه: «حَتَّى شُعُورُ رُؤُوسِكُمْ جَمِيعُهَا مُحْصَاةٌ»، وأن العصفور الواحد «لَا يَسْقُطُ عَلَى ٱلْأَرْضِ» (سواء نزل ليلتقط حبة قمح، أو أصابه صيّاد بسهمه) «بِدُونِ أَبِيكُمْ»، أي دون علم أبينا السماوي. إن في كل صليب دعوة، ولكل تدبير خاص من تدابير العناية الإلهية غاية خاصة يحققها في الذين يُرسل إليهم. فإن كان من نوع الضيق، فالله يقول به: «أَيُّهَا ٱلْأَوْلَادُ، ٱحْفَظُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ ٱلْأَصْنَامِ»؛ وإن كان من نوع الرخاء، فهو يقول، كأنما بصوت منخفض خفيف: «يَا ٱبْنِي أَعْطِنِي قَلْبَكَ». فإن أراد المؤمنون إذن أن يحفظوا سيرهم مع الله، فعليهم أن يسمعوا من حين إلى حين ما يقوله الرب في شأنهم بصوت عنايته. وهكذا نجد أن عبد إبراهيم، حين ذهب ليأخذ زوجة لسيده إسحاق، رصد عناية الله وراقبها، وبهذه الوسيلة اهتدى إلى من كانت معيّنة لتكون زوجة لسيده. يقول الأسقف التقي هول: «فإن إشارة صغيرة من العناية تكفي الإيمان ليقتات بها». وكما أؤمن أن جزءًا من سعادتنا في السماء سيكون أن نتأمل حلقات السلسلة الذهبية المتنوعة التي جذبتنا إلى هناك وننظر إليها راجعين، كذلك أؤمن أن الذين يتمتعون بأكثر ما يكون من السماء هنا في الأسفل، هم الأكثر تدقيقًا في ملاحظة معاملات الله المتنوعة معهم، من جهة تدابير عنايته هنا على الأرض.

خامسًا، لكي يسير أولاد الله مع الله سيرًا لصيقًا، عليهم ألا يراقبوا تحركات عناية الله من خارجهم فحسب، بل أيضًا تحركات روحه المبارك في قلوبهم. فإن «كُلَّ ٱلَّذِينَ يَنْقَادُونَ بِرُوحِ ٱللهِ، فَأُولَئِكَ هُمْ أَبْنَاءُ ٱللهِ»، وهم يسلّمون أنفسهم ليرشدهم الروح القدس، كما يمدّ الطفل الصغير يده لتقوده مربيته أو أحد والديه. ولا شك أنه بهذا المعنى ينبغي أن نرجع ونصير مثل الأولاد الصغار. ومع أن ادعاء الانقياد بالروح بمعزل عن الكلمة المكتوبة هو خلاصة الهوس الديني بعينها، فإن من الواجب الملزم لكل مسيحي أن ينقاد بالروح مقترنًا بكلمة الله المكتوبة. فراقبوا إذن، أسألكم، أيها المؤمنون، تحركات روح الله المبارك في نفوسكم، وامتحنوا دائمًا الإيحاءات أو الانطباعات التي قد تشعرون بها في أي وقت بالقانون المعصوم، أي بكلمة الله الأقدس: فإن وُجدت غير موافقة لها، فارفضوها بوصفها شيطانية خادعة. وبمراعاة هذا التحذير تسلكون طريقًا وسطًا بين الطرفين الخطرين اللذين يتعرض كثيرون من هذا الجيل لخطر الانزلاق إليهما؛ أعني الهوس الديني من جهة، والربوبية والكفر الصريح من الجهة الأخرى.

سادسًا، الذين يريدون أن يحفظوا سيرًا مقدسًا مع الله، عليهم أن يسيروا معه في الفرائض كما في معاملات العناية، وهلم جرًّا. ولهذا مكتوب عن زكريا وأليصابات أنهما كانا «سَالِكَيْنِ فِي جَمِيعِ وَصَايَا ٱلرَّبِّ وَأَحْكَامِهِ بِلَا لَوْمٍ». وجميع المسيحيين المستنيرين استنارة صحيحة سينظرون إلى الفرائض، لا كأركان ضعيفة فقيرة، بل كقنوات كثيرة يوصل بها يهوه المتنازل بلا حدّ نعمته إلى نفوسهم. سينظرون إليها كخبز البنين، وكأسمى امتيازاتهم. ومن ثم يفرحون حين يسمعون آخرين يقولون: «إِلَى بَيْتِ ٱلرَّبِّ نَذْهَبُ». ويسرّهم أن يزوروا موضع مسكن مجد الله، ويتلهفون كثيرًا على اغتنام كل فرصة ليخبروا بموت الرب المسيح إلى أن يجيء.

سابعًا وأخيرًا، إن أردتم أن تسيروا مع الله، فستعاشرون الذين يسيرون معه وتصاحبونهم. يقول داود القديس: «ٱلْأَفَاضِلُ كُلُّ مَسَرَّتِي بِهِمْ»، أي الذين يفوقون في الفضيلة. كانوا في نظره أفاضل الأرض. ولا شك أن المسيحيين الأوائل حفظوا نشاطهم ومحبتهم الأولى بمواظبتهم على الشركة بعضهم مع بعض. وقد عرف الرسول بولس هذا جيدًا، ولذلك يحث المسيحيين على أن يحرصوا ألا يتركوا اجتماعهم معًا. لأنه «أَمَّا ٱلْوَحْدُ فَكَيْفَ يَدْفَأُ؟» أوَلم يخبرنا أحكم الناس بأن «ٱلْحَدِيدُ بِٱلْحَدِيدِ يُحَدَّدُ، وَٱلْإِنْسَانُ يُحَدِّدُ وَجْهَ صَاحِبِهِ»؟ فإن نظرنا إذن في تاريخ الكنيسة، أو تأملنا تأملًا منصفًا في أزمنتنا، فأظن أننا سنجد أنه حيثما سادت قوة الله، سادت الجمعيات المسيحية واجتماعات الشركة بالقدر نفسه. وحيثما ضعفت الواحدة، ضعفت الأخرى وتضاءلت شيئًا فشيئًا في الوقت نفسه دون أن يُشعر بها. فما أشد لزوم أن يجتمع الذين يريدون أن يسيروا مع الله ويحفظوا حياة التدين، كلما سنحت لهم الفرصة، لكي يحرّض بعضهم بعضًا على المحبة والأعمال الحسنة.

ولننتقل الآن إلى الأمر العام الثالث الذي اقترحناه: أن نقدّم بعض البواعث التي تحث الجميع على أن يأتوا ويسيروا مع الله.

وأولًا، السير مع الله أمر مُكرِّم جدًّا. وهذا في العادة باعث غالب لدى الناس من كل الطبقات، يستنهضهم إلى أي مشروع خطير. فليت له وزنه وتأثيره اللائقين عندكم في الأمر المطروح أمامنا الآن! أظن أنكم جميعًا تحسبون كرامة عظيمة جدًّا أن يُقبل أحدكم في مجلس أسرار أمير أرضي، وأن يؤتمن على أسراره، وأن يكون له أن يكلمه في كل الأوقات وفي كل المواسم. ويبدو أن هامان حسب الأمر كذلك حين افتخر، أستير 5:11، بأن الملك فضلًا عن أنه «رَقَّاهُ عَلَى ٱلرُّؤَسَاءِ وَعَبِيدِ ٱلْمَلِكِ»، قال: «حَتَّى إِنَّ أَسْتِيرَ ٱلْمَلِكَةَ لَمْ تُدْخِلْ مَعَ ٱلْمَلِكِ». ولما طُرح بعد ذلك على هامان نفسه هذا السؤال، الأصحاح 6:6: «مَاذَا يُعْمَلُ لِرَجُلٍ يُسَرُّ ٱلْمَلِكُ بِأَنْ يُكْرِمَهُ؟» أجاب، العدد 8: «يَأْتُونَ بِٱللِّبَاسِ ٱلسُّلْطَانِيِّ ٱلَّذِي يَلْبَسُهُ ٱلْمَلِكُ، وَبِالْفَرَسِ ٱلَّذِي يَرْكَبُهُ ٱلْمَلِكُ، وَبِتَاجِ ٱلْمُلْكِ ٱلَّذِي يُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ، وَيُدْفَعُ ٱللِّبَاسُ وَٱلْفَرَسُ لِرَجُلٍ مِنْ رُؤَسَاءِ ٱلْمَلِكِ ٱلْأَشْرَافِ، وَيُلْبِسُونَ ٱلرَّجُلَ ٱلَّذِي سُرَّ ٱلْمَلِكُ بِأَنْ يُكْرِمَهُ وَيُرَكِّبُونَهُ عَلَى ٱلْفَرَسِ فِي سَاحَةِ ٱلْمَدِينَةِ، وَيُنَادُونَ قُدَّامَهُ: هَكَذَا يُصْنَعُ لِلرَّجُلِ ٱلَّذِي يُسَرُّ ٱلْمَلِكُ بِأَنْ يُكْرِمَهُ». فهذا إذن، على ما يبدو، كل ما استطاع هامان الطموح أن يطلبه، وأثمن ما ظن أن أحشويروش، أعظم ملوك الأرض، يستطيع أن يعطيه. ولكن، وا أسفاه، ما هذه الكرامة بالمقارنة مع تلك التي يتمتع بها أصغر الذين يسيرون مع الله! أتحسبون أمرًا هيّنًا، أيها السادة، أن يكون سرّ رب الأرباب معكم، وأن تُدعوا أحباء الله؟ وهذه الكرامة لجميع قديسي الله. «سِرُّ ٱلرَّبِّ لِخَائِفِيهِ»: و«لَا أَعُودُ أُسَمِّيكُمْ عَبِيدًا، لِأَنَّ ٱلْعَبْدَ لَا يَعْلَمُ مَا يَعْمَلُ سَيِّدُهُ، لَكِنِّي قَدْ سَمَّيْتُكُمْ أَحِبَّاءَ» (يقول يسوع المبارك). ومهما ظننتم في ذلك، فقد كان داود القديس شاعرًا بالكرامة المصاحبة للسير مع الله حتى إنه أعلن: «ٱخْتَرْتُ ٱلْوُقُوفَ عَلَى ٱلْعَتَبَةِ فِي بَيْتِ إِلَهِي عَلَى ٱلسَّكَنِ فِي خِيَامِ ٱلْأَشْرَارِ». ليت الجميع كانوا على فكره!

ولكن، ثانيًا، كما أن السير مع الله أمر مكرَّم، فهو كذلك أمر مُبهج. لقد أخبرنا أحكم البشر أن الحكمة «طُرُقُهَا طُرُقُ نِعَمٍ، وَكُلُّ مَسَالِكِهَا سَلَامٌ». وأذكر أن السيد هنري التقي، حين كان على وشك أن يلفظ أنفاسه الأخيرة، قال لصديق له: «لقد سمعتَ كلمات كثيرين وهم يموتون، وهذه هي كلماتي: إن الحياة التي تُقضى في الشركة مع الله هي أبهج حياة في العالم». وأنا واثق أنني أستطيع أن أختم على صدق هذا. حقًّا إنني لم أنضوِ تحت راية يسوع إلا منذ سنوات قليلة؛ ولكني تمتعت في لحظة واحدة من الشركة مع إلهي بمسرّة راسخة أكثر مما كنت سأتمتع به، أو أستطيع أن أتمتع به، في طرق الخطية، ولو ظللت سائرًا فيها آلاف السنين. أفلا يحق لي أن أستشهد بكم جميعًا، يا من تخافون الله وتسيرون معه، على صدق هذا؟ أليس يوم واحد في ديار الرب خيرًا لكم من ألف؟ أما وجدتم في حفظ وصايا الله ثوابًا حاضرًا وعظيمًا جدًّا؟ أليست كلمته أحلى لكم من العسل وقطر الشهاد؟ آه، ماذا شعرتم به حين كنتم، مثل يعقوب، تصارعون إلهكم؟ أما لاقاكم يسوع مرارًا وأنتم تتأملون في الحقول، وأعلن ذاته لكم مرة بعد مرة عند كسر الخبز؟ أما سكب الروح القدس كثيرًا المحبة الإلهية في قلوبكم بغنى، وملأكم فرحًا لا يُنطق به، بل فرحًا مجيدًا؟ أعلم أنكم ستجيبون عن هذه الأسئلة كلها بالإيجاب، وستعترفون عن طيب خاطر بأن نير المسيح هيّن وحمله خفيف؛ أو (بحسب كلمات إحدى صلواتنا الجماعية) «خدمته هي الحرية الكاملة». فأي حاجة بنا بعدُ إلى دافع آخر يحثنا على السير مع الله؟

ولكن يُخيَّل إليّ أني أسمع بعضًا منكم يقولون: «كيف يمكن أن يكون هذا؟ فإن كان السير مع الله، كما تقول، أمرًا مكرَّمًا ومبهجًا إلى هذا الحد، فمن أين أن اسم أهل هذا الطريق يُرفض كشرير، ويُقاوَم في كل مكان؟ وكيف يحدث أنهم كثيرًا ما يكونون متضايقين، مجرَّبين، معتازين، معذَّبين؟ أهذه هي الكرامة، وهذه هي المسرّة، التي تتكلم عنها؟» أجيب: نعم. تمهّلوا قليلًا؛ لا تتسرعوا. لا تحكموا حسب الظاهر، بل احكموا حكمًا عادلًا، فيكون كل شيء على ما يرام. صحيح أننا نُقرّ بأن «أهل هذا الطريق»، كما تسمّونهم أنتم، وكما سمّاهم بولس قبلكم حين كان مضطهِدًا، تُرفض أسماؤهم كشريرة، وأنهم شيعة تُقاوَم في كل مكان. ولكن مِمّن؟ من أعداء الله العلي. أفتظنون أنه عار أن يتكلم هؤلاء عنكم بالشر؟ تبارك الله، إننا لم نتعلم المسيح هكذا. لقد أعلن سيدنا الملك: «طُوبَى لِلْمَطْرُودِينَ»، ولمن يُقال عليهم «كُلَّ كَلِمَةٍ شِرِّيرَةٍ» كذبًا. وأمرهم قائلًا: «اِفْرَحُوا وَتَهَلَّلُوا»، لأن هذا امتياز تلمذتهم، ولأن أجرهم سيكون عظيمًا في السماء. وهو نفسه عومل هكذا. وهل يمكن أن تُسبغ على مخلوق كرامة أعظم من أن يكون مشابهًا لابن الله المبارك إلى الأبد؟ ثم إنه صحيح كذلك أن أهل هذا الطريق كثيرًا ما يكونون متضايقين، مجرَّبين، معتازين، معذَّبين. ولكن ما شأن هذا كله؟ أيُبطل هذا مسرّة السير مع الله؟ كلا، البتة؛ لأن السائرين مع الله يتقوَّون بالمسيح الذي يقويهم، فيفرحون حتى في الضيق، ويبتهجون حين يقعون في تجارب متنوعة. وأظن أنني أستطيع أن أستشهد باختبار جميع السائرين مع الله بإخلاص وعن قرب: أليست أوقات آلامهم كثيرًا ما كانت أحلى أوقاتهم، وأنهم تمتعوا بالله أعظم تمتع حين كانوا أشد ما يكونون مطرودين ومحتقرين من الناس؟ هذا ما نجده في حال خدام المسيح الأولين، حين هدّدهم مجمع السنهدريم اليهودي، وأُمروا ألا يكرزوا بعد باسم يسوع؛ فقد فرحوا لأنهم حُسبوا مستأهلين أن يُهانوا من أجل يسوع. وبولس وسيلا سبّحا حتى في سجن مظلم؛ ووجه إستفانوس، ذلك الشهيد الأول المجيد في الكنيسة المسيحية، أشرق كوجه ملاك. ويسوع هو هو الآن كما كان حينئذ، ويحرص على أن يُحلّي الآلام والضيقات بمحبته، حتى يجد تلاميذه، باختبار سعيد، أنه كما تكثر الضيقات تكثر التعزيات بالأحرى جدًّا. ولذلك فإن هذه الاعتراضات، بدلًا من أن تهدم الدوافع التي سبق أن قدّمتها لحثّكم على السير مع الله، لا تزيدها إلا قوة.

ولكن لنفترض أن الاعتراضات كانت صائبة، وأن السائرين مع الله محتقرون وتعساء كما تصوّرونهم؛ فإن لديّ مع ذلك دافعًا ثالثًا أقدّمه، إذا وُزن بميزان القدس رجح على كل الاعتراضات، أعني: أن في نهاية هذا الطريق سماءً. وبحسب كلمات الأسقف التقي بيفريدج: «وإن كان الطريق ضيقًا فهو ليس طويلًا؛ وإن كان الباب ضيقًا فهو ينفتح على الحياة الأبدية». هكذا وجده أخنوخ. لقد سار مع الله على الأرض، فأخذه الله ليجلس معه إلى الأبد في ملكوت السماوات. لا أن علينا أن نتوقع أن نُؤخذ كما أُخذ هو: كلا، بل أظن أننا جميعًا سنموت الموت العام الذي يموته كل البشر. ولكن بعد الموت ترجع أرواح الذين ساروا مع الله إلى الله الذي أعطاها؛ وفي صباح القيامة تكون النفس والجسد مع الرب إلى الأبد؛ وتصير أجسادهم على صورة جسد المسيح الممجَّد، وتمتلئ نفوسهم إلى كل ملء الله. سيجلسون على عروش؛ وسيدينون ملائكة. وسيُقوَّون ليحتملوا ثقل مجد أبدي فائق جدًّا، بل ذلك المجد الذي كان ليسوع المسيح عند الآب قبل كون العالم. «يا له من مجد، ما أعظمه وما أبهاه!» هكذا قال أرندت العالِم التقي، قُبيل أن ينكّس رأسه ويُسلم الروح. إن مجرد التفكير فيه يكفي لأن يجعلنا «نتمنى أن نثب فوق سنيّنا السبعين»، كما يعبّر الدكتور واتس الصالح، وأن ينطلق لساننا بكلمات المرنم الملك الحارة: «عَطِشَتْ نَفْسِي إِلَى ٱللهِ، إِلَى ٱلْإِلَهِ ٱلْحَيِّ. مَتَى أَجِيءُ وَأَتَرَاءَى قُدَّامَ ٱللهِ؟» ولا أعجب من أن الشعور بهذا، حين يكون الإنسان تحت إشراق وفيض من الحياة والمحبة الإلهيتين يفوقان المعتاد، يجعل بعض الناس يُغمى عليهم، بل يفقدون إلى حين القدرة على حواسهم. فمنظر أدنى من هذا، أعني منظر مجد سليمان، أدهش ملكة سبأ؛ ومنظر أدنى من ذاك أيضًا، أعني منظر عجلات يوسف، جعل يعقوب القديس يُغشى عليه، وكأنه يموت إلى حين. ودانيال، حين أُذن له أن يرى هذا المجد الفائق من بعيد، سقط عند قدمي الملاك كميت. فإن كانت رؤية هذا المجد من بعيد بهذا الامتياز، فكيف يكون امتلاكه فعلًا؟ وإن كانت الباكورات بهذا المجد، فكم يفوقها الحصاد مجدًا بما لا يُحد؟

والآن، ماذا أقول، بل ماذا أستطيع أن أقول أكثر لأحثّكم، أنتم الذين ما زلتم غرباء عن المسيح، على أن تأتوا وتسيروا مع الله؟ إن كنتم تحبون الكرامة والمسرّة وإكليل المجد، فتعالوا اطلبوها حيث وحده يمكن أن توجد. تعالوا، البسوا الرب يسوع. تعالوا، أسرعوا وسيروا مع الله، ولا تصنعوا بعدُ تدبيرًا للجسد لتتميم شهواته. قف، قف، أيها الخاطئ! ارجعوا، ارجعوا، أيها غير المتجددين، لأن نهاية الطريق الذي تسيرون فيه الآن، مهما بدا مستقيمًا في عيونكم العمياء، هي الموت، بل الهلاك الأبدي للجسد والنفس معًا. لا تتوانوا بعدُ، أقول لكم: إني أنذركم وأنتم على خطر، لا تخطوا خطوة واحدة أخرى في طريقكم الحاضر. فما أدراك أيها الإنسان أن الخطوة التالية التي تخطوها لن تكون إلى الجحيم؟ قد يقبض عليك الموت، وتدركك الدينونة، وحينئذ تُثبَّت الهوة العظيمة بينك وبين المجد الذي لا ينتهي إلى أبد الآبدين. آه، تفكّروا في هذه الأمور، يا جميع الذين لا يريدون أن يسيروا مع الله. ضعوها في قلوبكم. كونوا رجالًا، وقولوا بقوة يسوع: وداعًا يا شهوة الجسد، لن أسير معكِ بعد! وداعًا يا شهوة العيون وتعظّم المعيشة! وداعًا أيها الرفقاء الجسديون وأعداء الصليب، لن أسير معكم بعد ولن أصادقكم! مرحبًا بك يا يسوع، مرحبًا بكلمتك، مرحبًا بفرائضك، مرحبًا بروحك، مرحبًا بشعبك، من الآن فصاعدًا سأسير معكم. آه، ليت فيكم مثل هذا الفكر! إن الله سيضع عليه أمره القدير النافذ، ويختمه بختم السماء العظيم، بل بخاتم روحه القدوس. نعم، سيفعل، ولو كنتم تسيرون مع أهواء قلوبكم الشريرة جدًّا ومقاصدها وتتبعونها منذ وُلدتم. يقول يهوه العظيم إنه هو «ٱلْعَلِيُّ ٱلْمُرْتَفِعُ، سَاكِنُ ٱلْأَبَدِ»، وإنه يسكن «مَعَ ٱلْمُنْسَحِقِ وَٱلْمُتَوَاضِعِ ٱلرُّوحِ»، ومع «ٱلْمُرْتَعِدِ مِنْ كَلَامِي». والدم، بل دم يسوع المسيح الكريم، إن أتيتم إلى الآب فيه وبه، يطهّركم من كل خطية.

ولكن النص يقودني إلى أن أكلمكم أنتم القديسين، كما أكلمكم أنتم الخطاة المجاهرين غير المتجددين. لا حاجة بي إلى أن أقول لكم إن السير مع الله ليس مكرَّمًا فحسب، بل مبهج ونافع أيضًا؛ لأنكم تعرفون ذلك باختبار سعيد، وستجدونه كذلك أكثر فأكثر كل يوم. إنما اسمحوا لي أن أنهض أذهانكم النقية بالتذكرة، وأن أطلب إليكم برأفة الله في المسيح يسوع أن تحترزوا لأنفسكم، وأن تسيروا مع إلهكم أقرب مما سرتم في الأيام الماضية: فإنكم كلما سرتم مع الله عن قرب أكثر، تمتعتم أكثر بذاك الذي حضوره حياة، وكنتم أكثر استعدادًا لأن تُقاموا عن يمينه، حيث النعم إلى الأبد. آه، لا تتبعوا يسوع من بعيد! آه، لا تكونوا شكليين إلى هذا الحد، أمواتًا وبلداء في حضوركم الفرائض المقدسة! لا تتركوا اجتماعكم معًا بهذا الشكل المخزي، ولا تكونوا بخلاء أو غير مبالين بأمور الله. اذكروا ما يقوله يسوع عن كنيسة لاودكية: «لِأَنَّكَ فَاتِرٌ، وَلَسْتَ بَارِدًا وَلَا حَارًّا، أَنَا مُزْمِعٌ أَنْ أَتَقَيَّأَكَ مِنْ فَمِي». تأملوا في محبة يسوع، ودعوا تلك المحبة تحصركم لتبقوا قريبين منه؛ وإن متّم من أجله فلا تنكروه، ولا تبتعدوا عنه بأي حال من الأحوال.

كلمة واحدة إلى إخوتي في الخدمة الحاضرين هنا، وأكون قد انتهيت. ترون يا إخوتي أن قلبي ممتلئ؛ وأكاد أقول إنه أكبر من أن يتكلم، وأكبر من أن يصمت، دون أن يلقي إليكم كلمة. أفلا يتكلم النص بنوع خاص إلى الذين لهم كرامة أن يُدعَوا سفراء المسيح ووكلاء سرائر الله؟ لقد لاحظتُ في بداية هذه العظة أن أخنوخ كان على الأرجح شخصًا عامًّا، وواعظًا ملتهبًا. أفلا يكلمنا، وإن كان قد مات، ليضرم غيرتنا ويجعلنا أكثر نشاطًا في خدمة سيدنا المجيد المبارك إلى الأبد؟ كيف كان أخنوخ يعظ! وكيف سار أخنوخ مع الله، مع أنه عاش في جيل شرير فاسق! فلنتبعه إذن كما تبع هو يسوع المسيح، وعن قريب حيث يكون هو نكون نحن أيضًا. لقد دخل الآن راحته: وبعد قليل ندخل نحن راحتنا، وذلك أسرع بكثير مما دخلها هو. لقد تغرّب هنا في الأسفل ثلاث مئة سنة؛ ولكن تبارك الله، فقد قصُرت أيام الإنسان الآن، وبعد أيام قليلة ينتهي مسيرنا. الديّان واقف على الباب: «سَيَأْتِي ٱلْآتِي وَلَا يُبْطِئُ»: وأجرته معه. وسنضيء جميعًا عن قريب (إن كنا غيورين لرب الجنود) كالكواكب في الجلد، في ملكوت أبينا السماوي، إلى أبد الآبدين. فله، وليسوع المبارك، وللروح الأزلي، كل الكرامة والمجد، الآن وإلى الأبد. آمين، ثم آمين.

الشواهد الكتابية في هذه العظة تكوين 5:24
المواضيع الحياة الأعمق

ملكية عامة. النص المصدر من الطبعة الأصلية.

استشهد بهذه العظة

انسخ الاستشهاد بالأسلوب الذي تحتاجه.

MLA
Whitefield, George. “السير مع الله.” Sermon. Ochorus, https://ochorus.com/ar/sermons/walking-with-god/.
Chicago
Whitefield, George. “السير مع الله.” Sermon. Ochorus. https://ochorus.com/ar/sermons/walking-with-god/.
Chicago footnote
George Whitefield, “السير مع الله,” sermon, Ochorus, https://ochorus.com/ar/sermons/walking-with-god/.
BibTeX
@misc{whitefield, author = {Whitefield, George}, title = {{السير مع الله}}, howpublished = {Sermon}, publisher = {Ochorus}, url = {https://ochorus.com/ar/sermons/walking-with-god/} }