عظة · قراءة 12 د

انتصار الجلجثة

صورة Christmas Evans Christmas Evans

النص

إشعياء 63:1

باختصار

«مَنْ ذَا ٱلْآتِي مِنْ أَدُومَ، بِثِيَابٍ حُمْرٍ مِنْ بُصْرَةَ؟» يأخذ إيفانز رؤيا إشعياء للغالب الوحيد العائد من المعركة بثياب حمر، ويقرؤها على أنها المسيح راجعًا من الجلجثة وقد داس المعصرة وحده. عظة ذات صورة واحدة شامخة، يرفعها الواعظ أمام السامعين حتى يبدو الصليب على حقيقته: نصرةً.

«مَنْ ذَا ٱلْآتِي مِنْ أَدُومَ، بِثِيَابٍ حُمْرٍ مِنْ بُصْرَةَ؟ هَذَا ٱلْبَهِيُّ بِمَلَابِسِهِ، ٱلْمُتَعَظِّمُ بِكَثْرَةِ قُوَّتِهِ. أَنَا ٱلْمُتَكَلِّمُ بِٱلْبِرِّ، ٱلْعَظِيمُ لِلْخَلَاصِ. مَا بَالُ لِبَاسِكَ مُحَمَّرٌ، وَثِيَابُكَ كَدَائِسِ ٱلْمِعْصَرَةِ؟ قَدْ دُسْتُ ٱلْمِعْصَرَةَ وَحْدِي، وَمِنَ ٱلشُّعُوبِ لَمْ يَكُنْ مَعِي أَحَدٌ. فَدُسْتُهُمْ بِغَضَبِي، وَوَطِئْتُهُمْ بِغَيْظِي. فَرُشَّ عَصِيرُهُمْ عَلَى ثِيَابِي، فَلَطَخْتُ كُلَّ مَلَابِسِي. لِأَنَّ يَوْمَ ٱلنَّقْمَةِ فِي قَلْبِي، وَسَنَةَ مَفْدِيِّيَّ قَدْ أَتَتْ. فَنَظَرْتُ وَلَمْ يَكُنْ مُعِينٌ، وَتَحَيَّرْتُ إِذْ لَمْ يَكُنْ عَاضِدٌ، فَخَلَّصَتْ لِي ذِرَاعِي، وَغَيْظِي عَضَدَنِي. فَدُسْتُ شُعُوبًا بِغَضَبِي وَأَسْكَرْتُهُمْ بِغَيْظِي، وَأَجْرَيْتُ عَلَى ٱلْأَرْضِ عَصِيرَهُمْ»

هذا المقطع من أسمى ما في الكتاب المقدس كلّه، وليس صوت الله الخارج من العلّيقة المشتعلة بأجلّ منه ولا أشدّ رهبة. إنه يصوّر «رئيس خلاصنا» وقد تُرك وحده في حمأة المعركة، يزحف ظافرًا بين صفوف العدو المحطّمة، يكسر المزاليج، ويحمل أبواب النحاس، ويحرّر بالغلبة أسرى الخطية والموت. فلنحدّد أولًا الأحداث التي يتعلّق بها نصّنا، ثم نشرح بإيجاز ما فيه من أسئلة وأجوبة.

أولًا: أمامنا هنا نصرة عجيبة أحرزها المسيح في مدينة بصرة، في أرض أدوم. وأول ما نبحث فيه زمان هذا العمل ومكانه.

من النبوّات ما هو حرفيّ، ومنها ما هو مجازيّ؛ بعضها قد تمّ، وبعضها يتمّ يومًا بعد يوم. وفي هذه النبوّة يختلف اللاهوتيون: فمنهم من يرى فيها وصفًا لصراع المسيح ونصرته خارج أبواب أورشليم منذ ثمانية عشر قرنًا، ومنهم من يفهمها إشارةً إلى معركة هرمجدون العظيمة التي أُنبئ بها في سفر الرؤيا، والتي ستتمّ قبل نهاية العالم.

لا أرضى أن أتجاوز جبل الجلجثة وقبر يوسف الجديد في طريقي إلى ساحة هرمجدون، ولا أرضى كذلك أن أقف عند مشهد الصلب والصعود دون أن أمضي أبعد إلى الغلبة الأخيرة على العدو. إني أومن أن الوحي الإلهي قد ضمّ الحدثين كليهما في النص: النصرة التي أُحرزت على الجلجثة، والنصرة التي ستتمّ في هرمجدون؛ نصرة آلام المسيّا التي أُكملت، ونصرة إنجيله ونعمته التي تتقدّم.

إن الصعوبة الكبرى في فهم بعض أجزاء كلمة الله تنشأ من ألفاظ لم تُترجم، وكثير منها باقٍ في ترجمتنا نحن، كما في ترجمة جيراننا الإنجليز. مثال ذلك ما جاء في (متى 2:23): «وَأَتَى وَسَكَنَ فِي مَدِينَةٍ يُقَالُ لَهَا نَاصِرَةُ، لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ بِٱلْأَنْبِيَاءِ: ‹إِنَّهُ سَيُدْعَى نَاصِرِيًّا›». فأين تنبّأ الأنبياء بأن المسيح سيُدعى ناصريًّا؟ في لا موضع. فإذا تُرجمت أسماء العلم زالت الصعوبة: «وأتى وسكن في مدينة يقال لها مغرس، لكي يتم ما قيل بالأنبياء: ‹إنه سيدعى الغصن›». وهذا الاسم أعطاه إياه إشعياء وإرميا وزكريا. وهذه بعينها الصعوبة التي نلقاها في نصّنا، وترجمة الألفاظ تحلّ العقدة: «مَنْ ذَا ٱلْآتِي مِنْ أَدُومَ» — الأرض الحمراء — «بِثِيَابٍ حُمْرٍ مِنْ بُصْرَةَ» — الضيق؟

الجزء الأول من النص يشير إلى نصرة الجلجثة، والجزء الأخير يستبق معركة هرمجدون وانتصارها، المذكورة في (رؤيا 16:16). تكتمل نصرة الجلجثة في صباح اليوم الثالث بعد الصلب، إذ يصعد الغالب من الأرض هاتفًا: «قد دست المعصرة وحدي على الجلجثة؛ وسأدوسهم بغضبي وأسكرهم بغيظي في معركة هرمجدون. سأدرك الوحش والنبي الكذاب والحية القديمة إبليس، وأهلكهم مع كل جيوشهم».

لما انقلب مدّ المعركة في ساحة واترلو، امتطى دوق ويلينغتون جواده وطارد العدو المهزوم. وكذلك غالب إشعياء: بعد أن شتّت قوات الجحيم على الجلجثة، يطاردها ويهلكها في ساحة هرمجدون. وهو يُصوَّر هنا بطلًا راجلًا، أميرًا بلا جيش؛ أما يوحنا الرائي فقد رآه راكبًا على فرس أبيض، تتبعه أجناد السماء، كلّهم على خيل بيض، وليس بينهم راجل واحد.

نصرة الجلجثة أشبه بدم الكفّارة في القدس. فالكروبيم كان بعضهم يتّجه إلى ناحية وبعضهم إلى الأخرى، لكنهم جميعًا كانوا ينظرون إلى دم الكفّارة. وهكذا فإن أحداث الزمان العظيمة كلّها — كل تجارب شعب الله وانتصاراته، ما وقع منها قبلُ، وما وقع بعدُ، وما سيقع — تتطلّع جميعها إلى مصارعة جثسيماني، ومعركة الجلجثة، وانتصار جبل الزيتون. فالخروج من مصر والرجوع من بابل كانا يتطلّعان إلى صليب المسيح، وإيمان الرجل الكامل من أرض عوص كان معلّقًا بفادٍ قائم. والشهداء المسيحيون غلبوا بدم الخروف، وكل انتصاراتهم إنما كانت بقوة إنجاز عظيم واحد. قبر يسوع هو مهد خلود شعبه، والقوة التي أقامته من الأموات ستفتح قبور جميع قدّيسيه: «تحيا أمواتك؛ مع جثتي يقومون. استيقظوا وترنموا يا سكان التراب؛ لأن طلك طل أعشاب، والأرض تطرح موتاها».

قدّم المسيح نفسه ذبيحة عنا، وشرب كأس سخط الله العادل عوضًا عنا. داسه العدل القدير كعنقود عنب في معصرة الناموس، حتى فاضت آنية الرحمة بخمر السلام والغفران، تلك الخمر التي جعلت آلافًا من الأرواح المنسحقة المتواضعة تبتهج «بِفَرَحٍ لَا يُنْطَقُ بِهِ وَمَجِيدٍ». تألّم لأجلنا لكي ننتصر معه. لكن نصّنا يصفه ملكًا وغالبًا؛ فقد كان في آنٍ واحد الذبيحة المائتة والغالب الذي لا يموت. فبـ«قُوَّةِ حَيَاةٍ لَا تَزُولُ» كان واقفًا عند المذبح والذبيحة تحترق. كان حيًّا في ثيابه الكهنوتية، ومبخرته الذهبية في يده. كان حيًّا في مجده الملكي، وسيفه وصولجانه في يده. كان حيًّا في بأسه الغالب، وقد أنهى الخطية، وسحق رأس الحية، وجرّد رياسات الجحيم وسلاطينه، ودفع جيوش رئيس الظلمة المهزومة إلى معصرة غضب الله القدير. ثم في صباح اليوم الثالث، حين قام من الأموات وأشهرهم جهارًا — عندئذ ابتدأت سنة اليوبيل بقوة!

بعد أن أطال أنبياء الأزمنة القديمة التحديق عبر ضباب المستقبل في آلام المسيح والأمجاد التي بعدها، اجتمع جمع منهم على قمّة الجلجثة. فرأوا جيشًا من الأعداء يصعد التلّ، مصطفًّا للقتال، مروّع المنظر. وفي وسط الصفّ كان ناموس الله، ناريًّا، واسعًا جدًّا، ينشئ غضبًا. وعلى الجناح الأيمن بعلزبول بجنوده من أهل الجحيم؛ وعلى الأيسر قيافا مع كهنته اليهود، وبيلاطس مع جنوده الرومان. أما المؤخّرة فكان يسوقها الموت، آخر عدو. فلما أبصر الرائون القدّيسون هذا الجيش، وأدركوا أنه يقترب، ارتدّوا إلى الوراء وتهيّأوا للهرب. وإذ تلفّتوا حولهم رأوا ابن الله يتقدّم بخطى جريئة، مثبّتًا وجهه نحو الجيش المعادي. فقال له أحد رجال الله: «أترى الخطر الذي أمامك؟» فأجاب: «سأدوسهم بغضبي»، ثم قال: «وأطؤهم بغيظي». فسأل النبي: «من أنت؟» فأجاب: «أَنَا ٱلْمُتَكَلِّمُ بِٱلْبِرِّ، ٱلْعَظِيمُ لِلْخَلَاصِ». فسأل الرائي: «أتخوض المعركة وحدك؟» فأجاب ابن الله: «نظرت ولم يكن معين، وتحيرت إذ لم يكن عاضد، فستخلص لي ذراعي، وغيظي سيعضدني». فسأل النبي القلق: «ومن أي موضع تبدأ هجومك؟» فأجاب: «سألاقي الناموس أولا، وأجوز تحت لعنته: لأني ها أنا أجيء لأفعل مشيئتك يا الله. فإذا ظفرت في قلب الصف، مالت الرايات لصالحي». وتقدّم وهو يقول هذا. وفي الحال سُمعت رعود سيناء، فارتعد جمهور الأنبياء كلّه رعبًا. لكنه تقدّم غير هيّاب وسط البروق اللامعة. وللحظةٍ احتجب عن الأنظار، ورفرفت راية الغضب فوقه ظافرة. وفجأة تغيّر المشهد: تدفّق من جنبه المطعون سيل من الدم، فأطفأ كل نيران سيناء. وظهرت راية السلام منشورة، وملأ الذعر صفوف أعدائه. ثم سحق بعقبه المسحوق رأس الحية القديمة، وهزم كل قوات الجحيم. وبقضيبه الحديدي حطّم الأعداء على الجناح الأيسر كإناء خزّاف. وبقي الموت، الذي حسب نفسه لا يُقهر، إذ كان قد انتصر حتى ذلك الحين على الجميع. فتقدّم يلوّح بشوكته التي سنّها على لوحي الحجر في سيناء، ورماها نحو الغالب، لكنها ارتدّت وتدلّت كسوط ليّن. فارتاع وتقهقر إلى القبر، قصره، فتعقّبه الغالب إليه. وفي زاوية مظلمة من عرينه جلس على عرشه المصنوع من جماجم بالية، واستنجد بالدود، حلفائه الأوفياء حتى ذلك الحين، ليعينوه في المعركة؛ لكنهم أجابوا: «لن يرى جسده فسادا!» فسقط الصولجان من يده. فأمسكه الغالب وقيّده وحكم عليه ببحيرة النار؛ ثم قام من القبر، يتبعه جمع من الأسرى المُطلَقين، خرجوا بعد قيامته ليكونوا شهودًا للنصرة التي أحرزها.

لم ينظر يوحنا في سفر الرؤيا إلى الوراء بعيدًا حتى دوس هذه المعصرة؛ لكن يوحنا رآه على فرسه الأبيض، وعلى رأسه تيجان كثيرة، وعيناه كلهيب نار، وسيف ذو حدّين في يده، في مقدّمة أجناد السماء، خارجًا غالبًا ولكي يغلب. وهذا هو إتمام قوله في نصّنا: «لأني سأدوسهم بغضبي، وأطؤهم بغيظي». هذا هو مطلع اليوبيل، معركة هرمجدون، التي فيها تُطرح كل عبادة الأوثان عند الأمم وكل خرافاتها، ويُكسر الوحش والنبي الكذّاب، ويؤخذ إبليس وجنوده أسرى بيد عمانوئيل، ويُغلق عليهم في الهاوية. إن الذي غلب الرياسات والسلاطين على الجلجثة لن يترك الميدان حتى يضع أعداءه كلّهم موطئًا لقدميه، ويبسط صولجانه على كون خاضع له. وإذ أرسل الإنجيل من أورشليم، فهو يرافقه بنعمة الروح القدس؛ ولن يرجع إليه فارغًا، بل يعمل ما سُرّ به وينجح في ما أرسله له.

إن نصرة هرمجدون تُحرز بقوة نصرة الجلجثة. فما هي إلا تتمّة الحملة المجيدة نفسها، والضربة الحاسمة الأولى التي نزلت برئيس الظلمة نذير أكيد بالغلبة الأخيرة. قال شبح يوليوس قيصر لبروتوس: «سألقاك ثانية في فيلبي!» ويقول ابن الله للشيطان على الجلجثة: «سألقاك ثانية في هرمجدون!» — «سألقاك في الاشتباك بين الخير والشر، بين النعمة والفساد، في قلب كل مؤمن؛ وفي صراع الحق الإلهي مع ضلالات البشر، وديانة الله مع خرافات الناس؛ في كل عظة، وكل نهضة، وكل مسعى إرسالي؛ وفي انتشار الإنجيل ومجده في الأيام الأخيرة سألقاك؛ والعقب الذي سحقته الآن سيسحق رأسك إلى الأبد!»

خلاص الإنسان من الله. فلم يكن للإنسان ميل إليه ولا قدرة عليه. لقد نبع خلاصه من المحبة الإلهية، وتفجّر كمحيط من ينابيع الأزل. كان الشيطان، كأسد مفترس، قد اختطف الفريسة، وكان يعدو إلى عرينه والشاة النازفة في فمه؛ لكن راعي إسرائيل يطارده ويدركه ويشقّه كما يُشقّ الجدي. وقد أُعلنت الحرب في عدن: «وَأَضَعُ عَدَاوَةً بَيْنَكِ وَبَيْنَ ٱلْمَرْأَةِ، وَبَيْنَ نَسْلِكِ وَنَسْلِهَا. هُوَ يَسْحَقُ رَأْسَكِ، وَأَنْتِ تَسْحَقِينَ عَقِبَهُ». وهذا سيتمّ. العهد مع الجحيم والميثاق مع الموت لن يثبتا. سيُخمد التمرّد، وتُحطَّم المؤامرة، والقوي المتسلّح سيسلّم القلعة لمن هو أقوى منه. ستُنقض أعمال إبليس، وتُنتزع الفريسة من أسنان العاتي. وسيزداد بيت داود قوّة، ويزداد بيت شاول ضعفًا، حتى تصير ممالك هذا العالم لإلهنا ومسيحه، ويُقيَّد الشيطان بسلاسل الظلام، ويُطرح في بحيرة النار. سيُهزم كل أعداء صهيون، ويُستردّ رضى الله الذي خسره الإنسان، ويُعاد إليه ما ضاع من أرض السلام والقداسة والخلود.

هذه الحملة تُموَّل من خزانة حكومة السماء. الخزانة لا تنفد، والسلاح لا يُقاوَم، ولذلك فالنصرة مؤكّدة. لقد نزل الملك القدير؛ أخذ مدينة بصرة، وبسط صولجانه على أدوم، وقام منتصرًا، وصعد بهتاف قائدًا للجيش كلّه. وما هذا إلا رهن وعربون لمآثره الآتية. ففي معركة هرمجدون يخرج كالجبّار، وكرجل حروب ينهض غيرته، ويقوى على أعدائه. يرتدّون إلى الوراء — يخزى خزيًا المتّكلون على المنحوتات، القائلون للمسبوكات: «أَنْتُنَّ آلِهَتُنَا!» حينئذ يفتح العيون العمي، ويُخرج الأسرى من الحبس، والجالسين في الظلمة من بيت السجن. سيشمّر عن ذراع قدسه — ويُظهر السيف في تلك اليد التي كانت مستترة تحت الرداء القرمزي — ويُعلن قوّته في هلاك أعدائه وخلاص شعبه. فكما سفك دمه يقينًا على الجلجثة، هكذا سيلطخ كل ملابسه بدم أعدائه في ساحة هرمجدون. وكما جرع كأس الغضب يقينًا واصطبغ بصبغة الألم على الجلجثة، هكذا سيحمل قضيب العدل الحديدي ويبسط صولجان الرحمة الذهبي في ساحة هرمجدون. لقد استُلّ السيف بالفعل، ونزلت الضربة الحاسمة، وانشقّت خوذة أبوليون، وتقطّعت ربط الإثم. لقد اضطرمت النار بالفعل، ولا تقدر كل قوات الجحيم أن تطفئها. لقد نزلت من السماء؛ وهي تأكل معسكر العدو، وتُلهب قلوب الناس، وتجدّد الأرض، وتنقّيها من اللعنة. لقد أشرق «كَوْكَبُ ٱلصُّبْحِ ٱلْمُنِيرُ» على الجلجثة؛ وعمّا قليل تشرق «شَمْسُ ٱلْبِرِّ» على ساحة هرمجدون؛ فتذوب الظلمة التي تغطّي الأرض، والظلام الدامس الذي يغطّي الأمم؛ وتلوذ المحمّدية والوثنية والبابوية، مع رئيسها إبليس، بالهاوية طلبًا للمأوى!

بعد المعركة نتلهّف لنعرف من قُتل، ومن جُرح، ومن فُقد من الصفوف. ففي اشتباك المسيّا مع الشيطان وحلفائه على الجلجثة، سُحق عقب المسيّا، أما الشيطان وحلفاؤه فأصيبوا بجرح مميت في الرأس. والرأس يدلّ على الحكمة والمكر والقوّة والسلطان. لقد فقد إبليس والخطية والموت سلطانهم على المؤمن بالمسيح منذ إنجاز الجلجثة. فلا دينونة الآن، ولا خوف من الجحيم. لكن الحية، وإن سُحق رأسها، قد تقدر أن تحرّك ذنبها فتُفزع قليلي الإيمان. غير أن ذلك لن يدوم طويلًا؛ فالجرح مميت، والنصرة مؤكّدة. على الجلجثة سحق رئيسُ خلاصنا رأسَ التنّين؛ وبعد معركة هرمجدون لن يتحرّك ذنبه بعد!

لا إعفاء في هذه الحرب. من يتجنّد تحت راية الصليب عليه أن يثبت أمينًا حتى الموت — فلا يضع سلاحه حتى يُبتلع الموت إلى غلبة. حينئذ يلبس كل غالب صورة السماوي، ويحمل الإكليل بدل الصليب، والسعفة بدل الرمح. فلنتقوَّ في الرب وفي شدّة قوّته، لكي نقدر أن نقاوم في اليوم الشرير؛ وبعد أن تنتهي الحرب كلّها، أن نقف مقبولين في المحبوب، لكي نملك معه إلى أبد الآبدين!

ثانيًا: يبقى علينا أن نشرح، بإيجاز شديد، الحوار المجيد في النص — أسئلة الكنيسة وأجوبة المسيّا.

ما أعظم دهشة مريم وفرحها حين لقيت المعلّم عند القبر لابسًا الخلود، هناك حيث ظنّت أنها ستجده ملفوفًا بأكفان الموت! وما أعجز الوصف عن ذهول التلاميذ وطربهم حين جاء ربّهم، الذي دفنوه منذ قليل، إلى البيت الذي كانوا مجتمعين فيه، وقال: «سَلَامٌ لَكُمْ!» تلك هي المشاعر التي تُصوَّر الكنيسة معبّرةً عنها في هذا الحوار السامي مع رئيس خلاصها. لقد سافر إلى أرض الضيق، ونزل إلى تراب الموت؛ لكن ها هو يرجع غالبًا، صولجان المحبة الذهبي في يسراه، وقضيب العدل الحديدي في يمناه، وعلى رأسه إكليل من كواكب كثيرة. والكنيسة تنظر إليه بدهشة عظيمة وابتهاج. لقد تبعته منذ قليل باكيةً إلى الصليب، وناحت على جسده في القبر؛ أما الآن فتراه قد قام حقًّا، وقد أباد الموت ومن له سلطان الموت، أي إبليس. فتخرج للقائه بأناشيد الفرح، كما خرجت بنات إسرائيل لاستقبال داود حين رجع من الوادي، ورأس الجبّار في يده، والدم يسيل على ثيابه. وجوقة الكنيسة منقسمة فرقتين، تترنّم الواحدة للأخرى بألحان متناوبة. فتبدأ فرقة اليمين الحوار المجيد: «مَنْ ذَا ٱلْآتِي مِنْ أَدُومَ؟» وتتلقّف فرقة اليسار السؤال وتردّده بتنويع: «بِثِيَابٍ حُمْرٍ مِنْ بُصْرَةَ؟» فتستأنف جماعة اليمين: «هَذَا ٱلْبَهِيُّ بِمَلَابِسِهِ؟» — «بهي رغم الضيقات التي احتملها؟» فتجيب اليسار: «ٱلْمُتَعَظِّمُ بِكَثْرَةِ قُوَّتِهِ؟» — «بقوة تكفي لفتح أبواب القبر وتحرير أسرى الفساد؟» فيتوقّف الغالب السماوي، ويلقي على جماعة بنات صهيون نظرة لطف لا يُحدّ؛ وبصوت فيه نغم الملائكة، وجلال يفوق جلال الملائكة، يجيب: «أَنَا ٱلْمُتَكَلِّمُ بِٱلْبِرِّ، ٱلْعَظِيمُ لِلْخَلَاصِ!» وعندئذ ينفجر النشيد ثانيةً كصوت مياه كثيرة من جهة اليمين: «مَا بَالُ لِبَاسِكَ مُحَمَّرٌ؟» ويرتدّ الجواب من اليسار كرعد مترنّم: «وَثِيَابُكَ كَدَائِسِ ٱلْمِعْصَرَةِ؟» فيجيب البطل الإلهي: «قد دست المعصرة وحدي، ومن الشعوب لم يكن معي أحد. حتى بطرس قد تركني، بكل شجاعته ومحبته؛ أما يوحنا فأقصى ما يقدر عليه أن يتكلم عن المحبة. لقد انتصرت على الرياسات والسلاطين. أنا مجروح، لكنهم مهزومون. هوذا الدم الذي فقدته! هوذا الغنائم التي غنمتها! الآن أمتطي فرسي الأبيض، وأطارد الشيطان، وأهدم مملكته، وأرده إلى أرض الظلمة في سلاسل أبدية، ويكون كل حلفائه منفيين معه إلى الأبد. إن ذراعي، التي أحرزت النصرة على الجلجثة، وجلبت الخلاص لكل شعبي من القبر، لا تزال قوية بما يكفي لتحمل صولجان المحبة الذهبي، وتكسر أعدائي في ساحة هرمجدون. سأنقض أعمال إبليس، وأهدم كل جيوشه؛ سأحطمهم كإناء خزاف. لأن يوم النقمة في قلبي، وسنة مفديي قد أتت. لقد تحركت أحشائي على أسرى الخطية والموت، واضطرم غيظي على الطغاة الذين يظلمونهم. قد حان لي أن أفتح السجون وأكسر القيود. لا بد أن أجمع شعبي إلي. لا بد أن أطلب الضال وأسترد المطرود. لا بد أن أجبر الكسير وأقوي الضعيف؛ ولكني أبيد السمين والقوي، وأرعاهم بعدل؛ سأدوسهم بغضبي، وأطؤهم بغيظي، وأحط قوتهم إلى الأرض، وألطخ كل ملابسي بدمهم!»

لنهرب من الغضب الآتي! ها هي الشمس قد ارتفعت عاليًا في يوم النقمة! لا يوجدنّ أحد منّا بين أعداء المسيّا، لئلا يسقط ذبيحةً لسخطه العادل في ساحة هرمجدون! لننجُ بحياتنا، فإن عاصفة نار غضبه ستتّقد إلى الهاوية السفلى! لنصلِّ طالبين نعمةً لنمسك بخلاص مفدييه! إنه خلاص مجّاني، وافر، كامل، مجيد، أبدي. ارجعوا، أيها المنفيّون المفديّون عن السعادة، ارجعوا إلى ميراثكم الذي خسرتموه! الآن سنة اليوبيل. تعالوا إلى يسوع، لكي تُمحى ديونكم، وتُغفر خطاياكم، وتتبرّروا! تعالوا، فإن قاهر أعدائكم على العرش! تعالوا، فإن أبواق الرحمة تدوّي! تعالوا، لأن كل شيء قد أُعدّ!

الشواهد الكتابية في هذه العظة إشعياء 63:1

ملكية عامة. النص المصدر من الطبعة الأصلية.