النص
رومية 5:15
باختصار
أشهر عظات كريسماس إيفانز، وهي العظة التي لا يزال أهل ويلز يستشهدون بها: الإنجيل كله يروى مشهدا واحدا يتكشف أمام السامع. يخلق الإنسان على صورة الله، ويسقط تاج البر، وتتنازع الرحمة والعدل أمام العرش حتى يجيب دم المسيح كليهما. وقد وعظ بها في الهواء الطلق في أرجاء ويلز الواعظ المعمداني العظيم ذو العين الواحدة.
«لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ بِخَطِيَّةِ وَاحِدٍ مَاتَ ٱلْكَثِيرُونَ، فَبِٱلْأَوْلَى كَثِيرًا نِعْمَةُ ٱللهِ، وَٱلْعَطِيَّةُ بِٱلنِّعْمَةِ ٱلَّتِي بِٱلْإِنْسَانِ ٱلْوَاحِدِ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ، قَدِ ٱزْدَادَتْ لِلْكَثِيرِينَ!»
خلق الإنسان على صورة الله. فقد انطبعت المعرفة والقداسة الكاملة في صميم طبيعة نفسه وقواها. وكان له سبيل دائم إلى خالقه، ينعم بشركة حرة معه على أساس استقامته الأدبية التي لا عيب فيها. ولكن وا أسفاه! لقد تحطم الإكليل المجيد، وسقط تاج البر. ذهبت طهارة الإنسان، وضاعت سعادته. «لَيْسَ بَارٌّ وَلَا وَاحِدٌ». «ٱلْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ ٱللهِ». غير أن الخراب ليس بلا رجاء. فما ضاع في آدم رد في المسيح. دمه يفدينا من العبودية، وإنجيله يرد إلينا الميراث الضائع. «لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ بِخَطِيَّةِ وَاحِدٍ مَاتَ ٱلْكَثِيرُونَ، فَبِٱلْأَوْلَى كَثِيرًا نِعْمَةُ ٱللهِ، وَٱلْعَطِيَّةُ بِٱلنِّعْمَةِ ٱلَّتِي بِٱلْإِنْسَانِ ٱلْوَاحِدِ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ، قَدِ ٱزْدَادَتْ لِلْكَثِيرِينَ!» فلنتأمل إذن: أولا، في فساد الإنسان ودينونته؛ وثانيا، في رده بالنعمة إلى رضى إلهه الذي أساء إليه.
أولا: لكي نجد علة فساد الإنسان ودينونته، لا بد أن نرجع إلى عدن. فالأكل من «الشجرة المحرمة» هو الخطية التي قيل فيها: «بِخَطِيَّةِ وَاحِدٍ مَاتَ ٱلْكَثِيرُونَ». هذه هي «ٱلْخَطِيَّةُ»، وهذا هو فعل «المعصية» الذي «جلب الموت إلى العالم، وكل ويلاتنا». لقد كان أعظم جحود لجود الله، وأجرأ تمرد على سيادته. احتقرت ملكية الله، واستخف بغنى صلاحه، وقدم عليه ألد أعدائه، كأنما هو مشير أحكم من الحكمة غير المحدودة. وهكذا تحالف الإنسان مع الجحيم ضد السماء، ومع شياطين الهاوية ضد الخالق القدير المحسن؛ سالبا الله الطاعة الواجبة لأمره والمجد الواجب لاسمه؛ عابدا المخلوق دون الخالق؛ فاتحا الباب للكبرياء وعدم الإيمان والعداوة وكل الأهواء الشريرة الرجسة. لقد غرس الله الإنسان «كَرْمَةَ سُورَقَ، زَرْعَ حَقٍّ كُلَّهَا»، فوا حسرتاه! «فَكَيْفَ تَحَوَّلْتِ لِي سُرُوغَ جَفْنَةٍ غَرِيبَةٍ؟»
من ذا الذي يرجو ماء نقيا من ينبوع كهذا؟ «اَلْمَوْلُودُ مِنَ ٱلْجَسَدِ جَسَدٌ هُوَ». لقد أفسدت الخطية جميع قوى النفس: فالفهم مظلم، والإرادة معوجة، والعواطف جسدية، والضمير ممتلئ خزيا وندما واضطرابا وخوفا مميتا. الإنسان خاطئ قاسي القلب صلب الرقبة؛ يحب الظلمة أكثر من النور لأن أعماله شريرة؛ يأكل الخطية كالخبز، ويشرب الإثم كالماء؛ يتمسك بالمكر ويأبى أن يتركه. قلبه نجيس جدا؛ ممتلئ كبرياء وغرورا ورياء وطمعا وبغضا للحق وعداوة لكل ما هو صالح.
وهذا الفساد شامل للجميع. فليس بين أبناء آدم الطبيعيين من يعفى من الدنس الأصلي. «ٱلْعَالَمَ كُلَّهُ قَدْ وُضِعَ فِي ٱلشِّرِّيرِ». «صِرْنَا كُلُّنَا كَنَجِسٍ، وَكَثَوْبِ عِدَّةٍ كُلُّ أَعْمَالِ بِرِّنَا». قد يتفاوت الفساد في درجات ظهوره من شخص إلى آخر، لكن عناصره كامنة في الجميع، وطبيعته واحدة في كل مكان: هي هي في الشاب المزهر والشيخ الذابل، في الأمير المتكبر والفلاح المتواضع، في أقوى العمالقة وأضعف العاجزين. لقد جاء العدو «كَنَهْرٍ». وطوفان الخطية قد اجتاح العالم. فمن الأعلى إلى الأدنى ليست صحة ولا سلامة أدبية. من قمة الرأس إلى أخمص القدم ليس إلا جروح وأحباط وضربات طرية. والشرائع، ومخالفتها، والعقوبات التي اخترعت في كل مكان لقمع الرذيلة، كلها تشهد بعموم هذا الشر. وذبائح الوثنيين الدموية وتطهيراتهم المتنوعة تكشف خط الندم المكتوب على ضمائرهم، وتعلن شعورهم بالذنب ورعبهم من العقاب. ليس منهم واحد حر من الخوف الذي له عذاب، مهما جاهدوا للتغلب عليه، ومهما عظمت جرأتهم في خدمة الخطية والشيطان. «منا! تقيل!» مكتوبة على كل قلب بشري. «ناقص! ناقص!» منقوشة على هياكل الوثنيين ومذابحهم، وعلى شرائع كل أمة وعاداتها ونظمها، وعلى ضمير البشرية كلها.
وهذا الفساد الباطن يظهر في الأعمال الظاهرة. «مِنَ ٱلثَّمَرِ تُعْرَفُ ٱلشَّجَرَةُ». وكما يدل دخان المدخنة وشررها على أن في داخلها نارا، هكذا تدل كل «سِيرَةِ ٱلْأَرْدِيَاءِ فِي ٱلدَّعَارَةِ» في الناس، وكل «أَعْمَالِ ٱلظُّلْمَةِ غَيْرِ ٱلْمُثْمِرَةِ» التي يتلذذون بها، دلالة واضحة على نجاسة المنبع الذي تصدر عنه. «مِنْ فَضْلَةِ ٱلْقَلْبِ يَتَكَلَّمُ ٱلْفَمُ». كلام الخاطئ يفضحه. «المذمة» تصدر عن الخبث والحسد. و«كَلَامُ ٱلسَّفَاهَةِ وَٱلْهَزْلُ» دليل على أفكار نجسة تافهة. والفم المملوء لعنة ومرارة، والحنجرة التي هي قبر مفتوح، وسم الأصلال تحت الشفاه، والأرجل السريعة إلى سفك الدم، والاغتصاب والسحق في طرقهم، وطريق السلام الذي لم يعرفوه، كل ذلك أوضح برهان وأوفاه على أن الناس «زَاغُوا وَفَسَدُوا مَعًا». ونرى الثمر المر للفساد نفسه في السرقة والزنى والشراهة والسكر والابتزاز والتعصب والاضطهاد والارتداد وكل عمل رديء، وفي جميع الديانات الباطلة: فاليهودي يتشبث بعناد بالطقوس الجسدية لناموس قد نسخ؛ والمحمدي يكرم دجالا ويقبل الكذب على أنه وحي من الله؛ والبابوي يعبد الصور والذخائر، ويصلي للقديسين الراحلين، ويلتمس الحل من بشر خطاة، ويتكل في خلاصه على أسخف الطقوس الفارغة؛ والوثني ينسب الألوهية لصنعة يديه، ويسجد لأصنام من خشب وحجر، ويذبح للشياطين الأشرار، ويلقي أولاده في النار أو في النهر قربانا لآلهة موهومة، ويبدل مجد الله الذي لا يفنى بشبه البهيمة والدودة.
«بِسَبَبِ هَذِهِ ٱلْأُمُورِ يَأْتِي غَضَبُ ٱللهِ عَلَى أَبْنَاءِ ٱلْمَعْصِيَةِ». إنهم تحت حكم الناموس المكسور، تحت لعنة العدل الأزلي. «بِخَطِيَّةٍ وَاحِدَةٍ صَارَ ٱلْحُكْمُ إِلَى جَمِيعِ ٱلنَّاسِ لِلدَّيْنُونَةِ». «ٱلَّذِي لَا يُؤْمِنُ قَدْ دِينَ». «يَمْكُثُ عَلَيْهِ غَضَبُ ٱللهِ». «مَلْعُونٌ كُلُّ مَنْ لَا يَثْبُتُ فِي جَمِيعِ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي كِتَابِ ٱلنَّامُوسِ لِيَعْمَلَ بِهِ». «وَيْلٌ لِلشِّرِّيرِ. شَرٌّ! لِأَنَّ مُجَازَاةَ يَدَيْهِ تُعْمَلُ بِهِ». «ٱلْحَارِثِينَ إِثْمًا، وَٱلزَّارِعِينَ شَقَاوَةً يَحْصُدُونَهَا». «يُمْطِرُ عَلَى ٱلْأَشْرَارِ فِخَاخًا، نَارًا وَكِبْرِيتًا، وَرِيحَ ٱلسَّمُومِ نَصِيبَ كَأْسِهِمْ». «إِلَهٌ يَسْخَطُ فِي كُلِّ يَوْمٍ. إِنْ لَمْ يَرْجِعْ يُحَدِّدْ سَيْفَهُ. مَدَّ قَوْسَهُ وَهَيَّأَهَا».
من ذا الذي يصف شقاء الإنسان الساقط! أيامه، وإن قلت، مملوءة شرا. الضيق والحزن يدفعانه نحو القبر. العالم كله، ما عدا نوحا وعائلته، يغرق في الطوفان. عاصفة من نار وكبريت تنصب من السماء على سدوم وعمورة. الأرض تفتح فاها لتبتلع قورح وداثان وأبيرام أحياء. الغضب آت على «ٱلْمَدِينَةِ ٱلْمَحْبُوبَةِ»، بل هو «ٱلْغَضَبُ إِلَى ٱلنِّهَايَةِ». الأم الرقيقة المترفهة تلتهم رضيعها الحبيب. سيف الإنسان ينفذ نقمة الله. الأرض تفرغ سكانها في الهاوية التي بلا قرار. ومن كل ناحية «ضجيج الحرب، وثياب مدحرجة في الدماء». النار والسيف يملآن الأرض ذعرا وفزعا. ووسط هذا الخراب الشامل تملأ الجو صرخات جامحة وأنات يائسة. يا إله الرحمة! أثقلت أذنك عن أن تسمع؟ أم قصرت يدك عن أن تخلص؟ السماء من فوق نحاس، والأرض من تحت حديد؛ لأن يهوه يصب سخطه على أعدائه، ولا يشفق ولا يعفو.
حقا، إن «شَرَّ ٱلْإِنْسَانِ عَظِيمٌ عَلَيْهِ»! انظروا إلى هذا المخلوق الساقط البائس! الوباء يطارده. البرص يلتصق به. السل يفنيه. الالتهاب يلتهم أحشاءه. الحمى المحرقة قد استولت على ينابيع الحياة ذاتها. الملاك المهلك قد أدرك الخاطئ في خطاياه. يد الله عليه. نيران الغضب تتقد من حوله، تجفف كل بئر للعزاء، وتحرق كل آماله رمادا. الضمير يؤدبه بالعقارب. انظروا كيف يتلوى! اسمعوا كيف يصرخ طالبا النجدة! تأملوا ما في نفسه وعلى جبينه من ألم ورعب! الموت يحدق في وجهه، ويهز في وجهه رمحه الحديدي. إنه يرتعد ويشحب كمتهم أمام المحكمة، كمحكوم عليه على منصة الإعدام. لقد دين منذ الآن. الضمير قد نطق بالحكم. الكرب قد أمسك به. الأهوال تحتشد حوله صفوفا للقتال. يلتفت إلى الوراء، فإذا عواصف سيناء تطارده؛ وإلى الأمام، فإذا الهاوية مهتزة لاستقباله؛ وإلى فوق، فإذا السماوات مشتعلة؛ وإلى تحت، فإذا العالم يحترق. يصغي، فإذا بوق الدينونة يدعو؛ ويصغي ثانية، فإذا مركبات النقمة النحاسية ترعد من بعيد؛ ويصغي مرة أخرى، فإذا الحكم ينفذ إلى نفسه بكرب لا ينطق به: «ٱذْهَبُوا عَنِّي يامَلَاعِينُ إِلَى ٱلنَّارِ ٱلْأَبَدِيَّةِ ٱلْمُعَدَّةِ لِإِبْلِيسَ وَمَلَائِكَتِهِ»!
وهكذا «بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ ٱلْخَطِيَّةُ إِلَى ٱلْعَالَمِ، وَبِٱلْخَطِيَّةِ ٱلْمَوْتُ، وَهَكَذَا ٱجْتَازَ ٱلْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ ٱلنَّاسِ، إِذْ أَخْطَأَ ٱلْجَمِيعُ». لقد صاروا «أَمْوَاتًا بِٱلذُّنُوبِ وَٱلْخَطَايَا»؛ أمواتا روحيا وأمواتا شرعيا؛ أمواتا بسلطان الخطية المميت، وأمواتا بحكم الناموس الذي يدين؛ وعاجزين كغنم للذبح، يسوقهم خدام الغضب بعنف إلى القبر الذي يبتلع كل شيء، وإلى بحيرة النار!
ولكن أليست هناك رحمة؟ أليس من سبيل إلى الخلاص؟ اسمعوا! وسط كل هذه المقدمة من الغضب والخراب، يأتي صوت منخفض خفيف قائلا: «فَبِٱلْأَوْلَى كَثِيرًا نِعْمَةُ ٱللهِ، وَٱلْعَطِيَّةُ بِٱلنِّعْمَةِ ٱلَّتِي بِٱلْإِنْسَانِ ٱلْوَاحِدِ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ، قَدِ ٱزْدَادَتْ لِلْكَثِيرِينَ!»
ثانيا: وهذا يقودنا إلى موضوعنا الثاني: رد الإنسان بالنعمة إلى رضى إلهه الذي أساء إليه.
لا أعرف كيف أصور لكم هذا العمل المجيد بأفضل من هذا المثل. تصوروا مقبرة شاسعة، يحيط بها سور عال، ليس لها إلا مدخل واحد، هو باب حديدي ضخم، وقد أحكم رتاجه. وفي داخلها ألوف وملايين من البشر، من كل الأعمار والطبقات، ينحنون نحو القبر بداء وبائي واحد. القبور فاغرة أفواهها لتبتلعهم، ولا بد أن يهلكوا جميعا. ليس هناك بلسان يخفف، ولا طبيب. هذه هي حالة الإنسان بوصفه خاطئا. الجميع أخطأوا، ومكتوب: «اَلنَّفْسُ ٱلَّتِي تُخْطِئُ هِيَ تَمُوتُ». وبينما كان الجنس التعيس ملقى في ذلك السجن الكئيب، جاءت الرحمة ووقفت عند الباب، وبكت على المشهد الحزين، وصاحت: «ليتني أستطيع الدخول! إذن لضمدت جراحهم، وخففت أحزانهم، وخلصت نفوسهم!» وكان وفد من الملائكة مرسلا من بلاط السماء إلى عالم آخر، فتوقف عند هذا المنظر، وغفرت السماء ذلك التوقف. فلما رأوا الرحمة واقفة هناك صاحوا: «أيتها الرحمة! ألا تستطيعين الدخول؟ أتقدرين أن تنظري إلى هذا المشهد ولا تشفقي؟ أتقدرين أن تشفقي ولا تغيثي؟» فأجابت الرحمة: «أستطيع أن أرى!» ثم أضافت وهي تبكي: «أستطيع أن أشفق، لكني لا أستطيع أن أغيث!» فسأل الجند السماوي: «ولماذا لا تستطيعين الدخول؟» فقالت الرحمة: «آه! إن العدل قد أوصد الباب في وجهي، ولا يجوز لي، بل لا أقدر، أن أفتحه!» وفي تلك اللحظة ظهر العدل نفسه، كأنما ليحرس الباب. فسأله الملائكة: «لماذا لا تدع الرحمة تدخل؟» فأجاب بصرامة: «لقد كسر الناموس، ولا بد أن يكرم! إما أن يموتوا هم، وإما أن يموت العدل!» حينئذ ظهر بين جماعة الملائكة شخص شبيه بابن الله، فخاطب العدل قائلا: «ما مطالبك؟» فأجاب العدل: «مطالبي صارمة: لا بد لي من الخزي عوض كرامتهم، والمرض عوض صحتهم، والموت عوض حياتهم. بِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لَا تَحْصُلُ مَغْفِرَةٌ!» فقال ابن الله: «أيها العدل، إني أقبل شروطك! علي يقع هذا الذنب! لتدخل الرحمة، وليتوقف مهرجان الموت!» «وأي ضمان تقدمه للوفاء بهذه الشروط؟» «كلمتي وقسمي!» «ومتى توفي بها؟» «بعد أربعة آلاف سنة، على تلة الجلجثة، خارج أسوار أورشليم!» فأعد الصك، ووقع وختم بحضور الملائكة الحاضرين. فرضي العدل، وفتح الباب، ودخلت الرحمة تكرز بالخلاص باسم يسوع. وسلم الصك إلى الآباء والأنبياء، وأقيمت سلسلة طويلة من الطقوس والفرائض، والذبائح والتقدمات، لتخليد ذكرى ذلك العهد المهيب. وفي ختام السنة الأربعة آلاف، حين اكتملت أسابيع دانيال، «سَبْعُونَ أُسْبُوعًا»، ظهر العدل والرحمة على تلة الجلجثة. فقال العدل: «أين ابن الله؟» فأجابت الرحمة: «ها هو عند سفح التلة!» وها هو قد جاء حاملا صليبه، وكنيسته الباكية تتبعه. فانسحبت الرحمة ووقفت بعيدا عن المشهد. وصعد يسوع التلة كحمل يساق إلى الذبح. فقدم العدل الصك الرهيب قائلا: «هذا هو اليوم الذي يجب أن يمحى فيه هذا الصك». فأخذه الفادي. فماذا صنع به؟ أمزقه إربا وذراه في الرياح؟ كلا! بل سمره على صليبه صارخا: «قَدْ أُكْمِلَ». وصعدت الذبيحة إلى المذبح. فدعا العدل النار المقدسة أن تنزل وتأكل الذبيحة. فأجابت النار المقدسة: «ها أنا آتية! سآكل الذبيحة، ثم أحرق العالم!» فنزلت على ابن الله، وأكلت ناسوته سريعا؛ ولكنها حين مست لاهوته، خمدت. حينئذ كانت ظلمة على الأرض كلها، وزلزلة هزت الجبل؛ لكن الجند السماوي انفجر بترنيمة مبتهجة: «ٱلْمَجْدُ لِلهِ فِي ٱلْأَعَالِي، وَعَلَى ٱلْأَرْضِ ٱلسَّلَامُ، وَبِالنَّاسِ ٱلْمَسَرَّةُ»!
وهكذا ازدادت النعمة، وصارت الهبة المجانية إلى الجميع، وانطلق الإنجيل يعلن الفداء للخليقة كلها. «بِٱلنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ، بِٱلْإِيمَانِ، وَذَلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ. هُوَ عَطِيَّةُ ٱللهِ. لَيْسَ مِنْ أَعْمَالٍ كَيْلَا يَفْتَخِرَ أَحَدٌ». بالنعمة أنتم محبوبون ومفديون ومبررون. بالنعمة أنتم مدعوون ومهتدون ومصالحون ومقدسون. الخلاص كله من النعمة. التدبير، والمسار، والإتمام، كلها من النعمة.
«النعمة تتوج العمل كله، على مدى الأيام الأبدية؛ هي تضع في السماء الحجر الأعلى، وهي حقا جديرة بالحمد!»
«حَيْثُ كَثُرَتِ ٱلْخَطِيَّةُ ٱزْدَادَتِ ٱلنِّعْمَةُ جِدًّا». «بِخَطِيَّةِ وَاحِدٍ مَاتَ ٱلْكَثِيرُونَ». ومع تكاثر البشر تكاثرت الخطية. غمرت المياه العالم، لكنها لم تستطع أن تغسل تلك اللطخة الرهيبة. ونزلت النار من السماء، لكنها لم تستطع أن تحرق الوباء الملعون. وفتحت الأرض فاها، لكنها لم تستطع أن تبتلع الخطية الوحش. ورعد الناموس بوعيده من الضباب في سيناء، لكنه لم يستطع بكل أهواله أن يردع أبناء المعصية. وظلت الخطية تكثر وتتكاثر كرمل شاطئ البحر. ثم تجرأت، ونصبت خيامها على الجلجثة، وسمرت واضع الناموس على خشبة. لكن الخطية في ذلك الصراع تلقت جرحها المميت. كان الذبيح هو الغالب. سقط، لكنه في سقوطه سحق العدو. مات للخطية، لكن الخطية والموت صلبا على صليبه. حيث كثرت الخطية لتدين، ازدادت النعمة جدا لتبرر. وحيث كثرت الخطية لتفسد، ازدادت النعمة جدا لتطهر. وحيث كثرت الخطية لتقسي، ازدادت النعمة جدا لتلين وتخضع. وحيث كثرت الخطية لتسجن الناس، ازدادت النعمة جدا لتنادي للمسبيين بالعتق. وحيث كثرت الخطية لتكسر الناموس وتهين واضعه، ازدادت النعمة جدا لترمم الثغرة وتمحو اللطخة. وحيث كثرت الخطية لتأكل النفس كما بنار لا تطفأ ودود ينهش، ازدادت النعمة جدا لتطفئ اللهيب وتشفي الجرح. لقد ازدادت النعمة! أقامت عرشها على استحقاق آلام الفادي. لبست التاج، وأمسكت بالصولجان الذهبي، وسلبت سلطان رئيس الظلمة؛ وها أبواب المقبرة العظمى قد فتحت على مصاريعها، وها نبض حياة جديدة يخفق في سكانها البائسين، والخلود يمشي بين القبور!
وتظهر هذه النعمة الفائضة في عطية يسوع المسيح، الذي بوساطته تتم مصالحتنا وخلاصنا. معه يصير المؤمنون أمواتا عن الخطية وأحياء لله. لقد ذبحت خطايانا عند صليبه، ودفنت في قبره. وقيامته فتحت قبورنا، ووهبتنا يقين الخلود. «وَلَكِنَّ ٱللهَ بَيَّنَ مَحَبَّتَهُ لَنَا، لِأَنَّهُ وَنَحْنُ بَعْدُ خُطَاةٌ مَاتَ ٱلْمَسِيحُ لِأَجْلِنَا. فَبِٱلْأَوْلَى كَثِيرًا وَنَحْنُ مُتَبَرِّرُونَ ٱلْآنَ بِدَمِهِ نَخْلُصُ بِهِ مِنَ ٱلْغَضَبِ! لِأَنَّهُ إِنْ كُنَّا وَنَحْنُ أَعْدَاءٌ قَدْ صُولِحْنَا مَعَ ٱللهِ بِمَوْتِ ٱبْنِهِ، فَبِٱلْأَوْلَى كَثِيرًا وَنَحْنُ مُصَالَحُونَ نَخْلُصُ بِحَيَاتِهِ!»
«لِأَنَّ ٱهْتِمَامَ ٱلْجَسَدِ هُوَ عَدَاوَةٌ لِلهِ، إِذْ لَيْسَ هُوَ خَاضِعًا لِنَامُوسِ ٱللهِ، لِأَنَّهُ أَيْضًا لَا يَسْتَطِيعُ». المجد لله من أجل موت ابنه، الذي به قتلت هذه العداوة، وتمت المصالحة بين المتمرد والناموس! هذه هي العطية التي لا يعبر عنها، التي خلصتنا من الهلاك؛ التي صارعت العاصفة وردتها عن رأس الخاطئ المحكوم عليه. لو حاولت ملائكة الله جميعا أن تقف بين هذين البحرين المتصارعين، لجرفتها إلى لجة الهلاك. إن «دم الثيران والتيوس، المذبوحة على مذابح اليهود» لم يستطع أن يرفع الخطية، ولم يستطع أن يسكن الضمير. أما المسيح، عطية النعمة الإلهية، «حمل الفصح الذي عينه الله»، «ذبيحة أشرف اسما وأغنى دما منها»، فقد حمل خطايانا، وتحمل أحزاننا، ونال لنا نعمة الفداء الأبدي. لقد واجه غضب العاصفة، وجازت اللجج فوق رأسه؛ لكن تقدمته كانت تقدمة سلام، أسكنت العواصف والأمواج، وعظمت الناموس، ومجدت واضعه، وأنقذت مخالفه من الغضب والهلاك. لقد ألقى العدل سيفه عند قدم الصليب، وعادت المودة بين السماء والأرض.
تعالوا إلى هنا أيها المذنبون، وألقوا أسلحة تمردكم! تعالوا بمبادئكم الفاسدة وأعمالكم الشريرة، بعدم إيمانكم وعداوتكم وكبريائكم، واطرحوها عند قدمي الفادي! الله هنا، ينتظر ليتراءف عليكم. إنه يقبلكم؛ ويطرح كل خطاياكم وراء ظهره، في أعماق البحر؛ ولن تذكر عليكم فيما بعد إلى الأبد. بعطية السماء «ٱلَّتِي لَا يُعَبَّرُ عَنْهَا»، بكفارة المسيح التي لا تقدر بثمن، بنعمة الآب والابن المجانية غير المحدودة، نقنعكم، ونتوسل إليكم، ونطلب منكم: «تَصَالَحُوا مَعَ ٱللهِ»!
إنما بعمل الروح القدس فينا ننال نصيبا شخصيا في العمل الذي أتم لأجلنا على الجلجثة. إن كانت خطايانا قد محيت، فهي قد صلبت أيضا. وإن كنا قد صولحنا في المسيح، فلن نحارب إلهنا بعد. هذا هو ثمر الإيمان. «لِأَنَّ ٱلْقَلْبَ يُؤْمَنُ بِهِ لِلْبِرِّ». ليت الرب يغرس في كل واحد منا هذا المبدأ المخلص!
ولكن الذين ردوا إلى رضى الله قد تنحني نفوسهم أحيانا وتكتئب. لقد عبروا البحر، ورنموا التسابيح على شاطئ النجاة؛ لكن لا يزال بينهم وبين كنعان مسير في «خَلَاءٍ مُسْتَوْحِشٍ خَرِبٍ»، ورحلة طويلة مضنية، وأمم معادية، وحيات محرقة، وشح في الطعام، ونهر الأردن. ومن مخاوف في الداخل وخصومات في الخارج، قد تخور عزائمهم، ويستسلمون للتجربة، ويتذمرون على الله، ويشتهون الرجوع إلى مصر. لكن لا تخف يا دودة يعقوب! إن كنت قد صولحت بموت المسيح، فبالأولى كثيرا وأنت مصالح تخلص بحياته. موته كان ثمن فدائنا، وحياته تضمن الحرية للمؤمن. إن كان بموته قد عبر بك البحر الأحمر في الليل، فبحياته يقدر أن يقودك عبر نهر الأردن في النهار. وإن كان بموته قد أنقذك من كور الحديد في مصر، فبحياته يقدر أن يخلصك من كل أخطار البرية. وإن كان بموته قد قهر فرعون، العدو الأكبر، فبحياته يقدر أن يخضع سيحون ملك الأموريين، وعوج ملك باشان. «نَخْلُصُ بِحَيَاتِهِ». «لأنه حي فنحن سنحيا أيضا». «ثِقُوا»! لقد أكمل العمل، ودفعت الفدية، وفتح ملكوت السماوات لجميع المؤمنين. «ارفعوا رؤوسكم وافرحوا»، «يَا أَسْرَى ٱلرَّجَاءِ»! لم يبق دين غير مدفوع، ولا شيطان غير مقهور، ولا عدو في داخل قلوبكم لم يتلق جرحا مميتا! «شُكْرًا لِلهِ ٱلَّذِي يُعْطِينَا ٱلْغَلَبَةَ بِرَبِّنَا يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ»!
ملكية عامة. النص المصدر من الطبعة الأصلية.