عظة · قراءة 13 د
اللصّ المحتضر
Dwight L. Moody النص
لوقا 23:39-43
ترجمة بالذكاء الاصطناعي — في انتظار مراجعة ناطق أصلي
باختصار
آخر إنسان خلص قبل أن يموت المسيح هو جواب مودي لكلّ من يرتاب في الارتداد المفاجئ: فهو يسأل كم من الزمان يحتاج الله لكي يخلّص نفسًا، ثمّ يمضي باللصّ في الطريق خطوةً خطوة — التبكيت، والاعتراف، وكلمة للمسيح لا خجل فيها أمام جمع ساخر، ثمّ الطلبة نفسها. ويختم بجنديّ محتضر سأل أن يُقال لأمّه إنّه مات وهو ناظر إلى فوق.
اقرأ لوقا 23:39-43
إنّي مزمع أن أتّخذ لي نصًّا أتكلّم عليه رجلًا كان هو آخر من خلص قبل أن يذهب المسيح إلى السماء، أو قبل أن يموت هو على الصليب؛ وقصّة ارتداد هذا الرجل ينبغي أن تعطي رجاءً لكلّ إنسان من الناس. فإنّ لنا في الكتاب المقدّس خبر ارتداد كلّ طبقة من طبقات الناس أجمعين. وما من طبقة واحدة منها قد أُغفلت وتُركت خارجًا. فههنا أغنى الناس وأفقرهم؛ وأعظمهم وأصغرهم؛ وطبقات الرجال كلّها، وطبقات النساء كلّها.
وقد كثر في أيّامنا هذه المتكلّمون على الارتدادات المفاجئة الطاعنون فيها، حتّى إنّي لأرى أنّ أفضل ما نصنعه هو أن ننظر ماذا يقول الكتاب في هذا الأمر — وأن نرى كم من الزمان يحتاج الله لكي يردّ نفسًا إليه. فإن كنتُ أقرأ كتابي قراءةً صحيحة، فقد ارتدّ ثمانية آلاف في يومين اثنين. أفلم يكن ذلك عددًا حسنًا في زمان قصير؟ إنّنا لم نبلغ ذلك بعد؛ وليتنا قد بلغناه. ولكنّي على يقين أنّ كنيسة الله لو استيقظت لرأينا شيئًا يشبه ذلك.
لم يفت الأوان بعدُ.
وهذا الرجل لم يكن لصًّا فقط، بل كان أيضًا مجدّفًا على الله وهو على عتبة الأبديّة، شقيًّا بالغًا في الفساد والتهتّك أقصى مبلغ. يقول لنا متّى: «وبذلك أيضًا كان اللصّان اللذان صُلبا معه يعيّرانه». وكنتَ تظنّ أنّهما كانا خليقَين أن يشتغلا بما هو خير من ذلك، وقد دنوَا هذا الدنوّ كلّه من الموت والقبر؛ وأنّ أفكارهما كانت خليقةً أن تصير مهيبةً جدًّا، لا في وجه الموت وحده، بل في وجه الدينونة التي بعد الموت. وعوض ذلك كلّه، كانا يعيّران المسيح ويقذفانه بالتهم قبل موتهما ببضع ساعات. ولستُ أظنّ أنّ هذا اللصّ كان يستطيع أن يهبط أعمق من ذلك، حتّى يهبط إلى جهنّم نفسها. ومع أنّه كان بعيدًا هذا البعد كلّه، فقد وجده يسوع. ومتّى ومرقس كلاهما يخبراننا أنّ هذين اللصّين عيّراه. وأمّا يوحنّا فلا يقول شيئًا عن تعييرهما إيّاه؛ بل هو في الحقيقة لا يخبرنا عن ارتداد أحدهما البتّة. وأوّل ما نجد من ذلك هو في لوقا 23:40، حيث نراه يقول للّصّ الآخر: «أوَلا أنت تخاف الله؟» وسليمان الحكيم يقول: «بدء الحكمة مخافة الربّ». فههنا إذًا عندنا بدء الحكمة في هذا اللصّ. لقد ابتدأ يخاف الله. وإنّي لأرجو أن يكون في هذا المكان مئات يخافونه؛ لأنّ ذلك هو بدء الحكمة الحقيقيّ.
التبكيت على الخطيّة.
والأمر التالي في هذا الرجل هو أنّه قد بُكِّت. فما من إنسان يُرجى له ارتداد حتّى يُبكَّت أوّلًا على خطيّته. وهذا اللصّ قد بُكِّت. فما الذي بكّته هو؟ إنّه لم يسمع من فم المسيح عظةً واحدة. وكان الرؤساء حينئذ واقفين يهزأون به. وكان عظماء أمّته هم أنفسهم قد وجدوه مذنبًا بالتجديف، وحكموا عليه أن يموت موت الصليب. وكان كبراء المملكة هناك يهزّون رؤوسهم ويستهزئون به. فما الذي بكّت إذًا هذا اللصّ المسكين؟ إنّه لم يرَ المسيح يصنع معجزةً واحدة؛ ولم يسمع كلمةً واحدة عجيبة تسقط من شفتيه؛ ولم يبصر على جبينه تاجًا واحدًا يتلألأ. نعم، لقد كُتب فوق صليبه: «هذا هو يسوع ملك اليهود»؛ ولكن أين كان ملكه ذاك؟ إنّه لم يرَ شيئًا من إكرام اليهود له وسجودهم بين يديه. بل كان اليهود يميتونه. ولم يكن في يده قضيب ملك. نعم، لقد تُوّج قبل ذلك بقليل، ولكن بالشوك لا غير؛ ومع هذا كلّه فقد بُكِّت هذا اللصّ المسكين في وسط ذلك كلّه بعدما وقع عليه الخوف.
قوّة المحبّة.
فما الذي بكّته؟ سأقول لكم ما أظنّ أنّه بكّته، وإن كنتُ لا أستطيع أن أعلّم به تعليمًا جازمًا؛ ولكنّي أظنّ أنّها كانت صلاة المخلّص. فلمّا صرخ الربّ يسوع من أعماق نفسه: «يا أبتاه، اغفر لهم»، ومض التبكيت في قلبه. ولا بدّ أنّه قال في نفسه: «إنّ هذا لأكثر من إنسان؛ إنّ فيه روحًا تختلف عن روحي كلّ الاختلاف. أنا لا أستطيع أن أسأل الله أن يغفر لهم. بل كنتُ أستنزل النار من السماء لتلتهمهم، وكنتُ أدعو الله أن يضربهم بالعمى كما فعل إيليّا، وكنتُ أكنسهم عن هذا الجبل لو كان لي سلطان». هذا لا بدّ أنّه ما فكّر فيه وهو يسمع تلك الصرخة النافذة تصعد: «يا أبتاه، اغفر لهم، لأنّهم لا يعلمون ماذا يفعلون». آه، إنّها المحبّة هي التي كسرت قلبه. وقد كانوا في تلك الأيّام إذا صلبوا إنسانًا جلدوه أوّلًا. وهذا الرجل المسكين قد أُدخل إلى المحكمة، وحوكم وحُكم عليه من القاضي؛ ولكنّ ذلك لم يكسر قلبه. ثمّ سيق إلى خارج وجُلد؛ ولكنّ ذلك لم يكسر قلبه. ثمّ ها هم قد سمّروه على الصليب؛ ولكنّ ذلك أيضًا لم يكسر قلبه. فها هو ذا هناك يجدّف على إلهه. ولكنّه لمّا رأى ذلك المخلّص المحبّ، ولمح لمحةً من محبّته، كسرت تلك اللمحة الواحدة قلبه.
وقد سمعتُ مرّةً من المرّات عن شابّ كان قاسي القلب جدًّا. وكان أبوه يحبّه كما يحبّ حياته هو. وقد جرّب كلّ ما استطاع أن يجرّبه لكي يستردّ ذلك الابن الضالّ ويرجعه إليه. فلمّا كان أبوه في النزع أرسلوا إليه يدعونه؛ فأبى أن يجيء. ولكنّه بعد موت أبيه رجع إلى البيت ليحضر الجنازة؛ ولكن لم تسقط من عينيه دمعة واحدة. وتبع ذلك الأب إلى مثواه الأخير، ولم يذرف على قبره دمعةً قطّ. ولكنّهم لمّا رجعوا إلى البيت وقُرئت الوصيّة، وجدوا أنّ ذلك الأب لم ينسَ ابنه الضالّ، بل ذكره بكلّ لطف في وصيّته؛ فكان هذا البرهان على محبّة الأب هو وحده الذي كسر قلبه. وهكذا أظنّ أنّه كان أمر اللصّ لمّا سمع المخلّص يصرخ: «يا أبتاه، اغفر لهم، لأنّهم لا يعلمون ماذا يفعلون»؛ فنفذت تلك الكلمة كالسهم إلى أعماق قلبه، فبُكِّت هو أيضًا.
الاعتراف يتبع التبكيت.
ثمّ إنّ النقطة التالية في هذا الرجل هي أنّه اعترف بخطيّته. فهو يقول لرفيقه اللصّ: «أمّا نحن فبعدل، لأنّنا ننال استحقاق ما فعلنا». وما عرفتُ قطّ إنسانًا خلص قبل أن يقف موقف الخاطئ. فقايين لم يعترف بخطيّته قطّ. ويهوذا لم يعترف بخطيّته لله قطّ، وإن كان قد ذهب فاعترف بها للناس.
وأريد الآن أن أقول إنّي لم آتِ إلى ههنا لأحثّكم على أن تعترفوا بخطاياكم لإنسان من الناس، إلّا أن تكونوا قد أخطأتم إليه هو بخطيّة وهو يعثر بها؛ فإن كان الأمر كذلك، فاذهبوا واعترفوا بها من غير شكّ. أمّا نحن فلا يجوز لنا أن نعترف بخطايانا لأحد إلّا لله. ولستُ أجد في نفسي كبير عطف على ذلك الصنف من الناس الذين يركضون أبدًا إلى هذا الإنسان وذاك ليعترفوا لهما بخطاياهم. فما على وجه الأرض كاهن يقدر أن يغفر الخطايا. وأمّا أنا فلي رئيس كهنة هو «كاهن إلى الأبد على رتبة ملكي صادق». والإنسان الوحيد الذي لنا عنه خبر في الكتاب أنّه اعترف بخطاياه لإنسان هو يهوذا، وقد خرج من فوره فخنق نفسه.
الإيمان بالمسيح.
والأمر التالي في هذا اللصّ هو إيمانه بالمسيح يسوع. إنّنا نتكلّم على إيمان إبراهيم وموسى؛ وهذا اللصّ قد كان له من الإيمان أعجب ما سُجّل لإنسان قطّ. لقد وقف في رأس الصفّ كلّه، متجاوزًا كثيرين كان لهم إيمان عجيب. فهو لم يسمع عظةً، ولم يرَ في يد المسيح قضيب ملك، ولا على جبينه تاجًا، ولا شهد عملًا واحدًا من الأعمال العجيبة؛ ومع ذلك كان له إيمان بديع. فإنّ الله ظلّ خمسًا وعشرين سنة يقوّي إيمان إبراهيم ويهذّبه. والله لقي موسى في العلّيقة المشتعلة، وصعد إلى الجبال وتكلّم معه؛ وإشعياء رأى الله جالسًا على عرش عال مرتفع؛ وأمّا هذا اللصّ فلم يكن له شيء من ذلك. وقد كان كثيرون قد لقوا المسيح ورأوا أمورًا عجيبة. وتلاميذه هم أنفسهم قد سمعوه يعلّم، ورأوه يقيم الموتى، ومع ذلك تركوه وهربوا عنه. ولكن ههنا، في وسط الظلمة والقتام، كان لهذا اللصّ المسكين إيمان به؛ لأنّ اليهود وإن كانوا قد سمّروا يديه ورجليه على الصليب، فإنّهم لم يسمّروا عينيه، فقد كان يستطيع أن ينظر إليه. ولم يسمّروا قلبه على الصليب، وإنّما بالقلب يؤمن الإنسان، كما نقرأ في رومية، وبقلبه هو آمن. فذاك هو الإيمان حقًّا.
لم يستحِ بالمسيح.
ثمّ الأمر التالي هو أنّه اعترف بالمسيح في تلك الساعة المظلمة. فقد كانت تلك أظلم ساعة في غربة المسيح ههنا في هذه الأرض. ولن نرى نحن قطّ ساعةً مظلمة أخرى مثلها. كانت خطيّة العالم عليه؛ وكانت السماء مغلقةً دونه — مقفلةً مرتجةً موصدةً بالمزاليج. وكان حينئذ معلّقًا على الخشبة حاملًا خطايانا؛ وقد كُتب عنه: «ملعون كلّ من عُلِّق على خشبة». حتّى إنّ الله نفسه اضطرّ أن يحجب وجهه عنه، لأنّه لا يقدر أن ينظر إلى الخطيّة، وكان المسيح حينئذ حاملًا خطيّة العالم كلّه. وإنّي لأومن أنّ هذا بعينه هو ما عناه المسيح في بستان جثسيماني، حين صلّى أن تعبر عنه تلك الكأس. فقد كان إلى ذلك الحين يرى وجه أبيه، ويعلم أنّه مبارك منه، وكان الصوت يأتي من السماء حينًا بعد حين: «هذا هو ابني الحبيب». وأمّا الآن فقد كان يأخذ مكاننا نحن أمام الله كخاطئ، فاضطرّ الله أن يحجب وجهه عنه. نعم، لقد كان ذلك يكسر قلب المخلّص؛ والآن، والظلمة مقبلة على الخليقة، والقمر مزمع أن يتحوّل إلى دم، والشمس على وشك أن تحجب وجهها لأنّها لا تقدر أن تنظر إلى ذلك المشهد الرهيب، وبطرس، وهو من أبرز تلاميذه، قد أنكره بلعنة وحلف إنّه لم يعرفه قطّ، ويهوذا، وهو واحد من تلاميذه هو، قد خرج وباعه بثلاثين من الفضّة، وعظماء الأمّة يستهزئون به قائلين: «خلّص آخرين، فليخلّص نفسه إن كان هو المسيح مختار الله» — في وسط هذه الظلمة والقتام كلّه، يبرز إيمان هذا اللصّ الفذّ: «اذكرني يا ربّ»؛ لقد دعاه ربًّا هناك في تلك الساعة بعينها؛ ثمّ قال للّصّ الآخر: «وأمّا هذا فلم يفعل شيئًا ليس في محلّه». فالشكر لله على ذلك الاعتراف. فذاك هو الإيمان، وذاك هو الاعتراف حقًّا. فإن كنتَ تريد أن تخلص، فلا بدّ لك من إيمان بالمسيح، ومن استعداد أن تعترف به أمام الناس أجمعين.
«اذكرني يا ربّ».
انظر إلى صلاة اللصّ. يقول الناس: «صلِّ طالبًا الخلاص فتناله!» نعم، ولكن اذكر أنّه لا بدّ لك من إيمان بالمسيح قبل أن تقدر أن تصلّي. وهذا الرجل قد نال الإيمان بالمسيح، وها هو ذا الآن يدعوه «ربًّا». لقد كان ذلك صوت مرتدّ حديث العهد: «اذكرني يا ربّ متى جئت في ملكوتك». ولم تكن صلاةً طويلة جدًّا، ولكنّها كانت صلاةً محماةً بالنار، خارجةً من قلبه رأسًا. وبعض الناس يقولون لك إنّهم لا يستطيعون أن يصلّوا بغير كتاب صلوات. وأمّا اللصّ المسكين فلم يكن له كتاب صلوات؛ ولو كانت هناك كتب صلوات في ذلك الحين، لما كان هناك من يعطيه واحدًا منها. لقد كان يريد الخلاص، لم يكن يريد إلّا أن يخلص، فصرخ من قلبه: «اذكرني يا ربّ!» وما سُمعت ولا طُبعت على الأرض قطّ صلاة أبلغ منها. وليس هذا فقط، بل إنّه نال أكثر ممّا طلب، لأنّه لم يطلب إلّا أن يُذكر. وإنّنا ننال دائمًا أكثر ممّا نطلب حين نأتي إلى الربّ.
آخر نظرة نظرها العالم إلى المسيح.
والآن، إذا مات رجل عظيم، تلهّف الناس أشدّ اللهفة على أن يظفروا بكلماته الأخيرة وبأفعاله الأخيرة. فما أحلى أن نظفر نحن بالكلمات الأخيرة التي نطق بها ابن الله! لقد كان آخر ما رآه العالم من المسيح هو على الصليب. وما رآه العالم بعد ذلك قطّ إلى يومنا هذا. وليس لنا خبر أنّ عينًا غير مختونة قد أبصرت المسيح بعد قيامته من الأموات. وآخر لمحة لمحها العالم من المسيح كانت وهو يخلّص خاطئًا مسكينًا معلّقًا على الصليب، يخلّصه من فم الجحيم نفسه، ومن قبضة الشيطان بعينها. لقد انتزعه المسيح انتزاعًا من قبضة إبليس، وقال له: «إنّك اليوم تكون معي في الفردوس». فغلب الأسدُ الذي من سبط يهوذا أسدَ الجحيم، حين انتزع اللصّ المحتضر كحمل من قبضة الشيطان. «إنّك اليوم تكون معي في الفردوس». فذاك هو الإنجيل المجيد بعينه. حرّيّة من الناموس. فلا شيء من الدينونة الآن على الذين هم في المسيح يسوع.
أحرار! أحرار!
في أيّام ويلبرفورس، لمّا أُبطلت العبوديّة وأُلغيت، وقيل إنّه لا يقدر عبد واحد أن يعيش تحت العَلَم البريطانيّ، لأنّ قانونًا قد صدر يعلن أنّ كلّ إنسان حرّ، شاع ذلك الخبر في الآفاق كلّها؛ ولمّا كان قبطان إحدى السفن ذاهبًا إلى جزيرة بعيدة من جزائر بلاد العبيد، كان أولئك العبيد يترقّبون أن يبلغهم الخبر وأن يتيقّنوا أحقّ هو أم ليس بحقّ. وقد كانوا في لهفة أن يعلموا هل صدر ذلك القانون، وهل صاروا أحرارًا بالحقيقة. فلمّا لاحت تلك الجزيرة الصغيرة لعيني القبطان، كانوا هم هناك واقفين ينتظرون أن تبلغهم البشرى، فرفع القبطان بوقه إلى فمه وصاح في أرجاء الجزيرة: «أحرار! أحرار!» فتلقّف الناس الصيحة وتردّد صداها في الجزيرة كلّها: «أحرار! أحرار!» وهتفوا كلّهم من الفرح، لأنّهم لم يعودوا عبيدًا بعد. وإنّي لأحمل إليكم أنا أيضًا بشرى مثل هذه. فابن الله سينطق بالكلمة: «حرّ». لقد نطق بها هناك على الصليب، فصار اللصّ المسكين رجلًا حرًّا، ولم يقدر الشيطان بعد أن يمسكه.
ثمّ فكّر في هذا التباين! في الصباح يُساق إلى خارج رجل مسكين محكوم عليه، يلعن ويجدّف على ابن الله نفسه؛ وفي المساء يرنّم ترنيمة الفداء الجديدة. وفي ذلك المساء أراه قريبًا من العرش، يرنّم ترنيمة موسى والخروف الحلوة. في الصباح لعن، وفي المساء ترنيم: «المجد لله في الأعالي». أفلم يكن ذلك تغييرًا؟ يا له من تباين! فكّر في ذلك أيّها الخاطئ. محكوم عليه في الصباح من الناس، مطروحًا إلى خارج كمن هو أحقر من أن تحتمله الأرض؛ وفي المساء أهلًا للسماء؛ وفي المساء مغسولًا في دم الخروف، والمسيح مستعدّ أن يقبله في ملكوت السماوات. وما استحى المسيح أن يمشي معه على بلاط السماء البلّوريّ. لقد سمع تلك الصيحة على الصليب حين نادى المسيح: «قد أُكمل!» فما أشدّ ما لا بدّ أن تكون نفسه قد ارتعشت فرحًا عند تلك الصيحة! لقد قال: «قد تمّ خلاصي الآن». ورأى الحربة تُطعن في ذلك الجنب والدم يجري منه، وإنّي لأرى البريق على وجهه وقد أضاءه المجد. «وبدون سفك دم لا تحصل مغفرة». لقد كان منظرًا محزنًا، ولكنّه كان مجيدًا.
أفضل ما تستطيع أن تصنعه.
والآن، أيّها الشابّ، أتريد أنت أن يخلّصك هو؟ أمستعدّ أنت أن تعترف به ربًّا لك ومخلّصًا، وأن تقف إلى جانب السيّد وقوفًا معلنًا، وأن تقول من هذه الساعة فصاعدًا: إنّي سأخدم الربّ يسوع؟ فإن كنتَ كذلك، فستكون هذه الليلة أفضل ليلة في حياتك كلّها إلى يومك هذا. وأفضل ما تستطيع أن تصنعه هو أن تستسلم للمسيح من فورك. وما من مسيحيّ حقيقيّ إلّا وهو يشير عليك بهذه المشورة بعينها؛ ولو كنتُ أستطيع أن أصيح صيحةً تبلغ العرش نفسه، فأسأل المخلّص ماذا يريد أن تفعل، لسمعتُ صوتًا يتدحرج نازلًا من السماء ويقول: «قل له أن يطلب الخلاص». ولمّا ارتدّ ذلك اللصّ المسكين، فلعلّها كانت أوّل مرّة سمع فيها قطّ بالربّ يسوع المسيح، أو دُعي فيها إليه. وأمّا أنت فليس أمرك كذلك من غير شكّ. فما أكثر الناس الذين يؤجّلون الخلاص ويؤجّلونه، حتّى يجيء يوم يكون فيه قد فات الأوان! وما أكثر الناس الذين يعيشون أبدًا في المستقبل! فالأولى بك أن تكون حكيمًا، وأن تدخل ملكوت الله الآن. ولترتفع صلاتك من قلبك، كصلاة ذلك اللصّ المسكين: «اذكرني يا ربّ»، فإنّك لن تطلب باطلًا.
ارتداد في أوانه.
ويروي واعظ من وعّاظ أدنبرة قصّة ارتداد شابّ كان يعمل في إحدى مناطق المناجم هناك. فلمّا انتهى الاجتماع في إحدى الكنائس في مساء ليلة من الليالي، رآه واقفًا إلى عمود من أعمدة الكنيسة، وقد خرج سائر الناس كلّهم إلّا اثنين أو ثلاثة، فسألوا هذا الرجل: أما أنت ذاهب إلى بيتك؟ فقال: «لقد عزمتُ في نفسي أنّي لا أخرج من هذه الكنيسة حتّى أصير مسيحيًّا»؛ فمكثوا معه هناك وتكلّموا معه وصلّوا لأجله. وقد كان ذلك أفضل ما استطاع أن يصنعه في تلك الساعة. وإنّي لأودّ أن يصنع كلّ إنسان ههنا مثل هذا الصنيع. فاعزموا في أنفسكم أنّكم لا تخرجون من ههنا حتّى تفصلوا في أمر نفوسكم للأبديّة كلّها. وفي اليوم التالي، بينما كان هذا الشابّ يعمل في المنجم، انهار عليه الفحم فطمره، فلم يبقَ له قبل أن يموت من القوّة إلّا ما يكفي لأن يقول لرفاقه: «ما أحسن أنّي فصلتُ في الأمر البارحة — ما أحسنه من صنيع!» أيّها الشابّ، سأترك لك أنت وحدك أن تجيب عن هذا السؤال: أفلم يكن حسنًا أنّه فصل في الأمر تلك الليلة؟
وقد حدّثني شابّ كان في الجيش أيّام الحرب الأهليّة أنّه لمّا سمع أنّ أخاه، ذاك الذي لم يفارقه قطّ يومًا واحدًا، قد انخرط في فوج من الأفواج، ذهب هو من فوره وكتب اسمه تحت اسم أخيه. فكانا يأكلان معًا، ويزحفان معًا، ويحاربان كتفًا إلى كتف. وأخيرًا أصابت أخاه رصاصة مينيه، فسقط إلى جانبه جريحًا جراحًا مميتة. فرأى بوضوح لا لبس فيه البتّة أنّه لا بدّ أن يموت؛ وكانت المعركة محتدمة، ولم يكن في وسعه أن يصنع شيئًا واحدًا لينقذه، فوضع حقيبة أخيه تحت رأسه، وأراحه ما استطاع أن يريحه، ثمّ انحنى عليه فقبّله وودّعه وتركه هناك ليموت. وبينما هو منصرف عنه قال له أخوه: «يا تشارلي، ارجع ودعني أقبّلك على شفتيك». «ولمّا انحنيتُ عليه» — قال ذلك الجنديّ الشابّ الذي روى لي القصّة — «قبّلني على شفتيّ وقال لي: خذ هذه إلى أمّي في البيت، وقل لها إنّي متّ وأنا أصلّي لأجلها؛ ولمّا انصرفتُ عنه كنتُ أسمعه يقول: هذا هو المجد. وبينما هو مطروح هناك يتخبّط في دمه، وأنا أتعجّب في نفسي ماذا يعني بذلك، سألته: وما هو المجد؟ فقال: يا تشارلي، إنّه لمجيد أن يموت الإنسان وهو ناظر إلى فوق — إنّي أرى المسيح في السماء».
أن تموت ناظرًا إلى فوق.
فإن كنتَ تريد أن تموت وأنت ناظر إلى فوق، وأنت ترى المسيح، فاطلب ملكوت الله. فلعلّك لا تسمع هذه الدعوة مرّةً أخرى أبدًا. فلا تخرج من هذا المكان قبل أن تعزم في نفسك أن تفصل في مسألة الأبديّة المهيبة من فورك.
ملكية عامة. النص المصدر من الطبعة الأصلية.