عظة · قراءة 21 د
مواعيد المسيح الثمانية: «أُريد»
Dwight L. Moody النص
متى 11:28
ترجمة بالذكاء الاصطناعي — في انتظار مراجعة ناطق أصلي
باختصار
يجمع مودي ثمانية مواعيد يقول المسيح في كلّ واحد منها «أُريد» — الراحة، وقبول كلّ من يُقبِل إليه، والتطهير، والاعتراف بنا قدّام الآب، والقدرة على ربح الآخرين، والتعزية، والقيامة، والمجد — ثمّ يضع كلمة الله في مقابل كلمتنا نحن، وهي التي ننقضها لعوز الإرادة أو لعوز القدرة. ويختم طالبًا موعدًا تاسعًا، هو موعد الابن الضالّ: «أقوم وأذهب إلى أبي».
اقرأ متّى 11: 28، 29
أحبّ أن ألفت انتباهكم إلى ثمانية مواعيد يقول المسيح في كلّ واحد منها: «أُريد».
1. أوّلها تجدونه في متّى 11: 28: «تعالوا إليّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال،
وأنا أُريحكم.
احملوا نيري عليكم وتعلّموا منّي، لأنّي وديع ومتواضع القلب، فتجدوا راحةً لنفوسكم. لأنّ نيري هيّن وحملي خفيف».
وأنا ما لقيتُ قطّ في حياتي كلّها إنسانًا واحدًا لا يشتهي الراحة. ما من رجل ولا امرأة يعيش اليوم على وجه هذه الأرض إلّا وهو يشتهي الراحة. ونحن نقرأ عن ذلك الغنيّ الذي كان مزمعًا أن ينقض مخازنه ويبني أعظم منها، وهو يقول لنفسه: «يا نفس، لكِ خيرات كثيرة موضوعة لسنين كثيرة، فاستريحي أنتِ الآن». وهؤلاء التجّار يكدحون الليل والنهار ليجمعوا المال، لكي ينالوا به راحة. والرجال يتركون أهليهم وأصحابهم ويطوفون الدنيا كلّها ليكسبوا المال، على رجاء أن ينالوا به راحة. والبحّارة يشقّون عباب البحر ويغيبون عن بيوتهم الشهور الطوال ليحصّلوا المال، لكي يجلب لهم ذلك المال راحة. بل الحقّ أنّ الراحة لو كانت تُباع وتُشترى في الأسواق لكان في لندن مئات كثيرة يدفعون فيها ثمنًا غاليًا جدًّا؛ ولكنّ المال لا يقدر أن يشتريها، ومع ذلك فأنت قادر أن تنالها بلا فضّة وبلا ثمن، إن أنت آمنتَ بكلمة الله وحدها. «تعالوا إليّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال، وأنا أُريحكم». وأمّا حين نقول نحن معشر الناس: «أُريد»، فكثيرًا ما لا يعني قولنا شيئًا كبيرًا. فربّما لا ننوي أصلًا أن نفي بكلمتنا حين نقول إنّنا نريد أن نفعل أمرًا من الأمور؛ وإن نوينا حقًّا أن نفي بها، فكثيرًا جدًّا ما نعجز عن ذلك لقصور القدرة فينا عن إتمام ما وعدنا به. وأمّا الله فتذكّروا أنتم هذا جيّدًا: إنّه لا ينقض وعده قطّ؛ ولا يخطئ هو قطّ؛ ولا يعجز قطّ عن إتمام كلمته. والكلمات التي قرأتُها عليكم يُعتمد عليها كلّ الاعتماد؛ لأنّها ليست كلمات إنسان، بل كلمات ابن الله — «تعالوا إليّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال، وأنا أُريحكم».
وهذا يدلّنا على الموضع الوحيد الذي نقدر أن نجد فيه راحة. ما من موضع آخر في الدنيا كلّها يستطيع فيه إنسان بأيّة وسيلة كانت من الوسائل أن يجد راحةً لنفسه. تذكّروا هذا جيّدًا: ليس المطلوب أن تأتي إلى عقيدة من العقائد، ولا أن تأتي إلى كنيسة بعينها، ولا إلى تعليم بعينه، بل أن تأتي إلى المسيح. «تعالوا إليّ». إنّ المجيء إلى مسيح شخصيّ هو وحده الذي يهب النفس سلامًا وراحة.
السلام.
والآن، ههنا في يوحنّا 14: 27، وعد عزيز جدًّا جدًّا على قلبي أنا. يقول المسيح: «سلامًا أترك لكم»؛ كأنّه يقول: إنّي ماضٍ عنكم، ولكنّي لستُ آخذًا سلامي أنا منكم، بل هو الذي أتركه لكم من بعدي. «سلامي أعطيكم». تأمّلوا معي هذه اللفظة الصغيرة: «سلامي» — «سلامي أعطيكم». وكثيرون جدًّا من الناس يلتمسون سلامهم من ينابيع هذا العالم، فإذا وجدوه لم ينالوا منه طائلًا ولا خرجوا منه بشيء، لأنّ إبليس يقدر أن يعزف على مشاعر الناس كما يعزف الإنسان على أوتار القيثارة، وأن يخدعهم فيسوقهم إلى كلّ شيء تقريبًا. وأمّا إن ذهبنا نحن إلى المسيح نطلبه منه هو، فإنّنا ننال ما نريده حقًّا، وننال راحةً لنفوسنا؛ وما لم نذهب إليه هو نفسه، فلن ننالها أبدًا.
وثمّة أشياء كثيرة تعكّر سلامنا نحن؛ وأمّا سلام الله فلا يقدر شيء البتّة في الوجود أن يعكّره. لو أخذتم هذه الجزيرة الصغيرة التي نحن عليها وألقيتموها في وسط المحيط الأطلسيّ لأحدث ذلك ضجّةً عظيمةً واضطرابًا شديدًا في هذا العالم؛ ولكنّي لا أظنّ أنّ الله يتزعزع من أجل ذلك على عرشه الأبديّ؛ ما كان ذلك ليقلقه هناك في السماوات، وهو العليّ المرتفع فوق الأرض كلّها وما عليها. فلننَلْ نحن سلام الله، وحينئذ تكون لنا الراحة.
ثمّ يقول أيضًا: «كلّمتكم بهذا لكي يثبت فرحي فيكم». فرح المسيح هو، لا فرحنا نحن الذي من عندنا. فحين نأتي إلى مسيح شخصيّ، وتستند نفوسنا عليه وتستقرّ فيه، حينئذ ننال الراحة، وننال السلام، وننال الفرح. تلك راحة لا يقدر شيء في الدنيا كلّها أن يعكّرها؛ وذلك سلام يجري ويفيض على الدوام كالنهر؛ وذلك فرح إلى أبد الدهور.
2. ثمّ إنّ «أُريد» التالية هي في يوحنّا 6: 37. وإنّي لأتخيّل بعضًا منكم أيّها الناس يقول: «آه، لو كنتُ أنا صالحًا بما يكفي لكي آتي إليه، لجئتُ ونلتُ هذه الراحة وهذا السلام وهذا الفرح». ولكنّكم إن قرأتم العدد الذي أتكلّم عنه الآن وجدتموه يقول هذا القول: «ومن يُقبِل إليّ
لا أُخرجه خارجًا».
أليس هذا واسعًا كلّ السعة؟ أليس كذلك؟ إنّي لا أبالي من يكون ذلك الرجل أو تلك المرأة؛ ولا أبالي ما هي تجاربك، ولا ما هي ضيقاتك، ولا ما هي أحزانك، ولا ما هي خطاياك؛ إن أنت جئتَ إلى المعلّم رأسًا من فورك فإنّه لا يُخرجك خارجًا. فتعالَ إذًا أيّها الخاطئ المسكين؛ تعالَ كما أنت على حالك، وخُذه أنت عند كلمته.
وقد جاء إلى أحد اجتماعاتنا شابّ طائش مسرف، كان منطلقًا في طريقه إلى الهلاك انطلاقًا لا يُردّ ولا يُوقَف، ولكنّ روح الله أمسك به. وبينما كنتُ أحادثه وأجتهد أن أجيء به إلى المسيح، اقتبستُ له هذا العدد بعينه. ورفعتُه أمام عينيه رفعًا، وأخذتُ أقود فكره إليه وقتًا غير قصير، حتّى بدا أخيرًا أنّ نورًا قد أشرق عليه من فوق، وأنّه قد وجد فيه عزاءً لنفسه؛ فقلتُ له أن يتمسّك بذلك العدد وحده ولا يتركه أبدًا. ثمّ إنّه لمّا انصرف من عندنا لقيه إبليس هناك في طريقه إلى بيته. وما أظنّ قطّ أنّ إنسانًا واحدًا يبدأ بالمسير إلى المسيح إلّا ويجتهد إبليس بطريقة أو بأخرى أن يعترضه في الطريق ويعثره ويوقعه. بل حتّى بعدما يأتي الإنسان إلى المسيح يأتيه إبليس ويحاول أن يهاجمه بالشكوك، وأن يحمله على الظنّ أنّ في الأمر خطأً ما. وهكذا لقي الشيطان هذا الشابّ في الطريق وهمس في أذنه: «وما أدراك أنت أنّ تلك ترجمة صحيحة؟» فأوقفه ذلك حينًا من الوقت في مكانه، وطرحه في الظلمة مرّةً ثانية. ولكنّه تذكّر قولي له أن يتمسّك بذلك النصّ، فبقي هناك متعلّقًا به بعدما ألقى الشيطان ذلك في فكره؛ إلّا أنّه لم يجد سلامًا لنفسه إلى الساعة الثانية بعد منتصف الليل. ثمّ قال أخيرًا في نفسه: «سأتمسّك به على كلّ حال؛ فإن لم تكن الترجمة صحيحة، فحين أقف أمام كرسيّ الله أقول له إنّي لم أعلم قطّ أنّها خطأ، لأنّي لم أكن أفهم شيئًا من اليونانيّة ولا من اللاتينيّة». «ومن يُقبِل إليّ لا أُخرجه خارجًا». فإن أنت جئتَ إليه فقط، لا غير، فإنّ لي سلطانًا حسنًا من عنده أن أقول لك إنّ المسيح يقبلك أنت اليوم — بل في هذه الساعة عينها.
إنّ ملوك هذا العالم وأمراءه، إذا أرسلوا دعواتهم إلى الناس، إنّما يدعون إليهم الأغنياء والأقوياء وأصحاب السلطان والوجهاء والحكماء؛ وأمّا الربّ لمّا كان ههنا على الأرض فقد دعا إليه أرذل الأرذلين. قالوا عنه: «هذا يقبل خطاةً ويأكل معهم». نعم، وقد ازدحم العشّارون والخطاة والزواني على ملكوت الله ازدحامًا وتدافعوا إليه في أيّامه.
هذا يقبل خطاةً.
ما من جمعيّة ههنا في لندن كانت ترضى أن يكون في صحبتها رجل كجون بنيان في ما مضى من أيّامه؛ ومع ذلك خلّصه الربّ ورحّب به ترحيبًا في ملكوته. وها هو ذا سكّير بائس مسكين قد طرده أبوه وأمّه من البيت وتخلّى عنه أصحابه كلّهم، ولكنّ الربّ هو قد قبله. ولقد عرفتُ أنا من المنبوذين أتعسَ من رأت العين على وجه الأرض، مطرودين محتقرين من كلّ إنسان، ومع ذلك قبلهم الربّ. فخُذه إذًا اليوم عند كلمته، واقبل أنت دعوته التي دعاك بها: «ومن يُقبِل إليّ لا أُخرجه خارجًا».
ولكنّك تقول: لا بدّ لي أوّلًا أن أتخلّص من خطاياي، وبعد ذلك آتي أنا إليه. عجبًا لهذا الكلام! إنّه كمثل رجل يحتضر من الحمّى القرمزيّة وهو يقول: «آه، سأنتظر حتّى أتخلّص من هذه الحمّى قبل أن أستدعي لي طبيبًا!» ولماذا تحتاج أنت إلى مخلّص أصلًا؟ إنّما تحتاج إليه لأنّك خاطئ، ولأنّك لا تقدر أن تتخلّص من خطاياك بنفسك ولا بحيلة من عندك. أفلا ترى أنّ حاجتك هي بعينها دعوتك إليه؟ ولو كنتُ أنا أموت جوعًا لعوز الخبز، لكان من المعقول بالقدر نفسه أن أقول: «متى تخلّصتُ من هذا الجوع ابتدأتُ آكل». وإنّما أحتاج أنا أن آكل لأنّي جائع، وإنّما نحتاج نحن إلى المسيح لأنّنا خطاة. وإنّما يحتاج الإنسان إلى الطبيب لأنّه مريض، والمسيح هو طبيب النفوس.
3. ونقرأ في لوقا 5 عن الأبرص الذي أقبل إلى المسيح، فقال له الربّ:
«أُريد، فاطهر!».
وللوقت ذهب عنه البرص. وهذه «أُريد» أخرى أحبّ أن ألفت انتباهكم أنتم إليها. فإن كان ههنا اليوم رجل واحد أو امرأة واحدة مملوء ببرص الخطيّة، فما عليك إلّا أن تذهب أنت إلى المعلّم وتقصّ عليه أمرك كلّه كما هو على حقيقته، فإنّه يكلّمك أنت كما كلّم ذلك الأبرص المسكين، ويقول لك أنت: «أُريد، فاطهر»، فيهرب عنك برص خطاياك كلّه ويفرّ. فالربّ، والربّ وحده لا سواه، هو القادر وحده أن يغفر الخطايا. وهذه هي كلمته هو بعينها، فتأمّلها جيّدًا وأدِر عينك فيها: «أُريد، فاطهر»؛ ثمّ ضعْ أنت إلى جانبها ذلك العدد الآخر الذي سمعته: «ومن يُقبِل إليّ لا أُخرجه خارجًا».
نُفايات إبليس.
قال وايتفيلد ذات يوم وهو يعظ إنّ الربّ من شدّة اشتياقه إلى خلاص النفوس يقبل عنده حتّى نُفايات إبليس. فعاتبته الليدي هنتنغدون وقالت له إنّه لا ينبغي له أن يتفوّه بمثل هذا الكلام. ولكن لم يمضِ وقت طويل حتّى جاءت إلى وعظه امرأة ساقطة مسكينة، منبوذة من المجتمع. وكانت مبكَّتة على خطيّتها تبكيتًا عميقًا، فما لبثت أن وجدت السلام في مخلّصها، وقُبلت هي أيضًا في ملكوت الله. فإن كان ههنا اليوم خاطئ مسكين، فليأخذ هذا العدد الواحد، وليحفظ في ذهنه صورة ذلك الأبرص المسكين وهو مقبل إلى المسيح. لقد كان الناموس يمنعه أن يأتي، ولكنّ المسيح فوق الناموس. «لأنّ الناموس بموسى أُعطي، أمّا النعمة والحقّ فبيسوع المسيح صارا».
وأنت تستطيع اليوم أن تعقد مبادلةً عجيبة. تستطيع أن تنال الصحّة عوض المرض؛ وأن تتخلّص من كلّ ما هو دنس ومكروه في عيني الله. ها هو ذا ابن الله ينزل إليك ويقول لك: «أُريد أن أنزع عنك أنت برصك وأعطيك الصحّة مكانه. أُريد أن أنزع عنك ذلك الداء الرهيب الذي يُتلف جسدك ونفسك معًا، وأعطيك برّي أنا مكانه. وأُريد أن أُلبسك أنت ثياب الخلاص». أفليس هذا أمرًا عجيبًا حقًّا؟ وهذا هو بعينه ما يعنيه حين يقول: أُريد. آه يا أصدقائي، تمسّكوا بهذه «أُريد» ولا تفلتوها!
4. والآن انتقلوا إلى متّى 10: 32: «فكلّ من يعترف بي قدّام الناس أعترف أنا أيضًا به قدّام أبي الذي في السماوات». وههنا
«أُريد» الاعتراف.
وهذا هو الأمر التالي الذي يحدث بعدما يخلص الإنسان. فنحن قد اغتسلنا بدم الحمل، والأمر التالي بعد ذلك أن تنفتح أفواهنا نحن. علينا أن نعترف بالمسيح ههنا في هذا العالم المظلم، وأن نُخبر الآخرين بمحبّته التي أحبّنا بها ونحن بعدُ خطاة. وما ينبغي لنا نحن البتّة أن نستحي بابن الله.
إنّ الرجل ليعدّه شرفًا عظيمًا أن يظفر بنصر يجعل اسمه يُذكر في البرلمان، أو يُذكر في حضرة الملكة وحاشيتها. نعم، إنّه لشرف عظيم جدًّا. وفي بلاد الصين، كما نقرأ، أسمى ما يطمح إليه الجنديّ الظافر أن يُكتب اسمه هناك في قصر كونفوشيوس أو في هيكله. ولكن تأمّلوا معي أن يُذكر اسمكم أنتم في ملكوت السماوات، على فم ربّ المجد، على فم ابن الله نفسه، لا لشيء إلّا لأنّكم اعترفتم أنتم به ههنا على الأرض. أنتم تعترفون به ههنا في الأسفل، وهو يعترف بكم هناك في العلاء. فإن شئتَ أن تُقاد إلى نور الحرّيّة الصافي فلا بدّ لك أن تقف في صفّ المسيح جهارًا. ولقد عرفتُ مسيحيّين كثيرين يتلمّسون طريقهم في الظلمة ولا يبلغون قطّ نور الملكوت الصافي طول أيّامهم، وما ذلك إلّا لأنّهم استحيوا أن يعترفوا بابن الله. فلا تستحوا أيّها المسيحيّون أن يعرف أصحابكم، بل أعداؤكم أيضًا، أنّكم واقفون في صفّ الله.
5. و«أُريد» التالية هي
«أُريد» الخدمة.
وأظنّ أنّ ههنا اليوم مسيحيّين كثيرين قد أُحيوا وأُيقظوا حتّى قالوا في أنفسهم: «إنّي أريد أن أعمل شيئًا من الخدمة للمسيح». وهوذا المسيح يقول: «هلمّ ورائي فأجعلكما صيّادَي الناس». وما من مسيحيّ واحد إلّا وهو قادر أن يعين في إحضار نفس واحدة إلى المخلّص. ويقول المسيح أيضًا: «وأنا إن ارتفعتُ عن الأرض أجذب إليّ الجميع»؛ وإنّما شغلنا نحن أن نرفع المسيح ونحيا له وحده. وقد تظلّ تعظ كأنّك جبرائيل الملاك نفسه؛ ولكنّك إن عشتَ عيشة إبليس فوعظك كلّه لا يساوي شيئًا. ولستُ أبالي كم أنت بليغ في القول، ولا ما أجمل اللغة التي تستعملها؛ فوعظك لا يساوي شيئًا. ولا خير لك في أن تتبع هذا الإنسان أو ذاك الإنسان؛ اتبع المسيح، وإيّاه وحده. هو يقول: أجعلكم صيّادي الناس.
بطرس أحرز صيدًا عظيمًا يوم الخمسين.
ولستُ أظنّه اصطاد قطّ في يوم واحد من السمك مثل ما اصطاد من الناس في يوم الخمسين ذاك. فلو أنّهم اضطُرّوا أن يجرّوا في ذلك اليوم ثلاثة آلاف سمكة لتمزّقت كلّ شبكة كانت معهم هناك في السفينة.
قال ربّنا: «هلمّ ورائي يا بطرس فأجعلك صيّاد الناس»؛ فلم يصنع بطرس شيئًا إلّا أنّه أطاعه، وها نحن نرى النتيجة هناك في يوم الخمسين ذاك.
ولكن ثمّة سبب واحد، وهو سبب عظيم جدًّا، يجعل كثيرين منهم لا ينجحون في عملهم. فقد سألني رجال صالحون كثيرون: «لماذا لا نرى نحن ثمرًا لعملنا؟ نحن نتعب في العمل، ونجتهد في الصلاة، ونجدّ في الوعظ، ومع ذلك كلّه لا يأتي النجاح». وأنا أقول لكم ما هو السبب. إنّه لأنّ كثيرين من الناس يقضون وقتهم كلّه في ترقيع شباكهم. فلا عجب أن لا يصطادوا شيئًا أبدًا.
اجتماعات السائلين.
وإنّما الأمر العظيم أن تعقدوا اجتماعات السائلين، فتجرّوا بذلك الشبكة إلى البرّ وتنظروا هل اصطدتم شيئًا أم لم تصطادوا. فإن كنتَ دائمًا ترقّع الشبكة وتنصبها ولا تزيد على ذلك فلن تصطاد سمكًا كثيرًا. ومن سمع قطّ برجل خرج ليصطاد فنصب شبكته ثمّ تركها هناك على حالها ولم يجرّها قطّ؟ لضحك الناس جميعًا من حماقة ذلك الرجل.
وقد جاءني ذات يوم خادم من مانشستر وقال لي: «أودّ لو تقول لي لماذا لا ننجح نحن الخدّام أكثر ممّا ننجح». فعرضتُ عليه أنا هذه الفكرة بعينها، فكرة جرّ الشبكة، وقلتُ له: ينبغي لكم أنتم أن تجرّوا شباككم. وقلتُ له إنّ في مانشستر خدّامًا كثيرين يعظون أحسن منّي بكثير، ولكنّي أنا أجرّ الشبكة. وكثيرون من الناس يعترضون على اجتماعات السائلين، ولكنّي ألححتُ عليه في بيان أهمّيّتها ولزومها، فقال لي ذلك الخادم: «إنّي لم أجرّ الشبكة قطّ في حياتي؛ ولكنّي سأجرّب ذلك يوم الأحد القادم». ففعل ذلك، فدخل إلى غرفة درسه ثمانية أشخاص من السائلين القلقين على نفوسهم. وفي الأحد الذي يليه نزل إليّ وقال لي إنّه لم ير في حياته كلّها أحدًا كذلك الأحد. لقد لقي فيه بركةً عجيبة. وفي المرّة التالية التي جرّ فيها الشبكة كانوا أربعين نفسًا. ولمّا جاء ليراني في دار الأوبرا منذ أيّام قال لي فرحًا مبتهجًا: «يا مودي، لقد كان لي ثماني مئة اهتداء في هذه السنة الأخيرة! ويا لها من غلطة كبيرة أنّي لم أبدأ أبكر من ذلك بجرّ الشبكة». فيا أصدقائي، إن كنتم تريدون أن تصطادوا الناس،
فجرّوا الشبكة لا غير.
فإن لم تصطد إلّا واحدًا فذلك شيء له قيمته. وقد يكون طفلًا صغيرًا، ولكنّي قد عرفتُ طفلًا صغيرًا ردّ عائلةً بأسرها إلى الله. فأنت لا تدري ما الذي في ذلك الصبيّ الصغير البليد الجالس في غرفة السائلين؛ لعلّه يصير مارتن لوثر آخر، مصلحًا يزلزل العالم كلّه — لا سبيل لك أن تعرف ذلك. إنّ الله يختار ضعفاء العالم ليُخزي بهم الأقوياء. ووعد الله لا يقلّ ثقةً عن سند من سندات مصرف إنكلترا: «أتعهّد أن أدفع لفلان كذا»؛ وهذا واحد من سندات المسيح: «إن تبعتني جعلتك صيّاد الناس». أفلا تتمسّك أنت بهذا الوعد وتثق به وتتبعه من الآن؟
ولكنّك بعد ذلك كلّه، إن شئتَ أن تصطاد الناس، فلا بدّ لك من شيء من — بماذا أسمّيه؟ —
الحسّ السليم.
وهذا هو الكلام الصريح البسيط في هذا الأمر كلّه. فإذا وعظ الرجل بالإنجيل ووعظ به بأمانة، فحقّ له أن يتوقّع الثمر هناك في الحال. ولكن بعدما يعلن البشارة السارّة فليعقد اجتماعًا للسائلين، وليعقد اجتماعًا ثانيًا إن لزم الأمر، وليذهب إلى بيوت الناس فيكلّمهم ويصلّي معهم؛ وبهذه الطريقة يُقاد مئات منهم إلى الله. وإنّي لأومن أنّ من امتياز أولاد الله أن يجنوا هم ثمر تعبهم في السنة كلّها، في ثلاث مئة وخمسة وستّين يومًا منها.
فيقول قائلون منكم: «حسنًا، ولكن أليس ثمّة زمان للزرع كما أنّ ثمّة زمانًا للحصاد؟» نعم، هذا صحيح، ثمّة زمان للزرع بلا شكّ؛ ولكنّك تستطيع أنت أن تزرع بيد وتحصد باليد الأخرى. فماذا تقولون أنتم في فلّاح يمضي السنة كلّها في الزرع ولا يخطر له الحصاد على بال قطّ؟ وأعيدها عليكم مرّةً أخرى: نريد أن نزرع بيد ونحصد بالأخرى؛ وإن نحن التمسنا نحن ثمر أتعابنا رأيناه بأعيننا. «وأنا إن ارتفعتُ عن الأرض أجذب إليّ الجميع». فعلينا نحن إذًا أن نرفع المسيح، ثمّ نفتّش عن الناس ونأتي بهم إليه. ثمّ إنّ عليك أيضًا أن تستعمل الطُّعم الصحيح. وكثيرون من الناس لا يفعلون ذلك، ثمّ يتعجّبون بعد ذلك كيف لا ينجحون في عملهم. تراهم يقيمون ألوان التسلية كلّها ليجتذبوا بها الناس إليهم. إنّهم يسلكون في ذلك الطريق الخطأ ويعملون على غير هدى. وأنا أقول لكم ماذا يحتاج إليه هذا العالم الهالك: إنّه يحتاج إلى
المسيح، وإيّاه مصلوبًا.
ففي صدر كلّ إنسان من الناس فراغ يطلب من يملؤه، وهو لا يمتلئ بشيء ممّا في هذه الدنيا كلّها؛ وإن نحن أتيناهم بالطُّعم الصحيح اصطدناهم لا محالة. إنّ هذا العالم المسكين محتاج إلى مخلّص؛ وإن أردنا نحن أن ننجح في اصطياد الناس فلا بدّ لنا أن نكرز بالمسيح مصلوبًا — لا بحياته وحدها، بل بموته. وإن كنّا أمناء في هذا وحده فسننجح لا محالة. ولماذا؟ لأنّ وعده هو قائم لا ينقض: «إن تبعتني جعلتك صيّاد الناس». وهذا الوعد ثابت لك ولي اليوم كما كان ثابتًا لتلاميذه في زمانهم، وهو صادق ههنا الآن كما كان صادقًا حينئذ في أيّامهم. «والفاهمون يضيئون كضياء الجَلَد، والذين ردّوا كثيرين إلى البرّ كالكواكب إلى أبد الدهور». فتأمّلوا إذًا معي في هذا الامتياز الرفيع، امتياز ردّ نفس واحدة لا غير إلى المسيح. إنّك بذلك تُجري نهرًا يظلّ جاريًا دهورًا طويلةً من بعدك، بعدما ترحل أنت عن هذه الدنيا وتُنسى. «طوبى للأموات الذين يموتون في الربّ منذ الآن… لكي يستريحوا من أتعابهم، وأعمالهم تتبعهم».
بولس ورسائله.
تأمّلوا معي في بولس هناك في العلاء. فإنّ الناس صاعدون إليه كلّ يوم وكلّ ساعة، رجالًا ونساءً قد جيء بهم إلى المسيح بواسطة كتاباته هو. لقد أجرى أنهارًا ما زالت تجري إلى اليوم أكثر من ألف سنة. وإنّي لأتخيّل رجالًا كثيرين يصعدون إلى هناك ويقولون: «يا بولس، أشكرك على كتابتك تلك الرسالة إلى أفسس؛ فإنّي وجدتُ المسيح فيها». «يا بولس، أشكرك على كتابتك تلك الرسالة إلى كورنثوس». «يا بولس، إنّي وجدتُ المسيح في تلك الرسالة إلى فيلبّي». «أشكرك يا بولس على تلك الرسالة إلى غلاطية؛ فإنّي وجدتُ المسيح فيها». وهكذا أحسبهم لا يزالون صاعدين إلى اليوم، شاكرين بولس على ما صنع لهم. آه، لمّا أُلقي بولس في السجن لم يطوِ يديه ويجلس في البطالة يشكو حاله. كلّا، بل ابتدأ يكتب؛ فنزلت رسائله إلينا عبر الدهور الطوال، وجاءت بألوف الألوف من الناس إلى معرفة المسيح مصلوبًا. نعم، لقد قال المسيح لبولس: «إن تبعتني جعلتك صيّاد الناس»، فما زال يصطاد النفوس من ذلك الحين إلى اليوم. وقد ظنّ إبليس أنّه صنع صنيعًا بالغ الحكمة إذ أدخل بولس السجن، ولكنّه كان مخطئًا كلّ الخطأ؛ لقد أفسد أمره على نفسه هذه المرّة. ولا أشكّ أنّ بولس ما زال يشكر الله من ذلك الحين على سجن فيلبّي ذاك، وعلى ما ناله هناك من الجلدات والقيود. وإنّي لعلى يقين أنّ العالم قد ربح من ذلك أكثر ممّا سنعرفه يومًا حتّى نصل إلى السماء.
6. ونجد «أُريد» التالية في يوحنّا 14: 18:
«لا أترككم بلا مُعَزٍّ».
وإنّها لفكرة عذبة جدًّا عندي أنّ المسيح لم يتركنا وحدنا في هذه البرّيّة المظلمة ههنا في الأسفل. فمع أنّه قد صعد إلى العلاء وجلس عند عرش الآب، فإنّه لم يتركنا نحن. والترجمة الأدقّ لهذه الكلمة — وهي التي في عربيّتنا — «لا أترككم يتامى». وهو لم يترك يوسف لمّا طرحوه هناك في السجن، بل «كان الله معه». ولمّا أُلقي دانيال في جبّ الأسود اضطُرّوا أن يُلقوا القدير نفسه معه هناك. لقد كانا مرتبطين معًا ارتباطًا لا يقبل الفصل بحال من الأحوال، فنزل الله مع دانيال إلى جبّ الأسود.
لا انفصال.
فإن كان المسيح معنا استطعنا نحن أن نصنع كلّ شيء. فلا نشتغل بالتفكير في ضعفنا نحن وفي كم نحن ضعفاء. بل لنرفع عيوننا إليه هو، ولنتأمّله أخًا أكبر لنا، قد دُفع إليه كلّ سلطان في السماء وعلى الأرض. وهو يقول لنا: «وها أنا معكم كلّ الأيّام إلى انقضاء الدهر». إنّ بعض أولادنا وبعض أصحابنا يفارقوننا ويمضون عنّا، وإنّها لساعة محزنة جدًّا تلك الساعة التي يذهب فيها أحد أهل بيتنا إلى بلاد بعيدة — إلى أستراليا مثلًا. ولكنّ الشكر لله على هذا، فإنّ المؤمن والمسيح لا ينفصلان أبدًا ولا إلى الأبد. هو معنا ههنا الآن، ونحن سنكون معه بأشخاصنا عن قريب. نعم، سنكون معه هناك ونراه في جماله عن قريب. وليس هو معنا فحسب، بل قد أرسل إلينا أيضًا الروح القدس الذي يعلّمنا كلّ شيء. فلنُكرم نحن الروح القدس ونوقّره بأن نعترف أنّه ههنا حاضر في وسطنا الآن. فإنّ له سلطانًا أن يعطي البصر للعمي، وأن ينادي للمأسورين بالإطلاق والحرّيّة، وأن يفتح آذان الصمّ ليسمعوا هم أيضًا كلمات الإنجيل المجيدة.
7. ثمّ ثمّة «أُريد» أخرى في يوحنّا 6: 40، وهي كلمة ترد أربع مرّات في ذلك الأصحاح الواحد: «وأنا أُقيمه في اليوم الأخير».
«أُريد» القيامة.
وإنّها لفكرة عذبة جدًّا عندي أنا أن أفكّر أنّ لي مخلّصًا له سلطان على الموت نفسه. فسيّدي المبارك له مفاتيح الهاوية والموت. وإنّي لأشفق من قلبي على غير المؤمن المسكين وعلى الملحد المسكين. فما لهم رجاء البتّة في القيامة. وأمّا كلّ ولد من أولاد الله فيستطيع أن يفتح ذلك الأصحاح ويقرأ فيه هذا الوعد، وحقّ لقلبه أن يثب فيه فرحًا وهو يقرأه. وأنتم تعلمون أنّ التاجر يضع عادةً أفضل نموذج من بضاعته في الواجهة ليرينا جودة ما عنده في مخزنه. وهكذا المسيح لمّا كان ههنا في الأسفل أعطانا هو أيضًا نموذجًا ممّا يقدر أن يصنعه. فأقام ثلاثةً من الأموات لا غير، لكي نعرف نحن أيّ سلطان له. وهم: (1) ابنة يايرس، (2) وابن تلك الأرملة، (3) ولعازر الذي من بيت عنيا. أقامهم ثلاثتهم لكي يُمحى كلّ شكّ من قلوبنا ويُكنس عنها. فما أشدّ ما كان يكون هذا العالم مظلمًا كئيبًا لو لم يكن لنا رجاء في القيامة! وأمّا الآن فحين نضع أولادنا الصغار في القبر، فإنّنا وإن فعلنا ذلك في حزن وأسى، فلسنا نفعله بلا رجاء. لقد رأيناهم يمضون عنّا واحدًا بعد واحد، ورأيناهم في صراع الموت الرهيب؛ ولكن كان ثمّة كوكب واحد يضيء لنا تلك الظلمة وتلك الكآبة — وهو الفكر أنّ تلك الحلقة السعيدة، وإن انكسرت ههنا على الأرض، فإنّها ستكتمل ثانيةً في ذلك العالم الملآن بنور السماء. فيا من فقدتم حبيبًا لكم، افرحوا أنتم وأنتم تقرأون تلك «أُريد». إنّ الذين ماتوا في المسيح سيخرجون هم ثانيةً عن قريب. ستهرب الظلمة كلّها وتنقشع، ويطلع علينا نور القيامة الصباحيّ. وما هي إلّا برهة يسيرة حتّى يأتي ذلك القائل، ويُسمَع صوته هناك في القبر: «وأنا أُقيمه في اليوم الأخير». يا له من وعد ثمين! ويا لها من «أُريد» ثمينة!
8. ثمّ إنّ «أُريد» التالية هي التي في يوحنّا 17: 24: «أيّها الآب، أُريد أنّ هؤلاء الذين أعطيتني يكونون معي حيث أكون أنا».
«أُريد» المجد.
وقد كان ذلك في صلاته الأخيرة هناك في العلّيّة، في الليلة الأخيرة قبل أن يُصلب ويموت تلك الميتة الرهيبة على الجلجثة. وإنّي لأرى ههنا وجوهًا قد ابتدأت تستنير وتشرق عند التفكير في أنّهم سيكونون مع الملك في جماله عن قريب. نعم، إنّ أمامنا يومًا مجيدًا في المستقبل الآتي. ويظنّ بعضهم أنّهم في أوّل يوم يهتدون فيه قد نالوا كلّ شيء دفعةً واحدة. نعم، نحن ننال الخلاص للماضي كلّه وننال السلام للحاضر؛ ولكن ثمّة بعد ذلك أيضًا المجد للمستقبل. وهذا هو الذي أبقى بولس فرحًا مبتهجًا. قال: «هذه الضيقة الوقتيّة الخفيفة، وهذه الجلدات القليلة، وهذه الحجارة وقطع الآجرّ التي يرمونني بها — إنّ المجد الذي وراءها يفضلها فضلًا عظيمًا حتّى إنّي أحسبها لا شيء، لا شيء البتّة، لكي أربح المسيح». وهكذا نحن أيضًا، حين تجري الأمور على غير ما نهوى، فلنتشجّع ولا نضعف؛ ولنتذكّر أنّ الليل سيمضي عن قريب ويطلع علينا نور الصباح.
الموت لا يأتي هناك قطّ.
لقد نُفي من تلك الأرض السماويّة. فالمرض والوجع والحزن لا تأتي إلى هناك لتفسد ذلك البيت العظيم المجيد الذي سنكون فيه عن قريب مع المعلّم. وستجتمع عائلة الله هناك كلّها معًا. يا له من مستقبل مجيد يا أصدقائي! نعم، يا له من يوم مجيد! ولعلّه أقرب كثيرًا ممّا يظنّ كثيرون منّا. فلنقف في هذه الأيّام المظلمة القليلة التي نحن فيها ههنا راسخين ثابتين، وعن قريب نكون في تلك الحلقة التي لا تنكسر في ذلك العالم النورانيّ، ويكون الملك في وسطنا.
«أُريد» الخاطئ.
وبقيت «أُريد» واحدة أحبّ أن تقولوها أنتم، وهي «أُريد» الخاطئ. فقد صارت لكم مواعيد المسيح الثمانية: (1) هو يريد أن يريحنا؛ (2) وهو يريد ألّا يُخرج خارجًا أرذل الناس، بل أن يقبل كلّ من يُقبِل إليه؛ (3) وهو يريد أن يطهّرنا ويغسلنا؛ (4) وهو يريد أن يعترف بنا قدّام أبيه أنّنا له؛ (5) وهو يريد أن يجعلنا صيّادين ناجحين للنفوس؛ (6) وهو يريد ألّا يتركنا بلا مُعَزٍّ؛ (7) وهو يريد أن يقيمنا هو في اليوم الأخير؛ (8) وهو يريد أن نكون نحن معه هناك في مجده.
والآن أريد من الخطاة أن يقولوا:
«أقوم وأذهب إلى أبي».
فمن يقولها منكم بعد ظهر هذا اليوم؟ ومن يأتي إلى الله كما أتى ذلك الابن الضالّ المسكين؟ إنّي لأراه الآن الآن أمام عينيّ. لعلّه يتطلّع فوق تلك التلال الزرقاء؛ وهناك في البعيد يرى ذلك البيت الذي تركه، ويعلم أنّ فيه أبًا محبًّا، شيخًا أشيب الرأس؛ فيقول في نفسه: أنا أهلك ههنا في أرض غريبة، والخبز فاضل عن الحاجة في ذلك البيت الذي تركتُه أنا؛ «أقوم وأذهب إلى أبي». وتلك كانت هي نقطة التحوّل في حياته كلّها. أوَما كان ذلك أمرًا مجيدًا صنعه، أيّها الخاطئ؟
ولمّا وعظ السيّد سبرجن منذ أيّام قلائل في الحيّ الغربيّ من هذه المدينة، أحصى على سامعيه الأمور التي تجاوزوها وعبروا فوقها. قال: منكم من تجاوز صلوات معلّمي مدرسة الأحد الأمناء الذين كانوا يبكون عليكم ويأتون إلى البيت ويكلّمونكم في أمر نفوسكم. لقد قاومتم أنتم توسّلاتهم كلّها وتجاوزتم كلّ تأثير لهم فيكم. وتجاوزتم دموع أمّكم وصلواتها التي صلّتها لأجلكم، ولعلّها اليوم راقدة في القبر؛ وتجاوزتم دموع أبيكم وصلواته، ودموع خادم كنيستكم وصلواته، ذلك الخادم التقيّ الأمين الذي طالما صلّى معكم وبكى معكم. وقد كان زمان كانت عظاته فيه تمسك بكم إمساكًا شديدًا وتأخذ بمجامع قلوبكم، ولكنّكم قد تجاوزتموها أنتم الآن، فما عادت عظاته تترك فيكم أثرًا من الآثار؛ ومررتم باجتماعات خاصّة فلم تترك هي أيضًا فيكم أثرًا ولم تمسّكم في شيء. ومع هذا كلّه تقولون إنّكم ماضون في طريقكم وإنّ أموركم تسير. نعم، إنّها تسير بكم حقًّا؛ ولكن تذكّروا أنتم هذا جيّدًا: إنّكم ماضون بأقصى ما تستطيعون من سرعة إلى جهنّم، وما من واحد في عشرة آلاف يُرجى له الخلاص بعدما يقسو قلبه هذه القساوة كلّها.
آه يا أصدقائي، قولوا أنتم اليوم: أقوم! وليكن اليوم فرح في السماء من أجل رجوعكم إلى البيت. نقرأ في لوقا 15: «يكون فرح في السماء بخاطئ واحد يتوب». فليرجع كثيرون منكم الآن ويحيوا.
أنا هالك، ومع ذلك أعلم،
أنّ الأرض لا تشفي بلواي أبدًا؛
أقوم للوقت وأمضي،
فيسوع مات لأجلي.
ملكية عامة. النص المصدر من الطبعة الأصلية.