عظة · قراءة 27 د

المسيح الكلّ في الكلّ

صورة Dwight L. Moody Dwight L. Moody

النص

كولوسي 3:11

ترجمة بالذكاء الاصطناعي — في انتظار مراجعة ناطق أصلي

باختصار

يمضي مودي في رسالة كولوسي منصبًا بعد منصب — مخلّصًا، وفاديًا، ومنقذًا، وقائدًا، ونورًا، ومعلّمًا، وراعيًا، وحاملًا لأثقالنا — وكلّ واحد منها يسدّ حاجةً كشفها الذي قبله: فمن انتُشل من الماء لم يكن قد اشتُري بعد، وإسرائيل بعد خروجه من مصر ظلّ محتاجًا إلى طريق في الصحراء. ثمّ يقطع كلامه معترفًا بأنّ هذه القائمة لا تُستوفى في هذه الحياة.

اقرأ رسالة كولوسي 3:11.

المسيح هو الكلّ في الكلّ عند كلّ من وجده حقًّا. فهو مخلّصنا، وفادينا، ومنقذنا، وراعينا، ومعلّمنا؛ وهو فوق ذلك كلّه يقوم لنا بمناصب كثيرة أخرى غير هذه، أودّ أن ألفت أنظاركم إليها.

1. فإن نحن رجعنا إلى إنجيل لوقا 2:10، 11، وجدنا المسيح معلنًا لنا هناك على أنّه

المخلّص:

«ها أنا أبشّركم بفرح عظيم يكون لجميع الشعب. أنّه ولد لكم اليوم في مدينة داود مخلّص هو المسيح الربّ». إنّنا نتعلّم أوّلًا أن نعرف المسيح مخلّصًا لنا، وأن نلقاه على جبل الجلجثة، وأن ننظر إليه هناك حمل الله النازف، قبل أن نعرفه فادينا ومنقذنا وراعينا. والآن، إذ أنظر حولي إلى هذا الجمع العظيم، أنا الذي لا أعرف قلوب الناس ولا أطّلع على ما فيها، لا أستطيع أن أعلم هل تقدرون أن تقولوا إنّ المسيح مخلّصكم أنتم أم لا تقدرون. وإنّي لأرجو أنّ ههنا كثيرين يستطيعون أن يقولوا ذلك، وهم يبتهجون بخلاصه ويفرحون به؛ ولكنّي، من غير أن أظلم أحدًا أو أقسو عليه، أخاف أن يكون ههنا كثيرون أيضًا لا يعرفون شيئًا عن يسوع مخلّصًا لهم معرفةً شخصيّة.

وهو معروض عليكم اليوم، على كلّ واحد منكم، مخلّصًا؛ فإنّ الله «بذله لأجلنا أجمعين»، لكي نخلص به نحن جميعًا. فإن كنتَ من أهل هذا العالم، فإنّي أستطيع أن أبرهن لك أنّ لك مخلّصًا. ولو كنتَ من أهل كوكب آخر، كالقمر أو نجم من النجوم، لما استطعتُ أن أقول لك إنّ مخلّصًا معروض عليك؛ فإنّه لم يُعلَن لنا هل أهل تلك العوالم البعيدة، إن كان فيها سكّان أصلًا، محتاجون إلى الخلاص أم غير محتاجين. ولكنّي أعلم هذا: أنّ كلّ إنسان على وجه هذه الكرة الأرضيّة قد عُرض عليه مخلّص.

الخلاص مبذول للجميع.

إنّي لا أشاطر أولئك الرجال في شيء، أولئك الذين يحاولون أن يحصروا خلاص الله في فئة قليلة معدودة من الناس. وأنا أومن أنّ المسيح قد مات لأجل كلّ من يأتي إليه. وقد وصلتني رسائل كثيرة تلومني وتعاتبني، وتقول إنّي لا بدّ أن أكون غير مؤمن بتعليم الاختيار. بلى، إنّي أومن بالاختيار؛ ولكن ليس من شأني أن أعظ العالم كلّه بذلك التعليم. فالعالم لا شأن له بالاختيار البتّة؛ إنّما شأنه بالدعوة وحدها: «ومن يرد فليأخذ ماء حياة مجّانًا». هذه هي الرسالة الموجّهة إلى الخاطئ. وأمّا أنا فإنّما أُرسلتُ لأبشّر الجميع بالإنجيل.

وبعد أن تكون قد نلتَ الخلاص، حينئذ نستطيع أن نتكلّم معًا في الاختيار. فهو تعليم للمسيحيّين، وللكنيسة، لا للعالم غير المتجدّد. وأمّا رسالتنا نحن فهي «بفرح عظيم يكون لجميع الشعب؛ أنّه ولد لكم اليوم مخلّص هو المسيح الربّ». لجميع الشعب، لكم أنتم أجمعين، هذا المخلّص مبذول معروض. اقبلوه يقبلكم الله؛ ارفضوه يرفضكم الله. إنّ مصيرك الأبديّ كلّه معلَّق على قبولك هذا المخلّص المبذول أو رفضك إيّاه. والأمر كلّه ببساطة أمر عطاء وأخذ. الله يعطي، وأنا آخذ. فلا بدّ لنا إذن، قبل كلّ شيء آخر، أن نعرف المسيح مخلّصًا لنا.

2. ولكنّه أكثر من ذلك بعدُ: فهو

الفادي.

هبوا أنّي رأيتُ رجلًا يسقط في نهر، فألقيتُ بنفسي وراءه وأنقذتُه، فأكون قد صرتُ له مخلّصًا — أكون قد خلّصتُه. ولكنّي متى أخرجتُه إلى الشاطئ فالأرجح أنّي أتركه هناك وأمضي في سبيلي، ولا أفعل له بعد ذلك شيئًا.

وأمّا الربّ فيفعل أكثر من هذا بكثير. فهو لا يخلّصنا فقط، بل يفدينا أيضًا — أي يشترينا ويردّنا إليه. إنّه يفكّنا من سلطان الخطيّة، كأنّي أنا أتعهّد أن أسهر على ذلك الرجل الذي أنقذتُه إلى الأبد، وأن أحرص ألّا يسقط في الماء مرّةً أخرى. فالربّ لا ينقذنا من الموت الروحيّ فحسب، بل يفدينا إلى الأبد حتّى لا يقدر الموت أن يمسّنا البتّة.

الحرّيّة للمأسورين.

لمّا كنتُ في ريتشموند بأمريكا، كان السود مزمعين أن يعقدوا اجتماعًا. وكان ذلك أوّل يوم من أيّام حرّيّتهم بعد سنيّ العبوديّة الطويلة. فذهبتُ أنا إلى الكنيسة الأفريقيّة هناك، وما سمعتُ قبل ذلك اليوم ولا بعده قطّ مثل تلك الانفجارات من الفصاحة الفطريّة. قال أحدهم: «يا أمّاه، افرحي اليوم. فقد بيع طفلك الصغير بعيدًا عنكِ للمرّة الأخيرة؛ وذرّيّتك من بعدك أحرار إلى الأبد. المجد لله في الأعالي! أيّها الشبّان، لقد سمعتم صوت سوط السائق للمرّة الأخيرة؛ أنتم اليوم أحرار! أيّتها الفتيات، لقد أُوقفتنّ على منصّة المزاد للمرّة الأخيرة!» لقد نطقوا بما في قلوبهم صراحةً، وهتفوا من الفرح؛ فقد استُجيبت صلواتهم أخيرًا، وكان ذلك إنجيلًا لهم. وهكذا ينادي يسوع المسيح بالحرّيّة للمأسورين. فمنهم من قبلها؛ ومنهم من لا يكاد يصدّق البشارة، كأولئك المساكين المستعبَدين؛ ولكنّها مع ذلك حقّ لا ريب فيه. لقد جاء المسيح ليفدينا من عبوديّة الخطيّة. فمن ذا الذي يقبل هذا الفداء الآن؟ كانت هناك امرأة سوداء تخدم في نُزُل من نُزُل الولايات الجنوبيّة، ولم تكن تستطيع أن تصدّق أنّها قد صارت حرّة. فكانت تسأل الزائرين: «أحرّة أنا أم لستُ حرّة؟» فسيّدها يقول لها إنّها ليست حرّة، وإخوتها السود يقولون لها إنّها حرّة. وهكذا مضت عليها سنتان كاملتان وهي حرّة ولا تدري. وهي تمثّل كثيرين جدًّا في كنيسة الله اليوم. فالحرّيّة موضوعة في متناول أيديهم، وهم لا يعلمون بها.

3. وأيضًا، المسيح هو

المنقذ.

إنّ بني إسرائيل لم يخلصوا ويُفدوا من عبوديّة المصريّين فقط، بل أُنقذوا أيضًا إنقاذًا تامًّا، حتّى لا يُساقوا مرّةً أخرى إلى تلك العبوديّة التي خرجوا منها. وكثيرون من الناس اليوم خائفون مرتعبون؛ يظنّون أنّهم لا يقدرون أن يثبتوا إلى المنتهى، فيحجمون لذلك عن الاعتراف بالمسيح جهارًا أمام الناس. ولكنّ المسيح قادر أن يحفظكم أنتم من السقوط؛ وهو قادر أن ينقذكم في ساعة التجربة والضيق المظلمة، ومن كلّ مكيدة من مكايد الشيطان، ومن كلّ فخّ من فخاخ الصيّاد.

وفي إشعياء 49:24 نقرأ: «هل تُسلب من الجبّار غنيمة؟ وهل يفلت سبي المنصور؟ فإنّه هكذا قال الربّ: حتّى سبي الجبّار يُسلب، وغنيمة العاتي تفلت. وأنا أخاصم مخاصمك وأخلّص أولادك». أنا أخلّصه؛ أنا أنقذه؛ هذا هو وعد الله لشعبه. لقد خلص بنو إسرائيل من عبوديّة مصر القاسية المرّة، وأُخرجوا من أرض جاسان وتركوها وراءهم؛ ولكنّهم مع ذلك لم يكونوا قد أُنقذوا إنقاذًا تامًّا كاملًا بعد. فقد كان جيش المصريّين العظيم يرعد وراءهم في أعقابهم. وما كانوا أحرارًا منقَذين حتّى عبروا البحر الأحمر سالمين، فانطبق البحر من ورائهم وابتلع جيش العدوّ عن آخره — ما كانوا أحرارًا، ولا كانوا منقَذين، إلّا حينئذ.

وهكذا أيضًا في أوقات الخطر التي تمرّ بنا، سنجد أنّ هذا القول صحيح في المسيح: «أنقذ نفسي»؛ ثمّ نقرأ مرّةً أخرى في سفر أيّوب 33:24 هذه الكلمات: «يتراءف عليه ويقول: أطلقه عن الهبوط إلى الحفرة، قد وجدتُ فديةً. يصير لحمه أغضّ من لحم الصبيّ، ويعود إلى أيّام شبابه. يصلّي إلى الله فيرضى عنه، ويعاين وجهه بهتاف، فيردّ على الإنسان برّه. فدى نفسي من العبور إلى الحفرة، فترى حياتي النور».

ههنا إذن نجد الخلاص، والفداء، والإنقاذ من الحفرة. لقد سقط الإنسان في الحفرة العميقة، وهو محبوس فيها سبيًا شرعيًّا في يد جبّار قويّ. فإن كان لا بدّ أن يُصعَد من ظلمة تلك الحفرة ليرى النور مرّةً أخرى، فلا بدّ لنا إذن من فدية تُدفع عنه. وههنا يتقدّم الله نفسه ويقول: «قد وجدتُ فديةً». فالمسيح هو الفدية، وهو الذي ينقذنا. فلترتفع الصرخة وليسمعها الناس أجمعون: «المسيح هو منقذنا». هو قادر أن يخلّص إلى التمام، وهو قادر أن ينقذ.

قائد.

4. ولكنّنا الآن محتاجون إلى ما هو أكثر من ذلك. انظروا مرّةً أخرى إلى بني إسرائيل؛ لمّا اجتازوا البحر الأحمر في مجد وظفر، كانوا قد خلصوا وفُدوا وأُنقذوا؛ فهل كان ذلك كلّ ما يحتاجون إليه؟ كلّا؛ فقد أُخرجوا إلى البرّيّة. فماذا يحتاجون إليه الآن؟ لا بدّ لهم من طريق يسلكونه في الصحراء التي لا طريق فيها. لقد احتاجوا إلى قائد. فالمسيح إذن هو الطريق وهو القائد. أنحن في مضايق أو في شكّ أو في حيرة؟ المسيح هو طريقنا. «أنا هو الطريق والحقّ والحياة» (يوحنّا 10).

وقد سمعتُ بعض الناس يقول: «حسنًا، لو أنّي اهتديتُ وصرتُ رجلًا متديّنًا، فلستُ أدري إلى أيّة كنيسة أذهب. فالكنائس والطوائف كثيرة جدًّا ومختلفة. وأنا حقًّا لا أعرف أيّها هي الكنيسة الصحيحة». ومن ثمّ يحتار بعض الناس ويرتبكون، فلا يعرفون أيّها هو الطريق الحقّ. وأنا أقول لمثل هؤلاء: انظروا وحده إلى ذاك الذي يقول:

«أنا هو الطريق».

فهو الطريق الحقّ وحده، وإن أردتَ أن تبلغ الملكوت فما عليك إلّا أن تتبعه هو وحده. وقد نكون نحن في ظلمة لا نبصر فيها شيئًا أمامنا، ولكنّه هو قادر أن يقودنا في السبيل المستقيم. هو راعي رعيّته الصالح. وهو يسير أمامنا ويقودنا في الطريق. وهو يدعونا الآن أن نقوم ونتبعه، وهو سيقودنا في طريق لم نعرفه نحن من قبلُ؛ وسيهدينا إلى المراعي الخضر إن نحن نظرنا إليه هو وحده.

عمود السحاب.

وكلّ ما كان على بني إسرائيل أن يفعلوه هو أن يتبعوا السحابة لا غير. فإن حلّت السحابة حلّوا هم في مكانهم، وإن ارتحلت السحابة ارتحلوا هم أيضًا في أثرها. وإنّي لأتخيّل أنّ أوّل ما كان يفعله موسى حين ينبلج فجر الصباح الرماديّ هو أن يرفع بصره إلى فوق لينظر هل السحابة لا تزال قائمةً فوق المحلّة. فكانت بالليل عمود نار يضيء المحلّة كلّها، ويملأ قلوبهم بالشعور بحراسة الله لهم ورعايته إيّاهم؛ وكانت بالنهار سحابةً تظلّلهم من حرّ أشعّة الشمس الشديد، وتسترهم عن عيون أعدائهم فلا يبصرونهم.

لقد كان راعي إسرائيل قادرًا أن يقودهم في الصحراء التي لا طريق فيها. ولماذا؟ لأنّه هو الذي صنعها. وهو يعرف كلّ حبّة رمل فيها. وما كان يمكن أن يكون لهم في البرّيّة قائد خير من خالقها.

وأنت أيّها الخاطئ، أيمكن أن يكون لك في كلّ مضايقك وشكوكك ومخاوفك قائد خير من يهوه؟ آه، ما أحبّ إليّ ذلك الترنيم القديم الجميل:

«قُدْني، يا يهوه العظيم،

أنا الغريب في هذه الأرض القفر؛

أنا ضعيف، وأمّا أنت فقدير،

أمسكني بيدك القويّة.

يا خبز السماء،

أطعمني حتّى لا أحتاج إلى شيء بعد».

نعم، هذه هي صلاة الخاطئ الحائر الصادقة من قلبه. فالله قادر، وهو فوق ذلك راغب، أن يقودنا وأن يطعمنا معًا. «وأعطيتهم خبزًا من السماء لجوعهم، وأخرجت لهم ماءً من الصخرة لعطشهم» (نحميا 9:15). وهو اليوم قادر أن يقود كلّ واحد منّا كما كان قادرًا منذ أربعة آلاف سنة أن يقود بني إسرائيل في البرّيّة، «لأنّي أنا الربّ لا أتغيّر». وهو يقول لكلّ واحد منّا نحن أيضًا في هذه الساعة: «لا تخف، أنا أقودك، أنا أعينك». أليس أمرًا عجيبًا حقًّا وبديعًا أن يكون الله نفسه معينًا لنا وقائدًا في طريقنا؟

وفي بلادنا الغربيّة، حين يخرج الرجال للصيد في الغابات الكثيفة البعيدة، حيث لا طرق ولا مسالك فيها البتّة، يأخذون فؤوسهم الصغيرة ويقشرون قطعةً صغيرةً من لحاء الأشجار كلّما مضوا في طريقهم، فيهتدون بهذه العلامات في عودتهم بغير عناء ولا مشقّة. وهم يسمّون ذلك «تعليم الطريق». وهكذا، إن سمحتم لي بهذا التعبير، فإنّ المسيح قد «علّم لنا الطريق». لقد سلك هو الطريق كلّه بنفسه من أوّله إلى آخره، وهو إذ يعرف الطريق يقول لنا أن نتبعه، وهو سيقودنا سالمين إلى العلاء هناك.

5. وقد رأينا الآن أنّ المسيح هو مخلّصنا، وفادينا، ومنقذنا، وقائدنا، أو طريقنا. ولكنّه أكثر من ذلك كلّه؛

هو نورنا.

«أنا هو نور العالم. من يتبعني فلا يمشي في الظلمة بل يكون له نور الحياة». فيكون له «نور الحياة» عينه، لا نورًا سواه. نعم، إنّه لامتياز لكلّ مسيحيّ حقيقيّ أن يسلك تحت سماء صافية لا غيم فيها.

ولكن هل نسلك نحن هكذا تحت سماء صافية؟ كلّا، فإنّ أكثر المسيحيّين كثيرًا ما يكونون في ظلمة. ولو سألتُ أنا هذا الجمع الليلة: أكلّكم سالكون في النور؟ لأحسبُ أنّه لا يكاد يوجد فيهم واحد، لو نطق بما يشعر به قلبه حقًّا، إلّا ويجيب: «كلّا، إنّي كثيرًا ما أكون في ظلمة». ولماذا هذا؟ لأنّنا لا نتبع المسيح ولا نلتصق به. فنحن كثيرًا ما نكون في الظلمة وفي وسعنا أن نكون في النور.

هبوا أنّ نوافذ هذا المبنى أُغلقت كلّها، ثمّ أخذنا نشكو من الظلمة، فماذا يقول لنا الناس؟ لا شكّ أنّهم يقولون: «أدخِلوا النور؛ افتحوا النوافذ كلّها من كلّ جانب، فيمتلئ المكان نورًا في الحال». وهكذا نحن أيضًا، لا بدّ لنا أن ندع المسيح يدخل إلينا، وهو النور، وأن نفتح له عقولنا لنقبله فيها، فنسلك عن قريب في النور. إنّ ظلمةً كثيرةً جدًّا في هذه الأيّام التي نحن فيها، حتّى في قلوب شعب الله أنفسهم. ولكن اتبعوه أنتم، فيكون لكم نور كثير. وحينئذ يُري المسيح كلّ واحد منّا أنّه هو «النور»؛ بل هو يفعل أكثر من ذلك، فيضرم فينا نحن نوره هو، حتّى نضيء نحن أيضًا كأنوار صغيرة في هذا العالم المظلم.

ليعن الله شعبه الخاصّ أن

يضيئوا بهاءً،

وأن يشعّوا هم من وسط الظلمة، حتّى يعرف الناس ويشهدوا لنا أنّنا قد كنّا مع يسوع. ولكن تذكّروا أنّ العالم يبغض النور. لقد كان المسيح نور العالم، فسعى العالم أن يطفئه على الجلجثة. وهو الآن قد ترك شعبه ههنا ليضيئوا هم. «أنتم نور العالم». نعم، لقد تركنا ههنا لنضيء له. وهو يريدنا أن نكون «رسائل حيّة، معروفة ومقروءة من جميع الناس». والعالم لا بدّ أن يراقبنا، وأن يقرأني أنا ويقرأك أنت. فإن كنّا نحن غير مستقيمين في سيرتنا، فكونوا على يقين أنّ العالم سيتّخذ منّا لنفسه حجر عثرة.

إنّ العالم يجد في الطريق عثرات كثيرة؛ فلننظر نحن المسيحيّين ألّا نزيدها عثرات أخرى بسيرة لا تشبه المسيح. ليعنّا الله نحن أن نحفظ أنوارنا متّقدةً صافيةً وضّاءةً على الدوام! كان صديق لي في الغرب يمشي في أحد الشوارع في ليلة مظلمة، فرأى رجلًا مقبلًا نحوه وفي يده مصباح. فلمّا دنا منه واقترب لاحظ على ضوء المصباح الساطع أنّ الرجل لا عينين له في وجهه. فجازه ومضى في طريقه، ولكن خطر له بعد ذلك خاطر: «لا شكّ أنّ هذا الرجل أعمى». فرجع إليه والتفت وقال له: «يا صديقي، ألستَ أعمى؟» قال: «بلى». قال: «فما بالك تحمل المصباح إذن؟» فقال الأعمى: «إنّما أحمل المصباح لئلّا يعثر بي الناس، بالطبع». فلنتعلّم نحن درسًا من ذلك الرجل الأعمى المسكين، ولنرفع نحن أيضًا أنوارنا عاليةً متّقدةً بضياء السماء الصافي، لئلّا يعثر بنا الناس في طريقهم.

6. وقد قال المعترضون إنّ كلّ هذا الكلام عن كون شعب المسيح أنوارًا في الطريق إنّما هو ضوء قمر لا غير. حسنًا، وهذا بعينه ما نؤمن به نحن؛ فنحن إنّما نعكس نور المسيح.

نور منعكس.

فنورنا، كضوء القمر تمامًا، إنّما هو نور مستعار. فحين نحيا نحن في نور مخلّصنا نضيء نحن أيضًا بنوره هو: شيئًا يشبه وجه موسى الذي أشرق وتلألأ بعدما كان في الجبل مع الله. فلنحيا إذن في جوّ السماء، فلا نستطيع حينئذ إلّا أن نضيء. ولكنّنا متى انكسرنا واغتممنا وضعف إيماننا، فلا بدّ لنا حينئذ ولا مفرّ أن نفقد نورنا كلّه.

وإنّي لأذكر أنّي كنتُ في اجتماع صلاة أثناء الحرب الأمريكيّة. وكنّا كلّنا في ظلمة وكآبة شديدة. فقد كانت الأمور تجري ضدّنا منذ حين طويل. وأخيرًا قام شيخ كبير وقال: «ما بالنا نحن منكسري القلوب حزانى؟ إنّما هو قلّة إيماننا لا غير». لقد كان موسى ويشوع وداود رجالًا أقوياء في الإيمان. لقد آمنوا هم، فأكرمهم الله لذلك. فمن أين جاءنا نحن نقص الإيمان هذا؟ إنّ الله ليس بميت. وهو اليوم قادر راغب في أن يعين كما كان دائمًا في كلّ حين. فلماذا إذن لسنا ممتلئين إيمانًا به؟ إنّه لإهانة لله أن ننسى أنّ له القدرة بعدُ، وإن انهزمت جيوشنا وبدا كلّ شيء مظلمًا كئيبًا.

اصعدوا فوق السحاب.

وسأخبركم الآن بما جرى لي أنا منذ زمن، لمّا كنتُ هناك في الغرب. أردتُ أن أبلغ قمّة جبل من الجبال الغربيّة. وكانوا قد أخبروني أنّ شروق الشمس بديع جدًّا حين يُرى من تلك القمّة. فوصلنا بعد ظهر أحد الأيّام إلى البيت الذي في منتصف الطريق، حيث كان علينا أن نستريح إلى منتصف الليل ثمّ ننطلق إلى القمّة. وبعد قليل انطلقت جماعتنا الصغيرة ومعنا دليل ماهر. وما مضى وقت طويل حتّى بدأ المطر ينزل علينا، ثمّ صارت عاصفةً كاملةً من الرعد والبرق. فظننتُ أنّه لا فائدة من المضيّ، فقلتُ للدليل: «أظنّ أنّ الأفضل لنا أن نرجع؛ فلن نرى شيئًا هذا الصباح مع كلّ هذا السحاب». فقال الدليل: «آه، إنّي أتوقّع أنّنا سنخترق هذا السحاب عن قريب، ونصعد فوقه، فيكون لنا حينئذ منظر مجيد». فمضينا نحن في صعودنا إلى فوق، والرعود تقصف وتزمجر عند آذاننا. ولكنّنا بدأنا بعد قليل نعلو فوق سحابة الرعد؛ فإذا الهواء صاف نقيّ، ولمّا أشرقت الشمس رأينا منظرًا رائعًا لأشعّتها وهي تصبغ رؤوس التلال؛ ثمّ لمّا بدأ ضوء الشمس المجيد ينكسر على الموضع الذي كنّا واقفين فيه، رأينا السحابة السوداء بعيدةً تحتنا في سفح الجبل. وهذا بعينه هو ما يحتاج إليه شعب الله — أن يصعدوا إلى الهواء الصافي فوق سحب العاصفة كلّها، وأن

يرتقوا أعلى

بعيدًا إلى قمّة الجبل هناك. فهناك تلقى أوّل الأشعّة من شمس البرّ، عاليةً فوق السحب والضباب كلّها. ولعلّ بعضكم اليوم في ظلمة شديدة وكآبة؛ ولكن لا تخف أنت، ارتقِ أعلى، اقترب من السيّد، فتلقى عن قريب أشعّته الساطعة على نفسك أنت، فتتلألأ منك راجعةً إلى غيرك من الناس حولك.

احفظوا الأنوار السفلى متّقدةً.

لا بدّ لنا أن نحيا كأولاد النور، لا كأولاد الظلمة. فإن كنّا نحن في ظلام وحزن، فكيف يعرف العالم أنّنا أولاد السلام والفرح والابتهاج؟ فليكن عزمنا كلّه أن نحفظ نحن أنوارنا متّقدةً على الدوام. منذ بضع سنين كان عند مدخل ميناء كليفلاند نوران، واحد على كلّ جانب من جانبي الخليج، يسمّونهما النور الأعلى والنور الأسفل؛ وما كان للسفن أن تدخل الميناء بالليل سالمةً إلّا إذا أبصرت النورين كليهما معًا. وهذه البحيرات الغربيّة أشدّ خطرًا في بعض الأحيان من المحيط العظيم نفسه. وفي ليلة عاصفة هوجاء كانت باخرة تحاول أن تشقّ طريقها إلى الميناء. وكان الرُّبّان والدليل يترقّبان ظهور النورين في قلق شديد وانتظار. ثمّ سُمع الدليل يقول: «أترى الأنوار السفلى؟» فكان الجواب: «لا؛ وأخاف أن نكون قد جاوزناها». فقال الدليل: «آه، ها هي الأنوار! ولكنّها لا بدّ أن تكون الأنوار العليا، من موضع الجرف الذي هي قائمة عليه. لقد جاوزنا الأنوار السفلى، وضاعت علينا فرصة الدخول إلى الميناء». فماذا هم فاعلون؟ نظروا إلى الوراء فرأوا شبح المنارة السفلى الباهت على صفحة السماء. لقد انطفأت الأنوار. «أما تستطيع أن تدير رأسها؟» «لا؛ فالليل أهوج من أن نفعل ذلك. إنّها لا تطيع الدفّة». وكانت العاصفة من الشدّة بحيث لم يستطيعوا أن يصنعوا شيئًا البتّة. فحاولوا مرّةً أخرى أن يتّجهوا إلى الميناء، فارتطموا بالصخور وغرقوا إلى القاع. ولم ينج منهم إلّا القليل جدًّا؛ وأمّا السواد الأعظم منهم فوجدوا لهم قبرًا في قاع الماء. ولماذا كان ذلك كلّه؟ لمجرّد أنّ الأنوار السفلى قد انطفأت.

وأمّا نحن فالأنوار العليا عندنا بخير. فالمسيح نفسه هو النور الأعلى، ونحن الأنوار السفلى، والنداء الموجّه إلينا هو: احفظوا الأنوار السفلى متّقدة، فهذا هو ما علينا نحن أن نفعله. إنّه ينتظر منّا أن نضيء في الموضع الذي أقامنا الله فيه، وأن نكون شهودًا أحياء له، وأن نكون نورًا ساطعًا مضيئًا. فما دمنا نحن ههنا فعملنا كلّه أن نضيء له، وهو سيقودنا سالمين إلى شاطئ كنعان المشمس، حيث لا يكون هناك ليل بعد.

7. ولكنّ المسيح أكثر من كونه نورنا في الطريق؛ فهو

معلّمنا.

ما أعجب هذا الأمر وما أروعه، أن يكون لنا معلّم مرسل من السماء! «وإن كان أحدكم تعوزه حكمة، فليطلب من الله الذي يعطي الجميع بسخاء ولا يعيّر، فسيعطى له» (يعقوب 1:5).

«إن كان أحدكم تعوزه حكمة»: إنّي أخاف أن يكون كثيرون جدًّا منّا تعوزهم الحكمة، بل إنّ خيرنا وأفضلنا يقع أحيانًا في حيرة. فما من واحد منّا إلّا وتمرّ به لحظات في حياته يشعر فيها أنّه في مأزق؛ فيقف حائرًا لا يتحرّك ويقول: «ماذا أفعل؟ لستُ أدري ما هو خير السبل». آه، دع الأمر كلّه لله، فهو نفسه يكون لك أنت معلّمًا!

«تعالوا إليّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال، وأنا أريحكم. احملوا نيري عليكم وتعلّموا منّي». ههنا معلّم عجيب. لقد فتح مدرسته منذ ألوف كثيرة من السنين؛ وقد كان في مدرسته خير الرجال وأفضلهم؛ ومع ذلك فما زال فيها موضع لتلميذ آخر. فكلّيّته لم تمتلئ بعد، والمعلّم فيها هو ذاك المرسل من السماء. وكلّ واحد، بل كلّ إنسان في هذا الجمع، يستطيع أن ينتسب إلى هذه المدرسة. ويسوع يرحّب بك فيها. أفي شكّ أنت من أمر من الأمور؟ اسأل أنت يسوع؛ فهو يخبرك به.

أيّها الخاطئ القلق، اطلب أنت المعلّم الصالح كما طلبه نيقوديموس: «يا معلّم، نعلم أنّك قد أتيت من الله معلّمًا». فإن طلبتَه أنت هكذا أرشدك هو إلى الطريق المستقيم. وهو يحفظك ويقودك إلى مراع خضر وإلى مياه الراحة. وقد لقيتُ منذ أيّام قليلة امرأةً مملوءةً شكوكًا إلحاديّةً وأوهامًا. لم تكن تستطيع أن تؤمن. فقد ألقت قراءتها في كتب الملحدين زمنًا طويلًا سترًا مظلمًا كئيبًا على عقلها. وقد أحزنني جدًّا أن أراها في تلك الحال. ولعلّ بعضكم مثلها. وإنّي أودّ لو تتّخذون أنتم المسيح معلّمًا لكم، فتهرب الظلمة كلّها حينئذ بعيدًا عنكم.

إنّ المسيح قادر أن يعلّمنا نحن أيضًا. انظروا كيف علّم تلاميذه. فما ملّ قطّ من تعلّمهم منه. وهكذا سيعلّمنا نحن أيضًا إن نحن أصغينا إليه فقط.

القاضي العجوز يهتدي.

وإنّي لأذكر أنّي كنتُ خارجًا من اجتماع الصلاة اليوميّ في إحدى مدننا الأمريكيّة منذ بضع سنين، فقالت لي سيّدة إنّها تودّ أن تكلّمني؛ وكان صوتها يرتجف من شدّة التأثّر، فأدركتُ للوقت أنّ حملًا ثقيلًا يجثم على قلبها. فقالت لي إنّها قد ظلّت زمنًا طويلًا تصلّي لأجل زوجها، وإنّها تريد أن تعرف هل أذهب أنا معها لأراه؛ فقد ظنّت أنّ ذلك قد ينفعه بعض النفع. فقلتُ لها: ما اسمه؟ قالت: «القاضي فلان»، وذكرت اسم واحد من أشهر رجال السياسة في الولاية كلّها. فقلتُ: «لقد سمعتُ به؛ وأخاف ألّا يكون في ذهابي إليه فائدة، فهو ملحد معروف مشهور؛ ولستُ أنا أقدر أن أجادله». فقالت السيّدة: «ليس هذا هو ما يحتاج إليه. فقد نال من الجدال ما يكفيه وزيادة. اذهب أنت وكلّمه عن نفسه». فقلتُ لها إنّي سأفعل ذلك، وإن لم أكن أنا كثير الرجاء في الأمر. فذهبتُ إلى بيته، فأُدخلتُ إلى غرفته الخاصّة، وعرّفتُه بنفسي، وقلتُ له إنّي إنّما جئتُ لأكلّمه في أمر خلاص نفسه. فقال: «إذن فقد جئتَ في مهمّة حمقاء جدًّا؛ لا فائدة من مهاجمتي، أقول لك ذلك صراحةً. أنا حصين ضدّ كلّ هذه الأمور، ولستُ أومن بها».

وحسنًا، لقد رأيتُ أنّه لا فائدة البتّة من مجادلته؛ فقلتُ له: «إذن سأصلّي أنا لأجلك، وأريد منك أن تعدني أنّك متى اهتديتَ تخبرني أنت بذلك». فقال لي بنبرة تهكّم واستهزاء: «آه، نعم، سأخبرك. آه، نعم، سأخبرك يقينًا متى اهتديتُ!» فتركتُه ومضيتُ عنه، ولكنّي ما زلتُ أصلّي لأجله بعد ذلك كلّ يوم. وبعد مدّة من الزمان سمعتُ أنّ القاضي العجوز قد اهتدى. ثمّ كنتُ أعظ في تلك المدينة نفسها بعد ذلك بحين، فلمّا فرغتُ من الكلام جاءني القاضي نفسه وقال لي: «لقد وعدتُك أن أخبرك متى اهتديتُ؛ وها قد جئتُ الآن لأخبرك بذلك. أما سمعتَ به من قبلُ؟» فقلتُ: «بلى، قد سمعتُ به؛ ولكنّي أودّ أن أسمع منك أنت نفسك كيف جرى الأمر».

فقال القاضي: «في ليلة من الليالي، بعد زيارتك لي بمدّة، كانت امرأتي قد ذهبت إلى الاجتماع؛ ولم يكن في البيت أحد سوى الخدم. فجلستُ إلى نار غرفة الاستقبال وأخذتُ أفكّر في نفسي: هبْ أنّ امرأتي على حقّ، وأنّ هناك سماءً وجهنّم؛ وهبْ أنّها هي في الطريق الصحيح إلى السماء، فإلى أين أمضي أنا؟ ثمّ طردتُ الفكرة عنّي. ولكنّ فكرةً ثانيةً جاءتني بعدها: لا شكّ أنّ الذي خلقني قادر أن يعلّمني. نعم، قلتُ في نفسي، هذا صحيح. فلماذا لا أسأله إذن؟ فقاومتُ ذلك وصارعتُه، ولكنّي أخيرًا، وإن كنتُ أشدّ كبرياءً من أن أجثو على ركبتيّ، قلتُ فقط: يا أبتاه، كلّ شيء عندي مظلم؛ أنت يا من خلقتني تقدر أن تعلّمني.

«ولستُ أدري كيف كان ذلك، ولكنّي كلّما صلّيتُ ازددتُ سوءًا في شعوري. كنتُ حزينًا جدًّا. ولم أشأ أن ترجع امرأتي من الاجتماع فتجدني على تلك الحال، فانسللتُ إلى فراشي، ولمّا دخلت هي الغرفة تظاهرتُ أنا بالنوم. فجثت هي على ركبتيها وصلّت. وكنتُ أعلم أنّها إنّما تصلّي لأجلي أنا، وأنّها قد ظلّت تفعل ذلك سنين طوالًا. وشعرتُ كأنّي أستطيع أن أنهض من فراشي وأجثو إلى جانبها؛ ولكن لا، لم يدعني قلبي المتكبّر أن أفعل، فبقيتُ ساكنًا في مكاني متظاهرًا بالنوم. ولكنّي لم أذق النوم في تلك الليلة البتّة. وسرعان ما تغيّرت صلاتي؛ فصارت الآن: يا الله، خلّصني أنا؛ ارفع عنّي هذا الحمل الثقيل.

«ولم أكن بعدُ مؤمنًا بالمسيح. فظننتُ أنّي أذهب رأسًا إلى الآب نفسه. ولكنّي كلّما صلّيتُ ازددتُ شقاءً وتعاسةً؛ وكان حملي يزداد عليّ ثقلًا على ثقل. وفي الصباح التالي لم أشأ أن أرى امرأتي، فقلتُ لها إنّي لستُ على ما يرام، وإنّي لن أنتظر الفطور. فذهبتُ إلى المكتب، ولمّا جاء الغلام صرفتُه راجعًا إلى البيت في عطلة له. ولمّا جاء الكتبة قلتُ لهم إنّهم يستطيعون أن ينصرفوا ذلك اليوم. وأغلقتُ أبواب المكتب: كنتُ أريد أن أخلو بالله وحده. وقد كدتُ أُجنّ في تلك الساعة من شدّة كرب قلبي وضيقه. وصرختُ إلى الله أن يرفع عنّي حمل الخطيّة هذا الثقيل. وأخيرًا سقطتُ على ركبتيّ وصرختُ: من أجل يسوع المسيح، ارفع عنّي حمل الخطيّة هذا. ثمّ نهضتُ بعد ذلك لأذهب إلى راعي كنيسة امرأتي، وهو الرجل الذي كان يصلّي معها سنين طوالًا لأجل اهتدائي أنا، وهو الخادم نفسه الذي كان يصلّي مع أمّي قبل موتها. وبينما أنا سائر في الشارع، جاءت إلى ذهني الآية التي كانت أمّي قد علّمتني إيّاها: كلّ ما تطلبونه حينما تصلّون، فآمنوا أن تنالوه، فيكون لكم. فقلتُ في نفسي: قد سألتُ الله، وها أنا ذاهب الآن لأسأل إنسانًا. لن أذهب. إنّي أومن أنّي مسيحيّ. فرجعتُ من الطريق أدراجي وعدتُ إلى البيت. فلقيتُ امرأتي في الردهة عند دخولي. فأمسكتُ بيدها وقلتُ لها: إنّي مسيحيّ الآن. فاصفرّ وجهها؛ فقد كانت تصلّي لأجلي إحدى وعشرين سنة، ومع ذلك لم تستطع أن تصدّق أنّ الجواب قد جاء أخيرًا. فدخلنا غرفتنا وجثونا نحن الاثنين معًا إلى جانب ذلك السرير عينه الذي طالما جثت هي وحدها عنده تصلّي لأجل زوجها. فأقمنا هناك في تلك الساعة مذبح البيت؛ ولأوّل مرّة في حياتنا امتزج صوتانا معًا في الصلاة. ولا أستطيع أن أقول إلّا إنّ هذه الشهور الثلاثة الأخيرة هي أسعد شهور قضيتُها في حياتي كلّها».

ومن ذلك الحين وذلك القاضي يحيا حياةً مسيحيّةً مستقيمةً؛ وكلّ ذلك لأنّه جاء إلى الله يطلب منه الإرشاد.

فإن كان ههنا اليوم واحد قد امتلأ ذهنه بمثل تلك الأفكار الإلحاديّة، فليذهب إلى الله بأمانة، وهو يعلّمه الطريق المستقيم في برّيّة الإلحاد المظلمة. وهو لن يتركك في ظلمة ولا في شكّ. إنّما هو عمل إبليس أن يقود الناس إلى مثل هذه الشكوك؛ فهو يعلم جيّدًا أنّه متى أوقعهم فيها مرّةً واحدة أمسكهم في يده بأمان.

إنّ عمل الشيطان أن يبقيك في جهل أو في شكّ. وأمّا عمل الله فأن يعلّمك. والمعلّم هو المسيح؛ وقد أقامه الله لهذا العمل بعينه. فليعنّا الله نحن جميعًا أن نقبله هو معلّمًا لنا.

8. وقد رأينا الآن المسيح مخلّصًا لنا، وفاديًا، ومنقذًا، وقائدًا، ونورًا، ومعلّمًا. ولكنّه أكثر من ذلك بعدُ؛ فهو أيضًا

راعينا.

إنّه لفكر حلو جدًّا وعزيز على قلبي: «الربّ راعيّ فلا يعوزني شيء».

ما من أحد ههنا، إلّا الأطفال الصغار جدًّا، لا يفهم عمل الراعي وما هو. فهو يسهر على قطيعه بالليل والنهار، ويحميه من الخطر، ويطعمه، ويقوده إلى خير المراعي وأفضلها. والحقّ أنّ المزمور الثالث والعشرين ليس هو إلّا بيانًا لواجبات الراعي الصالح كلّها: «الربّ راعيّ فلا يعوزني شيء»، وما يتلو ذلك.

أنت تريد أن تُطعَم؛ أفتمضي هائمًا على وجهك تلتمس شيئًا يشبع شهوات نفسك؟ إذن أقول لك: إنّك لن تجد أبدًا شيئًا يشبع أشواق قلبك. فالعالم لا يقدر، ولم يقدر قطّ، أن يشبع نفسًا واحدة جائعة. وأمّا الربّ يسوع فيقدر — فهو الراعي الحقيقيّ. وهو يطلب الآن أن يردّ نفسك أنت، وأن يقودك راجعًا إلى سبل البرّ. بل إنّه يقودك حتّى إلى الموت نفسه، ويهديك سالمًا في ظلّه إلى أرض خير من هذه. أيّتها الأمّ، أيّها الأب، أتتّخذانه راعيًا لكما؟

أيّها الشابّ، وأيّتها الشابّة، أتتّخذانه أنتما راعيًا لكما؟

ويا ولدي الصغير، أتتّخذ أنت يسوع راعيًا لك؟ فهو يقودك بأمان ورفق.

وأنتم كلّكم تستطيعون ذلك إن أنتم أردتم. فإنّ الله «بذله لأجلنا أجمعين»، لكي يجعلنا نحن رعيّةً له وقطيعًا. وهو سيقودنا في الحياة كلّها من أوّلها إلى آخرها، حتّى ينزل بنا إلى ضفاف نهر الأردنّ؛ وهو سيقودنا عبر ذلك النهر المظلم إلى ملكوته. إنّه راع حنون محبّ.

وإنّي ألقى أحيانًا في غرفة السائلين القلقين أناسًا يضمرون في قلوبهم مرارةً وقسوةً على الله، وأكثر ما يكون ذلك بسبب ما أصابهم من المصائب. قالت لي أمّ منذ أيّام: «آه يا سيّد مودي، لقد ظلمني الله؛ فقد جاء وأخذ منّي ولدي». أيّتها الأمّهات المنكوبات، أما نقل الله أولادكنّ إلى حياة طاهرة سعيدة؟ قد لا تفهمن ذلك الآن، ولكنّكنّ ستفهمنه بعد حين. إنّه إنّما يريد أن يقودكنّ أنتنّ إلى هناك.

الراعي الشرقيّ.

حدّثني صديق لي كان قد سافر في بلاد الشرق أنّه رأى هناك راعيًا أراد أن يعبر بقطيعه نهرًا من الأنهار. فنزل هو نفسه إلى الماء ودعا غنمه إليه؛ ولكنّها أبت هي أن تتبعه إلى داخل الماء. فماذا صنع؟ لقد شدّ حقويه ورفع حملًا صغيرًا تحت كلّ ذراع من ذراعيه، ونزل رأسًا إلى مجرى النهر وعبره من غير أن يلتفت وراءه البتّة. فلمّا رفع الحملين هكذا، رفعت النعاج وجوهها إليه وأخذت تثغو وتصيح من أجلهما؛ فلمّا نزل هو إلى الماء نزلت الأمّهات وراءه في الحال، ثمّ تبعه القطيع كلّه على أثرها. ولمّا بلغوا الشاطئ الآخر وضع الحملين على الأرض، فلحقت بهما أمّهاتهما سريعًا، فكان هناك لقاء مفرح بهيج.

ويقول صديقي إنّه لاحظ أنّ المراعي في الجانب الآخر كانت أفضل كثيرًا، والحقول أشدّ خضرةً؛ ومن أجل هذا وحده كان الراعي يعبر بها إلى هناك. وهذا بعينه ما يفعله راعينا الفلسطينيّ العظيم. فذلك الولد الذي أخذه من الأرض إنّما نُقل إلى مراعي كنعان الخضراء، والراعي يريد بذلك أن يجذب قلوبكم وراءه، وأن يعلّمكم أن «اهتمّوا بما فوق». فمتى أخذ منك مريمك الصغيرة أو إديث أو جوليا، فاقبل أنت ذلك دعوةً لك أن تنظر إلى فوق وإلى ما وراء. وأنتِ يا أمّاه، أتبكين بدموع مرّة على صغيرك؟ لا تبكي! فقد ذهب ولدك إلى حيث لا بكاء ولا حزن. أفتردّينه إلى هنا؟ كلّا وألف كلّا.

إنّ المسيح راعينا — أمين محبّ. فإن جاء المرض أو الضيق أو الموت نفسه إلى بيوتنا، وأخذ منّا أعزّ أحبّائنا، فهم مع ذلك ليسوا ضائعين، إنّما هم قد سبقونا لا غير. فليعن الله كلّ واحد منّا أن يتّخذه راعيًا له.

ولو أنّ الوقت يتّسع لنا الآن، لأحببتُ أن أتناول أيضًا موضوع المسيح تبريرًا لنا، وحكمةً لنا، وبرًّا لنا، وذلك الصديق المحبّ الألزق من الأخ؛ ولكنّه يحتاج إلى الأبديّة كلّها أن يُقال ما هو المسيح لشعبه، وماذا يصنع هو لهم كلّ يوم.

وإنّي لأذكر أنّي لمّا كنتُ أعظ في هذا الموضوع في إسكتلندا، قلتُ لرجل بعدما فرغتُ من الكلام: «يؤسفني أنّي لم أستطع أن أستوفي هذا الموضوع كلّه لضيق الوقت». فقال لي ذلك الإسكتلنديّ: «تستوفي الموضوع! إنّ ذلك يحتاج إلى الأبديّة كلّها، ثمّ لا يتمّ بعد ذلك أيضًا؛ إنّه سيكون شغل السماء».

9. ومرّةً أخرى، فلننظر إلى المسيح

حاملًا لأثقالنا.

آه، ما أحبّ إليّ وما أحلى عندي أن أفكّر فيه حاملًا لأثقالنا كما هو حامل لخطايانا. فهو يحمل خطايانا كلّها، وإن كانت أكثر عددًا من شعور رؤوسنا. وهذه الأثقال، على عظمها وهولها، قد وضعها الله كلّها على يسوع وحده.

«يا مسيح، أيّة أثقال أحنت رأسك!

لقد وُضع حملنا كلّه عليك».

وهذا الوجه من حمله لأثقالنا قد نظرنا إليه من قبلُ في عمله مخلّصًا وفاديًا. وأنا أريد الآن أن أتناول ذلك الفكر الحلو الذي كان لي تعزيةً عظيمة.

«لكنّ أحزاننا حملها، وأوجاعنا تحمّلها». أليس أمرًا مجيدًا حقًّا وبهيجًا أن نعلم أنّ لنا مخلّصًا كهذا المخلّص؟ أتشعر أنت أنّه قد رفع حملك كلّه عن كتفيك ووضعه على كتفه هو؟ إذن سيخفّ قلبك حينئذ ويستريح.

قلب خفيف.

وذات مرّة، بعدما كنتُ أتكلّم على هذا النحو، تقدّمت إليّ امرأة وقالت: «آه يا سيّد مودي، سهل عليك أنت أن تتكلّم هكذا عن قلب خفيف. ولكنّك رجل شابّ، ولو كان عليك حمل ثقيل مثل حملي أنا لتكلّمتَ بغير هذا الكلام. أنا لا أستطيع أن أتكلّم هكذا، فحملي أثقل من أن يُحمل». فأجبتُها: «ولكنّه ليس أثقل من أن يحمله يسوع». فقالت: «آه، إنّي لا أستطيع أن أطرحه عليه». فقلتُ لها: «ولم لا؟ فهو ليس أثقل من أن يحمله بالتأكيد. وليس السبب أنّه هو ضعيف. بل السبب أنّكِ أنتِ لا تريدين أن تتركيه له. أنتِ مثل كثيرين غيركِ. فهم لا يريدون أن يتركوه له. يمضون في طريقهم وهم يضمّون أحمالهم إلى صدورهم، ثمّ يصرخون منها متذمّرين. وإنّما يريد الربّ منكِ أنتِ أن تتركيه كلّه له، وأن تدعيه هو يحمله عنكِ. فيكون لكِ حينئذ قلب خفيف، ويطير الحزن بعيدًا، ولا يبقى تنهّد بعد. فما هو حملك يا صديقتي الذي لا تستطيعين أن تتركيه للمسيح؟» فقالت: «لي ابن تائه على وجه الأرض. وما من أحد يعلم أين هو إلّا الله وحده». فقلتُ: «أفلا يقدر المسيح أن يجده ويردّه إليكِ؟» قالت: «أظنّه يقدر». قلتُ: «إذن اذهبي وقولي ليسوع، واسأليه أن يغفر لكِ شكّك في قدرته ورغبته؛ فما لكِ حقّ أن ترتابي فيه». فانصرفت من عندي وقد تعزّت كثيرًا، وأنا أومن أنّ ولدها التائه قد رُدّ إليها في النهاية!

صلاة أمّ مستجابة.

وتذكّرني هذه الحادثة بأب وأمّ تقيّين في بلادنا، كان ابنهما البكر قد ذهب إلى شيكاغو ليعمل في وظيفة هناك. وكان لهما جار قد نزل هو أيضًا إلى المدينة لبعض شؤونه، فلقي ذلك الشابّ وهو يترنّح في الشوارع سكران. فقال في نفسه: «كيف أخبر والديه بهذا؟» فلمّا رجع إلى قريته ذهب رأسًا فدعا الأب إلى خارج البيت وأخبره بالأمر كلّه. وقد كانت ضربةً مروّعةً لذلك الأب، ولكنّه لم يقل لأمّه شيئًا حتّى ذهب الصغار كلّهم إلى مضاجعهم، وانصرف الخدم، وهدأ كلّ شيء وسكن في تلك المزرعة الصغيرة في سهول الغرب. فجذبا كرسيّيهما إلى المائدة الصغيرة في غرفة الجلوس، وحينئذ أخبرها هو بالنبأ الحزين: «لقد رُئي ولدنا سكران في شوارع شيكاغو — سكران». آه، كم جُرحت تلك الأمّ المسكينة جرحًا عميقًا؛ فما ناما كثيرًا في تلك الليلة الطويلة، بل قضيا ساعاتها كلّها في صلاة حارّة لأجل ولدهما. ونحو مطلع الفجر شعرت الأمّ بيقين في داخل قلبها أنّ كلّ شيء سيكون خيرًا. فقالت للأب إنّها قد طرحت الأمر كلّه على الربّ، وإنّها قد تركت ابنها ليسوع، وإنّها تشعر في قلبها أنّه هو سيخلّصه. وبعد أسبوع واحد فقط من ذلك اليوم غادر الشابّ مدينة شيكاغو، وقطع ثلاث مئة ميل إلى داخل البلاد؛ ولمّا بلغ بيته دخل عليها وقال: «يا أمّاه، لقد جئتُ إلى البيت لأطلب منكِ أن تصلّي لأجلي». آه، لقد بلغت صلاتها السماء؛ لقد طرحت حملها على يسوع، فحمله هو عنها. لقد أخذ هو الحمل عنها، ورفع صلاتها مرشوشةً بالدم الكفّاريّ، ونال لها الجواب. وبعد يومين رجع ذلك الشابّ إلى شيكاغو مبتهجًا بالمخلّص. ما أعجب هذا وما أروعه، أن يكون المسيح حاملًا لأثقالنا! وما أهون همومنا وما أخفّها متى طُرحت كلّها عليه هو!

أتقول إنّ المسيح ليس شيئًا عندك؟ فإن كان الأمر كذلك فما ذاك إلّا لأنّك أنت لا تريده. فهو لكلّ من يقبله منكم مخلّص من الموت، وفادٍ من سلطان الخطيّة، ومنقذ لنا من أعدائنا، وقائد لنا في البرّيّة؛ وهو الطريق نفسه، وهو النور في وسط الظلمة، وهو معلّم لشعبه، وهو راعي رعيّته، وهو تبريرنا، وحكمتنا، وبرّنا، وأخونا الأكبر، وحامل أثقالنا. وهو بالحقيقة وبكلّ معنى الكلمة «الكلّ في الكلّ» عندنا.

فتعالَ أنت إلى المسيح؛ آه، تعالَ اليوم،

هكذا يقول الآب والابن والروح،

والعروس تردّد ذاك النداء،

فهو يغسل عنك أدرانك المذنبة،

ومحبّته تسكّن أوجاعك المتعبة،

لأنّ المسيح هو الكلّ في الكلّ.

الشواهد الكتابية في هذه العظة كولوسي 3:11
المواضيع الحياة الأعمق

ملكية عامة. النص المصدر من الطبعة الأصلية.