عظة · قراءة 22 د
حنان المسيح الذي لا حدّ له
Dwight L. Moody النص
متى 14:14
ترجمة بالذكاء الاصطناعي — في انتظار مراجعة ناطق أصلي
باختصار
يسمع المسيح بمقتل يوحنّا فينصرف، فيتبعه الجمع، فيتحنّن عليهم مع ذلك: يبدأ مودي من حيث بدأ متّى، ثمّ يجمع حالة بعد حالة من هذه الشفقة وهي تبلغ الناس في أقلّ أحوالهم استحقاقًا — ابن الأرملة، والرجل الذي وقع بين اللصوص، والابن الضالّ، والمرتدّ الذي فقد شهادته، وأورشليم التي بكى عليها وهي ترفضه.
«فلمّا خرج يسوع أبصر جمعًا كثيرًا، فتحنّن عليهم وشفى مرضاهم».—متى 14: 14.
كثيرًا ما يُسجَّل لنا في الكتاب المقدّس أنّ يسوع تحرّك قلبه بالحنان والشفقة؛ ونحن نُخبَر في هذا العدد أنّه بعدما جاء تلاميذ يوحنّا إليه وأخبروه أنّ معلّمهم قد قُطعت رأسه، وأنّهم قد أماتوه ميتةً قاسيةً، انصرف هو إلى موضع خلاء، فتبعته الجموع إلى هناك، فلمّا رأى ذلك الجمع «تحنّن» عليهم وشفى مرضاهم. ولو كان هو نفسه ههنا الليلة بشخصه، واقفًا في هذا المكان الذي أقف فيه، لتحرّك قلبه بالشفقة وهو ينظر إلى وجوهكم واحدًا واحدًا، لأنّه قادر أن ينظر أيضًا إلى داخل قلوبكم، وأن يقرأ ما تضطرّون إلى حمله من أثقال وضيقات وأحزان. إنّها مخفيّة عن عيني أنا، لا أستطيع أن أراها، وأمّا هو فيعرفها كلّها معرفةً تامّة؛ وهكذا أيضًا حين احتشد ذلك الجمع من حوله، كان يعلم كم من قلب متعب ومكسور وموجوع كان بين أولئك الناس. ولكنّه هو ههنا الليلة، وإن كنّا لا نستطيع أن نراه بالعين الجسديّة، وما من حزن ولا ضيق ولا بليّة يحتملها أحد منكم إلّا وهو عليم بها كلّها؛ وهو الليلة هو هو كما كان لمّا كان ههنا على هذه الأرض — يسوع نفسه، ورجل الحنان نفسه.
لمّا رأى ذلك الجمع تحنّن عليه وشفى مرضاهم؛ وأنا أرجو من كلّ قلبي أن يشفي الليلة ههنا نفوسًا كثيرة مريضة بالخطيّة، وأن يعصب ويجبر قلوبًا كثيرة منكسرة. ودعوني أقول لكم، في مستهلّ هذه العظة، إنّه ما من قلب بلغ به الرضّ والانكسار مبلغًا يمنع ابن الله أن يتحنّن عليك، إن أنت سمحتَ له بذلك فقط. «قصبةً مرضوضةً لا يقصف، وفتيلةً مدخّنةً لا يطفئ». لقد جاء إلى هذا العالم لكي يحمل إليه الرحمة والفرح والحنان والمحبّة.
ولو كنتُ أنا رسّامًا ماهرًا لأحببتُ أن أرسم لكم الليلة بعض الصور، وأن أضع أمام عيونكم ذلك الجمع العظيم الذي تحنّن عليه. ثمّ أرسم لوحةً أخرى لذلك الرجل المقبل إليه وهو ممتلئ برصًا، ممتلئ به من رأسه إلى قدميه. ها هو ذا واقف هناك، منفيّ عن بيته، منفيّ عن أصحابه وأحبّائه، وهو يأتي إلى يسوع بقصّته الحزينة البائسة. والآن، يا أصدقائي، فلنجعل
قصص الكتاب المقدّس حقيقيّةً،
لأنّها كذلك بالفعل. تأمّلوا قليلًا في ذلك الرجل. تأمّلوا كم احتمل من الألم والعذاب في حياته. لستُ أدري كم سنةً قضاها بعيدًا عن امرأته وأولاده وبيته؛ ولكنّه كان هناك. وقد كان قد لبس ثوبًا غريبًا مميّزًا، حتّى يعرف كلّ من يقترب منه أنّه نجس. وإذا رأى أحدًا من الناس مقبلًا عليه، كان لا بدّ له أن يرفع بصوته صيحة التحذير: «نجس! نجس! نجس!». نعم، ولو خرجت إليه زوجة حضنه لتخبره أنّ ولدًا حبيبًا عليه مريض يحتضر، ما جرؤ أن يدنو منها، بل كان مضطرًّا أن يفرّ هاربًا. ربّما سمع صوتها من بعيد، ولكنّه لم يستطع أن يكون هناك ليرى ولده في لحظاته الأخيرة. لقد كان كأنّه في قبر وهو حيّ؛ وذلك أمرّ من الموت نفسه. ها هو ذا يموت شيئًا فشيئًا في كلّ يوم، منبوذًا من كلّ إنسان ومن كلّ شيء في الدنيا، ولا يد واحدة تمتدّ إليه لتغيثه. آه، يا لها من حياة مروّعة تعيسة! ثمّ تأمّلوه وهو يأتي إلى المسيح؛ ولمّا رآه المسيح، يقول لنا الكتاب إنّه تحنّن عليه. لقد كان له قلب يخفق بالشفقة على ذلك الأبرص المسكين، فتحنّن عليه، وجاء الرجل إليه وقال له: «يا سيّد، إن أردتَ تقدر أن تطهّرني». لقد كان يعلم أنّه ما من أحد في العالم يقدر أن يفعل ذلك إلّا ابن الله نفسه، و
قلب المسيح العظيم
تحرّك بالحنان نحوه. اسمعوا الآن تلك الكلمات المملوءة نعمةً التي سقطت من شفتيه المباركتين: «أريد، فاطهر!» فللوقت هرب البرص عنه، وبرئ الرجل وصحّ في الحال. انظروا إليه الآن وهو في طريق العودة إلى بيته، إلى امرأته وأولاده وأصحابه! فهو لم يعد منبوذًا من الناس، ولا شيئًا كريهًا يُشمأزّ منه، ولا ملعونًا بذلك الداء البرصيّ الرهيب، بل هو راجع إلى أحبّائه وهو يفيض فرحًا وتهليلًا. والآن، يا أصدقائي، لعلّكم تقولون لي إنّكم تشفقون على رجل بلغ به سوء الحال هذا المبلغ، ولكن هل خطر لكم قطّ أنّ حالكم أنتم أسوأ منه ألف مرّة؟ إنّ برص النفس أشرّ جدًّا وأمرّ عاقبةً من برص الجسد. وإنّي لأوثر ألف مرّة أن يمتلئ جسدي كلّه برصًا على أن أنزل إلى جهنّم ونفسي مملوءة خطيّة. وخيرٌ لي كثيرًا جدًّا أن تُقطع يدي اليمنى هذه وتُبتر، وأن تبلى رجلي اليمنى وتفنى، وأن أمشي أعرج أعمى مقعدًا كلّ أيّام حياتي على الأرض، من أن أُنفى عن وجه الله ببرص الخطيّة. اسمعوا النحيب والعذاب والويل الذي يصعد من هذه الأرض كلّها بسبب الخطيّة! فإن كانت ههنا الليلة نفسٌ واحدة مسكينة مريضة بالخطيّة مملوءة برصًا من رأسها إلى قدميها، فإنّك إن أتيتَ إلى المسيح يتحنّن عليك ويقول لك، كما قال لذلك الرجل: «أريد، فاطهر».
الميت يُقام.
وحسنًا، نأتي الآن إلى الصورة التالية التي تُرينا إيّاه وقد تحرّك قلبه بالحنان. انظروا معي إلى داخل ذلك البيت الصغير. هناك ترون أرملة مسكينة جالسة وحدها. ولعلّها قبل بضعة أشهر فقط كانت قد دفنت رجلها، وليس لها الآن في الدنيا سوى ابن وحيد. وكم هي متعلّقة به ومدلّهة في حبّه! إنّها تنظر إليه على أنّه سندها وعضدها وصديقها في أيّام شيخوختها. وهي تحبّه أكثر جدًّا من دم حياتها هي. ولكن انظروا، فإنّ المرض يدخل أخيرًا إلى ذلك المسكن الصغير، ويأتي الموت في أثره على الأثر، فيضع يده الباردة كالجليد على ذلك الشابّ. وأنتم تستطيعون أن تروا تلك الأمّ الأرملة وهي تسهر عليه ليلًا ونهارًا بلا كلل؛ ولكنّ تينك العينين تنغلقان أخيرًا، ويسكت ذلك الصوت الحبيب، وهي تظنّ أنّه قد سكت إلى الأبد. فهي لن تراه بعدُ ولن تسمع صوته متى وُوري التراب وغاب عن عينيها إلى الأبد. وهكذا تأتي أخيرًا ساعة الدفن. وكثيرون منكم قد كانوا في بيت النوح والمناحة، ورافقوا أصدقاءهم إلى القبر، ووقفوا ينظرون إلى وجه الحبيب النظرة الأخيرة. وما من أحد ههنا، فيما أظنّ، إلّا وقد فقد عزيزًا من أعزّائه. وما ذهبتُ قطّ إلى جنازة ورأيتُ أمًّا تنظر إلى ولدها النظرة الأخيرة إلّا اخترق ذلك المشهد قلبي، وعجزتُ عن أن أحبس دموعي أمامه. وأخيرًا تقبّل الأمّ ابنها الوحيد على تلك الجبهة المسكينة الباردة كالثلج؛ إنّها قبلتها الأخيرة له، ونظرتها الأخيرة إليه، ثمّ يُغطّى ذلك الجسد، ويضعونه على النعش وينطلقون به إلى موضع الدفن. وقد كان لها أصدقاء كثيرون؛ حتّى إنّ بلدة نايين الصغيرة كلّها قد تحرّكت لمنظر ابن الأرملة الوحيد وهو محمول إلى القبر. وإنّي لأرى الآن ذلك الجمع الغفير وهو يتدافع خارجًا من أبواب تلك المدينة؛ ولكن هناك في الجهة الأخرى من الطريق ثلاثة عشر رجلًا، متعبين مغبرّين مرهقين من طول السفر، وقد اضطرّوا أن يقفوا على جانب الطريق ليدعوا هذا الجمع العظيم يمرّ، وابن الله في تلك الجماعة، والذين معه هم تلاميذه. فنظر إلى ذلك المشهد كلّه ورأى تلك الأمّ وقلبها منكسر؛ رأى ذلك القلب ينزف مسحوقًا مجروحًا، فتأثّر قلبه هو لذلك المنظر. نعم، إنّ قلب ابن الله العظيم قد تحنّن عليها، فتقدّم ولمس النعش وقال:
«أيّها الشابّ، قم!»
فقام الشابّ حيًّا من بين الأموات. وإنّي لأرى ذلك الجمع مذهولًا مندهشًا؛ وأرى تلك الأمّ الأرملة وهي راجعة إلى بيتها مبتهجةً فرحةً وأشعّة صباح القيامة تشرق في قلبها. نعم، لقد تحنّن عليها حقًّا وصدقًا. وما من أرملة في هذه القاعة الليلة إلّا وصوت المسيح يستجيب لضيقها ويعطيها سلامًا في قلبها. آه يا أحبّائي، دعوني أقول لكم أنتم يا من تتوجّع قلوبكم اليوم: أنتم محتاجون إلى صديق مثل يسوع. هو بعينه الصديق الذي تحتاج إليه الأرملة؛ وهو بعينه الصديق الذي يحتاج إليه كلّ قلب مسكين نازف؛ وهو سيتحنّن عليك ويعصب قلبك المجروح النازف، إن أنت أتيتَ إليه فقط كما أنت. وهو سيقبلك ويضمّك إلى حضنه المحبّ، بلا تعيير ولا تأنيب ولا تقريع، ويقول لك: «اسكت. ابكم»، فتسير من هذه الليلة فصاعدًا في شمس محبّته التي لا يحجبها غيم. وسيكون المسيح عندك حينئذ أثمن وأغلى من العالم كلّه وما فيه. هو الصديق الذي تحتاجون إليه جميعًا؛ وإنّي أصلّي إلى الله أن يعرفه كلّ واحد منكم من هذه الساعة فصاعدًا مخلّصًا له وصديقًا وفيًّا.
الرجل الذي سُلب ونُهب.
والصورة التالية التي أعرضها عليكم لأبيّن لكم بها حنان المسيح هي صورة ذلك الرجل الذي كان نازلًا إلى أريحا فوقع بين اللصوص. لقد أخذوا عنه ثوبه، نعم، ولو كانت معه ساعة في جيبه لأخذوها هي أيضًا. وعلى كلّ حال، فقد أخذوا ماله وعرّوه من ثيابه وتركوه بين حيّ وميت. انظروا إليه وهو ملقًى هناك مجروح نازف يحتضر؛ وإذا بكاهن نازل في ذلك الطريق، فينظر إلى المشهد. وقد يكون قلبه قد تحرّك قليلًا، ولكنّه لم يتحنّن بما يكفي لكي يعين ذلك المسكين. ولعلّه قال في نفسه: «يا له من رجل بائس!» ثمّ جاز مقابله في الجانب الآخر ومضى وتركه. وبعده نزل لاويّ في الطريق فقال هو أيضًا: «يا للرجل المسكين!» ولكنّه لم يتحنّن عليه ليمدّ إليه يد العون. آه، ما أكثر الذين هم على مثال ذلك الكاهن وذلك اللاويّ! ولعلّ بعضكم وهو نازل إلى هذه القاعة يلقى سكّيرًا يترنّح في الشارع، فيكتفي بأن يقول: «يا له من مسكين!» أو لعلّكم تضحكون عليه لأنّه يتلعثم بكلام أحمق. ما أشدّ اختلافنا نحن عن ابن الله في هذا! وأخيرًا اجتاز سامريّ في ذلك الطريق، فنظر إلى الرجل الملقى هناك وتحنّن عليه. فنزل عن دابّته إليه، وأخذ زيتًا وصبّه على جراحاته وعصبها وضمّدها، وأخرجه من الحفرة وهو عاجز لا حيلة له، وأركبه على دابّته هو، وأتى به إلى فندق واعتنى به. وذلك السامريّ الصالح إنّما هو يمثّل لنا مسيحك أنت ومسيحي أنا. لقد جاء إلى هذا العالم لكي يطلب ويخلّص
ما قد هلك.
أيّها الشابّ، هل نزلتَ أنت إلى لندن فوقعتَ في رفقة أصحاب السوء؟ هل أخذوك معهم إلى المسارح وإلى أماكن الرذيلة، ثمّ تركوك هناك نازفًا مجروحًا؟ آه، تعالَ أنت الليلة إلى ابن الله، فإنّه يتحنّن عليك، ويرفعك عن المزبلة التي أنت فيها، ويغيّرك تغييرًا تامًّا، ويصعد بك إلى ملكوته وإلى أعالي مجده، إن أنت سمحتَ له بذلك فقط! إنّي لا أبالي من تكون أنت؛ ولا أبالي ما كانت عليه حياتك في الماضي كلّه. فكما قال لتلك المرأة المسكينة التي أُمسكت في زنا: «ولا أنا أدينكِ. اذهبي ولا تخطئي أيضًا»، هكذا تحنّن هو عليها، وهكذا سيتحنّن عليك أنت. وذلك الرجل النازل من أورشليم إلى أريحا إنّما يمثّل ألوفًا من الناس ههنا في لندن، وذلك السامريّ الصالح يمثّل ابن الله. أيّها الشابّ، إنّ يسوع المسيح قد جعل قلبه على خلاصك أنت. أفتقبل أنت محبّته وحنانه؟ لا تحمل في قلبك عن ابن الله مثل هذه الأفكار القاسية. لا تظنّ أنّه قد جاء لكي يدينك. إنّما جاء لكي يخلّصك.
الابن الضالّ.
ولكنّي أحبّ أن أرسم لكم صورةً أخرى، ومشهدًا آخر — ذلك الشابّ المسافر بعيدًا عن بيته، الذي نقرأ عنه في الأصحاح الخامس عشر من لوقا؛ رجل ناكر للجميل، ما رأى أحد قطّ أنكر منه للجميل. لم يطق أن ينتظر ميراثه حتّى يموت أبوه، بل أراد أن يأخذ نصيبه في الحال؛ فقال لأبيه: «يا أبي، أعطني القسم الذي يصيبني من المال»، فأعطاه أبوه الشيخ الصالح المال، ومضى في سبيله. وإنّي لأراه الآن وهو ينطلق في سفره، ممتلئًا كبرياءً، متفاخرًا متعجرفًا، خارجًا ليرى الدنيا، ذاهبًا في أبّهة وعظمة إلى كورة بعيدة — قل مثلًا نازلًا إلى لندن. وما أكثر الذين نزلوا إلى لندن، وهي الكورة البعيدة بالنسبة إليهم، فبذّروا فيها كلّ أموالهم. نعم، لقد كان محبوبًا مرموقًا ما دام معه المال. فأصحابه يبقون له ما دام ماله باقيًا؛ شابّ ذائع الصيت في لندن، يلقاه في كلّ مكان من يصافحه ويناديه بأحبّ الأسماء. وهو الذي يدفع دائمًا حساب الخمر والسجائر. نعم، لقد كان له أصدقاء كثيرون في لندن. يا لها من حماقة فاخرة! ولكن لمّا ذهب ماله، أين كان أصدقاؤه؟ آه، يا من تخدمون إبليس، إنّ لكم سيّدًا قاسيًا! وحين نفد مال الابن الضالّ كلّه، ضحكوا عليه بالطبع ودعوه أحمق؛ وهكذا كان بالحقيقة. يا له من شابّ أعمى ضالّ مضلَّل! انظروا ماذا خسر. لقد خسر بيت أبيه، ومائدته وطعامه، وشهادته، وكلّ راحة كانت له، وخسر عمله، إلّا ما ناله هناك في رعي تلك الخنازير. لقد كان في تجارة محرّمة لا تحلّ. وهذا بعينه ما يفعله
المرتدّ
فهو في أجرة إبليس. فأنت تخسر وقتك وتخسر شهادتك معًا. وما من أحد يثق بمرتدّ؛ حتّى العالم نفسه يحتقر مثل هذه الشخصيّة. هذا الشابّ قد خسر شهادته. انظروا إليه وهو بين الخنازير. وأخيرًا يمرّ به واحد من أهل تلك الكورة البعيدة، فيتفحّصه من رأسه إلى قدميه ثمّ يقول لمن معه: «انظروا إلى هذا البائس الشقيّ القذر الحافي الذي يرعى الخنازير». فيقول الابن الضالّ: «آه، لا تكلّمني هكذا. إنّ أبي رجل غنيّ، وعنده خدّام ثيابهم أحسن من ثيابك أنت». فيردّ عليه الآخر: «لا تقل لي هذا. لو كان لك أب كهذا، لأعلم علم اليقين أنّه ما كان ليعترف بك». وما كان أحد من الناس ليصدّقه.
لقد خسر شهادته.
ما من أحد يصدّق المرتدّ. دعه يتكلّم ما شاء عن تمتّعه بالله وفرحه به، فلا أحد يصدّق كلامه. آه أيّها المرتدّ المسكين، إنّي أشفق عليك من قلبي! خير لك كثيرًا أن ترجع إلى البيت مرّةً أخرى. وأخيرًا يرجع ذلك الابن الضالّ المسكين إلى نفسه فيقول: «أقوم وأذهب إلى أبي»، ثمّ ينطلق في الطريق. انظروا إليه وهو سائر في الطريق، شاحب الوجه جائعًا مطأطئ الرأس؛ قد فنيت قوّته، وربّما دبّ المرض في جسده، وقد تهدّم وتغيّر حتّى ما كان أحد ليعرفه إلّا أبوه وحده. فإنّ المحبّة حادّة البصر سريعة إلى معرفة من تحبّ. وقد طال شوق الشيخ إلى رجوع ابنه. وإنّي لأراه في ليالٍ كثيرة وهو على سطح البيت يتطلّع إلى الطريق لعلّه يلمحه مقبلًا من بعيد. وكم من ليلة طويلة صارع فيها الله لكي يرجع ابنه الضالّ. وكلّ خبر كان يبلغه من تلك الكورة البعيدة كان ينبئه أنّ ولده ماضٍ إلى الهلاك بأقصى ما يستطيع من سرعة. وقد قضى الشيخ وقتًا طويلًا جدًّا في الصلاة لأجل ذلك الولد، وأخيرًا بدأ الإيمان ينهض في قلبه، فقال: «أنا أومن أنّ الله سيردّ إليّ ولدي»؛ وذات يوم يرى الشيخ من بعيد ذلك الولد الذي طال فقدانه. إنّه لا يعرفه من ثيابه التي عليه، ولكنّه عرف مشيته وخطوته، فقال في نفسه: «نعم، هذا هو ولدي». وإنّي لأراه الآن وهو ينزل على الدرج؛ ويندفع في الطريق العامّ؛ إنّه يركض. آه! وهكذا هو الله تمامًا في تعامله معنا. فكثيرًا ما يُصوَّر الله في الكتاب المقدّس راكضًا؛ إنّه في عجلة شديدة جدًّا لكي يلاقي ذلك المرتدّ الراجع. نعم، إنّ الشيخ يركض؛ رآه من بعيد فتحنّن عليه. وأراد الولد أن يقصّ عليه قصّته كلّها، ماذا فعل وأين كان، ولكنّ الشيخ لم يطق أن ينتظر حتّى يسمعه؛ فقد امتلأ قلبه حنانًا، وضمّه إلى حضنه المحبّ. وأراد الولد أن ينزل إلى المطبخ ليكون مع الخدم، فلم يدعه الشيخ يفعل. كلّا، بل أمر العبيد أن يجعلوا حذاءً في رجليه وخاتمًا في يده، وأن يذبحوا العجل المسمّن، وأن يأكلوا ويفرحوا جميعًا. لقد رجع الابن الضالّ إلى البيت، وعاد التائه أخيرًا من تيهانه، وابتهج الشيخ الطاعن في السنّ برجوع ذلك المرتدّ. آه أيّها المرتدّ، ارجع إلى البيت، فيكون فرح في قلبك أنت وفرح في قلب الله. ليردّ الله المرتدّين الليلة — في هذه الساعة عينها. قل أنت كما قال ذلك الابن الضالّ المسكين: «أقوم وأذهب إلى أبي»، وأنا أقول لك بسلطان الله إنّ الله سيقبلك؛ سيمحو خطاياك كلّها، ويردّك إلى محبّته، فتسير أنت من جديد في نور وجهه المصالَح.
المسيح يبكي على أورشليم.
ولكن انظروا معي مرّةً أخرى. ها هو ذا قد أتى إلى جبل الزيتون. إنّه سائر تحت ظلّ الصليب. وفجأةً تنكشف له المدينة كلّها أمام عينيه. هناك في الأفق ترون الهيكل؛ وهو يراه في كلّ فخامته وبهائه ومجده. والشعب يهتفون: أوصنّا لابن داود! وهم يقطعون سعف النخل من الأشجار، ويخلعون ثيابهم عنهم ويفرشونها أمامه في الطريق، وهم لا يزالون يهتفون: أوصنّا لابن داود! ويسجدون أمامه. ولكنّه هو ينسى ذلك كلّه في تلك الساعة. نعم، حتّى الجلجثة نفسها بكلّ ما فيها من حزن وألم ينساها. وجثسيماني كانت راقدة هناك عند سفح ذلك الجبل؛ وقد نسيها هي أيضًا. وإذ نظر إلى تلك المدينة التي طالما أحبّها، تحنّن قلب ابن الله العظيم عليها، فصرخ بصوت عال قائلًا: «يا أورشليم، يا أورشليم، يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها، كم مرّة أردتُ أن أجمع أولادكِ كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها، ولم تريدوا!»
يا أصدقائي، انظروا إليه هناك وهو باكٍ على أورشليم. أيّة مدينة عجيبة كان يمكن لها أن تكون! وكم كانت مرتفعةً إلى السماء في مجدها. آه، لو أنّهم فقط عرفوا زمان افتقادهم، وقبلوا ملكهم بدل أن يرفضوه، أيّة بركة كان يكون لهم! آه أيّها المرتدّ المسكين، انظر إلى حمل الله وهو باكٍ عليك، صارخًا إليك أن تأتي أنت إليه، وأن تنال سترًا وملجأً من العاصفة التي لا بدّ أن تكتسح هذه الأرض!
انظروا إلى بطرس المسكين،
وانظروا ماذا فعل هو أيضًا. لقد أنكر الربّ وحلف إنّه لا يعرفه قطّ. وإن كان الربّ قد احتاج يومًا إلى مواساة، وإن كان قد احتاج يومًا إلى تلاميذه من حوله، فقد كان ذلك في تلك الليلة، إذ كانوا يقدّمون عليه شهود زور لكي يُحكم عليه بالموت؛ وإذا ببطرس، وهو واحد من أوّل تلاميذه وأقربهم إليه، واقف هناك يحلف إنّه لا يعرفه. وقد كان في وسعه أن يلتفت إلى بطرس ويقول له: «يا بطرس، أحقًّا أنت لا تعرفني؟ أحقًّا نسيتَ كيف شفيتُ حماتك أنت وأبرأتها وهي مشرفة على الموت؟ أحقًّا نسيتَ كيف أنهضتُك وأمسكتُك لمّا كنتَ تغرق في البحر؟ أحقًّا يا بطرس نسيتَ أنّك كنتَ معي على جبل التجلّي، حين التقت السماء والأرض معًا، وسمعتَ الصوت يتكلّم من السحاب؟ أحقًّا نسيتَ ذلك المشهد على الجبل حين أردتَ أن تصنع ثلاث مظالّ؟ أحقًّا يا بطرس أنّك قد نسيتني؟» نعم، هكذا كان يستطيع أن يعيّر بطرس المسكين ويوبّخه على ما فعل؛ ولكنّه عوض ذلك كلّه لم يزد على أن نظر إليه نظرة حنان واحدة كسرت قلبه، فخرج إلى خارج وبكى بكاءً مرًّا.
شاول المضطهِد.
وانظروا أيضًا إلى ذلك المجدّف الجريء المضطهِد الذي كان مزمعًا أن يستأصل الكنيسة الأولى ويمحوها من الوجود، وكان ينفث تهدّدًا وقتلًا، حين لقيه المسيح في طريقه إلى دمشق. وإنّه لهو يسوع نفسه إلى يومنا هذا لم يتغيّر. أصغوا الآن واسمعوا ماذا يقول له هناك: «شاول، شاول، لماذا تضطهدني؟» وقد كان في وسعه أن يطرحه صريعًا إلى الأرض بنظرة واحدة من عينيه أو بنسمة واحدة من فمه؛ ولكنّه عوض ذلك تحنّن قلب ابن الله عليه، فصرخ قائلًا: «شاول، شاول، لماذا تضطهدني؟» فإن كان ههنا الليلة مضطهِد، فإنّي أسألك أنت: «لماذا تضطهد يسوع؟» إنّه يحبّك أيّها الخاطئ؛ وهو يحبّك أيّها المضطهِد. وما نلتَ أنت منه قطّ إلّا الصلاح واللطف والمحبّة. فصرخ شاول قائلًا: «من أنت يا سيّد؟» فأجابه: «أنا يسوع الذي أنت تضطهده. صعب عليك أن ترفس مناخس». نعم، إنّه لصعبٌ أن تحارب صديقًا محبًّا كهذا، وأن تخاصم من يحبّك كما أحبّك أنا؛ فهوى شاول المتكبّر المضطهِد وسقط على وجهه إلى الأرض، وصرخ من هناك قائلًا: «يا ربّ، ماذا تريد أن أفعل؟» فقال له الربّ ماذا يفعل، فذهب من فوره وفعل ما قيل له. ليتحنّن الربّ الليلة على الملحد والمرتاب والمضطهِد. ودعني أسألك أنت يا صديقي: أثمّة سبب واحد في الدنيا يدعوك أن تبغض المسيح، أو أن ينقلب قلبك عليه؟
وإنّي لأذكر قصّةً تُروى عن معلّمة كانت تحثّ تلاميذها جميعًا على أن يتبعوا يسوع، وتقول لهم كيف يمكنهم أن يصيروا كلّهم مرسلين، وأن يخرجوا ليعملوا لأجل الآخرين. وذات يوم من الأيّام جاءت إليها أصغرهنّ كلّهنّ وقالت لها: «لقد دعوتُ فلانةً أن تأتي معي، فقالت لي إنّها تودّ جدًّا أن تأتي، ولكنّ أباها ملحد».
«لماذا لا تحبّ يسوع؟»
فأرادت تلك الطفلة الصغيرة أن تعرف ما هو الملحد، فأخذت المعلّمة تشرح لها ذلك وتبيّنه. وذات يوم، وهي في طريقها إلى المدرسة، كان هذا الملحد خارجًا من مكتب البريد ورسائله في يده، فركضت إليه الطفلة الصغيرة ووقفت أمامه وقالت له: «لماذا لا تحبّ يسوع؟» فهمّ في أوّل الأمر أن يزيحها بيده عن طريقه ويمضي، ولكنّ الطفلة ألحّت عليه بالسؤال ثانيةً: «لماذا لا تحبّ يسوع؟» ولو كان الذي كلّمه بهذا رجلًا لثار الملحد عليه وغضب؛ وأمّا الطفلة فلم يدرِ ماذا يصنع بها، وقد سألته مرّةً أخرى والدموع في عينيها: «آه، أرجوك، قل لي، لماذا لا تحبّ يسوع؟» فمضى في طريقه إلى مكتبه، ولكنّه شعر كأنّ كلّ رسالة يفتحها مكتوب فيها هذا السؤال: «لماذا لا تحبّ يسوع؟» ثمّ حاول بعد ذلك أن يكتب، فكانت النتيجة هي هي؛ فقد بدا له أنّ كلّ حرف يكتبه يسأله: «لماذا لا تحبّ يسوع؟» فألقى قلمه من يده يائسًا وقام وخرج من مكتبه، ولكنّه لم يستطع أن يتخلّص من ذلك السؤال؛ فقد كان يسأله إيّاه صوت منخفض خفيف في داخله، وبينما هو سائر في الطريق خُيّل إليه أنّ الأرض نفسها تحته والسماء نفسها فوقه تهمسان له: «لماذا لا تحبّ يسوع؟» وأخيرًا رجع إلى بيته، فبدا له هناك أيضًا كأنّ أولاده هم أنفسهم يسألونه السؤال عينه، فقال لامرأته: «سأذهب إلى فراشي باكرًا الليلة»، ظانًّا أنّه ينام فينسى السؤال؛ فلمّا وضع رأسه على الوسادة خُيّل إليه أنّ الوسادة تهمس له به. فقام نحو منتصف الليل وقال: «أستطيع أن أجد الموضع الذي يناقض فيه المسيح نفسه، وسأبحث عنه حتّى أستخرجه وأثبت أنّه كاذب». فنهض الرجل من فراشه وفتح إنجيل يوحنّا، وأخذ يقرأ فيه من البداية حتّى بلغ هذه الكلمات: «لأنّه هكذا أحبّ الله العالم حتّى بذل ابنه الوحيد، لكي لا يهلك كلّ من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبديّة». فقال في نفسه: يا لها من محبّة عجيبة! وأخيرًا تحرّك قلب ذلك الملحد العجوز وانسحق. فلم يجد سببًا واحدًا يمنعه أن يحبّ يسوع، فجثا هناك على ركبتيه وصلّى، وقبل أن تشرق الشمس في الصباح كان الملحد العجوز قد صار في ملكوت الله.
وإنّي لأتحدّى أيّ إنسان على وجه هذه الأرض كلّها أن يجد سببًا واحدًا يمنعه من أن يحبّ المسيح. وما يظنّ الناس أنّ لهم سببًا لذلك إلّا هنا على الأرض وحدها. وأمّا في السماء فهم يعرفونه هناك معرفةً حقيقيّة، وهم يهتفون قائلين: «مستحقّ هو الحمل المذبوح». آه أيّها الخاطئ، لو أنّك عرفته حقًّا لما اشتهيتَ قطّ أن تبحث عن سبب يمنعك من أن تحبّه. إنّه «مُعلَمٌ بين ربوة، وكلّه مشتهيات». وإنّي لأتخيّل كثيرين منكم ههنا يقولون: «إنّي أودّ جدًّا أن أصير مسيحيًّا، وأودّ أن أعرف كيف أستطيع أن آتي إليه وأخلص».
تعالَ إليه كما تأتي إلى صديق شخصيّ.
منذ عشرين سنة وأنا قد جعلتُ هذا الأمر قاعدةً لي في حياتي. فالمسيح قريب منّي على الدوام، حاضر لديّ حضورًا شخصيًّا كأيّ إنسان حيّ آخر؛ وإذا وقعتُ في ضيقات وتجارب وبلايا، ذهبتُ بها كلّها إليه. وإذا احتجتُ إلى مشورة ذهبتُ إليه أنا أيضًا، تمامًا كأنّي أقدر أن أكلّمه وجهًا لوجه. ومنذ عشرين سنة لقيني الله ذات ليلة وضمّني إلى حضنه هو، ولأن أبذل حياتي الليلة أهون عليّ من أن أتخلّى عن المسيح، أو أن أتركه أنا، أو أن يتركني هو، فلا يبقى لي من يحمل عنّي أثقالي ولا من أبثّه أحزاني. ولماذا؟ لأنّه يساوي عندي أكثر من العالم كلّه وما فيه؛ وهو الليلة يتحنّن عليك أنت كما تحنّن عليّ أنا. لقد ظللتُ أسابيع كثيرة أطلب لنفسي طريقًا إليه، ثمّ ذهبتُ ووضعتُ حملي كلّه عليه، فأعلن هو ذاته لي، وما زلتُ منذ ذلك الحين إلى اليوم أجده صديقًا حقيقيًّا مشفقًا، هو بعينه الصديق الذي تحتاج إليه أنت. اذهب أنت إليه رأسًا من فورك. لستَ محتاجًا أن تذهب إلى هذا الإنسان أو ذاك، ولا إلى هذه الكنيسة أو تلك. «أنا هو الطريق والحقّ والحياة».
ما من اسم أعزّ على قلوب الأمريكيّين من اسم
أبراهام لنكولن،
وفي جمع كهذا الجمع في أمريكا كنتم ترون الدموع وهي تنحدر على كثير من الخدود لمجرّد ذكر اسمه: إنّه عزيز جدًّا علينا نحن الأمريكيّين. أتريدون أن تعرفوا السبب في ذلك؟ إذن سأقوله لكم أنا. لقد كان رجل حنان وشفقة؛ كان وديعًا جدًّا، ومعروفًا بقلبه المشفق على المسحوقين والفقراء. وما جاءه أحد قطّ بقصّة تستدرّ الشفقة إلّا وتحنّن عليه، مهما كانت منزلته وضيعة في سلّم المجتمع. وكان دائمًا يهتمّ اهتمامًا خاصًّا بأمر الفقراء. وقد مرّ في تاريخنا وقت ظننّا فيه نحن أنّ حنانه عليهم أكثر ممّا ينبغي. فكثيرون من جنودنا لم يكونوا يفهمون النظام العسكريّ، وكثيرون جدًّا منهم لم يلتزموا بأحكام الجيش وقوانينه. وقد كانوا ينوون أن يلتزموا بها، ولكنّهم لم يكونوا يفهمونها. فأخطأ بسبب ذلك رجال كثيرون منهم، فحوكموا محاكمةً عسكريّة وحُكم عليهم بالرمي بالرصاص؛ ولكنّ أبراهام لنكولن كان يعفو عنهم ويصفح في كلّ مرّة؛ حتّى قامت الأمّة عليه أخيرًا وقالت إنّه رحيم أكثر ممّا ينبغي، فحملوه في النهاية على أن يعلن للجميع أنّ كلّ من يُحاكم عسكريًّا لا بدّ أن يُرمى بالرصاص، وأنّه لن يكون بعد اليوم عفو ولا تأجيل.
الحارس النائم.
وبعد أسابيع قليلة من ذلك، جاء الخبر بأنّ جنديًّا شابًّا قد نام وهو في موقع حراسته. فحوكم هو أيضًا محاكمةً عسكريّة وحُكم عليه بالرمي بالرصاص. فكتب الفتى إلى أمّه يقول لها: «لا أريدكِ أن تظنّي أنّي لا أحبّ بلادي، ولكنّ الأمر إنّما جرى هكذا: كان رفيقي مريضًا، فخرجتُ إلى المخفر عوضًا عنه؛ وفي الليلة التالية كان عليه هو أن يأتي، ولكنّه كان لا يزال مريضًا فخرجتُ عنه ثانيةً، ومن غير أن أقصد غلبني النوم. إنّي لم أقصد قطّ أن أخون بلادي».
لقد كانت رسالةً مؤثّرةً جدًّا، ولكنّ الأب والأمّ قالا: لا أمل في شيء البتّة، فلن يكون بعد اليوم عفو. غير أنّه كان في ذلك البيت بنيّة صغيرة أيضًا، وكانت تعلم أنّ لأبراهام لنكولن ولدًا صغيرًا، وتعلم كم كان يحبّ ذلك الولد؛ فقالت في نفسها: لو عرف أبراهام لنكولن كم يحبّ أبي وأمّي أخي، لما سمح قطّ بأن يُرمى بالرصاص. فركبت القطار وحدها لتذهب وتتوسّل لأجل أخيها؛ ولمّا وصلت إلى قصر الرئيس، برزت أمامها العقبة الأولى: كيف لها أن تجتاز الحارس الواقف هناك على الباب؟ فقصّت عليه هي قصّتها كلّها، فانحدرت الدموع على خدّيه، وتركها تمرّ من أمامه. ثمّ كانت العقبة التالية: كيف تجتاز السكرتير وسائر الموظّفين؟ ومع ذلك فقد نجحت في الدخول من غير عائق يعوقها إلى غرفته الخاصّة، وكان هناك الشيوخ والوزراء منهمكين في شؤون الدولة. فرأى الرئيس تلك الطفلة الصغيرة، فدعاها إليه وقال لها: «يا ابنتي، ماذا أستطيع أن أفعل لكِ؟» فقصّت عليه قصّتها. فتحدّرت الدموع الغزيرة على خدّيه هو أيضًا. لقد كان هو نفسه أبًا، وقد امتلأ قلبه؛ فلم يحتمل ذلك المنظر. فعامل تلك الفتاة بكلّ لطف، ثمّ عفا عن الفتى وأعطاه إجازة ثلاثين يومًا، وأرسله إلى بيته لكي يرى أمّه. لقد كان قلبه هو أيضًا مملوءًا حنانًا.
ودعوني أقول لكم إنّ قلب المسيح أملأ حنانًا من قلب أيّ إنسان كائنًا من كان. أنت محكوم عليك بالموت من أجل خطاياك؛ ولكنّك إن أتيتَ إليه فإنّه يقول: «حلّوه ودعوه يذهب» (يوحنّا 11). وهو سينتهر الشيطان، فيحيا الميت من جديد. اذهب إليه كما ذهبت تلك البنيّة الصغيرة إلى الرئيس، وقل له كلّ شيء؛ ولا تخفِ عنه شيئًا البتّة، فيقول لك هو: «اذهب بسلام».
لمسة يد الحنان.
ودعوني أسأل ذلك المرتدّ المسكين: هل شعرتَ أنت يومًا بلمسة يد يسوع؟ فإن كنتَ قد شعرتَ بها مرّةً فستعرفها ثانيةً، لأنّ فيها محبّة. وتُروى قصّة من أيّام حربنا نحن عن أمّ جاءتها برقيّة تخبرها بأنّ ولدها قد أُصيب في المعركة إصابةً قاتلة. فنزلت هي إلى الجبهة، لأنّها كانت تعلم أنّ أولئك الجنود الموكَلين بالسهر على المرضى والجرحى لا يقدرون أن يسهروا على ولدها هي كما تسهر هي عليه. فذهبت إلى الطبيب هناك وقالت له: «أتأذن لي أن أعتني أنا بولدي؟» فقال لها الطبيب: «قد أنمناه للتوّ منذ قليل، وإن دخلتِ أنتِ عليه الآن كانت المفاجأة عظيمة عليه حتّى إنّها قد تكون خطرًا على حياته. إنّ حالته دقيقة جدًّا. وأنا سأخبره بالأمر شيئًا فشيئًا». فقالت له الأمّ: «ولكنّه قد لا يستيقظ من نومه أبدًا. وكم أشتاق أنا أن أراه!» آه، كم كانت تتوق إلى رؤيته! وأخيرًا قال لها الطبيب: «تستطيعين أنتِ أن تريه، ولكن إن أيقظتِه فمات، فالذنب ذنبكِ أنتِ». فقالت له: «حسنًا، لن أوقظه أنا، إن سُمح لي فقط أن أقف عند سريره وأنظر إليه». فذهبت ووقفت إلى جانب ذلك السرير. وكانت عيناها قد طال شوقهما إلى رؤيته؛ ولمّا تطلّعت إليه هناك لم تستطع أن تكفّ يدها عن تلك الجبهة الشاحبة، فوضعتها عليها برفق ولين. وقد كان في تلك اليد محبّة وشفقة، وفي اللحظة التي أحسّ بها ذلك الولد النائم قال لها في الحال: «آه يا أمّي، هل جئتِ؟» لقد عرفها، وعرف أنّ في لمسة تلك اليد شفقةً وحنانًا. وأنت أيّها الخاطئ، إن أنت سمحتَ ليسوع أن يمدّ يده ويلمس بها قلبك، فستجد أنت أيضًا أنّ فيها شفقةً ومحبّة. وإنّ صلاة قلبي هي أن تخلص كلّ نفس ضالّة ههنا الليلة، وأن تأتي إلى أحضان مخلّصنا المبارك!
يا يسوع مخلّصي، يا آتيًا إلى بيت لحم،
يا مولودًا في مذود للحزن والعار؛
آه، ما كان ذلك عجيبًا، فليتبارك اسمه،
إذ كان يطلبني أنا، أنا.
يا يسوع مخلّصي، على خشبة الجلجثة،
دفعتَ عنّي ديني العظيم، وأطلقتَ نفسي حرّةً؛
آه، ما كان ذلك عجيبًا، كيف أمكن أن يكون!
إذ متَّ لأجلي أنا، أنا.
ملكية عامة. النص المصدر من الطبعة الأصلية.