النص
عدد 14:24
باختصار
في عظته على عدد 14:24 وتقرير الجواسيس الاثني عشر، يقابل إيفانز بين رضى الكنيسة بحياة البرية، حياة المنّ والسلوى، و«الروح الأخرى» التي كانت لكالب فاتّبع الرب تمامًا حتى دخل أرض الموعد. ثم ينتقل إلى طلب كالب لحبرون في يشوع 14، فيتتبّع خمس سمات لنسل كالب — العبادة، واتّباع الله تمامًا، والروح المختلفة، وتجدّد الشباب، وهزيمة الجبابرة — ويوضحها بقصة رجل أعمال صيني شاب رجع إلى المسيح فجأة، ويختم بدعوة إلى الاجتهاد، الآن، في الدخول إلى راحة الله بدلًا من الرضى بالبرية.
فلنفتح إذن على رسالة فيلبي، الأصحاح الثاني. أودّ أن أقرأ جزءًا من هذا المقطع، لأنه ينزل إلى أرض واقعنا، إلينا نحن معًا، كما يذكّرنا بخدمة يسوع هنا على الأرض. سأقرأ من العدد الأول حتى العدد الحادي عشر.
فَإِنْ كَانَ وَعْظٌ مَا فِي ٱلْمَسِيحِ. إِنْ كَانَتْ تَسْلِيَةٌ مَا لِلْمَحَبَّةِ. إِنْ كَانَتْ شَرِكَةٌ مَا فِي ٱلرُّوحِ. إِنْ كَانَتْ أَحْشَاءٌ وَرَأْفَةٌ، فَتَمِّمُوا فَرَحِي حَتَّى تَفْتَكِرُوا فِكْرًا وَاحِدًا وَلَكُمْ مَحَبَّةٌ وَاحِدَةٌ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ، مُفْتَكِرِينَ شَيْئًا وَاحِدًا، لَا شَيْئًا بِتَحَزُّبٍ أَوْ بِعُجْبٍ، بَلْ بِتَوَاضُعٍ، حَاسِبِينَ بَعْضُكُمُ ٱلْبَعْضَ أَفْضَلَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ. لَا تَنْظُرُوا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى مَا هُوَ لِنَفْسِهِ، بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى مَا هُوَ لِآخَرِينَ أَيْضًا. فَلْيَكُنْ فِيكُمْ هَذَا ٱلْفِكْرُ ٱلَّذِي فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ أَيْضًا: ٱلَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ ٱللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلًا لِلهِ. لَكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ ٱلنَّاسِ. وَإِذْ وُجِدَ فِي ٱلْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ، وَأَطَاعَ حَتَّى ٱلْمَوْتَ، مَوْتَ ٱلصَّلِيبِ، نازلا إلى أدنى موضع من أجلنا. لِذَلِكَ رَفَّعَهُ ٱللهُ أَيْضًا، وَأَعْطَاهُ ٱسْمًا فَوْقَ كُلِّ ٱسْمٍ، لِكَيْ تَجْثُوَ بِٱسْمِ يَسُوعَ كُلُّ رُكْبَةٍ مِمَّنْ فِي ٱلسَّمَاءِ، وَمَنْ عَلَى ٱلْأَرْضِ، وَمَنْ تَحْتَ ٱلْأَرْضِ، وَيَعْتَرِفَ كُلُّ لِسَانٍ أَنَّ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحَ هُوَ رَبٌّ، لِمَجْدِ ٱللهِ ٱلْآبِ.
وليقل كل شعب الله: آمين. والآن أطلب من أخينا غاريث إيفانز أن يتقدّم ويقدّم لنا ما وضعه الرب على قلبه من كلمة الله هذا الصباح.
شكرًا لك يا براين لأنك أطعت الروح وقرأت هذا المقطع. اجتمعنا قبل قليل وتباحثنا في القراءة التي ستكون لنا اليوم، فقلت إنه لا حاجة إلى قراءة، لأنني سآخذكم أنا إلى الكتاب المقدس. لكنني نهضت باكرًا هذا الصباح لأهيّئ قلبي فحسب، فكتبت في هامش ملاحظاتي: فيلبي الأصحاح الثاني: «فَلْيَكُنْ فِيكُمْ هَذَا ٱلْفِكْرُ ٱلَّذِي فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ أَيْضًا». وحين يحدث أمر كهذا، يمنحني ثقة كبيرة بأن معي كلمة الله لكم هذا الصباح.
كانت أول كنيسة لي حين رعيت كنيسة في كيتشنر بأونتاريو، وكنت قبل أن أصير راعيًا هناك مدرّسًا للفيزياء سنوات طويلة. وكان في رعيّتي شاب من شيوخ الكنيسة، عمره ثلاثون سنة فقط، وكان يقوم كل أحد في مطلع الخدمة ليقرأ مقطعًا من الكتاب. ثماني مرات، وربما عشرًا، وربما ست مرات فقط في سنتي الأولى في تلك الكنيسة، كان تشارلي نينكيرشن يقوم ويقرأ النص الذي سأعظ منه، دون أن يعرف عمّا سأتكلم. لكم أن تتخيّلوا الثقة التي كانت لي في تلك الصباحات بأن معي كلمة الله. فشكرًا لك يا براين على طاعتك.
من مصر إلى البرية
لا بد أن الأمر بدا كالحلم كل صباح حين كان بنو إسرائيل يستيقظون. لقد وُلدوا في العبودية، ولم يعرفوا إلا مسخّري مصر، وكان العمل يزداد قسوة يومًا بعد يوم إذ أُجبروا على صنع اللبن بتبن أقل فأقل. ثم حلّت بالأرض نكبات كثيرة: ضربة الضفادع، والأنهار التي تحوّلت دمًا، وأمور أخرى كثيرة، وكانت ذروتها كلها تلك الليلة التي أُنذروا فيها أن يضعوا الدم على قوائم أبواب بيوتهم، حتى إذا عبر الملاك المُهلك نجوا. وحين ينظرون الآن إلى تلك الأيام، يبدو لهم كالحلم أنهم قد أُنقذوا: كيف عبر الملاك المُهلك على مصر كلها وضرب البكر في كل بيت، أما بنو إسرائيل فنجوا.
كان هناك نحو اثنين وعشرين ألفًا وسبع مئة ممن فُدوا بصفتهم أبكارًا. ولا شك عندي أنهم تذكّروا بوضوح كيف وصلوا إلى البحر الأحمر، وكيف رأوا غبار المصريين المطاردين، وكيف امتلأوا خوفًا، إلى أن قال لهم موسى: «لَا تَخَافُوا. قِفُوا وَٱنْظُرُوا خَلَاصَ ٱلرَّبِّ ٱلَّذِي يَصْنَعُهُ لَكُمُ ٱلْيَوْمَ». وأما هؤلاء المسخّرون الذين استعبدوهم سنين طويلة، فلن يروهم بعد إلى الأبد. ثم انشقّ البحر، وعبروا على اليابسة؛ وكان عمود نار يسير أمامهم ليلًا وعمود سحاب نهارًا. ولمّا التفتوا إلى البحر الأحمر رأوا المصريين المطاردين يغرقون إذ ارتدّت عليهم الأمواج.
كان هذا كله يبدو كالحلم، حلمًا مدهشًا رائعًا. ولا بد أنهم كانوا كل صباح، إذ يستيقظون في بداية رحلتهم عبر الصحراء، يقرصون أنفسهم ليتأكدوا أنه حقيقة. وفي الأشهر الأولى بعد عبور البحر الأحمر، كان موسى يلتقي بالله بانتظام على قمة جبل، والشعب في الأسفل يرفعون عيونهم فيرونه مغطّى بالسحاب وألسنة النار. وسمعوا أن الله يلتقي بموسى هناك. وعلى قمة الجبل أعطى الله موسى الوصايا العشر، والشرائع الطقسية الخاصة بخدمة خيمة الاجتماع؛ ووصف له الخيمة وكل ما سيكون فيها من أثاث. وفي تلك الأثناء لم يكن بنو إسرائيل المنتظرون في الأسفل يعرفون تمامًا ماذا يصنعون بحريتهم.
وفي الكنيسة اليوم كثيرون لا يعرفون ماذا يصنعون بالحرية التي اشتراها المسيح لنا. وهكذا صنعوا لأنفسهم عجلًا ذهبيًا؛ أرادوا أن يعبدوا الله بطريقة ما، فصنعوا إلههم الخاص. وبدأوا يتذمّرون من العطش، فاضطر موسى أن يضرب صخرة ليُخرج منها ماء. كانوا مندهشين من الأمور الكثيرة التي كان الله يعملها بينهم؛ كان كل شيء جديدًا عليهم، فلم يختبروا شيئًا كهذا قط؛ فكل ما عرفوه من قبل هو العبودية والأسر.
وبعد بضعة أشهر نزل موسى إليهم. كانت خيمة الاجتماع قد صُمّمت وبُنيت للرحلة، وأُعطيت لهم الوصايا العشر. وشرح لهم موسى الشرائع التي ينتظر الله منهم أن يحفظوها بعد أن خرجوا من عبودية مصر. ثم كلّم الله موسى وقال: يا موسى، قد حان الوقت الآن لترثوا مواعيدكم. لقد وعدت أباك إبراهيم، وإسحاق ويعقوب من بعده، أنني سأُخرجكم وأُدخلكم إلى أرض موعدي. حان وقت الدخول.
أترون؟ لم يُخرجهم الله من مصر ليتيهوا في البرية أربعين سنة، بل أخرجهم من مصر ليُدخلهم إلى كنعان. وكل ما أُريد للبرية أن تكونه هو زمن يثبّت الله فيه لهم وصاياه العشر وشرائعه، ويقيم اللاويين كهنوتًا. نقرأ أنه كان هناك اثنان وعشرون ألفًا ومئتان وسبعون ممن خرجوا أبكارًا، واختير اللاويون ليحلّوا محلّهم، أولئك الذين فُدوا بالدم على قائمة الباب. قال الله: لا أريد أن آخذ البكر من كل بيت، بل أريد أن آخذ سبط لاوي ليكون شعبي الخاص. سيكونون كهنتي.
كل هذا تأسّس في الأشهر الأولى من وجودهم في البرية. ثم قال الله: يا موسى، أريدك الآن أن تدخل أرض الموعد. اختر قائدًا من كل سبط من الأسباط الاثني عشر، وأوصهم أن يجولوا في الأرض ويتجسّسوها، ليروا أين يكمن العدو، وما حال الأرض، ثم يرجعوا إليّ بالخبر. ونقرأ هذه القصة في سفر العدد، الأصحاح الرابع عشر. إن كانت كتبكم المقدسة معكم، فأرجو أن تفتحوها معي هناك؛ ومن ليس معه كتابه المقدس، فعار عليه!
كلمة الله سيف في يدنا. كلمة الله طعام لنفوسنا. سأروي الكتاب بتصرّف. أنتم تعرفون القصة جيدًا؛ ولا شك أن كثيرين منكم ممن ذهبوا إلى مدارس الأحد سمعوها مرات كثيرة. يدخل الجواسيس الاثنا عشر أرض الموعد ويجوبون كنعان من أقصاها إلى أقصاها، ثم يرجعون بعد بضعة أشهر إلى موسى ليقدّموا تقريرًا عن رحلتهم. وهذه خلاصة التقرير: إنها أرض رائعة، تفيض لبنًا وعسلًا. العنب فيها ضخم، انظروا ماذا أحضرنا معنا.
وأحضر عنقودًا من العنب احتاج إلى رجلين ليحملاه، عنقودًا واحدًا. لقد سُرّوا جميعًا بالأرض. لكنهم أضافوا: غير أن في الأرض جبابرة، ونحن نخافهم، والأفضل ألّا نصعد لأننا لسنا مستعدين. ليس لنا جيش، وليس لنا سلاح. لا نستطيع أن نذهب. ونقرأ أن الشعب كله امتلأ خوفًا.
وعندئذ يقوم رجلان، يقوم اثنان من هؤلاء الجواسيس، هما يشوع وكالب، وقد امتلآ غضبًا مقدسًا. ماذا تعنون بقولكم لا نستطيع أن نذهب؟ لقد رأيتم أرضًا تفيض لبنًا وعسلًا. ورأيتم كل المواعيد بأن هذه هي أرض موعد الله. الله يريد أن يُدخلنا. سندخل، وهؤلاء الجبابرة خبز لنا. سنطويهم طيًّا. فقال العشرة الآخرون: لا، لا، إنهم أضخم منا بكثير، لا نستطيع أن ندخل. وكانت النتيجة أن الله قال هذه الكلمات.
لأنهم لا يثقون بي، فإنهم لن يدخلوا الأرض. وَأَمَّا عَبْدِي كَالِبُ فَمِنْ أَجْلِ أَنَّهُ كَانَتْ مَعَهُ رُوحٌ أُخْرَى، وَقَدِ ٱتَّبَعَنِي تَمَامًا، أُدْخِلُهُ إِلَى ٱلْأَرْضِ، وَزَرْعُهُ يَرِثُهَا.
هذا هو نصّي لهذا الصباح. إن كنتم تضعون علامات في كتبكم المقدسة، فهذه آية جيدة لتضعوا عليها علامة: سفر العدد، الأصحاح الرابع عشر، العدد الرابع والعشرون. بسبب عدم ثقتهم لن يدخلوا مواعيدي، أرض موعدي، «وَأَمَّا عَبْدِي كَالِبُ فَمِنْ أَجْلِ أَنَّهُ كَانَتْ مَعَهُ رُوحٌ أُخْرَى، وَقَدِ ٱتَّبَعَنِي تَمَامًا، أُدْخِلُهُ إِلَى ٱلْأَرْضِ، وَزَرْعُهُ يَرِثُهَا».
يا له من قضاء رهيب! لقد أنقذهم الله من مسخّريهم في مصر، وأدخلهم إلى الحرية. وأثبت نفسه لهم مرة بعد مرة بعد مرة، بالضربات والمعجزات والنجاة، وبشقّ البحر الأحمر، وبالمنّ الذي أعطاهم من السماء، وبالماء الذي أخرجه لهم من الصخرة. لا شك أنه إلههم. لقد قادهم بعمود السحاب، وبعمود النار ليلًا. ومع ذلك صدر عليهم الآن حكم: لن يدخلوا مواعيده. إنهم لا يثقون به.
وهكذا صار أولئك الذين كانوا عبيدًا في مصر، أربعين سنة، عبيدًا لقرارهم هم. وأربعين سنة تاهوا في البرية. نعم، كان الله أمينًا. كان يعطيهم المنّ كل يوم، وكان في وسعهم أن يرنّموا: «كَثِيرَةٌ أَمَانَتُكَ». وأعطاهم السلوى ليكون لهم لحم يأكلونه كل يوم. وقادهم من واحة إلى واحة. كان لا يزال إلههم الذي يقودهم، لكنهم ظلوا يرتحلون في البرية والرمل في أفواههم والرمل في أقدامهم. وكانوا راضين.
أيمكن أن تكون كنيسة الله في كندا، وفي أمريكا، عائشة في البرية وهي راضية؟ أهذه هي الحياة الفيّاضة التي تكلم عنها المسيح؟ أقول لكم إن الغالبية العظمى من المسيحيين في كنائسنا اليوم يعيشون حياة البرية. بل إننا نرنّم أيضًا ترانيم مثل: «إني أتغذى بالمن من فيض وفير». أتذكرون تلك الترنيمة؟ أما أنا فقد كففت عن التغذّي بالمنّ منذ سنين كثيرة، حين دخلت إلى مواعيد الله. المنّ للبرية. أما اللبن والعسل والعنب فلأرض الموعد.
أعطني هذا الجبل
تعالوا معي من فضلكم إلى سفر يشوع، الأصحاح الرابع عشر. لقد مات موسى الآن. مات على قمة جبل نبو بعد أن قاد بني إسرائيل أربعين سنة. قضى أربعين سنة في قصر فرعون، وأربعين سنة يرعى ملايين الخراف ذوات الأربع التي لا تكفّ عن الثغاء، ثم قضى أربعين سنة يرعى ملايين الخراف ذوات الساقين التي لا تكفّ عن الثغاء. وكانت رغبته الوحيدة، في أربعين سنة من القيادة في البرية، أن يُدخلهم أرض الموعد؛ هذا كل ما كان يتوق إليه. إنه ابن مئة وعشرين سنة، وفي آخر أيامه يعود شعبه يتوسّلون إليه طالبين الماء.
يرى صخرة، فيقول له الله أن يكلّم الصخرة. لكنه بدلًا من أن يكلّمها ضربها بعصاه. فقال الله: لأنك لم تكرمني، لن تدخل أرض الموعد. ومات موسى على نبو. ودُعي خادمه الشاب يشوع، الذي كان واحدًا من الجواسيس الاثني عشر، ليدخل أرض الموعد ويقود بني إسرائيل إليها. فعبر بهم الأردن.
وهناك في أرض الموعد بدأوا المعارك لهزيمة الأعداء، ثم قسموا الأرض بين الأسباط الاثني عشر. ويا له من أمر محزن أن سبطين ونصفًا أرادوا البقاء في هذا الجانب من الأردن. ومع أنهم حاربوا حتى دخلوا أرض الموعد، أرادوا أن يعيشوا في هذا الجانب من الأردن، في البرية؛ أرادوا البقاء هناك لأنهم قالوا: هذه أرض جيدة للمواشي. كانوا أصحاب مواشٍ.
والآن، لا أعرف عنكم، لكنني نشأت في الريف، وأصحاب المواشي عادةً تتلطّخ أحذيتهم بالطين. ومن المؤسف أن هناك مسيحيين يريدون البقاء في هذا العالم ويسمّون أنفسهم مسيحيين، بدلًا من أن يدخلوا إلى مواعيد الله. أما الأسباط التسعة والنصف الأخرى، أي الاثنا عشر ناقص اثنين ونصف، فأرادوا أن يدخلوا أرض الموعد. فدخلوا، وقُسمت الأرض بينهم. ثم يأتي كالب، صديق يشوع، إليه، في الأصحاح الرابع عشر.
وقال كالب هذه الكلمات، ابدأوا من العدد السادس.
فَتَقَدَّمَ بَنُو يَهُوذَا إِلَى يَشُوعَ فِي ٱلْجِلْجَالِ. وَقَالَ لَهُ كَالَبُ بْنُ يَفُنَّةَ ٱلْقَنِزِّيُّ: «أَنْتَ تَعْلَمُ ٱلْكَلَامَ ٱلَّذِي كَلَّمَ بِهِ ٱلرَّبُّ مُوسَى رَجُلَ ٱللهِ مِنْ جِهَتِي وَمِنْ جِهَتِكَ فِي قَادَشِ بَرْنِيعَ، حين كنا هناك قبل أربعين سنة. كُنْتُ ٱبْنَ أَرْبَعِينَ سَنَةً حِينَ أَرْسَلَنِي مُوسَى عَبْدُ ٱلرَّبِّ مِنْ قَادَشِ بَرْنِيعَ لِأَتَجَسَّسَ ٱلْأَرْضَ. فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ بِكَلَامٍ عَمَّا فِي قَلْبِي. وَأَمَّا إِخْوَتِيَ ٱلَّذِينَ صَعِدُوا مَعِي فَأَذَابُوا قَلْبَ ٱلشَّعْبِ. وَأَمَّا أَنَا فَٱتَّبَعْتُ تَمَامًا ٱلرَّبَّ إِلَهِي. فَحَلَفَ مُوسَى فِي ذَلِكَ ٱلْيَوْمِ قَائِلًا: إِنَّ ٱلْأَرْضَ ٱلَّتِي وَطِئَتْهَا رِجْلُكَ لَكَ تَكُونُ نَصِيبًا وَلِأَوْلَادِكَ إِلَى ٱلْأَبَدِ، لِأَنَّكَ ٱتَّبَعْتَ ٱلرَّبَّ إِلَهِي تَمَامًا. وَٱلْآنَ فَهَا قَدِ ٱسْتَحْيَانِيَ ٱلرَّبُّ كَمَا تَكَلَّمَ هَذِهِ ٱلْخَمْسَ وَٱلْأَرْبَعِينَ سَنَةً، مِنْ حِينَ كَلَّمَ ٱلرَّبُّ مُوسَى بِهَذَا ٱلْكَلَامِ حِينَ سَارَ إِسْرَائِيلُ فِي ٱلْقَفْرِ. وَٱلْآنَ فَهَا أَنَا ٱلْيَوْمَ ٱبْنُ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً. فَلَمْ أَزَلِ ٱلْيَوْمَ مُتَشَدِّدًا كَمَا فِي يَوْمَ أَرْسَلَنِي مُوسَى. كَمَا كَانَتْ قُوَّتِي حِينَئِذٍ، هَكَذَا قُوَّتِي ٱلْآنَ لِلْحَرْبِ وَلِلْخُرُوجِ وَلِلدُّخُولِ. فَٱلْآنَ أَعْطِنِي هَذَا ٱلْجَبَلَ ٱلَّذِي تَكَلَّمَ عَنْهُ ٱلرَّبُّ فِي ذَلِكَ ٱلْيَوْمِ. لِأَنَّكَ أَنْتَ سَمِعْتَ فِي ذَلِكَ ٱلْيَوْمِ أَنَّ ٱلْعَنَاقِيِّينَ هُنَاكَ، وكان الجبابرة هناك، وَٱلْمُدُنُ عَظِيمَةٌ مُحَصَّنَةٌ. لَعَلَّ ٱلرَّبَّ مَعِي فَأَطْرُدَهُمْ كَمَا تَكَلَّمَ ٱلرَّبُّ». فَبَارَكَهُ يَشُوعُ، وَأَعْطَى حَبْرُونَ لِكَالَبَ بْنِ يَفُنَّةَ مُلْكًا. لِذَلِكَ صَارَتْ حَبْرُونُ لِكَالَبَ بْنِ يَفُنَّةَ ٱلْقَنِزِّيِّ مُلْكًا إِلَى هَذَا ٱلْيَوْمِ، لِأَنَّهُ ٱتَّبَعَ تَمَامًا ٱلرَّبَّ إلهه.
يا له من رجل عجيب! في آخر مرة وقفت فيها على هذا المنبر، كلّمتكم عن قوله: «لَا يَسْتَهِنْ أَحَدٌ بِحَدَاثَتِكَ». كلّمت الشباب، وسمحت للكبار أن يستمعوا. أما اليوم فأنا أكلّم كل من بلغ الخامسة والثمانين؛ أنا أكلّمكم جميعًا اليوم. هذا رجل نستطيع أن نضع أعيننا عليه مثالًا صالحًا: رجل بقي في الخامسة والثمانين من عمره متّقد الشغف بالله، رجل قال: شبابي يتجدّد كل يوم.
لأنني اتّبعت الرب تمامًا، لست كبيرًا بما يكفي لأتقاعد. أرفض أن أتقاعد. كيف تُخرج راعيًا إلى المرعى؟ لا أعرف. أرفض أن أتقاعد. أنا اليوم أشدّ شغفًا بالله مما كنت وأنا في الخامسة والعشرين. إنني أقترب من ملكوتي، أقترب من رؤية ملكي، ويزداد حماسي له يومًا بعد يوم. ومثل كالب، صلاتي هي: يا الله، «أَعْطِنِي هَذَا ٱلْجَبَلَ» حيث يسكن الجبابرة.
ليس هناك وقت للجلوس والاسترخاء. لقد قطعت من رحلتي شوطًا بعيدًا. أتعرفون ما صلاتي الشخصية؟ صلاتي الشخصية هي أنه في اليوم الذي أموت فيه، يكون آخر ما أعمله على هذه الأرض أن أقول كلمة تشجيع لمؤمن شاب. أرفض أن أشيخ. ومثل كالب، أريد أن أكون رجلًا يتمسّك بمواعيد الله حتى يوم موتي. «أَعْطِنِي هَذَا ٱلْجَبَلَ»، كما وعدني موسى.
يقول كالب: لست كبيرًا بما يكفي لأتقاعد. ذراعي قوية. أريد أن أهزم الجبابرة. وإن أراد الآخرون أن يبقوا هناك في الجانب الآخر من الأردن، في الأرض الصالحة للمواشي، في الوحل والطين، فأنا لا أريد البقاء هناك. بل لا أريد حتى أن أدخل إلى هنا حيث العنب ويفيض اللبن والعسل. أريد قمة الجبل حيث يسكن الجبابرة.
دعوني أرجع بكم إلى نصّي، هناك في سفر العدد الأصحاح الرابع عشر، وسأكرّره لكم مرة أخرى: لن يدخلوا أرضي، «وَأَمَّا عَبْدِي كَالِبُ فَمِنْ أَجْلِ أَنَّهُ كَانَتْ مَعَهُ رُوحٌ أُخْرَى، وَقَدِ ٱتَّبَعَنِي تَمَامًا، أُدْخِلُهُ إِلَى ٱلْأَرْضِ، وَزَرْعُهُ يَرِثُهَا». لله أفضل عطاياه للقليلين الذين يجرؤون على اجتياز الامتحان، وله خيار ثانٍ لمن لا يريدون الأفضل. أؤمن أن الكنيسة في أمريكا الشمالية، في كندا، تعيش اليوم في برية. ونحن راضون؛ وهذا هو الأفضل الثاني عند الله.
لا يزال الله أمينًا. لا يزال يعطينا المنّ، ولا يزال يعطينا السلوى، لكن هناك ما هو أعمق من هذا بكثير، وأغنى من هذا بكثير، وهو الدخول إلى مواعيد الله. وهذا الوعد لم يُعطَ إلا لكالب ونسله. وأنا أسأل نفسي، وأسألكم هذا الصباح هذا السؤال، لأن كل عظة لا بد أن تحمل تحديًا: هل أنت من نسل كالب؟ هل أنت من نسل كالب؟ هل فيك طبيعة كالب، فالابن سرّ أبيه؟ أنا من نسل أبي، وفيّ طباع أبي. وأنا أيضًا من نسل أبي السماوي؛ فيّ طبيعة المسيح، كما في كل واحد منا.
نسل كالب
لكن سؤالي لكم هذا الصباح: هل أنتم من نسل كالب الذي سيرث مواعيد الله؟ دعوني أصف لكم نسل كالب. أولًا نجد أنهم من سبط يهوذا، وكلمة يهوذا معناها حمد. نسل كالب شعب حمد، شعب عبادة. هذه هي السمة الأولى. لم أقل مسيحيًا يرنّم، ولم أقل عازفًا موسيقيًا، بل قلت مسيحيًا عابدًا.
العبادة أكثر بكثير من ترنيم الترانيم. قد نرنّم ترانيم ولا نكون أكثر من كاريوكي مسيحي، وأعتقد أن كثيرًا من ترنيم العبادة في كنائس كثيرة اليوم ليس أكثر من كاريوكي مسيحي، إن لم تُحمل قلوبنا إلى محضر الله. وهذا ما أستمتع به في شانون والآخرين: إنهم يأتون بنا إلى محضر الله، وينبغي أن تكون قلوبنا في محضره، حيث نذوب في الدهشة والمحبة والحمد والعبادة. هذا هو الغرض من ترنيم هذه الترنيمة؛ ليس ليُشعرنا بالارتياح، أو ليُحمّسنا، أو ليعطينا مناسبة للوقوف.
الحمد والعبادة يأتيان بنا إلى محضر الله، حيث تسجد له قلوبنا، لأنه وحده مستحق حمدنا. هذه هي روح نسل كالب: إنهم شعب عابد، من سبط يهوذا. أقرأ في الكتاب المقدس أن الله يبحث عن أمرين، عن نوعين من الناس. في العهد القديم كان يبحث عن رجال ونساء يقفون في الثغرة عن الرجال والنساء. وفي العهد الجديد قال يسوع للمرأة عند البئر إن الله لا يزال يطلب الذين يسجدون له «بِٱلرُّوحِ وَٱلْحَقِّ». نسل كالب عابدون.
وبولس، في رسالته إلى أهل أفسس، يحثّ قرّاءه أن يمتلئوا بالروح، لا أن يسكروا بالخمر بل أن يمتلئوا بالروح، ثم يذكر ثلاث علامات للحياة الممتلئة بالروح. العلامة الأولى هي هذه: «مُتَرَنِّمِينَ وَمُرَتِّلِينَ فِي قُلُوبِكُمْ لِلرَّبِّ». إنه موقف عبادة. لا تقل لي إنك مسيحي ممتلئ بالروح إن لم تكن عابدًا؛ فالمسيحي الممتلئ بالروح سيكون من نسل كالب.
والعلامة التالية أن تكون شاكرًا في كل شيء؛ لا تقل لي إنك مسيحي ممتلئ بالروح إن كنت متذمّرًا. والعلامة الثالثة، في العدد التالي، هي الخضوع بعضنا لبعض في محبة المسيح؛ لا تقل لي إنك ممتلئ بالروح إن لم تكن خاضعًا للآخرين، مكرمًا إياهم. العلامة الأولى هي روح العبادة، والعلامة الأولى لنسل كالب أنهم من سبط يهوذا، الذي معناه العبادة والحمد.
والسمة الثانية لنسل كالب أنهم أناس يتبعون الله تمامًا. كم مرة قرأت في ذلك المقطع، وأنا أشدّد عليه: لأنه رجل اتّبعني تمامًا، يقول الله. وقد شهد موسى بذلك. كالب رجل يتبع الله تمامًا، وكالب، إذ يكلّم يشوع، يقول: «وَأَمَّا أَنَا فَٱتَّبَعْتُ تَمَامًا ٱلرَّبَّ إِلَهِي». لقد تركّزت رؤيتي عليه. هو هدفي، هو غايتي، هو مركز حياتي.
سأتبعه تمامًا. لن ينقسم قلبي بين أمور هذا العالم وأمور الله. «طُوبَى لِلْأَنْقِيَاءِ ٱلْقَلْبِ». أي غير المشوبين بمحبة هذا العالم، بل محبتهم وتركيزهم عليه وحده. «طُوبَى لِلْأَنْقِيَاءِ ٱلْقَلْبِ، لِأَنَّهُمْ يُعَايِنُونَ ٱللهَ». ونسل كالب رجال ونساء قلوبهم تتبعه تمامًا. لا مساومة مع أمور العالم، ولا مساومة في قلب منقسم.
بل رجال ونساء يتبعونه في دراستهم، في المدرسة، في أي مهنة كانت، في وظيفتهم، في عملهم، في بيوتهم؛ إنهم أناس يعيشون في إثره، وما يقوله هو إرشادهم. وكتابهم المرجعي هو الكتاب المقدس، لا الإنسانية العلمانية التي تسود جزءًا كبيرًا من المجتمع. الإنسانية العلمانية هي أن يُجلس الإنسان نفسه على العرش. أتعلمون أن هناك شيئًا اسمه الإنسانية المسيحية؟ لا يزال الإنسان يُجلس نفسه على العرش، لكنهم يسمّونه الله.
إنهم يعبدون إلهًا وظيفته أن يباركهم؛ ويبقون هم مركز كونهم، مع أنهم مسيحيون. لكن هناك إنسانًا يتبع الله، إنسانًا تركيزه على الله وعلى مجده؛ هؤلاء هم نسل كالب. والأمر الثالث الذي لهم: قال الله: انظروا إلى عبدي كالب، لأن معه روحًا أخرى. فيلبي الأصحاح الثاني: «فَلْيَكُنْ فِيكُمْ هَذَا ٱلْفِكْرُ ٱلَّذِي فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ أَيْضًا».
إنهم أناس ذوو روح مختلفة، أناس يسلكون في مسيحية تسير عكس تيار الثقافة السائدة. ليست فيهم روح هذا العالم، بل روح المسيح، وهو يحيا من خلالهم. إنها روح مختلفة عمّا يحيط بهم. حين يتذمّر كل من حولهم، يكونون هم أناسًا يأتون بالسلام والشكر. وحين يكون كل ما حولهم اهتمامًا دنيويًا، يكونون هم الذين يعيشون للمسيح. لهم روح مختلفة.
وحين يكون كل ما حولهم سياسةً ومكائد، يكونون هم أهل استقامة، ليس لهم لسان ذو شعبتين حين يكلّم بعضهم بعضًا. وحين تنظر حولك إلى روح العالم، فالمسيحي السائر عكس التيار هو إنسان له روح مختلفة، روح معاكسة لتلك الروح. وحين تكون في جماعة من الناس وتسمعهم جميعًا يتكلمون عن أهدافهم في هذه الحياة وعن كل خططهم لها، يكون المسيحي السائر عكس التيار هو الإنسان الذي روحه أن أهدافه متمركزة في المسيح.
كان لي فرح، قبل ثمانية أسابيع، أن أقود رجل أعمال صينيًا شابًا إلى المسيح. دعوني أروي لكم القصة، وسأختصرها قدر ما أستطيع. كانت تسكن معنا بضع سنوات فتاة يابانية، فتاة رائعة لطيفة. كانت تعرف الرب، وإن كان إيمانها سطحيًا جدًا. بدأت تحضر كنيسة يابانية هنا في المدينة، ثم بدأت تعمل لدى رجل يملك أكشاك سوشي، حين تدخلون متاجر ثريفتي ترون أكشاك السوشي، ذلك الرجل يملكها، وهو مسيحي. شاب صيني صغير السن جدًا، اسمه فيكتور.
كان يتردّد على بيتنا كثيرًا لأنه وقع في حب هذه الفتاة اليابانية التي كانت موظفة عنده. أوصلها إلى البيت من العمل في اليوم الأول، وكان ذلك لطفًا كبيرًا من مديرها. وأوصلها في اليوم الثاني، فظنّت هي أن الأمر غريب بعض الشيء. وأوصلها في اليوم الثالث، فقلنا: مهلًا، ما الذي يجري هنا؟ وفي اليوم الرابع فهمنا الصورة. لكنها رجعت إلى اليابان، ثم عادت إلى هنا وسكنا معًا. وبالطبع لم نكن مسرورين بذلك كثيرًا، لكننا لم نستطع أن نتكلم في الأمر، وكانا يأتيان إلى بيتنا كثيرًا.
ثم حين كنا في أستراليا في السنة الماضية، راسلانا بالبريد الإلكتروني يسألان متى نعود، لأنهما يريدان أن يتزوجا ويريداننا أن نكون حاضرين. فأُعطينا الموعد، ورجعنا، وجاءا لرؤيتنا قبل أسبوعين من اليوم المحدد للعرس في فندق لوريل بوينت. وقالا: راعينا لا يريد أن يزوّجنا، الراعي الياباني. فقلت: ولماذا؟ فقالا: لأن فيكتور ليس مسيحيًا. فقلت: وأنا أيضًا ما كنت لأزوّجكما للسبب نفسه. كنت عائدًا لحضور عرسكما ظانًّا أن كل شيء قد رُتّب، لكنني ما كنت لأزوّجكما أنا أيضًا.
لا بد أن أقول عن فيكتور إنه لم يغضب من الراعي، بل تفهّم موقفه. لكنه قال: لا أستطيع أن أعطي قلبي ليسوع، لا أستطيع أن أصير مسيحيًا لمجرد أن أتزوجك. فقلت: حسنًا، هذه استقامة. لكنه قال: اسمع يا غاريث، أنا لا أعرف شيئًا عن المسيحية، فهل تعلّمني الكتاب المقدس؟ كان ينبغي أن أقول: دعني أصلّي بشأن هذا الأمر، لكن لا بد أن أعترف بأنه تأتي عليّ لحظات كهذه أكون فيها جسديًا بعض الشيء، فلم يستغرق الأمر مني أكثر من ثانية ونصف.
وهكذا التقيت به في الأسبوع التالي. لم يكن يعرف شيئًا على الإطلاق عن الكتاب المقدس، ولا يعرف الفرق بين العهد القديم والعهد الجديد، بل لم يكن يعرف حتى أن المسيحيين سُمّوا مسيحيين نسبة إلى المسيح؛ لا شيء. جاء إلى بيتي مساء الجمعة، وكانت زوجته قد اشترت له كتابًا مقدسًا جديدًا تمامًا، كتابًا دراسيًا ممتازًا حقًا. فخطّطت للأمر، وكتبت ملاحظات فيها خلاصة كاملة للعهد القديم: جنة عدن، والسقوط، وطرد آدم وحواء، وكيف يدعوهما الله للرجوع، وكيف يختار إبراهيم والشعب المختار، وكيف يأخذهم إلى البرية، وكل قصة الأنبياء الذين دعوهم للرجوع وكيف رفضوا هذا كله. لكنني وصلت إلى قصة الدم على قوائم الأبواب.
فقلت: يا فيكتور، أريدك أن تتذكر هذا. وأخبرته كيف كان الحمل يُذبح مرة في السنة، في يوم الكفّارة، يوم كيبور، ليغطّي خطاياهم سنة واحدة. ثم وصلت إلى ملاخي، آخر الأنبياء، وبعده تلك السنين الأربع مئة من الصمت، وكأن الله قد نفض يده. استغرقني هذا القدر خمسين دقيقة. فقلت: يا فيكتور، لو أراد الله أن يغطّي خطايانا إلى الأبد، فماذا كان عليه أن يفعل؟ فنظر إليّ هذا الشاب الصيني رجل الأعمال، الذي لم يكن يعرف شيئًا عن المسيحية، في وجهي مباشرة وقال هذه الكلمات: أظن أنه كان سيحتاج أن يجد حملًا كاملًا. أظن أنه كان سيحتاج أن يجد حملًا كاملًا.
فقلت: دعني أنتقل إلى النبي التالي، يوحنا المعمدان: «هُوَ ٱلَّذِي يَأْتِي بَعْدِي»، «لَسْتُ بِمُسْتَحِقٍّ أَنْ أَحُلَّ سُيُورَ حِذَائِهِ». ثم يرى يسوع مقبلًا، فيقول: «هُوَذَا حَمَلُ ٱللهِ»! فقفز فيكتور واقفًا وقال: الحمل الكامل! فقلت: أوه! فقال: لقد اقشعرّ بدني، يجب أن أعطي حياتي له. فقلت: مهلًا، مهلًا، مهلًا.
قال: أنا لا أبالغ. فقلت: مهلًا يا فيكتور، لا، الأمر ليس بهذه السهولة. لكنه قال: يجب أن أعطي حياتي له. إن كان قد مات لأجلي، فسأعطي حياتي لأجله، لقد غطّى خطاياي إلى الأبد. فقلت: نعم، نعم، نعم، لكن لا، مهلًا، مهلًا. أنا لا أؤمن بالإيمان السهل. أريدك يا فيكتور أن تستوعب هذا حقًا، أن تدرك ما يحدث. وبعد حين قلت أخيرًا: حسنًا، لنصلِّ.
أعطى حياته للمسيح. وطلبت منه أن يكتب في كتابه المقدس. لم يكن قد كتب اسمه فيه بعد. لكن أول ما كتبه في كتابه المقدس: اليوم، في يونيو، في يوم ما، العاشر على ما أذكر، أعطي حياتي ليسوع المسيح. وقلت له: حين تذهب إلى الكنيسة يوم الأحد، إلى الراعي الياباني، أريدك أن تخبره بما فعلت. ثم بقي للعشاء، وبعد ثلاث ساعات غادرا بيتي. فقلت لفيكتور: ماذا طلبت منك أن تفعل؟ قال: سأخبر راعيّ أنني أعطيت قلبي ليسوع، حياتي ليسوع. ثم سأسأله إن كان بإمكاني أن أخبر كل من في الكنيسة.
وفعل ذلك في الأحد التالي، بعد يومين. ألتقي بهما كل أسبوع، كليهما، لدراسة الكتاب المقدس. في الأسبوع الماضي التقيته، وكان قد افتتح للتو فرعًا جديدًا في دنكان. ولهذا أروي لكم هذه القصة الطويلة: الفرع ناجح جدًا، فقلت: الله يباركك، سترى إمبراطورية من هذه الفروع تنمو. فقال: لا، لا، أنا مسيحي الآن، ولي أهداف مختلفة. هذا رجل يعرف ما معنى أن تكون فيه روح مختلفة، لأن أهدافه الآن متركّزة على يسوع.
لقد صار مسيحيًا منذ شهرين، وقال: أنا إنسان مختلف. نسل كالب فيهم روح مختلفة. إنهم على خلاف روح العالم. لا يدعون العالم يصبّهم في قالبه، ولا يدعون العالم يضغط عليهم ليصيروا مثله. إنهم يعزمون أن يكونوا مختلفين، لأن فيهم روحًا مختلفة.
والأمر الرابع عن نسل كالب هو هذا: أن شبابهم يتجدّد. قال كالب: أنا ابن خمس وثمانين سنة، لكنني شابّ كما كنت قبل أربعين سنة، ولا تزال لي قوة الذراع التي كانت لي قبل خمس وأربعين سنة. لأن الله حفظني شابًا، جدّد شبابي. ويقول المرنّم إنه يجدّد مثل النسر شبابنا. في بيتي، إن جئتم يومًا إلى مكتبي، سترون هناك صورًا كثيرة للنسور. ومن نصوصي المفضلة ما جاء في سفر إشعياء حيث يقول: «وَأَمَّا مُنْتَظِرُو ٱلرَّبِّ فَيُجَدِّدُونَ قُوَّةً. يَرْفَعُونَ أَجْنِحَةً كَٱلنُّسُورِ».
كلمة «ينتظر» الرب لا علاقة لها بمسألة الوقت. ليست انتظارًا كما تنتظر الحافلة بصبر. معناها الحرفي: الذين يربطون حياتهم معًا. فكلمة الانتظار في العهد القديم، في سفر إشعياء، إن رجعت إليها في فهرس سترونغ، تتكلم عن ثلاثة خيوط تُجدل معًا لتصنع حبلًا. هذا هو الانتظار. ويسوع قال الشيء نفسه: إن ثبتّم فيّ وثبتُّ فيكم، فهذا هو الانتظار. والوعد هو: ستجدّدون مثل النسور شبابكم.
ووعدي، ونصّ حياتي، هو: يجدّد مثل النسر شبابي. لهذا أصعد إلى دراسة الكتاب المقدس في سامت كل أسبوع، ولهذا لا يزال قلبي شابًا، لأنني شغوف بالله. يجدّد مثل النسر شبابي. جسدي يعاني أحيانًا الأوجاع والآلام، لكن روحي لا تزال في الخامسة والثلاثين. أبناء كالب، نسل كالب، يتجدّد مثل النسر شبابهم. لماذا؟ لأنهم ينتظرون الرب. إنهم مرتبطون به ارتباطًا وثيقًا.
ثم هذه السمة في نسل كالب: قال كالب: أريد هذا الجبل، لست راضيًا بالسهول، أريد هذا الجبل. واسم الجبل حبرون، وكلمة حبرون معناها شركة. هذا رجل جائع إلى الشركة مع الله. هذا رجل لا يرضى بالسهول يتمتّع فيها ببركات الله، ولا حتى باللبن والعسل. لا يرضى بهذه الأمور؛ إنه يريد الشركة مع الله. لهذا يقضي وقتًا في محضر الله، ولهذا خلوته الصباحية مهمة له، لكي تكون له شركة مع الله على مرتفعات حبرون.
هل هذا يصفك؟ هل هذه الكلمات تصفك؟ هل أنت من نسل كالب؟ لأن نسل كالب وحدهم هم الذين سيرثون مواعيد الله. والأمر الأخير عن هذه السمة في نسل كالب هو هذا: إنهم يهزمون الجبابرة. لم يطلب حبرون لأن المنظر من قمتها رائع، بل طلب حبرون لأن الجبابرة يسكنون هناك. هذا ما أراده. أعطني الجبابرة، هاتهم يا رجل، هاتهم. ابن خمس وثمانين سنة، ولا يهمّني كم هم ضخام وأقوياء، أعطني الجبابرة. لماذا؟ لأن إلهي قادر أن يهزمهم.
إلهي الذي أسقط أسوار أريحا قادر أن يهزم الجبابرة. هل أنت قاتل جبابرة هذا الصباح؟ بالطبع، أشهر قاتل جبابرة في الكتاب المقدس هو داود. أتذكرون قصة داود وجليات؟ هل تعلمون أن داود كاد يموت، بعد ذلك ببضع سنين، على يد ابن عم لجليات؟ تذكّروا الاسم: يشبي بنوب. جاء الجبار يشبي بنوب، وكاد يقهر داود، لأن داود كان قد ضعف بسبب الخطية. الخطية تقهر دائمًا، والخطية تُضعف دائمًا. وفي حال ضعفه كاد الجبار يقتله، إلى أن جاء ابن أخته وأنقذه من الجبار.
لكن أبناء كالب، نسل كالب، أناس يهزمون الجبابرة. عندي هنا قصيدة كتبها أ. ب. سمبسون، ألبرت بنجامين سمبسون، الذي كان قائدًا، ورجلًا تقيًّا، وقائدًا عظيمًا في القرن التاسع عشر. سامحوني وأنا أقرأ لكم هذه القصيدة.
هناك عدوّ قوته الخفية
جدير بالمسيحي أن يخشاها،
أدهى بكثير من الخطية الكامنة فينا
وأعزّ منها على النفس.
إنها قوة الأنانية،
إنها الأنا العنيدة؛
وقبل أن يحيا ربي فيّ
لا بد أن تموت ذاتي نفسها.
هناك، مثل بني عناق قديمًا،
جنس من الجبابرة باقٍ إلى اليوم:
تمجيد الذات، والثقة بالذات،
وطلب الذات، وإرادة الذات.
ولا بد لهؤلاء العناقيين المتكبرين
أن يُصرعوا بسيف كالب،
قبل أن تبلغ أقدامنا الظافرة
مرتفعات حبرون، مرتفعات المحبة السماوية.
أنقذني يا رب الحبيب من إرادة الذات
التي تدّعي عرشك المقدس؛
أو اجعل إرادتي تذوب في إرادتك
ولتكن مشيئتك.
احفظني من الثقة بالذات
ومن الاكتفاء بالذات؛
دعني أستبدل قوتي بقوتك
وأتّكل عليك وحدك.
أنقذني يا رب من طلب الذات،
لا تدعني أكون لنفسي؛
آتي إليك ذبيحة حية،
فاحفظني يا رب لك وحدك.
ومن مجد الذات أنقذني يا رب،
ومن كبرياء المديح والشهرة؛
وليُعطَ المسيح كل الكرامة،
والمجد لاسمه.
يا يسوع، اقتل الذات فيّ
بأنفاسك الآكلة؛
أرني قلبك وجراحك وعارك،
وأحبب نفسي حتى الموت.
حين نزل لهيب الشكينة
لم يستطع حتى موسى أن يبقى؛
فليملأني مجدك الآن
ويقتل الذات إلى الأبد.
يا يسوع، تعال واسكن فيّ،
واسلك في خطواتي كل يوم؛
عش في حياتي، وأحبب في محبتي،
وتكلم في كل ما أقول.
فكّر في أفكاري، ولتكن كل أفعالي
أفعالك أنت؛
وهكذا لا أحيا بعد أنا،
بل المسيح يحيا فيّ.
جبابرة الذات: هل قتلت الجبابرة الذين فيك؟ هل أنت مستعد أن تواجههم، لكي تعرف تلك الشركة، تلك الشركة العذبة على قمة حبرون مع المخلّص؟ لا يدخل هناك إلا الذين هم مستعدون أن يغلبوا. ومع ذلك فقد بدأت بقولي إن كثيرين في الكنيسة اليوم راضون بالبرية. نحن نرنّم الترانيم فحسب، ترانيم كثيرة جاءت من ويلز، تتكلم عن أرض بعولة، و«على ضفاف الأردن العذبة أسير»، و«عبر الأردن»، وكنا دائمًا نفسّر ذلك بمعنى الموت، أي الدخول إلى السماء. لكن أترون؟ أرض الموعد لا تزال مكان معركة؛ إنها ليست السماء. إنها لا تزال مكانًا تسقط فيه أسوار أريحا.
اجتهدوا أن تدخلوا تلك الراحة
إنها لا تزال مكان الهزيمة عند عاي. لا تزال مكان اللبن والعسل والعنب، لكنها مكان الجبابرة، مكان المعركة والغلبة. هذه ليست السماء، بل هي الحياة الآن. وهذا ما ينبغي أن يكون هدف كل مسيحي: بعد أن خرجت من عبودية ماضيك الخاطئ، وعبرت معمودية البحر الأحمر، ورأيت أولئك المسخّرين يُقطعون عنك إلى الأبد، يريد الله أن يُدخلك أرض الموعد. لكن هل أنت راضٍ بالبقاء في البرية، مع المنّ والسلوى؟ أم أن لك شهية أكبر للجبال، وللجبابرة، وللشركة مع الله؟
يقول كاتب الرسالة إلى العبرانيين هذه الكلمات، وأنا أرويها بتصرّف، في الأصحاح الرابع: أولئك الناس لم يستطيعوا أن يدخلوا راحة الله بسبب عدم إيمانهم. ومع ذلك «بَقِيَتْ رَاحَةٌ لِشَعْبِ ٱللهِ». اليوم لا تقسّوا قلوبكم كما فعلوا هم، بل اجتهدوا أن تدخلوا تلك الراحة. إنه لا يتكلم عن السماء، بل عن الآن. ومن مآسي مذهب التدبيرية أنه علّمنا أننا نلنا كل شيء عند التجديد. لم يكن الأمر كذلك؛ لقد خرجنا من مصر عند التجديد. ونحن بحاجة أن ندخل أرض الموعد.
لقد ألحقت التدبيرية بالكنيسة ضررًا أكبر مما ألحقته بها الليبرالية؛ فالليبرالية أفقدتنا تركيزنا، أما التدبيرية فكلّفتنا قوّتنا. ونحن بحاجة أن نكون أناس قوة في الله، مستريحين في مواعيد الله. تعالوا إلى أريحا، وقفوا جانبًا، ودوروا حولها سبع مرات فقط، ودعوني أُسقط الأسوار، يقول الله. والكنيسة اليوم تحاول جاهدة، بجهودها الذاتية، أن تُسقط الأسوار، بدلًا من أن تدعه يُسقطها ونحن ثابتون فيه. آه، ليت الله يأتي من جديد إلى كنيسته. إنه يملك كنيسته، ويملك شعبه.
إنها كنيستي، هكذا يقول يسوع: «أَبْنِي كَنِيسَتِي». فلماذا نجاهد كل هذا الجهاد بجهودنا الذاتية لنبني كنيسته؟ نحن بحاجة أن ندخل راحته. في اليوم السابع استراح الله من جميع أعماله، وقد دعاك ودعاني أن ندخل راحته، حيث نكفّ عن جهودنا وأتعابنا الذاتية وندعه يعمل عمله، لأجل الذين كرّسوا أنفسهم له، الذين هم أبناء كالب.
ليت روح الله يكلّم كل واحد منا بهذه الكلمات هذا الصباح. وليخلق فيك عدم رضى بالسلوى والمنّ يجعلك تجوع إلى الله، فتعرف ما معنى أن تدخل إلى مواعيد الله، وأن تتمسك بمواعيد الله هذه، وتعرف شبابك متجدّدًا مثل النسر، وتريد أن ترتفع وتطالب بمرتفعات حبرون، حيث يمكن أن يُهزم الجبابرة. لا بقوتك أنت، بل بقوة الله الذي يقودك.
آمين؟ آمين.
Used by permission of Gareth Evans. Transcribed from his audio at SermonIndex.