نساء حرّكن السماء
كوري تن بوم — الصلاة في ظلّ معسكر الموت

فصل 7 · قراءة 4 د

كوري تن بوم — الصلاة في ظلّ معسكر الموت

مَن هي

وُلدت كورنيليا «كوري» تن بوم في 15 أبريل 1892 في أمستردام بهولندا، ونشأت في هارلم في كنف عائلة من صانعي الساعات اشتهرت في المدينة كلّها بإيمانها المسيحي وكرم ضيافتها. تدرّبت على صناعة الساعات، فصارت أوّل امرأة تحمل ترخيصًا في هذه الصنعة في هولندا، وعاشت حياة هادئة تقيّة إلى أن احتلّ النازيون هولندا. ومنذ عام 1942 تعاونت عائلة تن بوم مع المقاومة الهولندية السرّية على إخفاء لاجئين يهود، بعضهم في مخبأ سرّي خلف جدار زائف في غرفة نوم كوري؛ ويقدّر المتحف الذي يحفظ البيت اليوم أنّ شبكتهم أسهمت في إنقاذ نحو ثمانمئة شخص، أكثرهم في عناوين آمنة أخرى، إلى أن وُشي بالعائلة واعتُقل أفرادها عام 1944. ونُقلت كوري وأختها الحبيبة بيتسي إلى معسكر الاعتقال في رافنسبروك، حيث ماتت بيتسي في ديسمبر 1944. وفي أواخر ذلك الشهر أُطلق سراح كوري لأسباب لم تتّضح قطّ اتّضاحًا تامًّا (وقد صارت تعتقد لاحقًا أنّه كان خطأً إداريًّا)، وفي غضون أسابيع بدأ المعسكر يقتل المريضات والمسنّات بالغاز. ثم قضت أكثر من ثلاثة عقود تجول في أكثر من ستين بلدًا، تروي ما سمّته أعظم قصة في العالم: أنّه ما من حفرة مهما بلغ عمقها إلا ومحبة الله أعمق منها.

جوهر تعليمها عن الصلاة

لم يولد تعليم كوري تن بوم عن الصلاة في مكتبة، بل في عنبر موبوء بالبراغيث في رافنسبروك، معسكر الاعتقال النازي للنساء. وما اكتشفته في تلك الظروف كان حقيقة قضت بقية حياتها تشهد بها: أنّ الصلاة ليست ممارسة مرهونة بالظروف، وأنّ الإله الذي يلاقينا في الصلاة لا تُنقص ظلمةُ أحوالنا من حضوره ولا تُبعده عنّا. بل لقد وجدته في الظلمة أقرب إليها منه في النور.

وكما تروي كوري في المخبأ، كانت أختها بيتسي قد علّمتها، في ذلك العنبر، أن تشكر في كلّ شيء، حتى على البراغيث، التي اكتشفتا أنّها السبب في تجنّب الحرّاس مهجعهما، فاستمرّت قراءة الكتاب المقدّس واجتماعات الصلاة دون انقطاع. كانت هذه وصية بولس مأخوذة إلى أقصى حدودها الحرفية: «لَا تَهْتَمُّوا بِشَيْءٍ، بَلْ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِٱلصَّلَاةِ وَٱلدُّعَاءِ مَعَ ٱلشُّكْرِ، لِتُعْلَمْ طِلْبَاتُكُمْ لَدَى ٱللهِ. وَسَلَامُ ٱللهِ ٱلَّذِي يَفُوقُ كُلَّ عَقْلٍ، يَحْفَظُ قُلُوبَكُمْ وَأَفْكَارَكُمْ فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ» (فيلبي 4:6-7). فالسلام الذي وصفه بولس بأنّه يفوق كل عقل هو بعينه ما اختبرته كوري وبيتسي في رافنسبروك: سلام لا يستقيم في منطق العقل بالنظر إلى ظروفهما، ولذلك كان دليلًا لا يُنكر على حضور الله العامل.

وبعد إطلاق سراحها وانطلاق خدمتها في الوعظ حول العالم، عادت كوري مرارًا إلى تجربة المعسكر لتبني تعليمها عن الصلاة على أقوى دليل تملكه، دليل لا يُدحض: أنّها نجت. لقد سارت فيما سمّاه كاتب المزمور وادي ظل الموت — لا مجازًا بل حرفيًا — وكان الراعي هناك.

لم يكن المزمور 23:4 مجرّد شعر عند كوري تن بوم: «أَيْضًا إِذَا سِرْتُ فِي وَادِي ظِلِّ ٱلْمَوْتِ لَا أَخَافُ شَرًّا، لِأَنَّكَ أَنْتَ مَعِي. عَصَاكَ وَعُكَّازُكَ هُمَا يُعَزِّيَانِنِي» (مزمور 23:4). فالعصا والعكّاز عزّياها حين رُفعت أسلحة الحرّاس في وجهها.

لقد كانت هناك. وكانت تعرف.

ومن أقوى أبعاد حياة الصلاة عند كوري ممارستها أن تغفر، في الصلاة، لمن أساؤوا إليها، ومنهم الحارس الألماني الذي التقته بعد الحرب، وكان من سجّانيها في رافنسبروك، فطلب منها أن تسامحه. وقد كتبت عن تلك اللحظة بصدق يسبر الأعماق: لم تستطع أن تشعر بالغفران، لكنّها اختارت أن تعمل به، فمدّت يدها طاعةً لوصية المسيح، ثم اختبرت بعد ذلك دفء الغفران الحقيقي يغمرها. واستندت إلى وصية رسالة بطرس الأولى: «مُلْقِينَ كُلَّ هَمِّكُمْ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ هُوَ يَعْتَنِي بِكُمْ» (بطرس الأولى 5:7). فالصلاة عند كوري كانت فعل إلقاء وتسليم — للقلق والمرارة والخوف والحزن — بين يدي مَن قدرته على حمل ذلك كلّه أعظم من قدرتها بما لا يُقاس.

وقد شهدت طوال خدمتها بأنّ ما اكتشفته في معسكر الموت هو أنّه لا عمق للظلمة يستطيع أن يطفئ محبة الله أو أن يقطع صلاة قلب مسلِّم.

وكان هذا صيغتها الخاصة لإعلان بولس العظيم: «فَإِنِّي مُتَيَقِّنٌ أَنَّهُ لَا مَوْتَ وَلَا حَيَاةَ، وَلَا مَلَائِكَةَ وَلَا رُؤَسَاءَ وَلَا قُوَّاتِ، وَلَا أُمُورَ حَاضِرَةً وَلَا مُسْتَقْبَلَةً، وَلَا عُلْوَ وَلَا عُمْقَ، وَلَا خَلِيقَةَ أُخْرَى، تَقْدِرُ أَنْ تَفْصِلَنَا عَنْ مَحَبَّةِ ٱللهِ ٱلَّتِي فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا» (رومية 8:38-39). لقد امتحنت هذا الوعد في ظروف صُمّمت خصّيصًا لتدحضه. ولم يخِب.

وكان تشجيع كوري لمن يواجهون ظلمتهم الخاصة واحدًا لا يتغيّر: صلِّ الآن، في وسطها. لا تنتظر حتى تتحسّن الظروف. فالإله الذي لاقاها في رافنسبروك يلاقي أولاده حيثما كانوا. وكانت تحبّ وعد إشعياء: «وَأَمَّا مُنْتَظِرُو ٱلرَّبِّ فَيُجَدِّدُونَ قُوَّةً. يَرْفَعُونَ أَجْنِحَةً كَٱلنُّسُورِ. يَرْكُضُونَ وَلَا يَتْعَبُونَ. يَمْشُونَ وَلَا يُعْيُونَ» (إشعياء 40:31). وقد وجدته صادقًا في أسوأ مكان على الأرض، وقضت أكثر من ثلاثين سنة تنادي به لبقية العالم.

صلاة

يا رب، لقد لاقيتَ كوري في وادي الظلال، وأنت تعد بأن تلاقينا في وادينا. حين ترعبنا ظروفنا، ذكّرنا بأنك حاضر فيها قبلنا. وحين تهدّد المرارة بأن تتأصّل في قلوبنا، امنحنا النعمة لنلقيها بين يديك. علّمنا أن نصلّي صلاة الشكر حتى في عنابر حياتنا الموبوءة بالبراغيث، ودعنا نكتشف سلامك في الجانب الآخر. آمين.

صفحة 1 / 1 · 4 دقيقة متبقية في الفصل