صور من الشجاعة – ووتشمان ني
الحياة المسيحية العادية

فصل 7 · قراءة 18 د · استماع 23 د

الحياة المسيحية العادية

من الغفران إلى الاتحاد

من بين تعاليم ووتشمان ني الكثيرة، لم يبلغ تعليم مدى أبعد من الرسالة التي نشرت لاحقا بالإنجليزية بعنوان الحياة المسيحية العادية. فقد جمع الكتاب من عظات ألقاها ني، ولم يكتبه مخطوطة واحدة متصلة، لكن اللاهوت الذي يحمله يقع قريبا من قلب خدمته في نضجها. وهو يطرح سؤالا يواجهه كثير من المسيحيين المخلصين عاجلا أو آجلا: إن كان المسيح قد غفر خطاياي، فلماذا ما زلت أختبر كل هذا الضعف والهزيمة والاتكال على جهدي الذاتي؟

يبدأ جواب ني بالتمييز بين الخطايا والخاطئ، بين ما فعلناه وما نحن عليه في آدم. فدم المسيح يعالج الذنب، وصليب المسيح يعالج أيضا الإنسان العتيق. وليس القصد من هذا التمييز تقسيم عمل المسيح إلى خلاصين منفصلين، بل مساعدة المؤمنين على رؤية سعة العلاج الذي أعده الله.

يكتب بولس: «ٱللهَ بَيَّنَ مَحَبَّتَهُ لَنَا، لِأَنَّهُ وَنَحْنُ بَعْدُ خُطَاةٌ مَاتَ ٱلْمَسِيحُ لِأَجْلِنَا» (رومية 5:8). يبدأ الإنجيل بالنيابة: يسوع مات لأجلنا. فخطايانا لا يتغاضى عنها، بل تدان في موت آخر. والمؤمن يبرر بالنعمة بالإيمان.

لكن بولس يتقدم إلى ما بعد الغفران، فيعلن أن «إِنْسَانَنَا ٱلْعَتِيقَ قَدْ صُلِبَ مَعَهُ» (رومية 6:6). هنا يتغير حرف الجر فتتغير الزاوية كلها. فالمسيح لم يمت لأجلنا فحسب، بل يقال إن المؤمنين، في اتحاد يفوق الإدراك لكنه حقيقي، قد ماتوا معه.

رأى ني في هذا الباب المفضي إلى التقديس. فالله لا يكتفي بأن يغفر للحياة الآدمية القديمة ثم يأمرها بأن تقلد يسوع بنجاح أكبر، بل يضع المؤمن في المسيح. وما جرى للمسيح يصير حاسما لمن هم له.

المفتاح هو الاتحاد.

«إِنْ كُنَّا قَدْ صِرْنَا مُتَّحِدِينَ مَعَهُ بِشِبْهِ مَوْتِهِ، نَصِيرُ أَيْضًا بِقِيَامَتِهِ» (رومية 6:5). فليست المسيحية إذن مجرد تقليد أخلاقي عن بعد، بل هي مشاركة في حياة المسيح المقام.

الدم والصليب

كثيرا ما قابل ني بين الدم والصليب وسيلة للتعليم. فالدم يجيب عن مشكلة الذنب أمام الله، والصليب يجيب عن مشكلة الذات القديمة بوصفها مصدر الحياة الخاطئة.

لا شك أن الكتاب المقدس يعطي دم المسيح مكانة مركزية. «دَمُ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ ٱبْنِهِ يُطَهِّرُنَا مِنْ كُلِّ خَطِيَّةٍ» (يوحنا الأولى 1:7). «وَنَحْنُ مُتَبَرِّرُونَ ٱلْآنَ بِدَمِهِ نَخْلُصُ بِهِ مِنَ ٱلْغَضَبِ» (رومية 5:9). فسلام المؤمن مع الله لا يقوم على أداء روحي أحسن، بل على ذبيحة المسيح التي أكملها.

وكان لهذا أهمية رعوية عند ني. فالمسيحيون الذين ينظرون إلى أنفسهم باستمرار طلبا للطمأنينة لن يجدوا أبدا أساسا ثابتا. الدم يقدم لله، والإيمان يستريح إلى القيمة التي يعطيها الله لذبيحة ابنه.

ثم يعالج الصليب المسألة الأعمق، مسألة الذات. فالبشر لا يرتكبون خطايا منفصلة فحسب، بل ينتمون بطبيعتهم إلى بشرية آدم الساقطة. يقول بولس: «كَمَا بِمَعْصِيَةِ ٱلْإِنْسَانِ ٱلْوَاحِدِ جُعِلَ ٱلْكَثِيرُونَ خُطَاةً، هَكَذَا أَيْضًا بِإِطَاعَةِ ٱلْوَاحِدِ سَيُجْعَلُ ٱلْكَثِيرُونَ أَبْرَارًا» (رومية 5:19).

أراد ني أن يكف المؤمنون عن أن يطلبوا من الله مجرد تحسين آدم. فجواب الله نقل من عالم إلى عالم: من آدم إلى المسيح، ومن الموت إلى الحياة، ومن الجسد إلى الروح.

قد يصاغ هذا الإطار بحدة زائدة إذا أوحى بأن الكتاب المقدس نفسه يحصر «الدم» في الغفران و«الصليب» في الذات. فلغة الكتاب تتداخل أكثر مما يوحي به جدول لاهوتي مرتب. ومع ذلك تبقى بصيرة ني الرعوية ثمينة: فالإنجيل يعالج الذنب والعبودية معا. والمسيح ليس فقط من يمحو ديننا، بل هو الذي فيه تبدأ بشرية جديدة.

اعرف

نظم ني الأصحاح السادس من رومية حول عدة كلمات مفتاحية، أولاها: اعرف.

«عَالِمِينَ هَذَا: أَنَّ إِنْسَانَنَا ٱلْعَتِيقَ قَدْ صُلِبَ مَعَهُ» (رومية 6:6).

لا يبدأ بولس بأمر بأن نشعر بأننا أموات عن الخطية، بل بحقيقة علينا أن نعرفها. وقد شدد ني على هذا بلا هوادة: الاختبار المسيحي يجب أن يقوم على ما أنجزه الله، لا على حالة المؤمن العاطفية المتقلبة.

لنفترض أن مؤمنا استيقظ بعد يوم من الانتصار الروحي وهو يشعر بقربه من الله. قد يسهل عليه أن يصدق أنه «في المسيح». ثم يفشل في الصباح التالي، فيغضب، أو يسقط في تجربة، أو يشعر ببرود روحي. فإن كان اتحاده بالمسيح متوقفا على الاختبار، صعد لاهوته وهبط مع مزاجه.

أما بولس فيرتب الأمور ترتيبا آخر: الله عمل في المسيح، والمؤمن مدعو إلى أن يعرف ما عمله الله.

ولا يعني هذا أن الإدراك العقلي وحده يصنع التقديس. فقد يحفظ إنسان الأصحاح السادس من رومية عن ظهر قلب دون أن يعيش في الحرية. وقد استعمل ني لغة الإعلان ليصف اللحظة التي يصير فيها الحق الكتابي مرئيا روحيا. قد تبدو مصطلحاته صوفية، لكن فكرته المحورية بسيطة: هناك فرق بين ترديد عقيدة والاقتناع بها في الداخل.

يصلي بولس لكي تستنير عيون أذهان المؤمنين (أفسس 1:18). فالفهم الروحي يبقى فهما لحق معلن، لا معرفة سرية تتجاوز الكتاب المقدس. والروح القدس يمكن المؤمنين من أن يدركوا ما أعلنه الله ويقبلوه ويعيشوا فيه.

وهكذا تحمي كلمة «اعرف» التقديس من أن يصير برنامجا لتحسين الذات. فنحن نبدأ بتاريخ المسيح، لا بتاريخنا.

احسب

الكلمة المفتاحية الثانية هي: احسب.

«كَذَلِكَ أَنْتُمْ أَيْضًا ٱحْسِبُوا أَنْفُسَكُمْ أَمْوَاتًا عَنِ ٱلْخَطِيَّةِ، وَلَكِنْ أَحْيَاءً لِلهِ بِٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ» (رومية 6:11).

الحسبان هو استجابة الإيمان للحقيقة، وهو لا يصنعها. وقد أحب ني الأمثلة المأخوذة من المحاسبة: إن أودع مال حقا في حساب، جاز لصاحب الحساب أن يحسبه موجودا. أما الحسبان بلا إيداع فوهم، لكن رفض حسبان ما أعطي فعلا عدم إيمان.

وهذا التمييز جوهري. فبعض المسيحيين يسمعون «ٱحْسِبُوا أَنْفُسَكُمْ أَمْوَاتًا» فيحاولون إقناع أنفسهم بأن التجربة لم تعد موجودة. فإذا عادت التجربة استنتجوا أن العقيدة قد فشلت. لكن بولس لا يطلب من المؤمنين أن ينكروا اختبارهم، بل أن يعرفوا أنفسهم بالاتحاد بالمسيح لا بسيادة الخطية عليهم.

الخطية ما زالت حاضرة، لكنها لم تعد السيد الشرعي. «فَإِنَّ ٱلْخَطِيَّةَ لَنْ تَسُودَكُمْ، لِأَنَّكُمْ لَسْتُمْ تَحْتَ ٱلنَّامُوسِ بَلْ تَحْتَ ٱلنِّعْمَةِ» (رومية 6:14).

فالحسبان إذن ليس تظاهرا نفسيا، بل هو أن نتفق مع الله في حكمه على مقامنا الجديد في المسيح.

كان تشديد ني قويا على نحو خاص بالنسبة إلى المسيحيين العالقين في دوائر متكررة من العزم والفشل. يعدون بأن يجتهدوا أكثر، ثم يفشلون، فيعترفون، ويجددون تكريسهم، ويبدأون من جديد. وكل دورة تفترض ضمنا أن العزيمة الكافية ستنتج القداسة في النهاية.

أما الأصحاح السادس من رومية فيعلن نقطة انطلاق مختلفة. فالمؤمن لا يطلب منه أن يوطد علاقة العبد بسيده القديم، أي الخطية، بل أن يدرك أن قطيعة حاسمة قد حدثت في المسيح.

يقول الإيمان: أنا للمسيح. قد تغريني الخطية، لكنها لا تملكني. قد تشتكي علي مشاعري، لكنها لا تحدد مكانتي. فحياة القيامة التي ليسوع هي الآن المصدر الذي دعيت إلى أن أحيا منه.

قدّم

والحركة الثالثة هي: قدّم.

«وَلَا تُقَدِّمُوا أَعْضَاءَكُمْ آلَاتِ إِثْمٍ لِلْخَطِيَّةِ، بَلْ قَدِّمُوا ذَوَاتِكُمْ لِلهِ كَأَحْيَاءٍ مِنَ ٱلْأَمْوَاتِ» (رومية 6:13).

المعرفة والحسبان يقودان إلى التكريس. فالنعمة ليست سلبية. والمؤمن يقدم لله، بإرادة فاعلة، جسده وذهنه ووقته وماله وعلاقاته وطموحاته ومواهبه ومستقبله.

لاحظ الترتيب مرة أخرى: «كَأَحْيَاءٍ مِنَ ٱلْأَمْوَاتِ». نحن لا نقدم أنفسنا لكي نصير أحياء، بل نقدمها لأننا في المسيح أحياء.

وجد ني في هذا التسلسل تحريرا. فالتكريس ليس مساومة مع الله، كمن يقول: «إن أعطيتك ما يكفي، فلعلك تباركني». بل هو الاستجابة المعقولة من إنسان مفدى.

ويستعمل الأصحاح الثاني عشر من رومية لغة مشابهة: «أَنْ تُقَدِّمُوا أَجْسَادَكُمْ ذَبِيحَةً حَيَّةً مُقَدَّسَةً مَرْضِيَّةً عِنْدَ ٱللهِ» (رومية 12:1). فالجسد الذي كان يخدم الذات صار الآن موضوعا تحت تصرف الله.

ولهذا عواقب عملية. فاللسان الذي سلم لله لا يمكن أن يترك للنميمة باستخفاف. والحياة الجنسية التي سلمت لله لا يمكن أن تعامل كملك خاص. والحساب المصرفي الذي سلم لله لا يمكن أن تحكمه الشهوة وحدها. والمهنة التي سلمت لله لا يمكن أن تعفى من الطاعة. والخدمة التي سلمت لله لا يمكن أن تصير ملكا للخادم.

كان ني يتكلم أحيانا بعبارات مطلقة لأنه اعتقد أن التسليم الجزئي متناقض في ذاته. فإن كان المسيح ربا، فلا توجد غرفة تخصنا نحن بطبيعتها.

ويجب أن يبقى هذا التعليم متأصلا في النعمة. فالتكريس ليس تقدمة بطولية نبهر بها الله. نحن نقدم ما قد اشتري من قبل. يكتب بولس: «لَسْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ… لِأَنَّكُمْ قَدِ ٱشْتُرِيتُمْ بِثَمَنٍ» (كورنثوس الأولى 6:19-20).

فالمنطق هنا هو الملكية بالفداء.

فشل الإرادة

يحاول مؤمنون كثيرون بلوغ القداسة بقوة الإرادة أساسا. ولم ينكر ني أهمية الإرادة، فالكتاب المقدس يأمر باتخاذ قرارات. لكن اعتراضه كان على معاملة الإرادة كأنها مصدر الحياة الروحية.

يصور الأصحاح السابع من رومية إحباط الرغبة الصادقة التي تفتقر إلى القوة الكافية: «لِأَنِّي لَسْتُ أَفْعَلُ ٱلصَّالِحَ ٱلَّذِي أُرِيدُهُ، بَلِ ٱلشَّرَّ ٱلَّذِي لَسْتُ أُرِيدُهُ فَإِيَّاهُ أَفْعَلُ» (رومية 7:19).

المتكلم هنا ليس غير مبال أخلاقيا. إنه يريد الصلاح، لكن الإرادة وحدها لا تحرره.

رأى ني في رومية 7 مؤمنا يكتشف إفلاس الاتكال على الذات. فالناموس مقدس، لكنه لا يمنح قوة. يمكنه أن يكشف كيف يبدو البر، بينما يفضح عجز الجسد عن إنتاجه.

ثم تأتي الصرخة: «وَيْحِي أَنَا ٱلْإِنْسَانُ ٱلشَّقِيُّ! مَنْ يُنْقِذُنِي مِنْ جَسَدِ هَذَا ٱلْمَوْتِ؟» (رومية 7:24).

أحب ني صيغة السؤال. فهو ليس «أي أسلوب؟» ولا «أي قاعدة؟» بل «من؟». والجواب شخصي: «أَشْكُرُ ٱللهَ بِيَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ رَبِّنَا» (رومية 7:25).

وقد ظل السؤال عما إذا كان رومية 7 يصف حال بولس قبل إيمانه، أو مؤمنا تحت الناموس، أو الصراع المستمر في الاختبار المسيحي، موضع جدل قرونا طويلة. وتفسير ني واحد من تفاسير عدة. لكن تطبيقه يبقى قويا: النصرة الروحية توجد في المسيح، لا في الإرادة المستقلة عنه.

الإرادة تتعاون مع النعمة، لكنها لا تصنعها.

ناموس روح الحياة

يقدم الأصحاح الثامن من رومية ما عده ني قوة حاكمة جديدة.

«لِأَنَّ نَامُوسَ رُوحِ ٱلْحَيَاةِ فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ قَدْ أَعْتَقَنِي مِنْ نَامُوسِ ٱلْخَطِيَّةِ وَٱلْمَوْتِ» (رومية 8:2).

كثيرا ما شرح ني «الناموس» بأنه مبدأ ثابت. فالجاذبية تعمل دون جهد واع متواصل. وفي المجال الأخلاقي، يبدو ناموس الخطية مثابرا على النحو نفسه: إن تركنا لأنفسنا، شدتنا النزعات الساقطة إلى أسفل. لكن في المسيح يعمل ناموس آخر، هو روح الحياة.

ليست الصورة دقيقة علميا، لكنها موحية روحيا. فالطائرة لا تلغي الجاذبية، بل تمكنها مجموعة أخرى من القوى من الطيران. وفي الحياة المسيحية، لا يجعل الروح القدس الضعف البشري يختفي، بل يمد بقوة ليست من طبيعة الجسد.

ويتابع بولس: «لِأَنَّ كُلَّ ٱلَّذِينَ يَنْقَادُونَ بِرُوحِ ٱللهِ، فَأُولَئِكَ هُمْ أَبْنَاءُ ٱللهِ» (رومية 8:14). فالحياة المسيحية إذن ليست مجرد عيش بحسب مبادئ تعلمناها من يسوع، بل هي حياة اتكال فاعل على الروح الساكن فينا.

وهذا الاتكال علاقة حية. فالروح يشهد أننا أولاد، ويعين في الضعف، ويشفع، وينتج حياة المسيح.

قد يصير تعليم ني عن الروح شديد التحليل أحيانا في كتاباته اللاحقة، ولا سيما حين يميز بين الروح والنفس والجسد. لكن كتاب الحياة المسيحية العادية يبلغ أقوى حالاته حين يبقى بسيطا: لم يترك الله المؤمن وحده ليعيد إنتاج المسيح. روح المسيح يسكن في المؤمن.

المسيح حياتنا

يمكن تلخيص قلب روحانية ني في عبارة بولس: «ٱلْمَسِيحُ حَيَاتُنَا» (كولوسي 3:4).

الحياة المسيحية العادية ليست المسيح مضافا إليه ذات دينية متطورة، بل هي المسيح بوصفه المصدر.

كثيرا ما طبق ني هذا على الفضائل. فالمؤمن يطلب من الله الصبر ويحاول أن يصير صبورا، أما ني فيعيد توجيه السؤال: المسيح نفسه هو صبرنا. والمؤمن يطلب النصرة كأنها سلعة، أما ني فيقول إن النصرة توجد في المنتصر.

يكتب بولس أن المسيح يسوع هو «ٱلَّذِي صَارَ لَنَا حِكْمَةً مِنَ ٱللهِ وَبِرًّا وَقَدَاسَةً وَفِدَاءً» (كورنثوس الأولى 1:30). فاللغة شخصية. والله لا يوزع موارد روحية مجردة، بل يعطي المسيح.

وهذا التشديد يحمي المسيحية من التفتت. فقد نحول النمو الروحي إلى مجموعة من التقنيات: أسلوب للغضب، وآخر للقلق، وآخر للصلاة، وآخر للتجربة. الحكمة العملية مهمة، لكن ني يعود دائما إلى المركز. لا تقنية تغني عن الثبات في المسيح.

قال يسوع: «اُثْبُتُوا فِيَّ وَأَنَا فِيكُمْ. كَمَا أَنَّ ٱلْغُصْنَ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَأْتِيَ بِثَمَرٍ مِنْ ذَاتِهِ إِنْ لَمْ يَثْبُتْ فِي ٱلْكَرْمَةِ، كَذَلِكَ أَنْتُمْ أَيْضًا إِنْ لَمْ تَثْبُتُوا فِيَّ» (يوحنا 15:4).

الغصن لا ينتج العنب بتركيز بطولي. فالثمر يأتي من حياة مشتركة.

ولا يجعل هذا التداريب الروحية غير ضرورية. فالصلاة والكتاب المقدس والشركة والاعتراف والطاعة والصوم والعبادة والخدمة وسائط بها ينتبه المؤمنون إلى الله ويستجيبون له. لكنها ليست آلات تنتج الحياة. الحياة هي المسيح.

الصليب والجهد الذاتي

ذهب لاهوت الصليب عند ني إلى أبعد من النصرة على الخطايا الظاهرة. فقد رأى في الجهد الذاتي في الخدمة الدينية مشكلة أعمق. فالجسد يستطيع أن يعظ وينظم ويقود ويضحي ويبدو روحيا.

يسأل بولس أهل غلاطية: «أَبَعْدَمَا ٱبْتَدَأْتُمْ بِٱلرُّوحِ تُكَمَّلُونَ ٱلْآنَ بِٱلْجَسَدِ؟» (غلاطية 3:3). لم يكن الخطر أنهم تركوا المسيحية إلى الفجور، بل أنهم حاولوا أن يكملوا بالجسد ما بدأه الله بالروح.

ولا يزال هذا السؤال معاصرا على نحو مؤلم. فقد تبدأ الكنائس بالصلاة وتنتهي بالتقنية. وقد يبدأ القادة بالدعوة ثم تتحكم فيهم الأرقام والمقاييس. وقد يبدأ المؤمن بالاتكال على المسيح ثم يحول التداريب الروحية شيئا فشيئا إلى نظام لإثبات الذات.

آمن ني بأن الصليب يكشف باستمرار الذات المستقلة. وليس هذا دعوة إلى احتقار الشخصية أو الكفاءة أو التخطيط، بل دعوة إلى رفض الاستقلال بوصفه المصدر الحاكم.

قال يسوع نفسه: «بِدُونِي لَا تَقْدِرُونَ أَنْ تَفْعَلُوا شَيْئًا» (يوحنا 15:5). والعبارة مذهلة، لأن التلاميذ كانوا قادرين بوضوح على أنشطة كثيرة: كانوا يمشون ويتكلمون وينظمون ويتخذون قرارات. لكن «شَيْئًا» هنا تعني لا شيء من الإثمار الروحي الباقي بمعزل عن الاتحاد بالمسيح.

والجهد الذاتي خادع على نحو خاص حين ينجح. فالفشل قد يدفعنا إلى الله، أما النجاح فقد يقنعنا بأننا لم نعد نحتاج إليه.

الصليب يحفظ الخدمة مسكينة بالروح.

الموضوعي والذاتي

من التمييزات النافعة عند ني التمييز بين عمل المسيح الموضوعي وعمل الروح القدس الذاتي. فموضوعيا، مات المسيح وقام وصعد وأتم الفداء. وذاتيا، يجعل الروح حقيقة المسيح فاعلة في اختبار المؤمن.

إن شددنا على الموضوعي وحده، قد تصير المسيحية عقيدة صحيحة لا يرافقها إلا قليل من التغيير. وإن شددنا على الاختبار الذاتي بلا أساس موضوعي، صارت الروحانية مضطربة وعرضة للوهم.

أما بولس فيمسك بالاثنين معا. فقوله: «إِذًا لَا شَيْءَ مِنَ ٱلدَّيْنُونَةِ ٱلْآنَ عَلَى ٱلَّذِينَ هُمْ فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ» (رومية 8:1) طمأنينة موضوعية. ومع ذلك يقول الأصحاح نفسه: «إِنْ كُنْتُمْ بِٱلرُّوحِ تُمِيتُونَ أَعْمَالَ ٱلْجَسَدِ فَسَتَحْيَوْنَ» (رومية 8:13)، واصفا تغييرا اختباريا فاعلا.

وأفضل تعليم ني يحفظ الحقيقة والاختبار في ترتيبهما الصحيح. فنحن لا نبلغ مقاما بالاختبار، بل نختبر ما أعطتنا إياه النعمة.

وهذا الترتيب حاسم حين تناقض المشاعر الإيمان. فقد يشعر المؤمن بالدينونة، لكن رومية 8:1 يبقى صادقا في المسيح. وقد يشعر بالاستعباد، لكن رومية 6 يعلن سيادة جديدة. وقد يشعر بأنه متروك، لكن الروح يشهد بالتبني.

الإيمان لا ينكر المشاعر، لكنه يرفض أن يجلسها على العرش.

التجربة وحضور الخطية

افترض بعض قراء تعليم النصرة أن على المسيحي الناضج أن يبلغ حالة تختفي فيها التجربة إلى حد كبير. وقد تقرأ لغة ني أحيانا في هذا الاتجاه، لكن العهد الجديد يقدم صورة أكثر رصانة.

يحذر بولس المؤمنين: «مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ قَائِمٌ، فَلْيَنْظُرْ أَنْ لَا يَسْقُطَ» (كورنثوس الأولى 10:12). ويقول بطرس: «اُصْحُوا وَٱسْهَرُوا. لِأَنَّ إِبْلِيسَ خَصْمَكُمْ كَأَسَدٍ زَائِرٍ، يَجُولُ مُلْتَمِسًا مَنْ يَبْتَلِعُهُ هُوَ» (بطرس الأولى 5:8). ويعلم يعقوب المسيحيين كيف يتصرفون متى جربوا، لا في حال صارت التجربة ممكنة نظريا.

التحرر من سيادة الخطية لا يعني التحرر من حضورها. فهوية المؤمن القديمة في آدم قد دينت، لكن الجسد يبقى ساحة صراع حاضرة إلى أن يتمجد المؤمن.

ويمكن الحفاظ على تشديد ني على الحسبان دون الوقوع في الكمالية: فالمسيحي يواجه التجربة من مقام جديد، وليس ملزما بأن يطيعها.

يأمر بولس: «ٱسْلُكُوا بِٱلرُّوحِ فَلَا تُكَمِّلُوا شَهْوَةَ ٱلْجَسَدِ» (غلاطية 5:16). والسلوك فعل متواصل، والاتكال لحظة بلحظة.

فالنصرة إذن ليست مقتنى روحيا يخزن مستقلا. والمؤمن لا يتخرج أبدا من المسيح. واتكال الأمس لا يمكن إيداعه رصيدا من القوة المستقلة لليوم.

وهذا أحد أسباب بقاء الحياة المسيحية متواضعة: كل ساعة تعيدنا إلى النعمة.

النعمة والمسؤولية

أسيء أحيانا فهم لغة ني عن «الاستراحة فيما عمله الله» على أنها هدوئية سلبية، كأن على المؤمنين أن ينتظروا بسلبية أن يعمل المسيح بينما لا يتخذون هم أي قرار متعمد. لكن العهد الجديد يجمع بين النعمة والجهد على نحو يقاوم هذا الفصل.

يقول بولس: «أَنَا تَعِبْتُ أَكْثَرَ مِنْهُمْ جَمِيعِهِمْ. وَلَكِنْ لَا أَنَا، بَلْ نِعْمَةُ ٱللهِ ٱلَّتِي مَعِي» (كورنثوس الأولى 15:10). لقد تعب، لكن النعمة كانت المصدر.

ويكتب إلى أهل فيلبي: «تَمِّمُوا خَلَاصَكُمْ بِخَوْفٍ وَرِعْدَةٍ، لِأَنَّ ٱللهَ هُوَ ٱلْعَامِلُ فِيكُمْ أَنْ تُرِيدُوا وَأَنْ تَعْمَلُوا مِنْ أَجْلِ ٱلْمَسَرَّةِ» (فيلبي 2:12-13). فعمل الله في الداخل هو أساس استجابة الإنسان.

فالصيغة الناضجة لتعليم ني ليست «لا تفعل شيئا»، بل «لا تفعل شيئا مستقلا». أطع، لكن من الإيمان. قاوم الخطية، لكن من الاتحاد بالمسيح. اخدم، لكن من إمداد الروح. أدب الجسد، لكن لا تتكل على الانضباط كأنه مخلص.

وهذا التوازن صعب لأن البشر يفضلون إما السيطرة وإما السلبية. أما النعمة فتدعونا إلى اتكال فاعل.

الحياة العادية هي المسيح

لماذا تسمى هذه الحياة المسيحية العادية، بينما يختبر مؤمنون كثيرون ما هو أقل منها؟ استعمل ني كلمة «العادية» لا لينكر الصراع، بل ليصف مقياس الحياة المعلن في العهد الجديد. فالهزيمة والاتكال على الذات والفقر الروحي قد تكون شائعة، لكنها ليست المقياس المقصود للوجود المسيحي.

والحياة العادية ليست استعراضية. ليست نشوة دائمة، ولا قوة معجزية، ولا نجاحا علنيا. إنها المسيح متجليا في طاعة يومية بسيطة.

إنها تبدو هكذا: غفران حين نظلم. طهارة حين تكون التجربة في متناول اليد. سخاء حين لا يرى أحد. صلاة حين يشتد القلق. شجاعة حين تكلف الطاعة. تواضع حين نمدح. توبة حين نخطئ. محبة لمن يصعب حبهم. أمانة في الخدمة الخفية.

عبارة بولس العظيمة ليست مسرحية ولا غامضة: «لِأَنَّ لِيَ ٱلْحَيَاةَ هِيَ ٱلْمَسِيحُ» (فيلبي 1:21).

إسهام ني الباقي أنه يسأل هل اختزل المسيحيون الإنجيل إلى غفران مضافا إليه جهد أخلاقي. فإن كان الأمر كذلك، فإن رومية 5-8 ينتظر كأرض لم تكتشف بعد.

المسيح مات لأجلنا. ونحن متنا مع المسيح. ونحن أحياء لله فيه. والروح يسكن في داخلنا. ونحن نقدم أنفسنا لأننا ملك لآخر. ونسلك لا بموارد الجسد بل بحياة المسيح.

أعمق حاجة للمؤمن ليست نسخة أقوى من ذاته، بل رؤية أوضح للمسيح واتكال أكمل عليه.

وذلك المسيح نفسه، كما سيعلم ني من رسالة أفسس، ليس الحياة الداخلية للمؤمن فحسب، بل هو الذي فيه أجلست الكنيسة في السماويات. فقبل أن يتعلم المسيحي أن يمشي أو أن يقف، عليه أن يتعلم أن يجلس.

رومية 5: بشريتان

يستند تعليم ني عن التقديس جزئيا إلى المقابلة التي يعقدها بولس بين آدم والمسيح. «كَمَا فِي آدَمَ يَمُوتُ ٱلْجَمِيعُ، هَكَذَا فِي ٱلْمَسِيحِ سَيُحْيَا ٱلْجَمِيعُ» (كورنثوس الأولى 15:22). ويطور رومية 5 المنطق الجماعي نفسه.

قد تجعل الفردانية الغربية الخلاص يبدو كأنه إصلاح يجريه الله لأشخاص منعزلين. أما بولس فيصف بشريتين تحت رأسين نائبين. فمعصية آدم تفتح ملك الخطية والموت، وطاعة المسيح تفتح ملك النعمة والحياة.

وهذا يعطي عبارة «في المسيح» أهمية هائلة. فهوية المؤمن ليست مجرد آدم مغفور له يحاول من جديد. إنه ينتمي إلى البشرية الجديدة التي رأسها المسيح.

ويصير تعليم ني أقل صوفية حين يوضع داخل هذا الإطار البولسي. فالاتحاد بالمسيح ليس اندماجا نفسيا، بل مشاركة عهدية وروحية وجماعية في الرب المقام.

الحسبان والصحة النفسية

لغة ني عن الحسبان محررة حين تؤسس الهوية في المسيح. لكنها قد تصير مؤذية إن استعملها مؤمن لينكر الصدمات النفسية أو الاكتئاب أو الأفكار الوسواسية أو حدود الجسد.

«ٱحْسِبُوا أَنْفُسَكُمْ أَمْوَاتًا عَنِ ٱلْخَطِيَّةِ» لا تعني «تظاهر بأن الألم غير حقيقي». فالمسيحية لا تتطلب تزييف المشاعر.

وبولس نفسه استطاع أن يقول: «أَيِسْنَا مِنَ ٱلْحَيَاةِ أَيْضًا» (كورنثوس الثانية 1:8)، بينما ظل يثق بالله. فالإيمان والضيق النفسي قد يجتمعان.

والتطبيق الناضج يميز بين الهوية الروحية والحال البشرية. فقد أكون في المسيح وأحتاج مع ذلك إلى إرشاد نفسي، أو رعاية طبية، أو نوم، أو معالجة للحزن، أو مصالحة، أو تغيير عملي.

والنعمة لا تهددها وسائل العون المخلوقة.

مكان الانضباط

لأن ني شدد على النعمة في مقابل الجهد الذاتي، قد يتساءل القراء أين يقع الانضباط. ويجيب بولس بالجمع بين النعمة والتدريب.

«أَقْمَعُ جَسَدِي وَأَسْتَعْبِدُهُ» (كورنثوس الأولى 9:27). «رَوِّضْ نَفْسَكَ لِلتَّقْوَى» (تيموثاوس الأولى 4:7).

يصير الانضباط ناموسيا حين يستعمل لكسب القبول أو لصنع تفوق روحي، ويصير وسيلة للنعمة حين يمارس انطلاقا من القبول.

فالمؤمن الجالس يستطيع أن يلتزم نظاما للصلاة، ويحفظ آيات من الكتاب، ويصوم، ويضع ميزانية، ويتجنب البيئات المغرية، ويرسخ عادات، لأنه تحديدا لا يحاول أن يخلص نفسه.

النعمة تدرب الجهد بدلا من أن تلغيه.

رومية 5-8 خريطة للإنقاذ

صار شرح ني لرسالة رومية من أكثر أجزاء إرثه العالمي تأثيرا، لأنه قرأ هذه الأصحاحات حركة من الذنب إلى الحرية. وتكمن قوة هذه القراءة في طريقة تمييزها بين عدة مشكلات كثيرا ما يدمجها المسيحيون في مشكلة واحدة.

يركز رومية 1-5 على الخطايا والتبرير. فالبشرية تقف مذنبة أمام الله، والجواب هو دم المسيح وبره. «وَنَحْنُ مُتَبَرِّرُونَ ٱلْآنَ بِدَمِهِ نَخْلُصُ بِهِ مِنَ ٱلْغَضَبِ» (رومية 5:9). فالغفران يعالج ما فعلناه.

ثم يوسع رومية 5 الإطار من الأفعال الفردية إلى الهوية الجماعية. فالبشرية ترى في آدم وفي المسيح. «كَمَا بِمَعْصِيَةِ ٱلْإِنْسَانِ ٱلْوَاحِدِ جُعِلَ ٱلْكَثِيرُونَ خُطَاةً، هَكَذَا أَيْضًا بِإِطَاعَةِ ٱلْوَاحِدِ سَيُجْعَلُ ٱلْكَثِيرُونَ أَبْرَارًا» (رومية 5:19). ورأى ني هنا تغييرا للتاريخ. فالخلاص ليس آدم وقد تحسن، بل هو انتقال إلى المسيح.

ويطبق رومية 6 ذلك الاتحاد على سيادة الخطية. «نَحْنُ ٱلَّذِينَ مُتْنَا عَنِ ٱلْخَطِيَّةِ، كَيْفَ نَعِيشُ بَعْدُ فِيهَا؟» (رومية 6:2). وقد شدد ني على صيغة الخبر قبل صيغة الأمر. فبولس لا يبدأ بأن يقول للمؤمنين أن يجتهدوا أكثر في الموت، بل يخبرهم بما حدث في الاتحاد بالمسيح. ثم يؤمرون بأن يحسبوا الحقيقة قائمة وأن يقدموا أنفسهم لله.

صارت لغة الحسبان مركزية عند ني. والحسبان ليس خيالا. فإن كان في الحساب المصرفي مال حقا، فالحسبان يعني معاملة الرصيد كأمر واقع. والإيمان لا يصنع الإيداع. وكذلك، بحسب ني، لا يصلب الإيمان الإنسان العتيق؛ فالله قد عمل في المسيح، والإيمان يوافق على حكم الله.

غير أن رومية 7 يمنع فهما انتصاريا مغلوطا. فالمؤمن الذي يعرف صلاح الناموس قد يكتشف مع ذلك عجزا مؤلما: «لِأَنِّي لَسْتُ أَفْعَلُ ٱلصَّالِحَ ٱلَّذِي أُرِيدُهُ، بَلِ ٱلشَّرَّ ٱلَّذِي لَسْتُ أُرِيدُهُ فَإِيَّاهُ أَفْعَلُ» (رومية 7:19). وقد سمع ني في هذا الصراع انهيار الثقة بالذات. فضمير المتكلم المتكرر يبلغ الصرخة: «وَيْحِي أَنَا ٱلْإِنْسَانُ ٱلشَّقِيُّ! مَنْ يُنْقِذُنِي مِنْ جَسَدِ هَذَا ٱلْمَوْتِ؟» (رومية 7:24).

وصيغة السؤال مهمة: من، لا ماذا. فالإنقاذ ليس في النهاية أسلوبا. «أَشْكُرُ ٱللهَ بِيَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ رَبِّنَا» (رومية 7:25).

ثم يقدم رومية 8 ناموس روح الحياة. «لِأَنَّ نَامُوسَ رُوحِ ٱلْحَيَاةِ فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ قَدْ أَعْتَقَنِي مِنْ نَامُوسِ ٱلْخَطِيَّةِ وَٱلْمَوْتِ» (رومية 8:2). وأحب ني صورة ناموس أعلى يغلب ناموسا أدنى. فالجاذبية تبقى حقيقية، لكن قوة الرفع الهوائية تستطيع أن تتغلب على أثرها في الطيران. والخطية تبقى قوة معادية، لكن الروح الساكن يضع المؤمن تحت مبدأ حاكم جديد.

وللتشبيه حدود. فالتقديس المسيحي شخصي وعلائقي وأخلاقي، لا آلي. والروح ليس قوة غير شخصية تنشط تلقائيا بتقنية ما. ويصف بولس المؤمنين وهم يهتمون بما للروح، ويميتون أعمال الجسد بالروح، ويصرخون: «يَا أَبَا ٱلْآبُ»، ويتألمون مع المسيح، ويرجون، ويصلون، ويتشكلون على صورة الابن. فرومية 8 أغنى من أن يكون معادلة للنصرة.

وهذا السياق الأوسع يصحح قراءتين خاطئتين محتملتين لتعليم ني. أولا، الاتحاد بالمسيح لا يعني أن المسيحيين الناضجين يكفون عن اختبار التجربة أو الصراع الداخلي. ثانيا، الاستراحة في المسيح لا تعني السلبية. فبولس يأمر بالتقديم الفاعل، ورفض ملك الخطية، والإماتة بقوة الروح، والرجاء المثابر.

كان إسهام ني الباقي أنه قال للمسيحيين المنهكين إن التقديس لا يبدأ بثقة أكبر بأنفسهم، بل برؤية ما عمله الله في المسيح. فالمؤمن يحارب انطلاقا من هوية جديدة، لا لكي يحصل عليها. والانضباط والاعتراف والجماعة والمقاومة العملية للتجربة كلها مهمة، لكن لا شيء منها يصير هو المخلص.

وغاية رومية 8 ليست مجرد نصرة شخصية، بل المشابهة للمسيح: فالذين سبق الله فعرفهم «سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ لِيَكُونُوا مُشَابِهِينَ صُورَةَ ٱبْنِهِ» (رومية 8:29). والحياة المسيحية العادية، في أعمق معانيها، ليست حياة ينبهر فيها المؤمن بنجاحه الروحي، بل حياة يصير فيها الابن ظاهرا أكثر فأكثر.

صفحة 1 / 1 · 18 دقيقة متبقية في الفصل
السابق التالي