فصل 4 · قراءة 14 د
القسم الأول
الحياة غير المشبَعة وعلاجها
نشيد الأنشاد 1:2 إلى 2:7
لا صعوبة في أن نتبيّن أن العروس هي المتكلمة في الأعداد 2-7. فهذه ليست كلمات نفس ميتة بِٱلذُّنُوبِ وَٱلْخَطَايَا، يكون الرب في نظرها كَعِرْقٍ مِنْ أَرْضٍ يَابِسَةٍ—لَا صُورَةَ لَهُ وَلَا جَمَالَ. فالمتكلمة قد انفتحت عيناها لتبصر جماله، وهي تتوق إلى تمتّع أوفر بمحبته.
لِيُقَبِّلْنِي بِقُبْلَاتِ فَمِهِ،
لِأَنَّ حُبَّكَ أَطْيَبُ مِنَ ٱلْخَمْرِ.
وحسنٌ أن يكون الأمر كذلك، فهو يَسِم مرحلة واضحة في نموّ حياة النعمة في النفس. وهذا الاختبار المدوَّن يمنح، إن جاز القول، تفويضًا إلهيًا للرغبة في إعلانات محسوسة لحضوره، وفي فيض محسوس من محبته. لم يكن الأمر هكذا معها دائمًا. فقد كانت يومًا راضية بغيابه، تكفيها صحبة أخرى وأشغال أخرى؛ أما الآن فلا يمكن أن يعود الأمر كذلك أبدًا. لن يعود العالم لها ما كان عليه من قبل؛ فالعروس المخطوبة قد تعلّمت أن تحب ربها، ولا صحبة غير صحبته تقدر أن تُشبعها. قد تكون زياراته متقطعة، وقد تكون قصيرة؛ لكنها أوقات متعة ثمينة. تعتز بذكراها في الفترات التي بينها، وتشتاق إلى تكرارها. لا شبع حقيقيًا في غيابه، ومع ذلك، وا أسفاه! ليس هو معها دائمًا: يأتي ويمضي. فتارة يكون فرحها به سماءً على الأرض، وتارة أخرى تشتاق إلى حضوره، وتشتاق عبثًا. وكالمدّ الذي لا يكفّ عن التبدّل، يتعاقب على اختبارها مدٌّ وجزر؛ بل ربما صار القلق هو القاعدة، والشبع هو الاستثناء. أليس لهذا من علاج؟ أيجب أن يبقى الحال هكذا دائمًا؟ أتراه خلق، بل أيمكن أن يكون قد خلق، هذه الأشواق التي لا تنطفئ لمجرد أن يعذّبها بالحرمان؟ لكان ذلك غريبًا حقًا لو كان الأمر كذلك. ولكن أليس كثيرون من شعب الرب يطابق اختبارهم المعتاد اختبارها؟ إنهم لا يعرفون الراحة، ولا فرح الثبات في المسيح؛ ولا يعرفون كيف يبلغونه، ولا لماذا ليس هو من نصيبهم. أليس كثيرون ينظرون إلى الوراء، إلى الأوقات البهيجة في أيام خطبتهم الأولى، وهم، بدلًا من أن يجدوا في المسيح ميراثًا أغنى مما كان لهم حينئذ، يشعرون بأنهم قد تركوا محبتهم الأولى، ويمكنهم أن يعبّروا عن اختبارهم بهذه المرثاة الحزينة:
أين الغبطة التي عرفتُها
حين رأيت الرب أول مرة؟
وآخرون، ممن لم يتركوا محبتهم الأولى، قد يشعرون مع ذلك بأن الانقطاعات العارضة في الشركة تزداد عليهم ثقلًا لا يُحتمل، كلما صغر العالم في عيونهم وعظم هو. فغيابه ألمٌ يتزايد على الدوام. «مَنْ يُعْطِينِي أَنْ أَجِدَهُ!» «لِيُقَبِّلْنِي بِقُبْلَاتِ فَمِهِ، لِأَنَّ حُبَّكَ أَطْيَبُ مِنَ ٱلْخَمْرِ.» «ليت محبته كانت قوية ثابتة كمحبتي، وليته لا يحجب عني نور وجهه أبدًا!»
أيتها النفس المسكينة المخدوعة! إن هناك محبة أقوى من محبتك بكثير تنتظر، وتتوق إلى أن تُشبَع. فالعريس ينتظرك طوال الوقت؛ والموانع التي تحول دون اقترابه كلها من صنعك أنت. اتخذي مكانك الصحيح أمامه، فيكون مستعدًا كل الاستعداد، مسرورًا كل السرور، أن «يُشبع أعمق أشواقك، ويلاقي كل حاجتك ويسدّها». ماذا نقول في مخطوبة يمنع غرورها وعنادها تمامَ فرحها هي، بل فرحَ من أعطاها قلبه أيضًا؟ ومع أنها لا تستريح أبدًا في غيابه، فإنها لا تقدر أن تثق به ثقة كاملة؛ ولا ترغب في أن تتخلى لمن صار ضروريًا لسعادتها عن اسمها، وعن حقوقها وممتلكاتها، وعن إرادتها. إنها تودّ لو تطالب به كله دون أن تعطيه نفسها كلها؛ لكن هذا لا يكون أبدًا: فما دامت محتفظة باسمها، فلن تستطيع أن تحمل اسمه. ولا يمكنها أن تتعهد بأن تحب وتكرم إن لم تتعهد أيضًا بأن تطيع: وإلى أن تبلغ محبتها نقطة التسليم تلك، لا بد أن تبقى محبّةً غير مُشبَعة، ولا تقدر، كعروس مُشبَعة، أن تجد راحة في بيت زوجها. وما دامت محتفظة بإرادتها وبالتصرف في ممتلكاتها، فعليها أن تقنع بالعيش من مواردها الخاصة؛ ولا تستطيع أن تطالب بموارده.
هل يمكن أن يكون ثمة برهان أشدّ حزنًا على مدى السقوط وحقيقته من عدم الثقة المتأصّل بربنا وسيدنا المحب، الذي يجعلنا نتردد في أن نسلّم له أنفسنا تسليمًا كاملًا، ويخشى أن يطلب منا ما يفوق طاقتنا، أو أن يدعونا إلى شيء يصعب علينا أن نعطيه أو نفعله؟ إن السر الحقيقي للحياة غير المُشبَعة يكمن في أحيان كثيرة جدًا في إرادة غير مسلَّمة. ومع ذلك، ما أشد حماقة هذا، وما أشد خطأه! أنتوهّم أننا أحكم منه؟ أو أن محبتنا لأنفسنا أرق وأقوى من محبته؟ أو أننا نعرف أنفسنا أفضل مما يعرفنا هو؟ كم لا بد أن يُحزن عدمُ ثقتنا ويجرح من جديد القلبَ الرقيق لذاك الذي كان لأجلنا «رَجُلُ أَوْجَاعٍ»! ماذا تكون مشاعر عريس أرضي لو اكتشف أن عروسه المخطوبة تخشى الزواج منه، لئلا يجعل حياتها، متى صارت له السلطة، حياة لا تُطاق؟ ومع ذلك، ما أكثر مفديّي الرب الذين يعاملونه هكذا تمامًا! فلا عجب أنهم ليسوا سعداء ولا مُشبَعين!
لكن المحبة الحقيقية لا يمكن أن تبقى جامدة؛ فإما أن تذبل وإما أن تنمو. ورغم كل مخاوف قلوبنا المسكينة غير اللائقة، فإن المحبة الإلهية مقضيٌّ لها أن تنتصر. فتهتف العروس:
لِرَائِحَةِ أَدْهَانِكَ ٱلطَّيِّبَةِ.
ٱسْمُكَ دُهْنٌ مُهْرَاقٌ،
لِذَلِكَ أَحَبَّتْكَ ٱلْعَذَارَى.
لم يكن ثمة دهن كالدهن الذي مُسح به رئيس الكهنة: فعريسنا كاهن كما هو ملك. لا تقدر العروس المرتعدة أن تطرح مخاوفها كليًا؛ لكن القلق والشوق يصيران فوق الاحتمال، فتعزم على أن تسلّم كل شيء، وأن تتبعه بالتمام مهما كان الثمن. ستسلّم له ذاتها عينها، قلبًا ويدًا، نفوذًا وممتلكات. لا شيء يمكن أن يكون أثقل احتمالًا من غيابه! فإن قادها إلى مريّا أخرى، بل حتى إلى جلجثة، فستتبعه.
اُجْذُبْنِي وَرَاءَكَ فَنَجْرِيَ!
ولكن آه! ماذا يتبع ذلك؟ مفاجأة عجيبة مفرحة. لا مريّا ولا جلجثة؛ بل على العكس، مَلِك! حين يخضع القلب، يملك يسوع. وحين يملك يسوع، تكون هناك راحة.
وإلى أين يقود عروسه؟
أَدْخَلَنِي ٱلْمَلِكُ إِلَى حِجَالِهِ.
لا إلى بيت الخمر أولًا، فذلك سيأتي في أوانه؛ بل أولًا لتكون معه وحده.
ما أكمل هذا! هل نرضى بأن نلتقي بمن نحب في العلن فقط؟ كلا؛ بل نريد أن ننفرد به، وأن يكون لنا وحدنا. وهكذا سيدنا: ينفرد بعروسه التي تكرّست له الآن تكريسًا كاملًا، لتذوق الألفة المقدسة لمحبته العجيبة وتتمتع بها. إن عريس كنيسته يتوق إلى الشركة مع شعبه أكثر مما يتوقون هم إلى الشركة معه، وكثيرًا ما يضطر أن يصرخ:
أَرِينِي وَجْهَكِ، أَسْمِعِينِي صَوْتَكِ،
لِأَنَّ صَوْتَكِ لَطِيفٌ وَوَجْهَكِ جَمِيلٌ.
ألسنا جميعًا ميّالين أكثر مما ينبغي إلى أن نطلبه لأجل حاجتنا لا لأجل فرحه وسروره؟ لا ينبغي أن يكون الأمر هكذا. فنحن لا نُعجب بالأولاد الأنانيين الذين لا يفكرون إلا فيما يمكنهم أن يأخذوه من والديهم، ولا يبالون بالسرور الذي يمكن أن يُدخلوه عليهم، أو الخدمة التي يمكن أن يقدّموها لهم. أفلسنا نحن في خطر أن ننسى أن إرضاء الله معناه أن نُدخل السرور على قلبه؟ بعضنا يتذكر زمنًا كانت فيه عبارة «إرضاء الله» لا تعني أكثر من ألا نخطئ إليه، وألا نُحزنه؛ ولكن هل تكتفي محبة الوالدين الأرضيين بمجرد غياب العصيان؟ أو هل يكتفي عريس إن كانت عروسه لا تطلبه إلا لسدّ حاجتها؟
ولعل كلمة عن الخلوة الصباحية لا تكون في غير موضعها هنا. ليس من وقت يُقضى بفائدة أعظم من الساعة الباكرة المعطاة ليسوع وحده. هل نعطي هذه الساعة ما يكفي من العناية؟ ينبغي، إن أمكن، أن نفتديها؛ فلا شيء يعوّض عنها. لا بد أن نأخذ وقتًا لنكون قديسين! وفكرة أخرى: حين نأتي بأسئلتنا إلى الله، ألا نمضي أحيانًا إلى تقديم طلبة أخرى، أو نغادر المخدع دون أن ننتظر الجواب؟ أفلا يدل هذا على قلة توقّعنا للجواب، وقلة رغبتنا فيه؟ هل نحب أن نُعامَل هكذا؟ إن الانتظار الهادئ أمام الله يحفظنا من أخطاء كثيرة ومن أحزان كثيرة.
لقد رأينا العروس تكتشف اكتشافًا مفرحًا مَلِكًا، مَلِكَها هي، لا صليبًا كما كانت تتوقع؛ وهذا هو باكورة تكريسها.
نَبْتَهِجُ وَنَفْرَحُ بِكَ.
نَذْكُرُ حُبَّكَ أَكْثَرَ مِنَ ٱلْخَمْرِ.
بِٱلْحَقِّ يُحِبُّونَكَ.
وثمة اكتشاف آخر، لا يقل أهمية، ينتظرها. لقد رأت وجه الملك، وكما تكشف الشمس الطالعة ما كان مخفيًا في الظلام، كذلك كشف لها نوره سوادها. فتصرخ: «آه، أَنَا سَوْدَاءُ»؛ فيقاطعها العريس بنعمة ورقّة لا مثيل لهما: «وَجَمِيلَةٌ». فتتابع: «كلا، ‹سَوْدَاءُ … كَخِيَامِ قِيدَارَ›». فيجيب: «أما في عينيّ فأنتِ ‹جَمِيلَةٌ … كَشُقَقِ سُلَيْمَانَ›!» لا شيء يُذلّ النفس مثل الشركة المقدسة الحميمة مع الرب؛ ومع ذلك ففي الشعور بأن هو يعرف كل شيء، ويحبنا مع ذلك، فرحٌ عذب. فأمورٌ كانت تُدعى يومًا «هفوات صغيرة» تُرى بعيون جديدة في «ستر حضرته». هناك نرى الخطأ، بل الخطيئة، في أننا لم ننطر كرمنا نحن. وهذا ما تعترف به العروس:
لَا تَنْظُرْنَ إِلَيَّ لِكَوْنِي سَوْدَاءَ،
لِأَنَّ ٱلشَّمْسَ قَدْ لَوَّحَتْنِي.
بَنُو أُمِّي غَضِبُوا عَلَيَّ.
جَعَلُونِي نَاطُورَةَ ٱلْكُرُومِ.
أَمَّا كَرْمِي فَلَمْ أَنْطُرْهُ.
هنا يُلفَت انتباهنا إلى خطر هو، أكثر من سواه، خطرُ هذا اليوم: فالنشاط الشديد الذي يميّز زماننا قد يقود إلى الغيرة في الخدمة مع إهمال الشركة الشخصية؛ غير أن هذا الإهمال لن يقلّل من قيمة الخدمة فحسب، بل يميل إلى أن يُعجزنا عن أسمى خدمة. فإن كنا نسهر على نفوس الآخرين ونهمل نفوسنا، وإن كنا نسعى إلى إخراج القذى من عين أخينا غير منتبهين للخشبة التي في عيننا، فكثيرًا ما سنخيب لعجزنا عن معونة إخوتنا، بينما لا تكون خيبة سيدنا فينا أقل. لا ننسَ أبدًا أن ما نحن عليه أهم مما نعمله؛ وأن كل ثمر يُحمل من دون الثبات في المسيح لا بد أن يكون ثمر الجسد، لا ثمر الروح. قد تُغفر خطيئة إهمال الشركة، ويبقى أثرها مع ذلك إلى الدوام، كما أن الجروح إذا اندملت كثيرًا ما تترك وراءها ندبة.
ونأتي الآن إلى دليل عذب جدًا على حقيقة اتحاد قلب العروس بربها. إنها واحدة مع الراعي الصالح: فينطلق قلبها في الحال، بدافع الفطرة، إلى رعاية القطيع؛ لكنها تريد أن تسير في خطوات مَن تحبه نفسها، فلا تتعب وحدها، ولا في صحبة غير صحبته هو:
أَخْبِرْنِي يَا مَنْ تُحِبُّهُ نَفْسِي،
أَيْنَ تَرْعَى، أَيْنَ تُرْبِضُ عِنْدَ ٱلظَّهِيرَةِ.
لِمَاذَا أَنَا أَكُونُ كَمُقَنَّعَةٍ
عِنْدَ قُطْعَانِ أَصْحَابِكَ؟
إنها لن تحسب صحبة خدّامه صحبةَ سيدهم.
إِنْ لَمْ تَعْرِفِي أَيَّتُهَا ٱلْجَمِيلَةُ بَيْنَ ٱلنِّسَاءِ،
فَٱخْرُجِي عَلَى آثَارِ ٱلْغَنَمِ،
وَٱرْعَيْ جِدَاءَكِ عِنْدَ مَسَاكِنِ ٱلرُّعَاةِ.
هذه كلمات بنات أورشليم، وهي تقدّم جوابًا صحيحًا عن تساؤلاتها. فلتُظهر محبتها لربها برعاية خرافه، والعناية بحملانه (انظر يوحنا 21:15-17)، ولا حاجة بها أن تخشى أن يفوتها حضوره. فبينما تشارك رعاةً معاونين آخرين في العناية بقطيعه، ستجد رئيس الرعاة إلى جانبها، وتتمتع بعلامات رضاه. ستكون خدمةً مع يسوع، كما هي ليسوع.
ولكن أعذب بكثير من جواب بنات أورشليم صوتُ العريس الذي يتكلم الآن بنفسه. إن الثمر الحي لاتحاد قلبها به هو ما يجعل محبته تنفجر في الأقوال المبتهجة التي في الأعداد 9-11. فليس صحيحًا فقط أن محبتنا لربنا ستُظهر نفسها في رعاية خرافه، بل صحيح أيضًا أن الذي قال حين كان على الأرض: «بِمَا أَنَّكُمْ فَعَلْتُمُوهُ بِأَحَدِ إِخْوَتِي هَؤُلَاءِ ٱلْأَصَاغِرِ، فَبِي فَعَلْتُمْ»، تتحرك محبة قلبه، وكثيرًا ما يعلن ذاته إعلانًا خاصًا للذين يخدمون لأجله.
والمديح الذي يمدح به العروسَ في العدد 9 بالغ الملاءمة والجمال:
لَقَدْ شَبَّهْتُكِ يَا حَبِيبَتِي
بِفَرَسٍ فِي مَرْكَبَاتِ فِرْعَوْنَ.
ولنتذكّر أن الخيل جاءت في الأصل من مصر، وأن السلالة الأصيلة التي لا تزال توجد في بلاد العرب كان تجار سليمان في أيام ملكه يجلبونها لجميع ملوك المشرق. والخيل التي كانت تُنتقى لمركبة فرعون نفسه لم تكن من أنقى الدماء وأكملها تناسبًا وتناسقًا فحسب، بل كانت أيضًا كاملة التدريب، وديعة مطيعة؛ لا تعرف إرادة غير إرادة سائق المركبة، ولا غاية لوجودها إلا أن تحمل الملك حيثما شاء أن يذهب. وهكذا ينبغي أن تكون كنيسة المسيح: جسدًا واحدًا ذا أعضاء كثيرة، يسكنه ويقوده روح واحد؛ متمسكة بالرأس، لا تعرف إرادة غير إرادته؛ فتجعل حركتُها السريعة المتناغمة ملكوتَه يتقدم في العالم كله.
منذ سنوات كثيرة قطع صديق عزيز، عائدًا من الشرق عن طريق البر، الرحلة من السويس إلى القاهرة في العربة الثقيلة التي كانت مستعملة يومئذ. فلما نزل المسافرون إلى البر أخذوا أماكنهم، وشُدّ إلى العربة بالحبال نحو اثني عشر حصانًا فتيًّا جامحًا، وجلس السائق في مقعده وفرقع بسوطه، فانطلقت الخيل، بعضها إلى اليمين، وبعضها إلى اليسار، وأخرى إلى الأمام، فوثبت العربة وثبة عند انطلاقها، ثم توقفت فجأة كذلك، فكان من أثر ذلك أن الجالسين في المقعد الأمامي أُلقوا أولًا في أحضان الجالسين خلفهم، ثم انعكس الأمر. وبمعونة عدد كافٍ من العرب يركضون على الجانبين ليُبقوا هذه الحيوانات الجامحة سائرة في الاتجاه الصحيح، ظل المسافرون يُرَجّون ويُهَزّون، ويُرَضّون ويُخَضّون، حتى إذا بلغوا وجهتهم كانوا من التعب والوجع بحيث لم يقدروا أن ينالوا الراحة التي كانوا في أشدّ الحاجة إليها.
أليست كنيسة الله اليوم أشبه بهذه الجياد غير المدرّبة منها بكوكبة من الخيل في مركبة فرعون؟ وما دامت الإرادة الذاتية والانقسام ظاهرين في الكنيسة، فهل نعجب أن العالم لا يزال موضوعًا في الشرير، وأن الأمم الوثنية العظيمة لم تكد تُمَسّ؟
ثم يغيّر العريس تشبيهه ويتابع:
مَا أَجْمَلَ خَدَّيْكِ بِسُمُوطٍ،
وَعُنُقَكِ بِقَلَائِدَ!
نَصْنَعُ لَكِ سَلَاسِلَ مِنْ ذَهَبٍ
مَعَ جُمَانٍ مِنْ فِضَّةٍ.
ليست العروس جميلة ونافعة لربها فحسب، بل هي أيضًا مزيّنة، ومن دواعي سروره أن يزيد زينتها. وليست عطاياه زهورًا تذبل، ولا حُليًّا لا قيمة ذاتية لها: فأجود الذهب، وأنقى الفضة، وأثمن الجواهر وأبقاها، هي عطايا العريس الملكي لعروسه؛ وهذه، إذ تُضفَر في شعرها، تزيد سرور مَن أنعم بها.
وفي الأعداد 12-14 تجيب العروس:
مَا دَامَ ٱلْمَلِكُ فِي مَجْلِسِهِ
أَفَاحَ نَارِدِينِي رَائِحَتَهُ.
إنما في حضرته وبنعمته يفوح كل ما قد يوجد فينا من عطر أو جمال. فمنه بصفته المصدر، وبه بصفته الأداة، وله بصفته الغاية، كلُّ ما هو كريم وإلهي. ولكن هو نفسه أفضل بكثير من كل ما تعمله نعمته فينا.
صُرَّةُ ٱلْمُرِّ حَبِيبِي لِي.
بَيْنَ ثَدْيَيَّ يَبِيتُ.
طَاقَةُ فَاغِيَةٍ حَبِيبِي لِي
فِي كُرُومِ عَيْنِ جَدْيٍ.
وما أحسن أن تمتلئ عيوننا من جماله وتنشغل قلوبنا به. وبقدر ما يصدق هذا علينا، ندرك الحق المقابل له: أن قلبه العظيم منشغل بنا. لاحظ جواب العريس:
هَا أَنْتِ جَمِيلَةٌ يَا حَبِيبَتِي، هَا أَنْتِ جَمِيلَةٌ.
عَيْنَاكِ حَمَامَتَانِ.
كيف يستطيع العريس أن يقول بحقّ مثل هذه الكلمات عن امرأة ترى نفسها
سَوْدَاءُ … كَخِيَامِ قِيدَارَ؟
وأقوى من ذلك أيضًا كلمات العريس في نشيد الأنشاد 4:7:
كُلُّكِ جَمِيلٌ يَا حَبِيبَتِي
لَيْسَ فِيكِ عَيْبَةٌ.
سنجد حل هذه المعضلة في كورنثوس الثانية 3. فموسى، إذ تأمل في المجد الإلهي، تغيّر حتى لم يستطع بنو إسرائيل أن ينظروا إلى مجد وجهه. «نَحْنُ جَمِيعًا نَاظِرِينَ (وعاكسين) مَجْدَ ٱلرَّبِّ بِوَجْهٍ مَكْشُوفٍ، كَمَا في مِرْآةٍ، نَتَغَيَّرُ إِلَى تِلْكَ ٱلصُّورَةِ عَيْنِهَا، مِنْ مَجْدٍ إِلَى مَجْدٍ (أي إن البهاء المقتبس من مجده يغيّرنا إلى مجد)، كَمَا مِنَ ٱلرَّبِّ ٱلرُّوحِ». لكل مرآة وجهان: أحدهما كامد لا يعكس شيئًا، وكله بقع؛ ولكن حين يُدار الوجه العاكس نحونا لا نرى عيبًا، بل نرى صورتنا نحن. وهكذا، بينما تتمتع العروس بجمال العريس، يرى هو صورته فيها؛ ولا عيب في تلك الصورة: إنها كلها جميلة. ليتنا نقدّم هذا الانعكاس دائمًا لنظره، وللعالم الذي نعيش فيه لغاية واحدة هي أن نعكسه.
ولاحظ مرة أخرى كلماته:
عَيْنَاكِ حَمَامَتَانِ.
أو
لكِ عينا حمامة.
الصقر طائر جميل، وله عينان جميلتان، سريعتان نافذتان؛ لكن العريس لا يريد لعروسه عيني الصقر. بل العينان الرقيقتان للحمامة البريئة هما ما يُعجب به. فبهيئة حمامة نزل الروح القدس عليه عند معموديته، والطبع الشبيه بالحمامة هو ما يطلبه في كل واحد من شعبه.
وكان السبب الذي لأجله لم يُسمح لداود ببناء الهيكل سببًا ذا دلالة عميقة. فقد كانت حياته بعيدة عن الكمال، وقد سجّل الروح القدس أخطاءه وخطاياه بأمانة. وقد جلبت عليه تأديبات الله، ومع ذلك لم يكن شيء منها هو ما حرمه من بناء الهيكل، بل روحه الحربية؛ وهذا مع أن كثيرًا من حروبه، إن لم يكن جميعها، كانت لتثبيت ملكوت الله ولإتمام مواعيده لإبراهيم وإسحاق ويعقوب. سليمان، رئيس السلام، هو وحده الذي استطاع أن يبني الهيكل. فإن أردنا أن نكون رابحي نفوس وأن نبني الكنيسة التي هي هيكله، فلنلاحظ هذا: لا بالجدال ولا بالحجة، بل برفع المسيح نجذب الناس إليه.
ونأتي الآن إلى جواب العروس. لقد دعاها جميلة؛ فتجيب بحكمة وحسن:
هَا أَنْتَ جَمِيلٌ يَا حَبِيبِي وَحُلْوٌ،
وَسَرِيرُنَا أَخْضَرُ.
جَوَائِزُ بَيْتِنَا أَرْزٌ،
وَرَوَافِدُنَا سَرْوٌ.
أَنَا نَرْجِسُ شَارُونَ (ليس إلا)،
سَوْسَنَةُ ٱلْأَوْدِيَةِ.
كثيرًا ما تُقتبس الكلمات الأخيرة كأنها من قول العريس، ولكننا نعتقد أن ذلك خطأ. فالعروس تقول في الواقع: أنت تدعوني جميلة وحلوة، ولكن الجمال والحلاوة لك أنت؛ أما أنا فلست إلا زهرة برية، نرجسَ شارون وضيعًا لا رائحة له (أي زعفران الخريف)، أو سوسنة الأودية.
فيجيب العريس: «ليكن ذلك؛ ولكن إن كنتِ زهرة برية، فإنكِ
كَٱلسَّوْسَنَةِ بَيْنَ ٱلشَّوْكِ
كَذَلِكَ حَبِيبَتِي بَيْنَ ٱلْبَنَاتِ.»
ثم تجيب العروس ثانية:
كَٱلتُّفَّاحِ (الأترجّ) بَيْنَ شَجَرِ ٱلْوَعْرِ
كَذَلِكَ حَبِيبِي بَيْنَ ٱلْبَنِينَ.
تَحْتَ ظِلِّهِ ٱشْتَهَيْتُ أَنْ أَجْلِسَ،
وَثَمَرَتُهُ حُلْوَةٌ لِحَلْقِي.
الأترجّ شجرة جميلة دائمة الخضرة، تمنح ظلًا بهيجًا وثمرًا منعشًا معًا. وهي، الزهرة البرية الوضيعة، ترى في عريسها شجرة نبيلة، زينةً ومثمرة معًا. تجد فيه ظلًا من الشمس المحرقة، وانتعاشًا وراحة. ما أعظم الفرق بين حالها ومشاعرها الآن وبين ما كانت عليه في بداية هذا القسم! لقد عرف جيدًا سبب كل مخاوفها؛ فعدم ثقتها كان نابعًا من جهلها به، لذلك انفرد بها، وفي الألفة العذبة للمحبة المتبادلة زالت مخاوفها وعدم ثقتها، كما يزول ضباب الصباح أمام الشمس الطالعة.
ولكنها الآن، وقد تعلّمت أن تعرفه، تنال اختبارًا أبعد لمحبته. فهو لا يستحي أن يعترف بها علانية.
أَدْخَلَنِي إِلَى بَيْتِ ٱلْخَمْرِ،
وَعَلَمُهُ فَوْقِي مَحَبَّةٌ.
إن بيت الخمر الآن في موضعه تمامًا كما كانت حجال الملك من قبل. فبلا خوف ولا خجل تستطيع أن تجلس إلى جانبه، زوجته المعترَف بها، عروس اختياره. وإذ تغمرها محبته تهتف:
أَسْنِدُونِي بِأَقْرَاصِ ٱلزَّبِيبِ. أَنْعِشُونِي بِٱلتُّفَّاحِ،
فَإِنِّي مَرِيضَةٌ حُبًّا.
شِمَالُهُ تَحْتَ رَأْسِي
وَيَمِينُهُ تُعَانِقُنِي.
الآن تجد الغبطة في أن تكون مملوكة. فهي لم تعد لنفسها، وراحة القلب صارت حقها ومتعتها معًا؛ وهكذا يريد العريس أن يكون الأمر.
أُحَلِّفُكُنَّ يَا بَنَاتِ أُورُشَلِيمَ
بِٱلظِّبَاءِ وَبِأَيَائِلِ ٱلْحُقُولِ،
ألا تيقظن ولا تنبهن حبيبتي،
حتى تشاء.
ليس بإرادته قط أن تضطرب راحتنا فيه.
يمكنك أن تثبت دائمًا،
إن شئت، إلى جانب يسوع؛
وفي ستر حضرته
يمكنك أن تختبئ كل لحظة.
لا تغيير في محبته؛ إنه هُوَ هُوَ أَمْسًا وَٱلْيَوْمَ وَإِلَى ٱلْأَبَدِ. وهو يَعِدنا قائلًا: «لن أهملك، ولن أخذلك، ولن أتركك أبدًا»؛ ونصيحته وأمره الملحّ: «اُثْبُتُوا فِيَّ وَأَنَا فِيكُمْ.»
اكتمل الفصل 4
القسم الأول