فصل 8 · قراءة 15 د
ترجمة بالذكاء الاصطناعي — في انتظار مراجعة ناطق أصلي
المسيح الكل وفي الكل
(كولوسي 3:11)
المسيح هو الكل لنا بقدر ما نجعله نحن كذلك. وأريد أن أشدد على هذه الكلمة: «الكل». فبعض الناس يجعلونه «كَعِرْقٍ مِنْ أَرْضٍ يَابِسَةٍ»، «لَا صُورَةَ لَهُ وَلَا جَمَالَ». إنه لا شيء عندهم؛ فهم لا يريدونه. وبعض المسيحيين لهم مخلّص صغير جدًا، لأنهم غير مستعدين أن يقبلوه قبولًا كاملًا ويدعوه يصنع لهم أمورًا عظيمة ومقتدرة. وآخرون لهم مخلّص عظيم مقتدر، لأنهم يجعلونه عظيمًا مقتدرًا.
إذا أردنا أن نعرف ماذا يريد المسيح أن يكون لنا، فعلينا أولًا أن نعرفه مخلّصًا لنا من الخطية. حين نزل الملاك من السماء ليعلن أنه سيولد في العالم، تذكرون أنه أعلن اسمه: «يُدعى اسمه يسوع، لأنه يخلّص شعبه من خطاياهم». فهل تحررنا نحن من الخطية؟ إنه لم يأتِ ليخلّصنا في خطايانا، بل من خطايانا. ثم إن هناك ثلاث طرق لمعرفة الإنسان: فبعض الناس لا تعرفهم إلا بالسماع؛ وآخرون تعرفهم لمجرد أنك قُدّمت إليهم مرة، فمعرفتك بهم سطحية جدًا؛ وآخرون تعرفهم لطول عشرتك لهم سنين، فأنت تعرفهم معرفة حميمة. وهكذا أعتقد أن هناك اليوم ثلاث فئات من الناس في الكنيسة المسيحية وخارجها: الذين لا يعرفون المسيح إلا بالقراءة أو بالسماع، وهؤلاء عندهم مسيح تاريخي؛ والذين لهم به معرفة شخصية سطحية؛ والذين يتعطشون، كما تعطش بولس: «لِأَعْرِفَهُ، وَقُوَّةَ قِيَامَتِهِ». وكلما ازدادت معرفتنا بالمسيح ازدادت محبتنا له، وأحسنّا خدمته أكثر.
لننظر إليه وهو معلّق على الصليب، ولنرَ كيف أزال الخطية. لقد أُظهر لكي يرفع خطايانا؛ وإن كنا نعرفه حق المعرفة فلا بد أن نراه أولًا مخلّصًا لنا من الخطية. تذكرون كيف قالت الملائكة للرعاة في سهول بيت لحم: «فَهَا أَنَا أُبَشِّرُكُمْ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ يَكُونُ لِجَمِيعِ ٱلشَّعْبِ: أَنَّهُ وُلِدَ لَكُمُ ٱلْيَوْمَ فِي مَدِينَةِ دَاوُدَ مُخَلِّصٌ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱلرَّبُّ» (لوقا 2:10-11). ثم إذا رجعتم إلى إشعياء، قبل ميلاد المسيح بسبعمئة سنة، وجدتم هذه الكلمات: «أَنَا أَنَا ٱلرَّبُّ، وَلَيْسَ غَيْرِي مُخَلِّصٌ» (43:11).
ثم نقرأ في رسالة يوحنا الأولى (4:14): «نَحْنُ قَدْ نَظَرْنَا وَنَشْهَدُ أَنَّ ٱلْآبَ قَدْ أَرْسَلَ ٱلِٱبْنَ مُخَلِّصًا لِلْعَالَمِ». إن الديانات الوثنية كلها، كما نقرأ، تعلّم الناس أن يشقّوا طريقهم صعودًا إلى الله؛ أما ديانة يسوع المسيح فهي الله النازل إلى الناس ليخلّصهم ويرفعهم من حفرة الخطية. وفي لوقا 19:10 نقرأ أن المسيح نفسه أخبر الناس لماذا جاء: «لِأَنَّ ٱبْنَ ٱلْإِنْسَانِ قَدْ جَاءَ لِكَيْ يَطْلُبَ وَيُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ». فنحن إذًا نبدأ من الصليب، لا من المهد. لقد فتح المسيح طريقًا حديثًا حيًّا إلى الآب؛ ورفع كل معاثر الطريق، حتى إن كل من يقبل المسيح مخلّصًا له ينال الخلاص.
ولكن المسيح ليس مخلّصًا فحسب. ربما استطعت أنا أن أنقذ إنسانًا من الغرق وأن أخلّصه من قبر مبكر؛ ولكن الأرجح أني لا أستطيع أن أصنع له شيئًا أكثر من ذلك. أما المسيح فهو شيء أكثر من مخلّص. حين وُضع بنو إسرائيل وراء الدم، كان ذلك الدم خلاصهم؛ ولكنهم كانوا سيظلون يسمعون فرقعة سوط المسخّر لو لم يُحرروا من نير العبودية المصرية: حينئذ أنقذهم الله من يد ملك مصر. وأنا لا أتعاطف كثيرًا مع فكرة أن الله ينزل ليخلّصنا ثم يتركنا في السجن عبيدًا لخطايانا المحيطة بنا. كلا؛ لقد جاء ليحررنا، وليعطينا النصرة على أمزجتنا الشريرة وأهوائنا وشهواتنا. هل أنت ممن يعترفون بالمسيحية ولكنك عبد لخطية محيطة بك؟ إن أردت أن تنال النصرة على ذلك الطبع أو تلك الشهوة، فامضِ قدمًا في معرفة المسيح معرفة أعمق. إنه يأتي بالنجاة من جهة الماضي والحاضر والمستقبل: «الذي نجّى، وهو ينجّي، وسينجّي أيضًا» (2 كورنثوس 1:10).
كم من مرة، مثل بني إسرائيل حين جاؤوا إلى البحر الأحمر، خارت قلوبنا لأن كل شيء بدا مظلمًا أمامنا ووراءنا وحولنا، ولم نعرف إلى أين نتجه. وقلنا مثل بطرس: «إِلَى مَنْ نَذْهَبُ؟» ولكن الله ظهر لنجاتنا. لقد أجازنا في البحر الأحمر وأخرجنا إلى البرية، وفتح الطريق إلى أرض الموعد. ولكن المسيح ليس منقذنا فقط؛ إنه فادينا. وهذا شيء أكثر من كونه مخلّصنا. لقد ردّنا إليه: «مَجَّانًا بُعْتُمْ، وَبِلَا فِضَّةٍ تُفَكُّونَ» (إشعياء 52:3). «لم نُفتَد بأشياء تفنى، بفضة أو ذهب» (1 بطرس 1:18). فلو كان الذهب يقدر أن يفدينا، أفما كان يستطيع أن يخلق عشرة آلاف عالم مملوءة ذهبًا؟
لما فدى الله بني إسرائيل من عبودية مصر وأجازهم في البحر الأحمر، انطلقوا نحو البرية؛ وحينئذ صار الله لهم طريقهم. وإني لشاكر جدًا أن الرب لم يتركنا في الظلمة من جهة الطريق الصحيح. فما من إنسان حي كان يتخبط في الظلام إلا ويستطيع أن يعرف الطريق. يقول المسيح: «أَنَا هُوَ ٱلطَّرِيقُ». فإذا تبعنا المسيح كنا في الطريق الصحيح، وكان لنا التعليم الصحيح. ومن كان يقدر أن يقود بني إسرائيل في البرية مثل الله القدير نفسه؟ لقد عرف مهاوي الطريق وأخطاره، وهدى الشعب في رحلة البرية كلها حتى أدخلهم أرض الموعد. صحيح أنه لولا عدم إيمانهم اللعين لكانوا عبروا إلى الأرض عند قادش برنيع وامتلكوها، ولكنهم اشتهوا شيئًا غير كلمة الله؛ فرُدّوا على أعقابهم، وكان عليهم أن يتيهوا في القفر أربعين سنة. وأعتقد أن ألوفًا من أولاد الله ما زالوا يتيهون في البرية إلى اليوم. لقد أنقذهم الرب من يد المصري، وهو مستعد أن يجتاز بهم البرية حالًا إلى أرض الموعد، لو أنهم فقط رضوا أن يتبعوا المسيح. لقد نزل المسيح إلى هنا، وجعل الأماكن الوعرة سهلة، والأماكن المظلمة نورًا، والأماكن المعوجة مستقيمة. فإن نحن فقط انقدنا له وتبعناه، صار كل شيء سلامًا وفرحًا وراحة.
في المناطق الحدودية النائية، حين يخرج الرجل للصيد يأخذ معه فأسًا صغيرة، ويقطع قطعًا من لحاء الأشجار وهو سائر في الغابة: وهذا ما يسمونه «تعليم الطريق». وهو يفعل ذلك ليعرف طريق العودة، إذ ليس في تلك الغابات الكثيفة ممرّ مطروق. لقد نزل المسيح إلى هذه الأرض، و«علّم الطريق»: والآن وقد صعد إلى العلاء، فإن نحن تبعناه فسوف نُحفظ في المسار الصحيح. سأخبركم كيف تعرفون أأنتم تابعون للمسيح أم لا. إذا افترى عليك أحد أو أساء الحكم عليك، فهل تعامله كما كان سيدك يفعل؟ إن كنت لا تحتمل هذه الأمور بروح محبة وغفران، فكل كنائس العالم وخدامه لا يستطيعون أن يجعلوك مستقيمًا. «إِنْ كَانَ أَحَدٌ لَيْسَ لَهُ رُوحُ ٱلْمَسِيحِ، فَذَلِكَ لَيْسَ لَهُ» (رومية 8:9). «إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي ٱلْمَسِيحِ فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ: ٱلْأَشْيَاءُ ٱلْعَتِيقَةُ قَدْ مَضَتْ، هُوَذَا ٱلْكُلُّ قَدْ صَارَ جَدِيدًا» (2 كورنثوس 5:17).
ليس المسيح طريقنا فقط؛ إنه النور على الطريق. يقول: «أَنَا هُوَ نُورُ ٱلْعَالَمِ» (يوحنا 8:12؛ 9:5؛ 12:46). ثم يمضي فيقول: «مَنْ يَتْبَعْنِي فَلَا يَمْشِي فِي ٱلظُّلْمَةِ بَلْ يَكُونُ لَهُ نُورُ ٱلْحَيَاةِ». من المستحيل على أي رجل أو امرأة يتبعان المسيح أن يمشيا في الظلمة. فإن كانت نفسك في الظلام، تتحسس طريقها في ضباب الأرض وسديمها، فدعني أقول لك إن ذلك لأنك ابتعدت عن النور الحقيقي. فليس شيء يبدد الظلام إلا النور. فليُدخل السائرون في الظلام الروحي المسيحَ إلى قلوبهم: فهو النور. وأذكر صورة كنت فيما مضى أفكر فيها كثيرًا؛ أما الآن وقد صرت أدقق النظر أكثر، فلا أعلّقها في بيتي إلا إذا أدرت وجهها إلى الحائط. إنها تمثّل المسيح واقفًا عند باب يقرع، وفي يده فانوس كبير. عجبًا! إن وضعك فانوسًا في يد المسيح كتعليقك فانوسًا للشمس. إنه شمس البر؛ ومن امتيازنا أن نسير في نور شمس لا يحجبها غيم.
كثيرون يطاردون النور والسلام والفرح. ولم يُقل لنا في موضع قط أن نسعى وراء هذه الأشياء. فإذا أدخلنا المسيح إلى قلوبنا جاءت هذه كلها من تلقاء نفسها. أذكر أني في صباي كنت أحاول عبثًا أن أمسك ظلي. وذات يوم كنت أمشي ووجهي نحو الشمس؛ فلما التفتّ مصادفة رأيت ظلي يتبعني. وكلما أسرعت في السير أسرع ظلي في اتباعي؛ لم أستطع أن أفلت منه. فهكذا حين تتجه وجوهنا إلى شمس البر، لا بد أن يجيء السلام والفرح. قال لي رجل منذ زمن: «مودي، كيف تشعر؟» وكان قد مضى وقت طويل جدًا لم أفكر فيه في مشاعري، حتى اضطررت أن أتوقف وأتأمل قليلًا لأعرف الجواب. بعض المسيحيين يفكرون في مشاعرهم كل حين؛ ولأنهم لا يشعرون بما ينبغي تمامًا يظنون أن فرحهم قد ذهب كله. أما إذا أبقينا وجوهنا نحو المسيح وانشغلنا به، فسنُرفع من الظلمة والضيق اللذين ربما تجمّعا حول طريقنا.
أذكر أني كنت في اجتماع بعدما اندلعت حرب التمرد الكبير. وكانت الحرب قد مضى عليها نحو ستة أشهر. وكان جيش الشمال قد هُزم في بول رَن، بل الحق أنه لم يكن لنا إلا الهزيمة، وبدا كأن الجمهورية تتمزق إربًا. فكنا في انكسار شديد وفتور همة. وفي ذلك الاجتماع بدا كل متكلم لفترة كأنه علّق قيثارته على الصفصاف؛ وكان من أكثر الاجتماعات كآبة حضرتها في حياتي. وأخيرًا قام شيخ ذو شعر أبيض جميل ليتكلم، وكان وجهه يتلألأ فعلًا. «أيها الشبان»، قال، «إنكم لا تتكلمون كأبناء الملك. وإن يكن الظلام مخيّمًا هنا، فاذكروا أن النور ساطع في مكان آخر». ثم مضى يقول إنه لو أظلمت الدنيا كلها، فإن النور مشرق حول العرش في العلاء.
وأخبرنا أنه جاء من الشرق، حيث وصف له صديق كيف صعد جبلًا ليقضي الليل هناك ويرى شروق الشمس. وبينما كانت الجماعة تتسلق الجبل، وقبل أن يبلغوا القمة، هبّت عاصفة. فقال هذا الصديق للدليل: «سأتخلى عن الأمر؛ أرجعني». فابتسم الدليل وأجاب: «أظننا سنرتفع فوق العاصفة عما قريب». فمضوا صاعدين؛ ولم يطل بهم الأمر حتى بلغوا موضعًا كان من الهدوء كأي أمسية صيفية. وفي الوادي تحتهم كانت عاصفة رهيبة تستعر؛ وكانوا يسمعون هدير الرعد ويرون وميض البرق؛ أما على قمة الجبل فكان كل شيء صافيًا. «وهكذا يا أصدقائي الشبان»، تابع الشيخ، «مع أن الظلام يحيط بكم من كل جانب، اصعدوا أعلى قليلًا فيهرب الظلام». وكثيرًا ما فكرت فيما قاله حين كنت أوشك أن تخور همتي. فإن كنت الآن في أسفل الوادي وسط الضباب الكثيف والظلام، فاصعد أعلى قليلًا؛ اقترب أكثر إلى المسيح، واعرفه معرفة أعمق.
تذكرون أن الكتاب المقدس يقول إنه لما أسلم المسيح الروح على الصليب انطفأ نور العالم. لقد أرسل الله ابنه ليكون نور العالم؛ ولكن الناس لم يحبوا النور لأنه كان يبكّتهم على خطاياهم. فلما أوشكوا أن يطفئوا هذا النور، ماذا قال المسيح لتلاميذه؟ «تَكُونُونَ لِي شُهُودًا» (أعمال الرسل 1:8). لقد صعد إلى هناك ليشفع فينا؛ ولكنه يريدنا نحن أن نضيء له هنا في الأسفل. «أَنْتُمْ نُورُ ٱلْعَالَمِ» (متى 5:14). فعملنا إذًا أن نضيء؛ لا أن ننفخ في أبواقنا ليتطلع الناس إلينا. إن ما نريد أن نفعله هو أن نُظهر المسيح. وإن كان لنا نور أصلًا فهو نور مستعار. قال أحدهم لمسيحي شاب: «اهتديت! ما هذا كله إلا ضوء قمر!» فقال: «أشكرك على هذا التشبيه؛ فالقمر يستعير نوره من الشمس، ونحن نستعير نورنا من شمس البر». إن كنا للمسيح فنحن هنا لنضيء له: وعما قريب يدعونا إلى الوطن لننال ثوابنا.
أذكر أني سمعت عن رجل أعمى كان يجلس على جانب الطريق وبقربه فانوس. فلما سُئل لماذا يحمل فانوسًا وهو لا يبصر النور، قال إنه لئلا يتعثر الناس به. وأعتقد أن الذين يتعثرون بتناقضات المعترفين بالمسيحية أكثر من الذين يتعثرون بأي سبب آخر. إن ما يضر قضية المسيح أكثر من كل الشكوكية التي في العالم هو هذه الشكلية الباردة الميتة، هذه المشابهة للعالم، هذا الاعتراف بما لا نملك. إن عيون العالم علينا. وأظن أن جورج فوكس هو الذي قال إن على كل كويكري أن يضيء البلاد عشرة أميال من حوله. فلو كنا جميعًا نضيء بلمعان لأجل السيد، لسرعان ما بلغ النور من حولنا، ولارتفع هتاف تسبيح إلى السماء.
يقول الناس: «أريد أن أعرف ما هو الحق». اسمع: «أنا هو الحق»، يقول المسيح (يوحنا 14:6). إن أردت أن تعرف ما هو الحق فتعرّف بالمسيح. ويشكو الناس أيضًا أن ليس لهم حياة. كثيرون يحاولون أن يهبوا أنفسهم حياة روحية. قد تكهرب نفسك وتشحنها بالكهرباء، إن صح التعبير؛ ولكن الأثر لا يدوم طويلًا. فالمسيح وحده هو مبدع الحياة. إن أردت حياة روحية حقيقية فاعرف المسيح. كثيرون يحاولون أن ينعشوا الحياة الروحية بالذهاب إلى الاجتماعات. قد يكون هذا حسنًا؛ ولكنه لا ينفع شيئًا ما لم يتصلوا بالمسيح الحي. حينئذ لا تكون حياتهم الروحية نوبات متقطعة، بل تكون دائمة؛ تجري وتجري، وتأتي بثمر لله.
ثم إن المسيح حافظنا. كثيرون جدًا من التلاميذ الأحداث يخافون ألا يثبتوا إلى النهاية. «إِنَّهُ لَا يَنْعَسُ وَلَا يَنَامُ حَافِظُ إِسْرَائِيلَ» (مزمور 121:4). إن حفظنا هو عمل المسيح؛ وإذا كان هو يحفظنا فلا خطر علينا من السقوط. أظن أنه لو كان على الملكة فيكتوريا أن تتولى بنفسها حراسة تاج إنكلترا، لحاول لص ما أن يصل إليه؛ ولكنه موضوع في برج لندن، يحرسه الجنود ليلًا ونهارًا. ولو لزم الأمر لاستُدعي الجيش الإنكليزي كله لحمايته. ونحن ليس لنا قوة في أنفسنا. فلسنا أكفاء لمصارعة الشيطان؛ فوراءه خبرة ستة آلاف سنة. ولكننا نذكر حينئذ أن الذي لا ينعس ولا ينام هو حافظنا. في إشعياء 41:10 نقرأ: «لَا تَخَفْ لِأَنِّي مَعَكَ. لَا تَتَلَفَّتْ لِأَنِّي إِلَهُكَ. قَدْ أَيَّدْتُكَ وَأَعَنْتُكَ وَعَضَدْتُكَ بِيَمِينِ بِرِّي». وفي يهوذا أيضًا، الآية 24، قيل لنا إنه «قادر أن يحفظنا غير عاثرين». «لَنَا شَفِيعٌ عِنْدَ ٱلْآبِ، يَسُوعُ ٱلْمَسِيحُ ٱلْبَارُّ» (1 يوحنا 2:1).
ولكن المسيح شيء أكثر من هذا أيضًا. إنه راعينا. فعمل الراعي أن يعتني بالخراف، يطعمها ويحميها. «أَنَا هُوَ ٱلرَّاعِي ٱلصَّالِحُ»؛ «خِرَافِي تَسْمَعُ صَوْتِي». «أَنَا أَضَعُ نَفْسِي عَنِ ٱلْخِرَافِ». في ذلك الأصحاح العاشر العجيب من يوحنا يستعمل المسيح ضمير المتكلم ما لا يقل عن ثمانٍ وعشرين مرة، معلنًا ما هو وما سيفعل. في الآية 28 يقول: «لَنْ تَهْلِكَ إِلَى ٱلْأَبَدِ، وَلَا يَخْطَفُهَا أَحَدٌ [إنسان] مِنْ يَدِي». ولكن لاحظوا أن كلمة «إنسان» مطبوعة بحروف مائلة. انظروا كيف تُقرأ الآية في حقيقتها: «لَا يَخْطَفُهَا أَحَدٌ مِنْ يَدِي» — فلن يقدر على ذلك شيطان ولا إنسان. وفي موضع آخر يعلن الكتاب: «حَيَاتُكُمْ مُسْتَتِرَةٌ مَعَ ٱلْمَسِيحِ فِي ٱللهِ» (كولوسي 3:3). فيا للأمان ويا للطمأنينة!
يقول المسيح: «خِرَافِي تَسْمَعُ صَوْتِي... فَتَتْبَعُنِي» (يوحنا 10:27). سمع أحد السادة في الشرق عن راعٍ يستطيع أن يدعو خرافه كلها إليه بأسمائها. فذهب وسأل هل هذا صحيح. فأخذه الراعي إلى المرعى حيث كانت الخراف، ونادى واحدًا منها باسم ما. فرفع خروف واحد رأسه وأجاب النداء، بينما مضت البقية في الرعي ولم تُعِر انتباهًا. وعلى هذا النحو دعا نحو اثني عشر خروفًا حوله. قال الغريب: «كيف تميّز الواحد من الآخر؟ إنها كلها متشابهة تمام التشابه». «حسنًا»، قال الراعي، «أنت ترى أن ذلك الخروف تلتوي قدماه قليلًا إلى الداخل؛ وذاك الآخر في عينه حَوَل؛ وواحد سقطت منه قطعة صغيرة من الصوف؛ وآخر فيه بقعة سوداء؛ وآخر في أذنه ثُلمة». لقد كان الرجل يعرف خرافه كلها بعيوبها، إذ لم يكن في قطيعه كله خروف واحد كامل. وأظن أن راعينا يعرفنا نحن على هذا النحو نفسه.
كان راعٍ شرقي يحدّث مرة أحد السادة بأن خرافه تعرف صوته، وأن غريبًا لا يستطيع أن يخدعها. فرأى الرجل أن يضع هذا الكلام على المحك. فلبس رداء الراعي وعمامته، وأخذ عصاه وذهب إلى القطيع. وغيّر صوته وحاول أن يتكلم بأشبه ما يستطيع بكلام الراعي؛ فلم يفلح في أن يجعل خروفًا واحدًا من القطيع يتبعه. فسأل الراعي إن كانت خرافه لا تتبع غريبًا قط. فاضطر أن يقرّ بأن الخروف إذا اعتلّ فإنه يتبع أي أحد. وهكذا الحال مع كثيرين من المعترفين بالمسيحية؛ فإنهم متى اعتلّوا وضعفوا في الإيمان تبعوا أي معلّم يمرّ بهم؛ أما متى كانت النفس في صحتها فلن ينجرف الإنسان وراء الضلالات والبدع. إنه سيعرف هل «الصوت» ينطق بالحق أم لا. وسرعان ما يتبين ذلك إن كان حقًا في شركة مع الله. فمتى أرسل الله رسولًا أمينًا وجدت كلماتُه صدى مستعدًا في القلب المسيحي.
إن المسيح راعٍ حنون. قد تظن أحيانًا أنه لم يكن راعيًا حنونًا جدًا معك؛ فأنت تجتاز تحت العصا. مكتوب: «ٱلَّذِي يُحِبُّهُ ٱلرَّبُّ يُؤَدِّبُهُ، وَيَجْلِدُ كُلَّ ٱبْنٍ يَقْبَلُهُ» (عبرانيين 12:6). فكونك تجتاز تحت العصا ليس دليلًا على أن المسيح لا يحبك. فقد صديق لي أولاده كلهم. لم يكن أحد يحب أسرته أكثر منه؛ ولكن الحمى القرمزية أخذتهم واحدًا فواحدًا؛ وهكذا مات الأربعة أو الخمسة كلهم، الواحد تلو الآخر. فسافر الأبوان المنكوبان المسكينان إلى بريطانيا العظمى، وتنقّلا من مكان إلى مكان هناك وفي القارة الأوروبية. وأخيرًا وصلا إلى سوريا. وذات يوم رأيا راعيًا شرقيًا ينزل إلى جدول ماء ويدعو قطيعه إلى العبور. فنزلت الخراف إلى الحافة ونظرت إلى الماء؛ ولكنها بدت وكأنها تنكمش عنه، ولم يفلح في أن يجعلها تستجيب لندائه. فأخذ حينئذ حملًا صغيرًا ووضعه تحت إحدى ذراعيه؛ وأخذ حملًا آخر فوضعه تحت الذراع الأخرى، وهكذا خاض في الجدول. فلم تعد الخراف الكبيرة واقفة تنظر إلى الماء: بل اندفعت فيه وراء الراعي؛ وفي دقائق قليلة كان القطيع كله على الضفة الأخرى؛ فقادها إلى مراعٍ أجدّ وأنضر. وشعر الأب والأم الثكلانان، وهما ينظران إلى المشهد، أنه لقّنهما درسًا. فلم يعودا يتذمران لأن الراعي العظيم أخذ حملانهما واحدًا فواحدًا إلى ذلك العالم؛ وبدآ يرفعان أنظارهما ويتطلعان إلى الوقت الذي فيه يلحقان بأحبائهما الذين فقداهما. فإن كان لك أحباء سبقوك إلى هناك، فاذكر أن راعيك يدعوك: «ٱهْتَمُّوا بِمَا فَوْقُ» (كولوسي 3:2). فلنكن أمناء له ولنتبعه ما دمنا في هذا العالم. وإن لم تكن قد اتخذته راعيًا لك، فافعل ذلك في هذا اليوم عينه.
ليس المسيح كل هذه الأشياء التي ذكرتها فحسب: بل هو أيضًا وسيطنا، ومقدّسنا، ومبرّرنا؛ والحق أن الأمر يحتاج إلى مجلدات لنقول ما الذي يريد أن يكونه لكل نفس على حدة. وبينما كنت أقلّب بعض الأوراق قرأت مرة هذا الوصف العجيب للمسيح. لا أعلم من أين جاء في الأصل؛ ولكنه كان منعشًا لنفسي حتى إني أحب أن أقدمه لكم:—
«المسيح طريقنا؛ فيه نسلك. وهو حقّنا؛ إياه نعتنق. وهو حياتنا؛ فيه نحيا. وهو ربنا؛ نختاره ليملك علينا. وهو سيدنا؛ إياه نخدم. وهو معلّمنا، يرشدنا في طريق الخلاص. وهو نبيّنا، يطلعنا على المستقبل. وهو كاهننا، وقد كفّر عنا. وهو شفيعنا، حيّ في كل حين ليشفع فينا. وهو مخلّصنا، يخلّص إلى التمام. وهو أصلنا؛ منه ننمو. وهو خبزنا؛ به نقتات. وهو راعينا، يقودنا إلى مراعٍ خضر. وهو كرمتنا الحقيقية؛ فيه نثبت. وهو ماء الحياة؛ منه نروي عطشنا. وهو أبرع جمالًا بين عشرة آلاف: به نُعجب فوق الجميع. وهو ‹بهاء مجد الآب ورسم جوهره›؛ ونحن نجتهد أن نعكس شبهه. وهو حامل كل الأشياء؛ عليه نستريح. وهو حكمتنا؛ به نهتدي. وهو برّنا؛ عليه نطرح كل نقائصنا. وهو تقديسنا؛ منه نستمد كل قوتنا للحياة المقدسة. وهو فداؤنا، يفدينا من كل إثم. وهو شافينا، يشفي كل أمراضنا. وهو صديقنا، يغيثنا في كل احتياجاتنا. وهو أخونا، يشدد قلوبنا في ضيقاتنا».
وإليكم مقتطفًا جميلًا آخر، وهو من غوتهولد:
«أما أنا، فنفسي كطفل جائع عطشان؛ وأنا محتاج إلى محبته وتعزيته لإنعاشي. أنا خروف شارد ضالّ؛ وأنا محتاج إليه راعيًا صالحًا أمينًا. نفسي كحمامة مذعورة يطاردها الصقر؛ وأنا محتاج إلى جراحه ملجأً. أنا كرمة واهنة؛ وأنا محتاج إلى صليبه لأتشبث به وألتفّ حوله. أنا خاطئ؛ وأنا محتاج إلى برّه. أنا عريان مجرد؛ وأنا محتاج إلى قداسته وبراءته سترًا لي. أنا جاهل؛ وأنا محتاج إلى تعليمه: ساذج غبي؛ وأنا محتاج إلى إرشاد روحه القدوس. لا غنى لي عنه في حال من الأحوال ولا وقت من الأوقات. أأصلي؟ فهو الذي يجب أن يحرّكني ويشفع فيّ. أيشكوني الشيطان أمام المحكمة الإلهية؟ فهو الذي يجب أن يكون شفيعي. أأنا في ضيقة؟ فهو الذي يجب أن يكون معيني. أيضطهدني العالم؟ فهو الذي يجب أن يدافع عني. حين أُهجر، يجب أن يكون سندي؛ وحين أموت، حياتي: وحين أبلى في القبر، قيامتي. فحسنٌ إذًا، إني أوثر أن أفارق العالم كله وكل ما فيه على أن أفارقك أنت يا مخلّصي. والشكر لله! فأنا أعلم أنك أنت أيضًا لا تقدر ولا تشاء أن تستغني عني. أنت غني؛ وأنا فقير. عندك الوفرة؛ وأنا معوز. عندك البر؛ وعندي الخطايا. عندك الخمر والزيت؛ وعندي الجروح. عندك المقوّيات والمنعشات؛ وعندي الجوع والعطش.
فاستخدمني إذًا يا مخلّصي لأي قصد وبأي طريقة تشاء. هوذا قلبي المسكين، إناء فارغ؛ فاملأه بنعمتك. وهوذا نفسي الخاطئة المضطربة؛ فأحيِها وأنعشها بمحبتك. خذ قلبي مسكنًا لك؛ وفمي لإذاعة مجد اسمك؛ ومحبتي وكل قواي لبنيان شعبك المؤمن؛ ولا تدع ثبات إيماني وثقته يفتران قط — حتى أستطيع في كل حين أن أقول من القلب: ‹يسوع محتاج إليّ وأنا إليه؛ وهكذا يوافق كل منا الآخر›».