الطريق إلى الله ·الارتداد

فصل 9 · قراءة 15 د

ترجمة بالذكاء الاصطناعي — في انتظار مراجعة ناطق أصلي

الارتداد

«أَنَا أَشْفِي ٱرْتِدَادَهُمْ. أُحِبُّهُمْ فَضْلًا، لِأَنَّ غَضَبِي قَدِ ٱرْتَدَّ عَنْهُ». (هوشع 14:4)

هناك نوعان من المرتدين. فبعضهم لم يهتدوا قط: لقد اجتازوا في شكل الانضمام إلى جماعة مسيحية، وهم يزعمون أنهم مرتدون؛ لكنهم لم يسبق لهم قط، إن جاز لي هذا التعبير، أن «انزلقوا إلى الأمام». قد يتكلمون عن الارتداد؛ لكنهم لم يولدوا ثانية حقًّا. وهؤلاء يجب أن يعامَلوا معاملة مختلفة عن المرتدين الحقيقيين — أولئك الذين وُلدوا من الزرع الذي لا يفنى، ثم حادوا عن الطريق. فهؤلاء نريد أن نردهم من نفس الطريق التي تركوا بها محبتهم الأولى.

افتح على مزمور 85:5. هناك تقرأ: «هَلْ إِلَى ٱلدَّهْرِ تَسْخَطُ عَلَيْنَا؟ هَلْ تُطِيلُ غَضَبَكَ إِلَى دَوْرٍ فَدَوْرٍ؟ أَلَا تَعُودُ أَنْتَ فَتُحْيِينَا، فَيَفْرَحُ بِكَ شَعْبُكَ؟ أَرِنَا يَارَبُّ رَحْمَتَكَ، وَأَعْطِنَا خَلَاصَكَ». والآن انظر مرة أخرى: «إِنِّي أَسْمَعُ مَا يَتَكَلَّمُ بِهِ ٱللهُ ٱلرَّبُّ، لِأَنَّهُ يَتَكَلَّمُ بِٱلسَّلَامِ لِشَعْبِهِ وَلِأَتْقِيَائِهِ، فَلَا يَرْجِعُنَّ إِلَى ٱلْحَمَاقَةِ» (العدد 8).

ليس شيء يفيد المرتدين مثل أن يلتقوا بكلمة الله؛ والعهد القديم مملوء عونًا لهم كالعهد الجديد سواء. وفي سفر إرميا مقاطع عجيبة للتائهين. والذي نريده هو أن نجعل المرتدين يسمعون ما يتكلم به الله الرب.

انظر لحظة إلى إرميا 6:10: «مَنْ أُكَلِّمُهُمْ وَأُنْذِرُهُمْ فَيَسْمَعُوا؟ هَا إِنَّ أُذْنَهُمْ غَلْفَاءُ فَلَا يَقْدِرُونَ أَنْ يَصْغَوْا. هَا إِنَّ كَلِمَةَ ٱلرَّبِّ صَارَتْ لَهُمْ عَارًا. لَا يُسَرُّونَ بِهَا». تلك هي حال المرتدين: إنهم لا يُسرون بكلمة الله البتة. لكننا نريد أن نردهم، وأن ندع الله يظفر بآذانهم. اقرأ من العدد الرابع عشر: «وَيَشْفُونَ كَسْرَ بِنْتِ شَعْبِي عَلَى عَثَمٍ قَائِلِينَ: سَلَامٌ، سَلَامٌ. وَلَا سَلَامَ. هَلْ خَزُوا لِأَنَّهُمْ عَمِلُوا رِجْسًا؟ بَلْ لَمْ يَخْزَوْا خِزْيًا وَلَمْ يَعْرِفُوا ٱلْخَجَلَ. لِذَلِكَ يَسْقُطُونَ بَيْنَ ٱلسَّاقِطِينَ. فِي وَقْتِ مُعَاقَبَتِهِمْ يَعْثُرُونَ، قَالَ ٱلرَّبُّ. «هَكَذَا قَالَ ٱلرَّبُّ: قِفُوا عَلَى ٱلطُّرُقِ وَٱنْظُرُوا، وَٱسْأَلُوا عَنِ ٱلسُّبُلِ ٱلْقَدِيمَةِ: أَيْنَ هُوَ ٱلطَّرِيقُ ٱلصَّالِحُ؟ وَسِيرُوا فِيهِ، فَتَجِدُوا رَاحَةً لِنُفُوسِكُمْ. وَلَكِنَّهُمْ قَالُوا: لَا نَسِيرُ فِيهِ! وَأَقَمْتُ عَلَيْكُمْ رُقَبَاءَ قَائِلِينَ: ٱصْغَوْا لِصَوْتِ ٱلْبُوقِ. فَقَالُوا: لَا نَصْغَى!»

تلك كانت حال اليهود حين ارتدوا: لقد تحولوا عن السبل القديمة. وتلك هي حال المرتدين: لقد ابتعدوا عن الكتاب القديم الصالح. فآدم وحواء سقطا لأنهما لم يصغيا لكلمة الله؛ لم يصدقا كلام الله، بل صدقا المجرب. وهكذا يسقط المرتدون — بالتحول عن كلمة الله.

وفي إرميا 2 نجد الله يحاجّهم كما يحاجّ الأب ابنه: «هَكَذَا قَالَ ٱلرَّبُّ: «مَاذَا وَجَدَ فِيَّ آبَاؤُكُمْ مِنْ جَوْرٍ حَتَّى ٱبْتَعَدُوا عَنِّي وَسَارُوا وَرَاءَ ٱلْبَاطِلِ وَصَارُوا بَاطِلًا؟... لِذَلِكَ أُخَاصِمُكُمْ بَعْدُ، يَقُولُ ٱلرَّبُّ، وَبَنِي بَنِيكُمْ أُخَاصِمُ... لِأَنَّ شَعْبِي عَمِلَ شَرَّيْنِ: تَرَكُونِي أَنَا يَنْبُوعَ ٱلْمِيَاهِ ٱلْحَيَّةِ، لِيَنْقُرُوا لِأَنْفُسِهِمْ أَبْآرًا، أَبْآرًا مُشَقَّقَةً لَا تَضْبُطُ مَاءً».

والآن، ثمة أمر واحد نريد أن نلفت إليه انتباه المرتدين: وهو أن الرب لم يتركهم قط، بل هم الذين تركوه! الرب لم يهجرهم، بل هم هجروه! وذلك أيضًا من غير أي سبب! فهو يقول: «مَاذَا وَجَدَ فِيَّ آبَاؤُكُمْ مِنْ جَوْرٍ حَتَّى ٱبْتَعَدُوا عَنِّي»؟ أليس الله اليوم هو هو كما كان يوم جئت إليه أول مرة؟ هل تغير الله؟ يميل الناس إلى الظن أن الله قد تغير؛ لكن العيب إنما هو فيهم. أيها المرتد، إني أسألك: «أي جور وجدت في الله حتى تركته وابتعدت عنه؟» لقد نقرتم لأنفسكم، كما يقول، آبارًا مشققة لا تضبط ماء. إن العالم لا يستطيع أن يشبع الطبيعة الجديدة. وما من بئر أرضية تروي نفسًا صارت شريكة الطبيعة السماوية. فالكرامة والغنى وملذات هذا العالم لا تشبع الذين ذاقوا ماء الحياة ثم ضلوا يطلبون الارتواء عند ينابيع العالم. الآبار الأرضية ستجف؛ إنها لا تقدر أن تروي العطش الروحي.

وفي العدد 32 أيضًا: «هَلْ تَنْسَى عَذْرَاءُ زِينَتَهَا، أَوْ عَرُوسٌ مَنَاطِقَهَا؟ أَمَّا شَعْبِي فَقَدْ نَسِيَنِي أَيَّامًا بِلَا عَدَدٍ». تلك هي الشكوى التي يرفعها الله على المرتدين، إذ يقول: «نَسِيَنِي أَيَّامًا بِلَا عَدَدٍ».

كثيرًا ما أذهلت الفتيات حين كنت أقول لإحداهن: «يا صديقتي، إنك تفكرين في قرطيك أكثر مما تفكرين في الرب». فيكون الجواب: «كلا، لست أفعل». ولكن حين أسأل: «أوَما كنت تنزعجين لو فقدت واحدًا منهما؟ أوَما كنت تشرعين في البحث عنه؟» يكون الجواب: «بلى، أظن ذلك». ومع أنهن تحولن عن الرب، فإن ذلك لم يسبب لهن أي انزعاج؛ ولا هن طلبنه لكي يجدنه.

كم من أناس كانوا يومًا في شركة مع الرب وعشرة يومية معه، صاروا الآن يفكرون في ثيابهم وحليهم أكثر مما يفكرون في نفوسهم الثمينة! إن المحبة لا تحب أن تُنسى. فالأمهات تنكسر قلوبهن لو أن أولادهن تركوهن فلم يكتبوا كلمة ولا أرسلوا أي تذكار مودة؛ والله يحاجّ عن المرتدين كما يحاجّ والد عن أحباء له ضلوا. إنه يحاول أن يستميلهم إلى الرجوع، ويسأل: «ماذا صنعت حتى تتركوني؟»

إن أرق الكلمات وأكثرها حبًّا في الكتاب المقدس كله هي كلمات يهوه للذين تركوه بلا سبب. إرميا 2:19.

اسمع كيف يحاجّ أمثال هؤلاء: (إرميا 2:19) «يُوَبِّخُكِ شَرُّكِ، وَعِصْيَانُكِ يُؤَدِّبُكِ. فَٱعْلَمِي وَٱنْظُرِي أَنَّ تَرْكَكِ ٱلرَّبَّ إِلَهَكِ شَرٌّ وَمُرٌّ، وَأَنَّ خَشْيَتِي لَيْسَتْ فِيكِ، يَقُولُ ٱلسَّيِّدُ رَبُّ ٱلْجُنُودِ».

لست أبالغ إذا قلت إني رأيت مئات من المرتدين يرجعون؛ وقد سألتهم إن لم يكونوا قد وجدوا أن ترك الرب شر ومر. ولن تجد مرتدًّا حقيقيًّا واحدًا عرف الرب إلا وهو يقر بأن التحول عنه شر ومر؛ ولا أعرف آية استُخدمت لرد التائهين أكثر من هذه الآية بعينها. ليتها تردك أنت إن كنت قد تهت إلى الكورة البعيدة.

انظر إلى لوط. أما وجد هو أن ذلك شر ومر؟ لقد قضى في سدوم عشرين سنة، وما ربح مهتديًا واحدًا. وقد أفلح في عيني العالم؛ ولو سألت الناس لقالوا لك إنه من أكثر رجال سدوم كلها نفوذًا ووجاهة. لكنه — واأسفاه! واأسفاه! — خرّب بيته. وإنه لمنظر يرثى له أن ترى ذلك المرتد الشيخ يجوب شوارع سدوم في منتصف الليل، بعدما أنذر أولاده فأداروا له آذانًا صماء.

لم أعرف قط رجلًا وامرأته ارتدّا إلا كان ذلك خرابًا تامًّا لأولادهما. فهم يتخذون الدين هزؤًا ويسخرون من والديهم: «يُوَبِّخُكِ شَرُّكِ، وَعِصْيَانُكِ يُؤَدِّبُكِ»! أما وجد داود ذلك؟ انظره وهو يصرخ: «يَا ٱبْنِي أَبْشَالُومُ، يَا ٱبْنِي، يَا ٱبْنِي أَبْشَالُومُ! يَالَيْتَنِي مُتُّ عِوَضًا عَنْكَ! يَا أَبْشَالُومُ ٱبْنِي، يَا ٱبْنِي». وأظن أن الذي سبب له هذا الجزع إنما هو خراب ابنه لا موته.

أذكر أني كنت منذ سنوات منشغلًا في حديث مع رجل شيخ إلى ما بعد منتصف الليل. كان قد قضى سنين تائهًا على جبال الخطية الجرداء، وفي تلك الليلة أراد الرجوع. فصلينا وصلينا وصلينا حتى أشرق النور عليه، ومضى فرحًا. وفي الليلة التالية جلس أمامي وأنا أعظ، وأظن أني ما رأيت في حياتي كلها إنسانًا بذلك القدر من الحزن والشقاء. وتبعني إلى غرفة الاسترشاد. سألته: «ما الخطب؟» «هل تحولت عينك عن المخلّص؟ هل رجعت إليك شكوكك؟» فقال: «لا، ليس ذلك»، ثم أضاف: «لم أذهب اليوم إلى عملي، بل قضيت النهار كله في زيارة أولادي. إنهم جميعًا متزوجون وفي هذه المدينة. فذهبت من بيت إلى بيت، فما منهم أحد إلا هزأ بي. إنه أحلك يوم في حياتي. لقد انتبهت الآن إلى ما فعلت: لقد أدخلت أولادي إلى العالم، والآن لا أستطيع أن أخرجهم منه». كان الرب قد رد له بهجة خلاصه؛ ولكن بقيت عليه عاقبة معصيته المرة. يمكنك أن تراجع اختبارك؛ وستجد أمثال هذه الحوادث تتكرر المرة بعد المرة. كثيرون جاءوا إلى مدينتكم منذ سنين وهم يخدمون الله، فلما أثروا نسوه: فأين بنوهم وبناتهم؟ أرني الأب والأم اللذين هجرا الرب ورجعا إلى أركان العالم الفقيرة، وسأكون مخطئًا إن لم يكن أولادهما في الطريق السريع إلى الهلاك.

وإذ نبتغي الأمانة فإننا ننذر هؤلاء المرتدين. إن الإنذار بالخطر علامة محبة. وقد نُحسب أعداء إلى حين؛ لكن أصدق الأصدقاء هم الذين يرفعون صوت الإنذار. لم يكن لإسرائيل صديق أصدق من موسى. وفي إرميا أعطى الله شعبه نبيًّا باكيًا ليردهم إليه؛ لكنهم نبذوا الله. نسوا الإله الذي أخرجهم من مصر وقادهم عبر البرية إلى أرض الموعد. في رخائهم نسوه وتحولوا عنه. وكان الرب قد أخبرهم بما سيحدث (تثنية 28). وانظر ما الذي حدث: الملك الذي استخف بكلمة الله سباه نبوخذناصر، وأُحضر بنوه أمامه فقُتلوا جميعًا، وقُلعت عيناه من رأسه، وقُيد بسلاسل من نحاس وطُرح في سجن في بابل (2 ملوك 25:7). هكذا حصد ما كان قد زرعه. حقًّا إنه لشر ومر أن يرتد الإنسان؛ لكن الرب يريد أن يستميلك إلى الرجوع برسالة عمله.

في إرميا 8:5 نقرأ: «فَلِمَاذَا ٱرْتَدَّ هَذَا ٱلشَّعْبُ فِي أُورُشَلِيمَ ٱرْتِدَادًا دَائِمًا؟ تَمَسَّكُوا بِٱلْمَكْرِ. أَبَوْا أَنْ يَرْجِعُوا». هذا ما يأخذه الرب عليهم: «أَبَوْا أَنْ يَرْجِعُوا». «صَغَيْتُ وَسَمِعْتُ. بِغَيْرِ ٱلْمُسْتَقِيمِ يَتَكَلَّمُونَ. لَيْسَ أَحَدٌ يَتُوبُ عَنْ شَرِّهِ قَائِلًا: مَاذَا عَمِلْتُ؟ كُلُّ وَاحِدٍ رَجَعَ إِلَى مَسْرَاهُ كَفَرَسٍ ثَائِرٍ فِي ٱلْحَرْبِ. بَلِ ٱللَّقْلَقُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ يَعْرِفُ مِيعَادَهُ، وَٱلْيَمَامَةُ وَٱلسُّنُوْنَةُ ٱلْمُزَقْزِقَةُ حَفِظَتَا وَقْتَ مَجِيئِهِمَا. أَمَّا شَعْبِي فَلَمْ يَعْرِفْ قَضَاءَ ٱلرَّبِّ!»

والآن انظر: «صَغَيْتُ وَسَمِعْتُ. بِغَيْرِ ٱلْمُسْتَقِيمِ يَتَكَلَّمُونَ». لا مذبح عائلي! ولا قراءة للكتاب المقدس! ولا عبادة في المخدع! الله ينحني ليسمع؛ لكن شعبه قد تحولوا عنه! فإن وُجد مرتد تائب، متلهف إلى الغفران والاسترداد، فلن تجد كلمات أرق من التي في إرميا 3:12: «اِذْهَبْ وَنَادِ بِهَذِهِ ٱلْكَلِمَاتِ نَحْوَ ٱلشِّمَالِ، وَقُلِ: ٱرْجِعِي أَيَّتُهَا ٱلْعَاصِيَةُ إِسْرَائِيلُ، يَقُولُ ٱلرَّبُّ. لَا أُوقِعُ غَضَبِي بِكُمْ لِأَنِّي رَؤُوفٌ، يَقُولُ ٱلرَّبُّ. لَا أَحْقِدُ إِلَى ٱلْأَبَدِ». والآن لاحظ: «اِعْرِفِي فَقَطْ إِثْمَكِ أَنَّكِ إِلَى ٱلرَّبِّ إِلَهِكِ أَذْنَبْتِ، وَفَرَّقْتِ طُرُقَكِ لِلْغُرَبَاءِ تَحْتَ كُلِّ شَجَرَةٍ خَضْرَاءَ، وَلِصَوْتِي لَمْ تَسْمَعُوا، يَقُولُ ٱلرَّبُّ. اِرْجِعُوا أَيُّهَا ٱلْبَنُونَ ٱلْعُصَاةُ، يَقُولُ ٱلرَّبُّ، لِأَنِّي سُدْتُ عَلَيْكُمْ» — تأمل أن يجيء الله ويقول: «لِأَنِّي سُدْتُ عَلَيْكُمْ! — فَآخُذَكُمْ وَاحِدًا مِنَ ٱلْمَدِينَةِ، وَٱثْنَيْنِ مِنَ ٱلْعَشِيرَةِ، وَآتِي بِكُمْ إِلَى صِهْيَوْنَ».

«اِعْرِفِي فَقَطْ إِثْمَكِ». كم من مرة رفعت هذا المقطع أمام مرتد! «اعترف» به؛ والله يقول: إني أغفر لك. أذكر رجلًا سأل: «من قال هذا؟ وهل هو موجود هناك حقًّا؟» فرفعت أمامه المقطع: «اِعْرِفِي فَقَطْ إِثْمَكِ»، فجثا الرجل على ركبتيه وصرخ: «إلهي، لقد أخطأت»، فاسترده الرب هناك في الحال. إن كنت قد تهت، فهو يريدك أن ترجع.

ويقول في موضع آخر: «مَاذَا أَصْنَعُ بِكَ يَا أَفْرَايِمُ؟ مَاذَا أَصْنَعُ بِكَ يَا يَهُوذَا؟ فَإِنَّ إِحْسَانَكُمْ كَسَحَابِ ٱلصُّبْحِ، وَكَالنَّدَى ٱلْمَاضِي بَاكِرًا» (هوشع 6:4). إن حنانه ومحبته لعجيبان!

وفي إرميا 3:22: «اِرْجِعُوا أَيُّهَا ٱلْبَنُونَ ٱلْعُصَاةُ فَأَشْفِيَ عِصْيَانَكُمْ». «هَا قَدْ أَتَيْنَا إِلَيْكَ، لِأَنَّكَ أَنْتَ ٱلرَّبُّ إِلَهُنَا». إنه يضع الكلام وضعًا في فم المرتد. تعالَ فقط؛ فإن جئت، فسيقبلك بالحسنى ويحبك فضلًا.

وفي هوشع 14:1-2، 4: «اِرْجِعْ يَا إِسْرَائِيلُ إِلَى ٱلرَّبِّ إِلَهِكَ، لِأَنَّكَ قَدْ تَعَثَّرْتَ بِإِثْمِكَ. خُذُوا مَعَكُمْ كَلَامًا وَٱرْجِعُوا إِلَى ٱلرَّبِّ (إنه يضع الكلام في فمك). قُولُوا لَهُ: «ٱرْفَعْ كُلَّ إِثْمٍ وَٱقْبَلْ حَسَنًا، فَنُقَدِّمَ عُجُولَ شِفَاهِنَا... أَنَا أَشْفِي ٱرْتِدَادَهُمْ. أُحِبُّهُمْ فَضْلًا، لِأَنَّ غَضَبِي قَدِ ٱرْتَدَّ عَنْهُ». لاحظ فقط كيف يرن النداء: ارجعوا! ارجعوا!! ارجعوا!!! عبر هذه المقاطع كلها.

والآن، إن كنت قد تهت، فاذكر أنك أنت الذي تركته، لا هو الذي تركك. وعليك أن تخرج من حفرة الارتداد بنفس الطريق التي دخلت بها. وإن أخذت نفس الطريق التي كنت فيها حين تركت السيد فستجده الآن، حيث أنت.

لو أننا عاملنا المسيح كما نعامل أي صديق أرضي لما تركناه قط؛ ولما وُجد مرتد واحد. فلو أقمت في بلدة أسبوعًا واحدًا لما خطر لي أن أرحل من دون أن أصافح الأصدقاء الذين اتخذتهم وأقول لهم «إلى اللقاء». ولو ركبت القطار ورحلت من دون كلمة لأحد لكنت ملومًا بحق، ولصاح الناس: «ما الخبر؟» ولكن هل سمعت قط بمرتد ودّع الرب يسوع المسيح قائلًا «إلى اللقاء»؛ ودخل مخدعه وقال: «أيها الرب يسوع، لقد عرفتك عشر سنين أو عشرين أو ثلاثين؛ لكني سئمت خدمتك. نيرك ليس هينًا، وحملك ليس خفيفًا؛ فأنا راجع إلى العالم، إلى قدور اللحم في مصر. إلى اللقاء أيها الرب يسوع! وداعًا»؟ هل سمعت بذلك قط؟ لا، لم تسمع ولن تسمع. أقول لك: إن دخلت المخدع وأغلقت الباب دون العالم وحادثت السيد، فلن تستطيع أن تتركه. بل ستكون لغة قلبك: «إِلَى مَنْ نَذْهَبُ» إلا إليك؟ «كَلَامُ ٱلْحَيَاةِ ٱلْأَبَدِيَّةِ عِنْدَكَ» (يوحنا 6:68). لن تستطيع الرجوع إلى العالم إن عاملته هكذا. لكنك تركته وهربت. لقد نسيته أيامًا بلا عدد. فارجع اليوم؛ ارجع كما أنت! واعزم أنك لن تستريح حتى يرد الله لك بهجة خلاصه.

التقى رجل نبيل في كورنوول مسيحيًّا في الشارع كان يعرف أنه مرتد. فدنا منه وقال: «قل لي، أليس بينك وبين الرب يسوع جفاء؟» فنكس الرجل رأسه وقال: «بلى». فقال الرجل النبيل: «حسنًا»، وأردف: «فماذا فعل هو بك؟» فكان الجواب سيلًا من الدموع.

في رؤيا 2:4-5 نقرأ: «لَكِنْ عِنْدِي عَلَيْكَ: أَنَّكَ تَرَكْتَ مَحَبَّتَكَ ٱلْأُولَى. فَٱذْكُرْ مِنْ أَيْنَ سَقَطْتَ وَتُبْ، وَٱعْمَلِ ٱلْأَعْمَالَ ٱلْأُولَى، وَإِلَّا فَإِنِّي آتِيكَ عَنْ قَرِيبٍ وَأُزَحْزِحُ مَنَارَتَكَ مِنْ مَكَانِهَا، إِنْ لَمْ تَتُبْ». وأريد أن أحذرك من خطأ يقع فيه بعض الناس في ما يخص «عمل الأعمال الأولى». فكثيرون يظنون أن عليهم أن يجتازوا في الاختبار الأول نفسه مرة أخرى. وهذا ما أبقى ألوفًا شهورًا بلا سلام؛ لأنهم كانوا ينتظرون أن يتجدد لهم اختبارهم الأول. إنك لن تنال نفس الاختبار الذي كان لك حين جئت إلى الرب أول مرة. فالله لا يكرر نفسه قط. وما من اثنين بين ملايين الأرض كلها يتشابهان في الملامح أو في الفكر. قد تقول إنك لا تستطيع التمييز بين شخصين؛ لكنك متى عرفتهما جيدًا سرعان ما تميز الفروق بينهما. هكذا لن ينال أحد الاختبار نفسه مرتين. فإن أراد الله أن يرد البهجة إلى نفسك فدعه يفعل ذلك بطريقته هو. لا ترسم لله طريقًا يباركك بها. ولا تنتظر نفس الاختبار الذي كان لك قبل سنتين أو عشرين سنة. سيكون لك اختبار جديد، والله يتعامل معك بطريقته الخاصة. إن اعترفت بخطاياك وقلت له إنك تهت عن سبيل وصاياه، فسيرد لك بهجة خلاصه.

أريد أن ألفت انتباهك إلى الكيفية التي سقط بها بطرس؛ وأظن أن الجميع تقريبًا يسقطون على هذا النحو نفسه. وأريد أن أرفع صوت تحذير للذين لم يسقطوا: «مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ قَائِمٌ، فَلْيَنْظُرْ أَنْ لَا يَسْقُطَ» (1 كورنثوس 10:12). منذ خمس وعشرين سنة — وطوال السنوات الخمس الأولى بعد اهتدائي — كنت أظن أني لو قدرت على الثبات عشرين سنة فلن أخشى بعدها سقوطًا. لكن كلما اقتربت من الصليب اشتد القتال. إن الشيطان يصوب إلى العلاء. لقد دخل بين الاثني عشر فاختار أمين الصندوق — يهوذا الإسخريوطي — وكبير الرسل — بطرس. إن معظم الذين سقطوا إنما سقطوا من الجانب الأقوى في طباعهم. وقد قيل لي إن الجهة الوحيدة التي هوجمت منها قلعة إدنبرة بنجاح هي الجهة التي كانت صخورها أشد انحدارًا، حيث ظنت الحامية نفسها في مأمن. فإن ظن أحد أنه قوي بما يكفي لمقاومة إبليس عند نقطة بعينها، فهو يحتاج إلى سهر خاص هناك، لأن المجرب يأتي من ذلك الطريق.

إن أبراهيم يقف، إن جاز القول، على رأس عائلة الإيمان؛ ويمكن أن يقال إن أولاد الإيمان ينتسبون إلى أبراهيم: ومع ذلك فإنه هناك في مصر أنكر زوجته (تكوين 12). وموسى كان مشهورًا بوداعته؛ ومع ذلك حُرم من دخول أرض الموعد بسبب فعلة واحدة متسرعة وكلمة واحدة متسرعة، حين أمره الرب أن يكلم الصخرة لكي يكون للجماعة ولبهائمهم ماء يشربونه: «ٱسْمَعُوا أَيُّهَا ٱلْمَرَدَةُ، أَمِنْ هَذِهِ ٱلصَّخْرَةِ نُخْرِجُ لَكُمْ مَاءً؟» (عدد 20:10).

وإيليا كان عجيبًا في جرأته: ومع ذلك مضى مسيرة يوم في البرية كالجبان واختبأ تحت رتمة، وطلب لنفسه الموت، بسبب رسالة جاءته من امرأة (1 ملوك 19). فلنحترس. مهما يكن الرجل — ولو كان على المنبر — فإنه متى أعجب بنفسه فلا بد أن يسقط. نحن أتباع المسيح نحتاج أن نصلي على الدوام لكي نصير متواضعين ونُحفظ متواضعين. لقد جعل الله وجه موسى يلمع حتى يراه الآخرون؛ أما موسى نفسه فلم يكن يعلم أن وجهه يلمع. وكلما ازداد الإنسان قداسة في قلبه صارت سيرته اليومية وسلوكه أظهر أمام العالم الخارجي. بعض الناس يتحدثون عن مقدار تواضعهم؛ ولكن لو كان عندهم التواضع الحقيقي لما احتاجوا إلى إذاعته، فذلك غير لازم. المنارة لا يُقرع أمامها طبل ولا يُنفخ بوق ليُعلَن قربها: إنها شاهدة لنفسها. فكذلك إن كان فينا النور الحقيقي فسيظهر من ذاته. وليس أصحاب الجلبة الأكثر هم أصحاب التقوى الأوفر. قريبًا من مسكني جدول، أو «بيرن» صغير كما يسميه الاسكتلنديون؛ بعد المطر الغزير تسمع خرير مائه من مسافة بعيدة، فإذا جاءت أيام قليلة من الصحو كاد الجدول يصمت. لكن قرب بيتي نهرًا ما سمعت صوت جريانه قط في حياتي، وهو يمضي في مجراه العميق المهيب السنة كلها. هكذا ينبغي أن يكون فينا من محبة الله مقدار يجعل حضورها بيّنًا من غير أن نجلجل نحن بإعلانها.

كانت الخطوة الأولى في سقوط بطرس ثقته بنفسه. وقد حذره الرب فقال: «سِمْعَانُ، سِمْعَانُ، هُوَذَا ٱلشَّيْطَانُ طَلَبَكُمْ لِكَيْ يُغَرْبِلَكُمْ كَٱلْحِنْطَةِ! وَلَكِنِّي طَلَبْتُ مِنْ أَجْلِكَ لِكَيْ لَا يَفْنَى إِيمَانُكَ» (لوقا 22:31-32). لكن بطرس قال: «إِنِّي مُسْتَعِدٌّ أَنْ أَمْضِيَ مَعَكَ حَتَّى إِلَى ٱلسِّجْنِ وَإِلَى ٱلْمَوْتِ!» «وَإِنْ شَكَّ فِيكَ ٱلْجَمِيعُ فَأَنَا لَا أَشُكُّ أَبَدًا» (متى 26:33). «قد يتركك يعقوب ويوحنا والآخرون؛ أما أنا فيمكنك الاعتماد علي!» لكن الرب حذره: «أَقُولُ لَكَ يَابُطْرُسُ: لَا يَصِيحُ ٱلدِّيكُ ٱلْيَوْمَ قَبْلَ أَنْ تُنْكِرَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ أَنَّكَ تَعْرِفُنِي» (لوقا 22:34).

ومع أن الرب وبخه، قال بطرس إنه مستعد أن يتبعه إلى الموت. إن ذلك التبجح كثيرًا ما يكون نذير سقوط. فلنسلك بتواضع ووداعة. إن لنا مجربًا عظيمًا؛ وقد نعثر في ساعة غفلة ونسقط ونجلب على المسيح عارًا.

وكانت الخطوة التالية في سقوط بطرس أنه نام. إن استطاع الشيطان أن يهدهد الكنيسة حتى تنام، فإنه يتم عمله بأيدي شعب الله أنفسهم. فبدل أن يسهر بطرس ساعة واحدة قصيرة في جثسيماني، نام، فسأله الرب: «أَهَكَذَا مَا قَدَرْتُمْ أَنْ تَسْهَرُوا مَعِي سَاعَةً وَاحِدَةً؟» (متى 26:40). ثم إنه بعد ذلك حارب بقوة الجسد؛ فانتهره الرب ثانية قائلًا إن «كُلَّ ٱلَّذِينَ يَأْخُذُونَ ٱلسَّيْفَ بِٱلسَّيْفِ يَهْلِكُونَ!» (متى 26:52). وكان على يسوع أن ينقض ما فعله بطرس. ثم إنه «تَبِعَهُ مِنْ بَعِيدٍ». خطوة فخطوة يبتعد. إنه لأمر محزن أن يتبع ولد من أولاد الله سيده من بعيد. حين تراه يعاشر أصدقاء العالم ويلقي بثقله في الجانب الخطأ فهو يتبع من بعيد؛ ولن يمضي وقت طويل حتى يلحق العار باسم العائلة القديم، ويُجرح يسوع المسيح في بيت أحبائه. وذلك الرجل سيُعثر غيره بمثاله فيسقطون.

والخطوة التالية — بطرس يألف أعداء المسيح ويأنس بهم. تقول جارية لبطرس الجريء هذا: «وَأَنْتَ كُنْتَ مَعَ يَسُوعَ ٱلْجَلِيلِيِّ!» فأنكر قدام الجميع قائلًا: «لَسْتُ أَدْرِي مَا تَقُولِينَ!» ولما خرج إلى الدهليز رأته أخرى فقالت للذين هناك: «وَهَذَا كَانَ مَعَ يَسُوعَ ٱلنَّاصِرِيِّ!» فأنكر أيضًا بقسم: «إِنِّي لَسْتُ أَعْرِفُ ٱلرَّجُلَ!» ومضت ساعة أخرى وهو لم يدرك بعد موقفه؛ حتى جزم آخر بأنه جليلي، لأن لغته تظهره. فغضب وابتدأ يلعن ويحلف، وأنكر سيده مرة أخرى: وصاح الديك (متى 26:69-74).

إنه يبتدئ من فوق، من قمة العجب بالنفس، ثم ينحدر خطوة فخطوة حتى ينفجر لاعنًا، ويقسم أنه لم يعرف ربه قط.

كان يمكن للسيد أن يلتفت ويقول له: «أحقًّا يا بطرس أنك نسيتني بهذه السرعة؟ أما تذكر حين كانت حماتك مطروحة محمومة أني انتهرت المرض فتركها؟ أما تستحضر دهشتك من صيد السمك حتى صرخت: ‹ٱخْرُجْ مِنْ سَفِينَتِي يَارَبُّ، لِأَنِّي رَجُلٌ خَاطِئٌ›؟ أما تذكر أني، استجابة لصراخك: ‹يا رب نجني وإلا هلكت›، مددت يدي وحفظتك من الغرق في الماء؟ أما نسيت أنك على جبل التجلي، مع يعقوب ويوحنا، قلت لي: ‹يا رب، جيد أن نكون ههنا؛ فلنصنع ثلاث مظال›؟ أما نسيت أنك كنت معي إلى مائدة العشاء، وفي جثسيماني؟ أحقٌّ أنك نسيتني بهذه السرعة؟» كان يمكن أن يعاتبه الرب بأسئلة كهذه: لكنه لم يفعل شيئًا من ذلك. بل نظر إلى بطرس نظرة واحدة، كان فيها من المحبة ما كسر قلب ذلك التلميذ الجريء: فخرج إلى خارج وبكى بكاء مرًّا.

وبعدما قام المسيح من الأموات، انظر كم برفق عامل التلميذ الضال. فالملاك عند القبر يقول: «قُلْنَ لِتَلَامِيذِهِ وَلِبُطْرُسَ» (مرقس 16:7). لم ينس الرب بطرس، مع أن بطرس أنكره ثلاث مرات؛ فأمر بإبلاغ هذه الرسالة الخاصة الرقيقة إلى التلميذ التائب. فأي مخلّص رقيق محب لنا!

يا صديقي، إن كنت واحدًا من التائهين، فدع نظرة السيد المحبة تستردك؛ ودعه يرد لك بهجة خلاصه.

وقبل الختام، دعني أقول إني واثق بأن الله سيسترد مرتدًّا ما ممن يقرأون هذه الصفحات، فيصير في المستقبل عضوًا نافعًا في المجتمع وزينة مضيئة للكنيسة. فلولا أن داود استُرد لما كان لنا المزمور الثاني والثلاثون: «طُوبَى لِلَّذِي غُفِرَ إِثْمُهُ وَسُتِرَتْ خَطِيَّتُهُ»؛ ولا ذلك المزمور الحادي والخمسون الجميل الذي كتبه المرتد المستَرد. وما كانت لنا كذلك تلك العظة العجيبة يوم الخمسين، حين اهتدى ثلاثة آلاف — وهي عظة وعظ بها مرتد آخر استُرد.

ليت الله يسترد مرتدين آخرين ويجعلهم أدوات لمجده أنفع ألف مرة مما كانوا من قبل.

الطريق إلى الله Dwight L. Moody

صفحة 1 / 1 · 15 دقيقة متبقية في الفصل