فصل 7 · قراءة 21 د
ترجمة بالذكاء الاصطناعي — في انتظار مراجعة ناطق أصلي
يقين الخلاص
«كَتَبْتُ هَذَا إِلَيْكُمْ، أَنْتُمُ ٱلْمُؤْمِنِينَ بِٱسْمِ ٱبْنِ ٱللهِ، لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ لَكُمْ حَيَاةً أَبَدِيَّةً، وَلِكَيْ تُؤْمِنُوا بِٱسْمِ ٱبْنِ ٱللهِ».
(1 يوحنا 5:13)
هناك فئتان لا ينبغي أن يكون لهما يقين الخلاص: الأولى، الذين هم في الكنيسة ولكنهم لم يهتدوا، إذ لم يولدوا من الروح قط. والثانية، الذين لا يريدون أن يعملوا مشيئة الله، وليسوا مستعدين أن يأخذوا المكان الذي رسمه الله لهم، بل يريدون أن يشغلوا مكانًا آخر.
قد يسأل أحدهم: «هل لجميع شعب الله يقين الخلاص؟» لا؛ أظن أن كثيرين من أولاد الله الأعزاء ليس عندهم يقين؛ غير أن من امتياز كل ولد من أولاد الله أن يعرف خلاصه معرفة لا يخالطها شك. فما من إنسان مملوء بالشكوك يصلح لخدمة الله. وإن لم يكن الإنسان موقنًا من خلاص نفسه، فكيف يعين غيره على دخول ملكوت الله؟ فلو كنت مشرفًا على الغرق ولا أدري هل أبلغ الشاطئ يومًا، لما استطعت أن أساعد سواي؛ بل عليّ أولًا أن أقف أنا على الصخر الثابت، وحينئذ أمدّ لأخي يد العون. ولو كنت أعمى ورحت أصف لأعمى آخر كيف ينال البصر، لجاز أن يجيبني: «اشفَ نفسك أولًا، وبعد ذلك تستطيع أن تخبرني». وقد التقيت منذ عهد قريب شابًّا مسيحيًّا، لكنه لم يكن قد بلغ النصرة على الخطية، وكان في ظلمة رهيبة. ومثل هذا لا يصلح للعمل لله، لأن فيه خطايا محيطة به؛ وهو لا يملك النصرة على شكوكه لأنه لا يملك النصرة على خطاياه.
لن يجد وقتًا ولا قلبًا للعمل لله من ليس موقنًا من خلاص نفسه. فعند هؤلاء من الشواغل ما يكفيهم؛ وإذ هم أنفسهم مثقلون بالشكوك، لا يستطيعون أن يعينوا الآخرين على حمل أثقالهم. فلا راحة ولا فرح ولا سلام — ولا حرية ولا قوة — حيث توجد الشكوك والحيرة.
والآن يبدو أن للشيطان ثلاث حيل ينبغي أن نكون منها على حذر: ففي المقام الأول يحرّك مملكته كلها ليبعدنا عن المسيح؛ ثم يجتهد أن يدخلنا «قلعة الشك»؛ فإن كانت لنا، رغم أنفه، شهادة واضحة مدوّية لابن الله، بذل كل ما في وسعه ليسوّد سيرتنا ويكذّب شهادتنا.
يظن بعضهم أن من الغرور ألا تكون عندنا شكوك؛ لكن الشك فيه إهانة عظيمة لله. فلو قال أحد إنه يعرف شخصًا منذ ثلاثين سنة وإنه مع ذلك لا يثق به، لما كان ذلك مما يُحمد له؛ فإذا كنا قد عرفنا الله عشر سنين أو عشرين أو ثلاثين، أفلا يكون الشك فيه طعنًا في صدقه؟
وهل كان في وسع بولس والمسيحيين الأولين والشهداء أن يجتازوا ما اجتازوه لو كانوا مملوءين شكوكًا، لا يدرون أإلى السماء يمضون بعد أن يُحرقوا أحياء أم إلى الهلاك؟ لا بد أنه كان عندهم يقين الخلاص.
يقول السيد سبرجن: «لم أسمع قط بلقلق وجد شجرة سرو فتردد في حقه أن يبني عشه عليها؛ ولا سمعت بوبرٍ تساءل يومًا هل معه تصريح أن يأوي إلى الصخر. إن هذه الخلائق سرعان ما تهلك لو ظلت أبدًا تشك وتخاف في ما إذا كان لها حق أن تنتفع بما أعدّته لها العناية الإلهية.
«فاللقلق يقول في نفسه: ‹ها هنا شجرة سرو›، ويشاور رفيقته: ‹أتصلح هذه لعشّ نربّي فيه صغارنا؟› فتجيب: ‹نعم›؛ فيجمعان المواد ويرتّبانها. وليس هناك قط تداول: ‹أيحلّ لنا أن نبني هنا؟› بل يجيئان بعيدانهما ويصنعان عشهما.
«والوعل على الصخر لا يقول: ‹هل لي حق هنا؟› كلا، فلا بد له أن يكون في مكان ما؛ وهوذا صخر يلائمه تمامًا، فيثب عليه.
«ومع أن هذه الخلائق العجماء تعرف ما أعدّه لها إلهها، فإن الخاطئ لا يعرف ما أعدّه له مخلّصه، بل يماحك ويتساءل: ‹أيجوز لي؟› و‹أخشى أن ليس هذا لي›؛ و‹أظنه لا يمكن أن يكون مقصودًا بي›؛ و‹أخاف أنه أحسن من أن يكون حقًّا›.
«ومع ذلك لم يقل أحد قط للقلق: ‹كل من يبني على شجرة السرو هذه فلن يُهدم عشه أبدًا›. ولا قالت كلمة موحى بها للوبر يومًا: ‹كل من يأوي إلى شق هذا الصخر فلن يُطرد منه أبدًا›. ولو كان الأمر كذلك لصار اليقين يقينًا مضاعفًا».
«ومع هذا فهوذا المسيح معدّ للخطاة، وهو المخلّص الذي يحتاج إليه الخطاة بعينه؛ وقد أُضيف إلى ذلك التشجيع: ‹مَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ لَا أُخْرِجْهُ خَارِجًا›؛ ‹مَنْ يُرِدْ فَلْيَأْخُذْ مَاءَ حَيَاةٍ مَجَّانًا›».
والآن لنأتِ إلى الكلمة. يخبرنا يوحنا في إنجيله بما صنعه المسيح لأجلنا على الأرض؛ وفي رسالته يخبرنا بما يصنعه لأجلنا في السماء بوصفه شفيعنا. وفي إنجيله أصحاحان فقط لا ترد فيهما كلمة «آمن». وفيما عدا هذين الأصحاحين، فكل أصحاح في يوحنا هو: «آمن! آمن!! آمن!!!» وهو يقول لنا في 20:31: «وَأَمَّا هَذِهِ فَقَدْ كُتِبَتْ لِتُؤْمِنُوا أَنَّ يَسُوعَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللهِ، وَلِكَيْ تَكُونَ لَكُمْ إِذَا آمَنْتُمْ حَيَاةٌ بِٱسْمِهِ». فذلك هو الغرض الذي كتب لأجله الإنجيل — «لكي نؤمن أن يسوع هو المسيح ابن الله، ولكي تكون لنا إذا آمنّا حياة باسمه» (يوحنا 20:31).
ارجع إلى 1 يوحنا 5:13، فهناك يخبرنا لماذا كتب هذه الرسالة: «كَتَبْتُ هَذَا إِلَيْكُمْ، أَنْتُمُ ٱلْمُؤْمِنِينَ بِٱسْمِ ٱبْنِ ٱللهِ». لاحظ لمن يكتبها: «أَنْتُمُ ٱلْمُؤْمِنِينَ بِٱسْمِ ٱبْنِ ٱللهِ، لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ لَكُمْ حَيَاةً أَبَدِيَّةً، وَلِكَيْ تُؤْمِنُوا بِٱسْمِ ٱبْنِ ٱللهِ». وليس في هذه الرسالة الأولى إلا خمسة أصحاحات قصيرة، وكلمة «نعلم» ترد فيها أكثر من أربعين مرة. إنها: «اعلم! اعلم!! اعلم!!!» فمفتاحها هو: اعلم! وفي الرسالة كلها من أولها إلى آخرها تتردد اللازمة: «أن نعلم أن لنا حياة أبدية».
لقد نزلت في الربيع، منذ سنين، ألفًا ومئتي ميل في نهر المسيسيبي؛ وكنت كل مساء، عند مغيب الشمس بالذات، ترى رجالًا — وأحيانًا نساء — مقبلين إلى ضفتي النهر على البغال أو الخيل، وأحيانًا على الأقدام، ليوقدوا مصابيح الحكومة؛ وكانت على امتداد ذلك النهر العظيم كله علامات إرشاد تهدي الملّاحين في ملاحتهم الخطرة. كذلك أعطانا الله أنوارًا وعلامات تخبرنا هل نحن أولاده أم لا؛ وما نحتاج إليه هو أن نفحص العلامات التي أعطانا إياها.
في الأصحاح الثالث من رسالة يوحنا الأولى خمسة أمور تستحق أن تُعلم.
في الآية الخامسة نقرأ الأول: «وَتَعْلَمُونَ أَنَّ ذَاكَ أُظْهِرَ لِكَيْ يَرْفَعَ خَطَايَانَا، وَلَيْسَ فِيهِ خَطِيَّةٌ». ليس المدار على ما فعلتُه أنا، بل على ما فعله هو. فهل أخفق في مهمته؟ أوَليس قادرًا على ما جاء لأجله؟ وهل أخفق قط رسول أرسلته السماء؟ أفيُخفق ابن الله نفسه؟ لقد أُظهر ليرفع خطايانا.
ثم في الآية التاسعة عشرة الأمر الثاني الجدير بأن يُعلم: «وَبِهَذَا نَعْرِفُ أَنَّنَا مِنَ ٱلْحَقِّ وَنُسَكِّنُ قُلُوبَنَا قُدَّامَهُ». إننا نعرف أننا من الحق. وإن كان الحق يحررنا فبالحقيقة نكون أحرارًا. «فَإِنْ حَرَّرَكُمْ ٱلِٱبْنُ فَبِالْحَقِيقَةِ تَكُونُونَ أَحْرَارًا» (يوحنا 8:36).
والأمر الثالث الجدير بأن يُعلم في الآية الرابعة عشرة: «نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّنَا قَدِ ٱنْتَقَلْنَا مِنَ ٱلْمَوْتِ إِلَى ٱلْحَيَاةِ، لِأَنَّنَا نُحِبُّ ٱلْإِخْوَةَ». فالإنسان الطبيعي لا يحب أهل التقوى، ولا يبالي أن يكون في صحبتهم. «مَنْ لَا يُحِبَّ أَخَاهُ يَبْقَ فِي ٱلْمَوْتِ». فليست فيه حياة روحية.
والأمر الرابع الجدير بأن يُعلم نجده في الآية الرابعة والعشرين: «وَمَنْ يَحْفَظْ وَصَايَاهُ يَثْبُتْ فِيهِ وَهُوَ فِيهِ. وَبِهَذَا نَعْرِفُ أَنَّهُ يَثْبُتُ فِينَا: مِنَ ٱلرُّوحِ ٱلَّذِي أَعْطَانَا». إننا نستطيع أن نعرف أي روح لنا إن كنا نملك روح المسيح — روحًا شبيهة بروح المسيح — لا في الدرجة نفسها بل في النوع نفسه. فإن كنت وديعًا لطيفًا غفورًا؛ وإن كانت روحي مملوءة سلامًا وفرحًا؛ وإن كنت طويل الأناة رقيقًا مثل ابن الله — فذلك محكّ: وبهذه الطريقة نعرف هل لنا حياة أبدية أم لا.
والأمر الخامس الجدير بأن يُعلم، وهو أفضلها جميعًا: «أَيُّهَا ٱلْأَحِبَّاءُ، ٱلْآنَ». لاحظ كلمة «ٱلْآنَ». فهو لا يقول: حين يدنو بك الموت. «أَيُّهَا ٱلْأَحِبَّاءُ، ٱلْآنَ نَحْنُ أَوْلَادُ ٱللهِ، وَلَمْ يُظْهَرْ بَعْدُ مَاذَا سَنَكُونُ. وَلَكِنْ نَعْلَمُ أَنَّهُ إِذَا أُظْهِرَ نَكُونُ مِثْلَهُ، لِأَنَّنَا سَنَرَاهُ كَمَا هُوَ» (الآية 2).
ولكن قائلًا يقول: «حسنًا، أنا أومن بهذا كله؛ ولكني قد أخطأت منذ أن صرت مسيحيًّا». وهل على وجه الأرض رجل أو امرأة لم يخطئ منذ أن صار مسيحيًّا؟ لا أحد! لم تكن قط، ولن تكون، على هذه الأرض نفس لم تخطئ، أو لن تخطئ، في وقت ما من اختبارها المسيحي. ولكن الله قد أعدّ العدّة لخطايا المؤمنين. لسنا نحن من يعدّ لها العدة؛ بل الله أعدّها. فاحفظ ذلك في بالك.
ارجع إلى 1 يوحنا 2:1: «يَا أَوْلَادِي، أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ هَذَا لِكَيْ لَا تُخْطِئُوا. وَإِنْ أَخْطَأَ أَحَدٌ فَلَنَا شَفِيعٌ عِنْدَ ٱلْآبِ، يَسُوعُ ٱلْمَسِيحُ ٱلْبَارُّ». إنه يكتب هنا إلى الأبرار. «وَإِنْ أَخْطَأَ أَحَدٌ فَلَنَا» — لقد أدخل يوحنا نفسه في العداد — «فَلَنَا شَفِيعٌ عِنْدَ ٱلْآبِ، يَسُوعُ ٱلْمَسِيحُ ٱلْبَارُّ». فيا له من شفيع! إنه يتولى مصالحنا في خير مكان — عند عرش الله. لقد قال: «لَكِنِّي أَقُولُ لَكُمُ ٱلْحَقَّ: إِنَّهُ خَيْرٌ لَكُمْ أَنْ أَنْطَلِقَ» (يوحنا 16:7). لقد مضى ليصير رئيس كهنتنا، وشفيعنا أيضًا. وقد كانت له قضايا عسيرة يترافع فيها، لكنه لم يخسر واحدة قط؛ فإن ائتمنتموه على مصالحكم الخالدة، فهو قادر أن «يُوقِفَكُمْ أَمَامَ مَجْدِهِ بِلَا عَيْبٍ فِي ٱلِٱبْتِهَاجِ» (يهوذا 24).
إن خطايا المسيحيين الماضية تُغفر جميعًا حالما يُعترف بها؛ وليس لها ذكر بعد ذلك أبدًا. فتلك قضية لا يُعاد فتحها. إن كانت خطايانا قد رُفعت فذلك آخرها؛ فهي لا تُذكر بعد، والله لا يعود يذكرها. وهذا واضح كل الوضوح. هبْ أن لي ابنًا أساء وأنا غائب عن البيت. فلما رجعت طوّق عنقي بذراعيه وقال: «أبي، لقد فعلت ما نهيتني عنه. وإني لآسف جدًّا. فاغفر لي». فأقول: «نعم يا بني»، وأقبّله. فيمسح دموعه ويمضي فرحًا.
ولكنه في اليوم التالي يقول: «أبي، أودّ لو تغفر لي الإساءة التي أسأتها أمس». فأقول له: «عجبًا يا بني، تلك قضية قد سُوّيت؛ ولا أريد أن تُذكر ثانية». «ولكني أودّ لو تغفر لي: إنه يعينني أن أسمعك تقول: ‹أنا أغفر لك›». فهل يكون ذلك إكرامًا لي؟ أوَلا يحزنني أن يشكّ بي ولدي؟ ولكن إرضاءً له أقول مرة أخرى: «أنا أغفر لك يا بني».
فإذا جاء في اليوم التالي أيضًا يفتح تلك الخطية القديمة ويطلب الغفران، أفلا يحزّ ذلك في قلبي حزًّا؟ فهكذا، أيها القارئ العزيز، إن كان الله قد غفر لنا فلا نذكرنّ الماضي أبدًا. لننسَ ما هو وراء، ونمتدّ إلى ما هو قدام، ونسعَ نحو الغرض لأجل جعالة دعوة الله العليا في المسيح يسوع. دَعْ خطايا الماضي تمضي؛ فإنه «إِنِ ٱعْتَرَفْنَا بِخَطَايَانَا فَهُوَ أَمِينٌ وَعَادِلٌ، حَتَّى يَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَيُطَهِّرَنَا مِنْ كُلِّ إِثْمٍ» (1 يوحنا 1:9).
ودعني أقول إن هذا المبدأ معترف به في محاكم القضاء. فقد رُفعت قضية في محاكم أحد البلدان — لن أقول أين — كان رجل قد جرى بينه وبين زوجته خلاف؛ فصفح عنها، ثم جاء بها بعد ذلك إلى المحكمة. فلما عُلم أنه كان قد صفح عنها، قال القاضي إن القضية قد سُوّيت. لقد أقرّ القاضي بصحة المبدأ: أن الخطية إذا غُفرت مرة فقد انتهى أمرها. أفتظن أن ديّان الأرض كلها يغفر لي ولك ثم يفتح القضية من جديد؟ إن خطايانا قد مضت للزمان وللأبدية إن غفر الله؛ وما علينا نحن إلا أن نعترف بخطايانا ونتركها.
ثم في 2 كورنثوس 13:5: «جَرِّبُوا أَنْفُسَكُمْ، هَلْ أَنْتُمْ فِي ٱلْإِيمَانِ؟ ٱمْتَحِنُوا أَنْفُسَكُمْ. أَمْ لَسْتُمْ تَعْرِفُونَ أَنْفُسَكُمْ، أَنَّ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحَ هُوَ فِيكُمْ، إِنْ لَمْ تَكُونُوا مَرْفُوضِينَ؟» فامتحنوا الآن أنفسكم. جرّبوا دينكم. ضعوه على المحك. أتستطيع أن تغفر لعدوّ؟ تلك طريقة حسنة لتعرف بها هل أنت ولد لله. أتستطيع أن تصفح عن أذى، أو تحتمل إهانة، كما فعل المسيح؟ أتستطيع أن تُلام وأنت محسن فلا تتذمر؟ أتستطيع أن يُساء الحكم عليك وتُشوَّه سمعتك، وتحفظ مع ذلك روحًا شبيهة بروح المسيح؟
ومن الاختبارات الحسنة أيضًا أن تقرأ غلاطية 5 وتلاحظ ثمر الروح، وتنظر هل هو فيك: «وَأَمَّا ثَمَرُ ٱلرُّوحِ فَهُوَ: مَحَبَّةٌ، فَرَحٌ، سَلَامٌ، طُولُ أَنَاةٍ، لُطْفٌ، صَلَاحٌ، إِيمَانٌ، وَدَاعَةٌ، تَعَفُّفٌ. ضِدَّ أَمْثَالِ هَذِهِ لَيْسَ نَامُوسٌ». فإن كان عندي ثمر الروح فلا بد أن يكون عندي الروح؛ إذ لا يمكن أن يكون عندي الثمر بغير الروح، كما لا يمكن أن يكون برتقال بغير شجرة. والمسيح يقول: «مِنْ ثِمَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ»؛ «لِأَنْ مِنَ ٱلثَّمَرِ تُعْرَفُ ٱلشَّجَرَةُ». اجعلوا الشجرة جيدة يكن الثمر جيدًا. والطريق الوحيد إلى الثمر هو أن يكون لنا الروح. تلك هي الطريقة التي نمتحن بها أنفسنا هل نحن أولاد الله.
ثم هناك فصل آخر بالغ الدلالة. ففي رومية 8:9 يقول بولس: «إِنْ كَانَ أَحَدٌ لَيْسَ لَهُ رُوحُ ٱلْمَسِيحِ، فَذَلِكَ لَيْسَ لَهُ». وهذا وحده كفيل بأن يحسم المسألة، ولو كان الإنسان قد اجتاز كل الطقوس الظاهرة التي يعدّها بعضهم لازمة ليكون المرء عضوًا في كنيسة. اقرأ حياة بولس وضع حياتك بجانبها. فإن كانت حياتك تشبه حياته، فذلك برهان أنك وُلدت ثانية — أنك خليقة جديدة في المسيح يسوع.
ولكن، وإن تكن قد وُلدت ثانية، فإن بلوغك قامة المسيحي الناضج يحتاج إلى وقت. فالتبرير آنيّ؛ أما التقديس فعمل العمر كله. علينا أن ننمو في الحكمة. يقول بطرس: «ٱنْمُوا فِي ٱلنِّعْمَةِ وَفِي مَعْرِفَةِ رَبِّنَا وَمُخَلِّصِنَا يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ» (2 بطرس 3:18)؛ وفي الأصحاح الأول من رسالته الثانية: «قَدِّمُوا فِي إِيمَانِكُمْ فَضِيلَةً، وَفِي ٱلْفَضِيلَةِ مَعْرِفَةً، وَفِي ٱلْمَعْرِفَةِ تَعَفُّفًا، وَفِي ٱلتَّعَفُّفِ صَبْرًا، وَفِي ٱلصَّبْرِ تَقْوَى، وَفِي ٱلتَّقْوَى مَوَدَّةً أَخَوِيَّةً، وَفِي ٱلْمَوَدَّةِ ٱلْأَخَوِيَّةِ مَحَبَّةً. لِأَنَّ هَذِهِ إِذَا كَانَتْ فِيكُمْ وَكَثُرَتْ، تُصَيِّرُكُمْ لَا مُتَكَاسِلِينَ وَلَا غَيْرَ مُثْمِرِينَ لِمَعْرِفَةِ رَبِّنَا يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ». فعلينا إذًا أن نضيف نعمة إلى نعمة. قد تكون الشجرة كاملة في سنة نموها الأولى، ولكنها لا تكون قد بلغت تمام نضجها. وكذلك المسيحي: قد يكون ولدًا حقيقيًّا لله، من غير أن يكون مسيحيًّا ناضجًا. إن الأصحاح الثامن من رومية بالغ الأهمية، وينبغي أن نكون به على أوثق إلمام. ففي الآية الرابعة عشرة يقول الرسول: «لِأَنَّ كُلَّ ٱلَّذِينَ يَنْقَادُونَ بِرُوحِ ٱللهِ، فَأُولَئِكَ هُمْ أَبْنَاءُ ٱللهِ». وكما يقود القائدُ جنديّه، والمعلمُ تلميذه، والدليلُ مسافرَه، كذلك يكون الروح القدس دليل كل ولد حقيقي لله.
ثم دعني ألفت نظرك إلى حقيقة أخرى: إن تعليم بولس كله، في كل رسالة تقريبًا، يرنّ فيه صوت عقيدة اليقين. فهو يقول في 2 كورنثوس 5:1: «لِأَنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّهُ إِنْ نُقِضَ بَيْتُ خَيْمَتِنَا ٱلْأَرْضِيُّ، فَلَنَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ بِنَاءٌ مِنَ ٱللهِ، بَيْتٌ غَيْرُ مَصْنُوعٍ بِيَدٍ، أَبَدِيٌّ». لقد كان له حق في المنازل العلوية، وهو يقول — أنا أعلم ذلك. لم يكن يعيش في حيرة. قال: «لِيَ ٱشْتِهَاءٌ أَنْ أَنْطَلِقَ وَأَكُونَ مَعَ ٱلْمَسِيحِ» (فيلبي 1:23)؛ ولو كان غير موقن لما قال ذلك. ثم يقول في كولوسي 3:4: «مَتَى أُظْهِرَ ٱلْمَسِيحُ حَيَاتُنَا، فَحِينَئِذٍ تُظْهَرُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا مَعَهُ فِي ٱلْمَجْدِ». وقد قيل لي إن شاهد قبر الدكتور واتس يحمل هذا الفصل بعينه من الكتاب. ليس هناك شك البتة.
ثم ارجع إلى كولوسي 1:12: «شَاكِرِينَ ٱلْآبَ ٱلَّذِي أَهَّلَنَا لِشَرِكَةِ مِيرَاثِ ٱلْقِدِّيسِينَ فِي ٱلنُّورِ، ٱلَّذِي أَنْقَذَنَا مِنْ سُلْطَانِ ٱلظُّلْمَةِ، وَنَقَلَنَا إِلَى مَلَكُوتِ ٱبْنِ مَحَبَّتِهِ».
هنا ثلاثة أفعال قد تمّت: «أَهَّلَنَا» و«أَنْقَذَنَا» و«نَقَلَنَا». فهو لا يقول إنه سوف يؤهّلنا، وإنه سوف ينقذنا، وإنه سوف ينقلنا.
ثم في الآية الرابعة عشرة أيضًا: «ٱلَّذِي لَنَا فِيهِ ٱلْفِدَاءُ، بِدَمِهِ غُفْرَانُ ٱلْخَطَايَا». فنحن إما مغفور لنا وإما لا؛ وينبغي ألا نعطي أنفسنا راحة حتى ندخل ملكوت الله، وحتى يستطيع كل منا أن يرفع نظره ويقول: «أعلم أنه إن نُقض بيت خيمتي الأرضي، فلي في السماوات بناء من الله، بيت غير مصنوع بيد، أبدي» (2 كورنثوس 5:1).
انظر إلى رومية 8:32: «اَلَّذِي لَمْ يُشْفِقْ عَلَى ٱبْنِهِ، بَلْ بَذَلَهُ لِأَجْلِنَا أَجْمَعِينَ، كَيْفَ لَا يَهَبُنَا أَيْضًا مَعَهُ كُلَّ شَيْءٍ؟» فإن كان قد وهبنا ابنه، أفلا يهبنا اليقين بأنه لنا؟ لقد سمعت هذا المثل: كان رجل عليه عشرة آلاف دولار من الدين، وكان سيُشهر إفلاسه، فتقدم صديق له وأوفى المبلغ. ثم تبين بعد ذلك أن عليه دولارات قليلة أخرى؛ لكنه لم يخالجه شك لحظة واحدة أن صديقه، وقد دفع المبلغ الأكبر، سيدفع الأصغر أيضًا. ولنا أوثق سند للقول إن الله إن كان قد وهبنا ابنه فسيهبنا معه أيضًا كل شيء؛ وإن أردنا أن ندرك خلاصنا إدراكًا لا يقبل جدلًا فلن يتركنا في الظلمة.
ثم في الآية الثالثة والثلاثين: «مَنْ سَيَشْتَكِي عَلَى مُخْتَارِي ٱللهِ؟ ٱللهُ هُوَ ٱلَّذِي يُبَرِّرُ. مَنْ هُوَ ٱلَّذِي يَدِينُ؟ اَلْمَسِيحُ هُوَ ٱلَّذِي مَاتَ، بَلْ بِٱلْحَرِيِّ قَامَ أَيْضًا، ٱلَّذِي هُوَ أَيْضًا عَنْ يَمِينِ ٱللهِ، ٱلَّذِي أَيْضًا يَشْفَعُ فِينَا. مَنْ سَيَفْصِلُنَا عَنْ مَحَبَّةِ ٱلْمَسِيحِ؟ أَشِدَّةٌ أَمْ ضِيْقٌ أَمِ ٱضْطِهَادٌ أَمْ جُوعٌ أَمْ عُرْيٌ أَمْ خَطَرٌ أَمْ سَيْفٌ؟ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: «إِنَّنَا مِنْ أَجْلِكَ نُمَاتُ كُلَّ ٱلنَّهَارِ. قَدْ حُسِبْنَا مِثْلَ غَنَمٍ لِلذَّبْحِ». وَلَكِنَّنَا فِي هَذِهِ جَمِيعِهَا يَعْظُمُ ٱنْتِصَارُنَا بِٱلَّذِي أَحَبَّنَا. فَإِنِّي مُتَيَقِّنٌ أَنَّهُ لَا مَوْتَ وَلَا حَيَاةَ، وَلَا مَلَائِكَةَ وَلَا رُؤَسَاءَ وَلَا قُوَّاتِ، وَلَا أُمُورَ حَاضِرَةً وَلَا مُسْتَقْبَلَةً، وَلَا عُلْوَ وَلَا عُمْقَ، وَلَا خَلِيقَةَ أُخْرَى، تَقْدِرُ أَنْ تَفْصِلَنَا عَنْ مَحَبَّةِ ٱللهِ ٱلَّتِي فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا».
هذا كلام يرنّ فيه الرنين الصحيح. هذا هو يقين الخلاص بعينه. «أنا أعلم». أتظن أن الله الذي برّرني يدينني؟ ذلك عين المحال. إن الله سيخلّصنا خلاصًا لا يستطيع معه الناس ولا الملائكة ولا الشياطين أن يوجهوا تهمة إلينا أو إليه. إنه سيجعل العمل كاملًا.
لقد عاش أيوب في زمن أشد ظلمة من زماننا؛ ولكننا نقرأ في أيوب 19:25: «أَمَّا أَنَا فَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ وَلِيِّي حَيٌّ، وَٱلْآخِرَ عَلَى ٱلْأَرْضِ يَقُومُ».
والثقة نفسها تتنفس في كلمات بولس الأخيرة إلى تيموثاوس: «لِهَذَا ٱلسَّبَبِ أَحْتَمِلُ هَذِهِ ٱلْأُمُورَ أَيْضًا. لَكِنَّنِي لَسْتُ أَخْجَلُ، لِأَنَّنِي عَالِمٌ بِمَنْ آمَنْتُ، وَمُوقِنٌ أَنَّهُ قَادِرٌ أَنْ يَحْفَظَ وَدِيعَتِي إِلَى ذَلِكَ ٱلْيَوْمِ». فليست المسألة مسألة شك، بل مسألة علم. «أنا أعلم». «أنا موقن». إن كلمة «الرجاء» لا تُستعمل في الكتاب للتعبير عن الشك؛ إنما تُستعمل في شأن مجيء المسيح الثاني، أو قيامة الجسد. نحن لا نقول إننا «نرجو» أننا مسيحيون. أنا لا أقول إني «أرجو» أن أكون أمريكيًّا، أو إني «أرجو» أن أكون رجلًا متزوجًا. فتلك أمور مقطوع بها. قد أقول إني «أرجو» أن أعود إلى وطني، أو أرجو أن أحضر اجتماعًا بعينه. لكني لا أقول إني «أرجو» أن آتي إلى هذا البلد، لأني ها هنا. وهكذا إن كنا مولودين من الله فنحن نعلم ذلك؛ وهو لن يتركنا في الظلمة إن فتشنا الكتب.
لقد علّم المسيح هذا التعليم لتلاميذه السبعين حين رجعوا مبتهجين بنجاحهم قائلين: «يَارَبُّ، حَتَّى ٱلشَّيَاطِينُ تَخْضَعُ لَنَا بِٱسْمِكَ!» فبدا أن الرب يكبح حماستهم، وقال إنه يعطيهم ما يفرحون به حقًّا: «وَلَكِنْ لَا تَفْرَحُوا بِهَذَا: أَنَّ ٱلْأَرْوَاحَ تَخْضَعُ لَكُمْ، بَلِ ٱفْرَحُوا بِٱلْحَرِيِّ أَنَّ أَسْمَاءَكُمْ كُتِبَتْ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ»» (لوقا 10:20).
إن من امتياز كل واحد منا أن يعلم، دون أدنى شك، أن خلاصه مضمون. حينئذ نستطيع أن نعمل لأجل الآخرين. أما إن كنا شاكّين في خلاصنا نحن، فلسنا نصلح لخدمة الله.
وهناك فصل آخر هو يوحنا 5:24: «اَلْحَقَّ ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ يَسْمَعُ كَلَامِي وَيُؤْمِنُ بِالَّذِي أَرْسَلَنِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَلَا يَأْتِي إِلَى ‹دَيْنُونَةٍ›،» (هكذا جاءت في الترجمة الجديدة)، «بَلْ قَدِ ٱنْتَقَلَ مِنَ ٱلْمَوْتِ إِلَى ٱلْحَيَاةِ».
يقول بعض الناس إنك لا تستطيع أن تعرف هل أنت مخلَّص أم لا حتى تقف أمام العرش العظيم الأبيض للدينونة. كلا يا صديقي العزيز؛ إن كانت حياتك مستترة مع المسيح في الله، فأنت لا تأتي إلى دينونة على خطاياك. قد نأتي إلى دينونة لأجل المكافأة. وهذا مبيَّن بجلاء حيث حاسب السيدُ العبدَ الذي أُعطي خمس وزنات فجاء بخمس وزنات أُخر قائلًا: «يا سَيِّدُ، خَمْسَ وَزَنَاتٍ سَلَّمْتَنِي. هُوَذَا خَمْسُ وَزَنَاتٍ أُخَرُ رَبِحْتُهَا فَوْقَهَا. فَقَالَ لَهُ سَيِّدُهُ: نِعِمَّا أَيُّهَا ٱلْعَبْدُ ٱلصَّالِحُ وَٱلْأَمِينُ! كُنْتَ أَمِينًا فِي ٱلْقَلِيلِ فَأُقِيمُكَ عَلَى ٱلْكَثِيرِ. اُدْخُلْ إِلَى فَرَحِ سَيِّدِكَ» (متى 25:20-21). سوف نُدان من جهة وكالتنا. ذلك شيء؛ أما الخلاص — الحياة الأبدية — فشيء آخر.
أيطالب الله بوفاء الدين مرتين وقد وفّاه المسيح عنا؟ وإن كان المسيح قد حمل خطاياي في جسده على الخشبة، أفأُطالَب أنا بها أيضًا؟
يقول إشعياء: «وَهُوَ مَجْرُوحٌ لِأَجْلِ مَعَاصِينَا، مَسْحُوقٌ لِأَجْلِ آثَامِنَا. تَأْدِيبُ سَلَامِنَا عَلَيْهِ، وَبِحُبُرِهِ شُفِينَا». وفي رومية 4:25 نقرأ أنه «أُسْلِمَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا وَأُقِيمَ لِأَجْلِ تَبْرِيرِنَا». فلنؤمن، ولننل فائدة عمله الكامل.
ثم في يوحنا 10:9 أيضًا: «أَنَا هُوَ ٱلْبَابُ. إِنْ دَخَلَ بِي أَحَدٌ فَيَخْلُصُ وَيَدْخُلُ وَيَخْرُجُ وَيَجِدُ مَرْعًى». هذا هو الوعد. ثم الآية السابعة والعشرون: «خِرَافِي تَسْمَعُ صَوْتِي، وَأَنَا أَعْرِفُهَا فَتَتْبَعُنِي. وَأَنَا أُعْطِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً، وَلَنْ تَهْلِكَ إِلَى ٱلْأَبَدِ، وَلَا يَخْطَفُهَا أَحَدٌ مِنْ يَدِي. أَبِي ٱلَّذِي أَعْطَانِي إِيَّاهَا هُوَ أَعْظَمُ مِنَ ٱلْكُلِّ، وَلَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَخْطَفَ مِنْ يَدِ أَبِي». تأمل في ذلك! إن الآب والابن والروح القدس متعهدون بحفظنا. فأنت ترى أنه ليس الآب فقط، ولا الابن فقط، بل الأقانيم الثلاثة للإله الواحد.
كثيرون من الناس يريدون علامة من خارج كلمة الله. وتلك العادة تجلب الشك دائمًا. فلو وعدت رجلًا أن ألقاه غدًا في ساعة معينة ومكان معين، ثم طلب مني ساعتي رهينة على صدقي، لكان ذلك طعنًا في صدقي. يجب ألا نشكك في ما قاله الله: لقد قرر تقريرًا بعد تقرير، وضاعف الصور والأمثال صورة فوق صورة. يقول المسيح: «أَنَا هُوَ ٱلْبَابُ. إِنْ دَخَلَ بِي أَحَدٌ فَيَخْلُصُ». «أَمَّا أَنَا فَإِنِّي ٱلرَّاعِي ٱلصَّالِحُ، وَأَعْرِفُ خَاصَّتِي وَخَاصَّتِي تَعْرِفُنِي». «أَنَا هُوَ نُورُ ٱلْعَالَمِ. مَنْ يَتْبَعْنِي فَلَا يَمْشِي فِي ٱلظُّلْمَةِ بَلْ يَكُونُ لَهُ نُورُ ٱلْحَيَاةِ». «أنا هو الحق»: اقبلوني تكن لكم الحق، لأني أنا تجسيد الحق. أتريد أن تعرف الطريق؟ «أَنَا هُوَ ٱلطَّرِيقُ»: اتبعني وأنا أقودك إلى الملكوت. أجائع أنت إلى البر؟ «أَنَا هُوَ خُبْزُ ٱلْحَيَاةِ»: إن أكلت مني فلن تجوع أبدًا. «أنا هو ماء الحياة»: إن شربت من هذا الماء صار فيك «يَنْبُوعَ مَاءٍ يَنْبَعُ إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ». «أَنَا هُوَ ٱلْقِيَامَةُ وَٱلْحَيَاةُ. مَنْ آمَنَ بِي وَلَوْ مَاتَ فَسَيَحْيَا، وَكُلُّ مَنْ كَانَ حَيًّا وَآمَنَ بِي فَلَنْ يَمُوتَ إِلَى ٱلْأَبَدِ» (يوحنا 11:25-26).
دعني أذكّرك من أين تأتي شكوكنا. كثيرون من أولاد الله الأعزاء لا يجاوزون قط معرفة أنفسهم خدّامًا. وهو يدعونا «أحباء». إذا دخلت بيتًا رأيت سريعًا الفرق بين الخادم والابن. فالابن يمشي في البيت كله بحرية تامة؛ إنه في بيته. أما الخادم فيأخذ مكانًا تابعًا. وما نريده هو أن نجاوز مقام الخدّام؛ ينبغي أن ندرك مقامنا عند الله بنين وبنات. إنه لا «ينزع البنوة» عن أولاده. لم يتبنّنا الله فحسب، بل نحن له بالولادة: لقد وُلدنا في ملكوته. إن ابني الصغير كان لي وهو ابن يوم واحد كما هو لي الآن وقد بلغ الرابعة عشرة. لقد كان ابني؛ وإن لم يكن قد ظهر بعدُ ماذا سيكون حين يبلغ مبلغ الرجال. وهو لي؛ وإن كان لا بد له أن يجتاز فترة اختبار تحت أوصياء ووكلاء. إن أولاد الله ليسوا كاملين؛ ولكننا أولاده على التمام.
ومن منابع الشك أيضًا النظر إلى أنفسنا. إن أردت أن تكون تعيسًا بائسًا، مملوءًا شكوكًا من الصباح إلى المساء، فانظر إلى نفسك. «ذُو ٱلرَّأْيِ ٱلْمُمَكَّنِ تَحْفَظُهُ سَالِمًا سَالِمًا، لِأَنَّهُ عَلَيْكَ مُتَوَكِّلٌ» (إشعياء 26:3). كثيرون من أولاد الله الأعزاء يُسلبون الفرح لأنهم لا يكفّون عن النظر إلى أنفسهم.
قال أحدهم: «هناك ثلاث جهات للنظر: إن أردت أن تكون تعيسًا فانظر إلى داخلك؛ وإن شئت أن تتشتت فانظر حولك؛ أما إن أردت السلام فانظر إلى فوق». لقد حوّل بطرس نظره عن المسيح فابتدأ يغرق في الحال. قال له السيد: «يَا قَلِيلَ ٱلْإِيمَانِ، لِمَاذَا شَكَكْتَ؟» (متى 14:31). لقد كانت له كلمة الله الأبدية، وهي موطئ ثابت للقدم خير من الرخام والصوان والحديد؛ ولكنه ما إن رفع عينيه عن المسيح حتى هوى. والذين ينظرون حولهم لا يرون كم هو متقلقل غير مُكرِم مسلكُهم. إنما نريد أن ننظر نظرًا ثابتًا إلى «رَئِيسِ ٱلْإِيمَانِ وَمُكَمِّلِهِ».
حين كنت صبيًّا، لم أكن أستطيع أن أخط أثرًا مستقيمًا في الثلج إلا بتثبيت عينيّ على شجرة أو شيء منصوب أمامي. فما إن أرفع عيني عن العلامة الموضوعة قدّامي حتى يعوجّ سيري. كذلك نحن، لا نجد السلام الكامل إلا حين ننظر نظرًا ثابتًا إلى المسيح. فبعد أن قام من الأموات أرى تلاميذه يديه ورجليه (لوقا 24:40). كان ذلك أساس سلامهم. إن أردت أن تبدد شكوكك فانظر إلى الدم؛ وإن أردت أن تكثّر شكوكك فانظر إلى نفسك. إن انشغالك بنفسك أيامًا قليلة يجلب لك من الشكوك ما يكفيك سنين.
ثم أيضًا: انظر إلى ما هو عليه، وإلى ما قد صنعه؛ لا إلى ما أنت عليه، وما قد صنعته أنت. تلك هي الطريق إلى السلام والراحة.
أصدر أبراهام لنكولن منشورًا يعلن عتق ثلاثة ملايين من العبيد. وفي يوم معين كان مقررًا أن تسقط عنهم قيودهم ويصيروا أحرارًا. وعُلّق المنشور على الأشجار والأسوار حيثما سارت جيوش الشمال. وكان كثيرون من العبيد لا يعرفون القراءة؛ لكن آخرين قرأوا المنشور، وصدّقه معظمهم؛ وفي اليوم المعين ارتفعت هتافة فرح: «نحن أحرار!» وبعضهم لم يصدق فبقي عند سادته القدامى؛ ولكن ذلك لم يغيّر حقيقة أنهم أحرار. إن المسيح، رئيس خلاصنا، قد أعلن الحرية لكل من يؤمن به. فلنصدقه في كلمته. لم تكن مشاعر العبيد لتجعلهم أحرارًا؛ فالقوة لا بد أن تأتي من خارج. والنظر إلى أنفسنا لا يحررنا؛ بل النظر إلى المسيح بعين الإيمان.
قال الأسقف رايل قولًا بليغًا: «الإيمان هو الجذر، ويقين الخلاص هو الزهرة». ولا شك أنك لا تستطيع أن تنال الزهرة بغير الجذر؛ ولكن من المؤكد أيضًا أنك قد يكون لك الجذر وليس لك الزهرة.
«الإيمان هو تلك المرأة المسكينة المرتعدة التي جاءت خلف يسوع في الزحام ومسّت هدب ثوبه (مرقس 5:27). واليقين هو استفانوس واقفًا بهدوء في وسط قاتليه قائلًا: ‹هَا أَنَا أَنْظُرُ ٱلسَّمَاوَاتِ مَفْتُوحَةً، وَٱبْنَ ٱلْإِنْسَانِ قَائِمًا عَنْ يَمِينِ ٱللهِ›» (أعمال الرسل 7:56).
«الإيمان هو اللص التائب صارخًا: ‹ٱذْكُرْنِي يَارَبُّ› (لوقا 23:42). واليقين هو أيوب جالسًا في التراب، وقد غطّته القروح، قائلًا: ‹أَمَّا أَنَا فَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ وَلِيِّي حَيٌّ›؛ ‹هوذا يقتلني، لكني أترجّاه›» (أيوب 19:25؛ 13:15).
«الإيمان هو صرخة بطرس وهو يغرق: ‹يَارَبُّ، نَجِّنِي!› (متى 14:30). واليقين هو بطرس نفسه يعلن أمام المجمع في ما بعد: ‹هَذَا هُوَ: ٱلْحَجَرُ ٱلَّذِي ٱحْتَقَرْتُمُوهُ أَيُّهَا ٱلْبَنَّاؤُونَ، ٱلَّذِي صَارَ رَأْسَ ٱلزَّاوِيَةِ. وَلَيْسَ بِأَحَدٍ غَيْرِهِ ٱلْخَلَاصُ. لِأَنْ لَيْسَ ٱسْمٌ آخَرُ تَحْتَ ٱلسَّمَاءِ، قَدْ أُعْطِيَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ، بِهِ يَنْبَغِي أَنْ نَخْلُصَ›» (أعمال الرسل 4:11-12).
«الإيمان هو الصوت القلق المرتجف: ‹أُومِنُ يَا سَيِّدُ، فَأَعِنْ عَدَمَ إِيمَانِي› (مرقس 9:24). واليقين هو التحدي الواثق: ‹مَنْ سَيَشْتَكِي عَلَى مُخْتَارِي ٱللهِ؟ مَنْ هُوَ ٱلَّذِي يَدِينُ؟›» (رومية 8:33-34).
الإيمان هو شاول مصلّيًا في بيت يهوذا في دمشق، حزينًا أعمى وحيدًا (أعمال الرسل 9:11). واليقين هو بولس، السجين الشيخ، ينظر إلى القبر بهدوء ويقول: ‹لِأَنَّنِي عَالِمٌ بِمَنْ آمَنْتُ›. ‹قَدْ وُضِعَ لِي إِكْلِيلُ ٱلْبِرِّ› (2 تيموثاوس 1:12؛ 4:8).
«الإيمان حياة. فيا لها من بركة عظيمة! ومن يستطيع أن يصف الهوة بين الحياة والموت؟ ومع ذلك قد تكون الحياة ضعيفة، سقيمة، معتلّة، مؤلمة، شاقّة، قلقة، منهَكة، مثقلة، بلا فرح ولا بسمة، إلى آخر المدى.
«واليقين أكثر من الحياة. إنه الصحة والقوة والاقتدار والحيوية والنشاط والهمة والرجولة والجمال».
نطق خادمٌ للرب مرةً بالبركة الختامية على هذا النحو: «قلبُ الله ليرحّب بنا؛ ودمُ المسيح ليطهّرنا؛ والروحُ القدس ليجعلنا موقنين». إن أمان المؤمن هو ثمرة عمل روح الله.
ويقول كاتب آخر: «لقد رأيت جنبات وأشجارًا نابتة من الصخور، مطلّة على مهاوٍ مرعبة وشلالات هادرة ومياه عميقة جارية؛ ولكنها حافظت على موضعها، وبسطت أوراقها وأغصانها كما لو كانت في وسط غابة كثيفة». لقد كان تشبثها بالصخر هو ما جعلها في أمان؛ ومؤثرات الطبيعة هي التي أمدّت حياتها. كذلك المؤمنون كثيرًا ما يتعرضون لأهول الأخطار في رحلتهم إلى السماء؛ ولكنهم ما داموا «مُتَأَصِّلُونَ وَمُتَأَسِّسُونَ» في صخر الدهور فهم في أمان تام. إن تشبثهم به هو ضمانهم؛ وبركات نعمته تعطيهم الحياة وتسندهم فيها. وكما أنه لا بد أن تموت الشجرة أو يسقط الصخر قبل أن يقع انفصال بين الاثنين، كذلك لا بد أن يفقد المؤمن حياته الروحية، أو أن ينهار الصخر، قبل أن تنحل عروة اتحادهما.
وفي حديثه عن الرب يسوع يقول إشعياء: «وَأُثَبِّتُهُ وَتَدًا فِي مَوْضِعٍ أَمِينٍ، وَيَكُونُ كُرْسِيَّ مَجْدٍ لِبَيْتِ أَبِيهِ. وَيُعَلِّقُونَ عَلَيْهِ كُلَّ مَجْدِ بَيْتِ أَبِيهِ، ٱلْفُرُوعَ وَٱلْقُضْبَانَ، كُلَّ آنِيَةٍ صَغِيرَةٍ مِنْ آنِيَةِ ٱلطُّسُوسِ إِلَى آنِيَةِ ٱلْقَنَّانِيِّ جَمِيعًا» (22:23-24).
هناك وتد واحد مثبت في موضع أمين، وعليه تتعلق الأباريق كلها والكؤوس كلها. «آه»، تقول كأس صغيرة: «ما أصغرني وما أشدّ سوادي! فماذا لو سقطتُ!» «آه»، يقول إبريق: «أما أنتِ فلا خوف عليك؛ لكني أنا ثقيل، ثقيل جدًّا، فماذا لو سقطتُ أنا!» وتقول كأس صغيرة: «آه، لو كنت مثل كأس الذهب هناك لما خفت السقوط أبدًا». لكن كأس الذهب تجيب: «ليس لأني كأس من ذهب أبقى معلقة؛ بل لأني معلقة على الوتد». فإن سقط الوتد سقطنا جميعًا: كؤوس الذهب وكؤوس الخزف وكؤوس القصدير وكل شيء؛ ولكن ما دام الوتد ثابتًا، فكل مَن تعلّق عليه فهو معلق في أمان.
قرأت مرة على شاهد قبر هذه الكلمات: «وُلد، مات، حُفظ». فلنطلب إلى الله أن يحفظنا في سلام كامل، وفي يقين الخلاص.