الطريق إلى الله ·كلمات مشورة

فصل 4 · قراءة 11 د

ترجمة بالذكاء الاصطناعي — في انتظار مراجعة ناطق أصلي

كلمات مشورة

«قَصَبَةً مَرْضُوضَةً لَا يَقْصِفُ». (إشعياء 42:3؛ متى 12:20)

من الخطر على طالبي الخلاص أن يتكئوا على اختبارات غيرهم من الناس. فكثيرون ينتظرون أن يتكرر فيهم اختبار جدهم أو جدتهم. كان لي صديق اهتدى في حقل، فصار يظن أن أهل البلدة جميعًا ينبغي أن ينزلوا إلى ذلك المرج ليهتدوا فيه. واهتدى آخر تحت جسر، فهو يظن أن أي طالب للخلاص لو ذهب إلى هناك لوجد الرب. وخير ما يصنعه القلقون على خلاصهم أن يذهبوا رأسًا إلى كلمة الله. فإن كان في العالم أناس ينبغي أن تكون الكلمة عزيزة عندهم كل العزّة، فهم الذين يسألون كيف يخلصون.

فقد يقول رجل مثلًا: «ليست لي قوة». فليرجع إلى رومية 5:6: «لِأَنَّ ٱلْمَسِيحَ، إِذْ كُنَّا بَعْدُ ضُعَفَاءَ، مَاتَ فِي ٱلْوَقْتِ ٱلْمُعَيَّنِ لِأَجْلِ ٱلْفُجَّارِ». فلأننا بلا قوة نحن نحتاج إلى المسيح؛ وقد جاء ليعطي الضعفاء قوة.

وقد يقول آخر: «أنا لا أبصر». فالمسيح يقول: «أَنَا هُوَ نُورُ ٱلْعَالَمِ» (يوحنا 8:12). وهو لم يأتِ ليعطي النور فحسب، بل جاء أيضًا «لِتَفْتَحَ عُيُونَ ٱلْعُمْيِ» (إشعياء 42:7).

وقد يقول آخر: «لا أظن أن الإنسان يمكن أن يخلص دفعة واحدة». كان في غرفة الاستفسار ذات ليلة شخص يرى هذا الرأي، فلفتُّ نظره إلى رومية 6:23: «لِأَنَّ أُجْرَةَ ٱلْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ، وَأَمَّا هِبَةُ ٱللهِ فَهِيَ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ بِٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا». كم من الوقت يلزم لقبول هبة؟ لا بد من لحظة لا تكون فيها عندك، وأخرى تكون فيها لك — لحظة تكون فيها لغيرك، واللحظة التالية تصير فيها لك. إن نوال الحياة الأبدية لا يستغرق ستة أشهر. غير أنه قد يكون في بعض الحالات مثل حبة الخردل، صغيرًا جدًّا في بدايته. فبعض الناس يهتدون على مهل حتى إنه يستحيل، كما في نور الصباح، أن يُعرف متى بدأ الفجر؛ وآخرون يكون الأمر عندهم كومض الشهاب، فيشرق عليهم الحق بغتة.

أنا لا أقطع الشارع لأثبت متى اهتديت؛ إنما المهم عندي أن أعرف أني قد اهتديت حقًّا.

وقد يُربَّى الطفل تربية حريصة إلى حد يستحيل معه أن يُعرف متى بدأت فيه الولادة الجديدة؛ ولكن لا بد أن تكون هناك لحظة حدث فيها التغيير وصار فيها شريكًا في الطبيعة الإلهية.

بعض الناس لا يؤمنون بالاهتداء الفجائي. لكني أتحدى أي إنسان أن يريني في العهد الجديد اهتداءً واحدًا لم يكن آنيًّا. «وَفِيمَا هُوَ مُجْتَازٌ رَأَى لَاوِيَ بْنَ حَلْفَى جَالِسًا عِنْدَ مَكَانِ ٱلْجِبَايَةِ، فَقَالَ لَهُ: «ٱتْبَعْنِي». فَقَامَ وَتَبِعَهُ» (متى 9:9). ولا يمكن أن يكون شيء أفجأ من ذلك.

وزكّا العشار طلب أن يرى يسوع؛ ولأنه كان قصير القامة صعد شجرة. فلما جاء يسوع إلى المكان نظر إلى فوق فرآه وقال: «يَا زَكَّا، أَسْرِعْ وَٱنْزِلْ» (لوقا 19:5). فلا بد أن اهتداءه حدث في موضع ما بين الغصن والأرض. وقد قيل لنا إنه قبِل يسوع فرحًا وقال: «هَا أَنَا يَارَبُّ أُعْطِي نِصْفَ أَمْوَالِي لِلْمَسَاكِينِ، وَإِنْ كُنْتُ قَدْ وَشَيْتُ بِأَحَدٍ أَرُدُّ أَرْبَعَةَ أَضْعَافٍ» (لوقا 19:8). وقليلون جدًّا في هذه الأيام يستطيعون أن يقولوا مثل ذلك برهانًا على اهتدائهم.

وبيت كرنيليوس كله اهتدى بغتة؛ فإنه فيما كان بطرس يبشره هو وجماعته بالمسيح حلّ الروح القدس عليهم، فاعتمدوا. (أعمال الرسل 10)

وفي يوم الخمسين قبِل ثلاثة آلاف الكلمة بفرح. ولم يهتدوا فحسب، بل اعتمدوا أيضًا في اليوم نفسه. (أعمال الرسل 2)

ولما كلّم فيلبس الخصي، وهما سائران في الطريق، قال الخصي لفيلبس: «هُوَذَا مَاءٌ. مَاذَا يَمْنَعُ أَنْ أَعْتَمِدَ؟». فلم يكن ثمة ما يمنع. فقال فيلبس: «إِنْ كُنْتَ تُؤْمِنُ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ يَجُوزُ». فنزل كلاهما إلى الماء، واعتمد ذلك الرجل صاحب السلطان العظيم عند كنداكة ملكة الحبشة، ومضى في طريقه فرحًا. (أعمال الرسل 8:26-38) وستجد في الكتاب المقدس كله أن الاهتداءات كانت فجائية آنية.

هَب رجلًا اعتاد أن يسرق مالًا من مخدومه. فلنفرض أنه أخذ 1000 دولار في اثني عشر شهرًا؛ فهل نقول له أن يأخذ 500 دولار في السنة التالية، وأقل منها في السنة التي بعدها، ثم التي تليها، حتى لا يكون المبلغ المأخوذ في خمس سنين سوى 50 دولارًا؟ ذلك يكون قائمًا على المبدأ نفسه الذي يقوم عليه الاهتداء التدريجي.

ولو قُدِّم مثل هذا الشخص إلى المحكمة ثم عُفي عنه لأنه لا يستطيع أن يغيّر طريقة حياته دفعة واحدة، لَعُدَّ ذلك إجراءً غريبًا جدًّا.

لكن الكتاب المقدس يقول: «لَا يَسْرِقِ ٱلسَّارِقُ فِي مَا بَعْدُ» (أفسس 4:28). إنها «إلى الخلف دُر!». وهَب إنسانًا اعتاد أن يجدّف مئة مرة في اليوم: فهل ننصحه بألا ينطق في اليوم التالي بأكثر من تسعين قسمًا، وفي اليوم الذي يليه بثمانين، حتى يتخلص من العادة بمرور الوقت؟ إن المخلّص يقول: «لَا تَحْلِفُوا ٱلْبَتَّةَ» (متى 5:34).

وهَب رجلًا آخر اعتاد أن يسكر ويضرب امرأته مرتين في الشهر؛ فلو صار لا يفعل ذلك إلا مرة واحدة في الشهر، ثم مرة كل ستة أشهر، لكان ذلك، على القياس نفسه، معقولًا كالاهتداء التدريجي. وهَب أن حنانيا أُرسل إلى بولس، وهو في طريقه إلى دمشق ينفث تهددًا وقتلًا على التلاميذ ويلقيهم في السجون، ليقول له ألا يقتل منهم بقدر ما كان ينوي، وأن يدع العداوة تموت في قلبه شيئًا فشيئًا لا دفعة واحدة. وهَب أنه قيل له إنه لا يصح أن يكفّ عن نفث التهدد والقتل ويشرع في الكرازة بالمسيح دفعة واحدة، لأن الفلاسفة سيقولون إن تغييرًا بهذه الفجاءة لا يمكن أن يدوم؛ فهذا هو ضرب الاستدلال نفسه الذي يستدل به الذين لا يؤمنون بالاهتداء الآني.

ثم هناك فريق آخر يقولون إنهم يخافون ألا يثبتوا. وهذا فريق كثير العدد ومرجوّ جدًّا. إني أحب أن أرى الإنسان لا يثق بنفسه. ومن الخير أن نحمل مثل هؤلاء على النظر إلى الله، وعلى أن يذكروا أن الإنسان ليس هو الذي يمسك الله، بل الله هو الذي يمسكه. فبعض الناس يريدون أن يتمسكوا بالمسيح؛ ولكن المطلوب هو أن تجعل المسيح يمسك بك استجابةً للصلاة. فليقرأ هؤلاء مزمور 121: «أَرْفَعُ عَيْنَيَّ إِلَى ٱلْجِبَالِ، مِنْ حَيْثُ يَأْتِي عَوْنِي! مَعُونَتِي مِنْ عِنْدِ ٱلرَّبِّ، صَانِعِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلْأَرْضِ. لَا يَدَعُ رِجْلَكَ تَزِلُّ. لَا يَنْعَسُ حَافِظُكَ. إِنَّهُ لَا يَنْعَسُ وَلَا يَنَامُ حَافِظُ إِسْرَائِيلَ. ٱلرَّبُّ حَافِظُكَ. ٱلرَّبُّ ظِلٌّ لَكَ عَنْ يَدِكَ ٱلْيُمْنَى. لَا تَضْرِبُكَ ٱلشَّمْسُ فِي ٱلنَّهَارِ، وَلَا ٱلْقَمَرُ فِي ٱللَّيْلِ. ٱلرَّبُّ يَحْفَظُكَ مِنْ كُلِّ شَرٍّ. يَحْفَظُ نَفْسَكَ. ٱلرَّبُّ يَحْفَظُ خُرُوجَكَ وَدُخُولَكَ مِنَ ٱلْآنَ وَإِلَى ٱلدَّهْرِ».

وقد سماه بعضهم مزمور المسافر. إنه مزمور جميل لأمثالنا نحن الغرباء العابرين في هذا العالم، ومزمور ينبغي أن نكون به حسني المعرفة.

إن الله قادر أن يفعل ما فعله من قبل. لقد حفظ يوسف في مصر، وموسى أمام فرعون، ودانيال في بابل، وأعان إيليا على الوقوف أمام أخآب في ذلك اليوم المظلم. وإني لشاكر جدًّا لأن هؤلاء الذين ذكرتهم كانوا أناسًا تحت الآلام مثلنا، والله هو الذي جعلهم بذلك العظَم. فما يحتاج إليه الإنسان هو أن ينظر إلى الله. الإيمان الحقيقي الصادق هو ضعف الإنسان متكئًا على قوة الله. فحين لا تكون للإنسان قوة، إن اتكأ على الله صار قديرًا. والمشكلة أن فينا كثيرًا من القوة والثقة بأنفسنا.

ثم في عبرانيين 6:17-18: «فَلِذَلِكَ إِذْ أَرَادَ ٱللهُ أَنْ يُظْهِرَ أَكْثَرَ كَثِيرًا لِوَرَثَةِ ٱلْمَوْعِدِ عَدَمَ تَغَيُّرِ قَضَائِهِ، تَوَسَّطَ بِقَسَمٍ، حَتَّى بِأَمْرَيْنِ عَدِيمَيِ ٱلتَّغَيُّرِ، لَا يُمْكِنُ أَنَّ ٱللهَ يَكْذِبُ فِيهِمَا، تَكُونُ لَنَا تَعْزِيَةٌ قَوِيَّةٌ، نَحْنُ ٱلَّذِينَ ٱلْتَجَأْنَا لِنُمْسِكَ بِٱلرَّجَاءِ ٱلْمَوْضُوعِ أَمَامَنَا، ٱلَّذِي هُوَ لَنَا كَمِرْسَاةٍ لِلنَّفْسِ مُؤْتَمَنَةٍ وَثَابِتَةٍ، تَدْخُلُ إِلَى مَا دَاخِلَ ٱلْحِجَابِ، حَيْثُ دَخَلَ يَسُوعُ كَسَابِقٍ لِأَجْلِنَا، صَائِرًا عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادَقَ، رَئِيسَ كَهَنَةٍ إِلَى ٱلْأَبَدِ».

هذه آيات ثمينة للذين يخافون السقوط، ويخافون ألا يثبتوا. إن الحفظ عمل الله، وحراسة الخراف شأن الراعي. فمن سمع قط بخراف تذهب لتردّ الراعي؟ عند الناس فكرة أن عليهم أن يحفظوا أنفسهم ويحفظوا المسيح أيضًا؛ وهي فكرة باطلة. فشأن الراعي أن يسهر عليها وأن يعتني بالذين يتكلون عليه. وقد وعد أن يفعل ذلك. سمعت مرة عن ربّان سفينة كان يحتضر فقال: «المجد لله؛ إن المرساة ثابتة». لقد كان متكلًا على المسيح، وكانت مرساته قد تمسكت بالصخر الراسخ. وقال إيرلندي في إحدى المرات إنه «كان يرتجف، أما الصخر فلم يرتجف قط». إننا نريد لأقدامنا موطئًا أمينًا.

وفي 2 تيموثاوس 1:12 يقول بولس: «لِأَنَّنِي عَالِمٌ بِمَنْ آمَنْتُ، وَمُوقِنٌ أَنَّهُ قَادِرٌ أَنْ يَحْفَظَ وَدِيعَتِي إِلَى ذَلِكَ ٱلْيَوْمِ». ذلك كان يقين بولس.

وفي أثناء الحرب الأهلية الأخيرة، كان أحد قسوس الجيش يمر في المستشفيات، فوصل إلى رجل يحتضر. ولما وجده مسيحيًّا سأله إلى أي يقين ينتمي، فقيل له: «يقين بولس». فسأل: «أهو من الميثوديين؟» — لأن الميثوديين كلهم يدّعون بولس لأنفسهم. «لا». «أهو من المشيخيين؟» — فإن المشيخيين يدّعون بولس دعوى خاصة. فكان الجواب: «لا». «أفهو من الكنيسة الأسقفية؟» — لأن الإخوة الأسقفيين جميعًا يحاجّون بأن لهم حقًّا في الرسول الأعظم. «لا»، لم يكن أسقفيًّا. «فإلى أي يقين ينتمي إذًا؟» «مُوقِنٌ أَنَّهُ قَادِرٌ أَنْ يَحْفَظَ وَدِيعَتِي إِلَى ذَلِكَ ٱلْيَوْمِ». إنه يقين مجيد؛ وقد أعطى الجندي المحتضر راحة في ساعة الاحتضار.

وليرجع الذين يخافون ألا يثبتوا إلى الآية 24 من رسالة يهوذا: «وَٱلْقَادِرُ أَنْ يَحْفَظَكُمْ غَيْرَ عَاثِرِينَ، وَيُوقِفَكُمْ أَمَامَ مَجْدِهِ بِلَا عَيْبٍ فِي ٱلِٱبْتِهَاجِ».

ثم انظر إلى إشعياء 41:10: «لَا تَخَفْ لِأَنِّي مَعَكَ. لَا تَتَلَفَّتْ لِأَنِّي إِلَهُكَ. قَدْ أَيَّدْتُكَ وَأَعَنْتُكَ وَعَضَدْتُكَ بِيَمِينِ بِرِّي».

ثم انظر الآية 13: «لِأَنِّي أَنَا ٱلرَّبُّ إِلَهُكَ ٱلْمُمْسِكُ بِيَمِينِكَ، ٱلْقَائِلُ لَكَ: لَا تَخَفْ. أَنَا أُعِينُكَ».

فإن كان الله قد أمسك يميني بيده، أفلا يقدر أن يمسكني ويحفظني؟ أوَليست عند الله قدرة أن يحفظ؟ إن الله العظيم الذي صنع السماوات والأرض يقدر أن يحفظ خاطئًا مسكينًا مثلي ومثلك إذا اتكلنا عليه. فالإحجام عن الثقة بالله خوفًا من السقوط يكون كرجل يرفض العفو خوفًا من أن يعود إلى السجن مرة أخرى، أو كغريق يرفض أن يُنقَذ خوفًا من أن يقع في الماء ثانية.

كثيرون يتطلعون إلى الحياة المسيحية فيخافون ألا تكون لهم قوة كافية للثبات إلى النهاية. إنهم ينسون الوعد القائل: «كَأَيَّامِكَ رَاحَتُكَ» (تثنية 33:25). وهذا يذكرني برقّاص الساعة الذي اعترته الكآبة من فكرة أن عليه أن يقطع ألوفًا كثيرة من الأميال؛ ولكنه لما تأمل أن المسافة إنما تُقطع «تك، تك، تك»، استجمع شجاعة جديدة ليمضي في رحلته اليومية. فهكذا امتياز المسيحي الخاص أن يستودع نفسه لحفظ أبيه السماوي وأن يتكل عليه يومًا فيومًا. وإنه لمما يعزّي أن نعلم أن الرب لا يبدأ العمل الصالح إلا ويتمّمه أيضًا.

هناك صنفان من المرتابين: صنف عنده صعوبات صادقة، وصنف آخر لا يلذّ له إلا الجدال. كنت أظن قديمًا أن هذا الصنف الأخير سيظل شوكة في جسدي؛ لكنه لم يعد يخزني الآن، فأنا أتوقع أن ألقاهم على طول الطريق. وأناس من هذا الطراز كانوا يحومون حول المسيح ليصطادوه بكلمة؛ وهم يأتون إلى اجتماعاتنا ليقيموا مناظرة. ولكل هؤلاء أوصي بنصيحة بولس لتيموثاوس: «وَٱلْمُبَاحَثَاتُ ٱلْغَبِيَّةُ وَٱلسَّخِيفَةُ ٱجْتَنِبْهَا، عَالِمًا أَنَّهَا تُوَلِّدُ خُصُومَاتٍ» (2 تيموثاوس 2:23). مباحثات سخيفة! كثير من المهتدين الجدد يقعون في خطأ مؤسف: يظنون أن عليهم أن يدافعوا عن الكتاب المقدس كله. كنت لا أعرف من الكتاب المقدس إلا القليل حين اهتديت أول مرة، وظننت أن عليّ أن أدافع عنه من أوله إلى آخره ضد كل معترض؛ لكن أحد ملحدي بوسطن أمسك بي، وطرح كل حججي أرضًا دفعة واحدة، وثبّط عزيمتي. غير أني قد تجاوزت ذلك الآن. ففي كلمة الله أشياء كثيرة لا أدّعي أني أفهمها.

وحين أُسأل ماذا أفعل بها، أقول: «لا أفعل شيئًا».

«وكيف تفسرها؟» «أنا لا أفسرها».

«فماذا تصنع بها إذًا؟» «إني أصدّقها».

وحين يقال لي: «أنا لا أصدّق شيئًا لا أفهمه»، أجيب ببساطة بأني أنا أصدّق.

هناك أشياء كثيرة كانت مظلمة غامضة عندي منذ خمس سنين، ثم فاض عليّ فيها منذ ذلك الحين فيض من النور؛ وأتوقع أن أظل أكتشف شيئًا جديدًا عن الله مدى الأبدية. وأنا حريص على ألا أناقش نصوص الكتاب المتنازع فيها. قال أحد اللاهوتيين القدماء إن بعض الناس، إذا أرادوا أن يأكلوا سمكًا، بدأوا بنكش العظام. أما أنا فأترك مثل هذه الأمور حتى يكون لي فيها نور، ولست ملزمًا أن أفسر ما لا أدركه. «ٱلسَّرَائِرُ لِلرَّبِّ إِلَهِنَا، وَٱلْمُعْلَنَاتُ لَنَا وَلِبَنِينَا إِلَى ٱلْأَبَدِ» (تثنية 29:29)؛ وهذه أتناولها وآكلها وأتغذى بها لأنال قوة روحية.

ثم هناك نصيحة سديدة وجيزة في تيطس 3:9: «وَأَمَّا ٱلْمُبَاحَثَاتُ ٱلْغَبِيَّةُ، وَٱلْأَنْسَابُ، وَٱلْخُصُومَاتُ، وَٱلْمُنَازَعَاتُ ٱلنَّامُوسِيةُ فَٱجْتَنِبْهَا، لِأَنَّهَا غَيْرُ نَافِعَةٍ، وَبَاطِلَةٌ».

ولكن ها هو ذا الآن مرتاب صادق. فمع هذا أتعامل برفق كما تتعامل الأم مع طفلها المريض. وأنا لا أتعاطف البتة مع أولئك الذين إذا وجدوا إنسانًا مرتابًا نبذوه وأبوا أن تكون لهم به صلة.

كنت في اجتماع استفسار منذ مدة، فأسلمت إلى سيدة مسيحية أعرفها منذ زمن واحدةً من المرتابات. وبعد قليل التفتُّ حولي فرأيت المستفسرة خارجة من القاعة. فسألت: «لماذا تركتِها تذهب؟» فكان الجواب: «إنها مرتابة!» فجريت إلى الباب واستوقفتها، وقدّمتها إلى خادم مسيحي آخر قضى معها أكثر من ساعة في الحديث والصلاة. ثم زارها هي وزوجها؛ وفي غضون أسبوع نبذت تلك السيدة الذكية ارتيابها وخرجت مسيحية عاملة. لقد استلزم الأمر وقتًا ولباقة وصلاة؛ ولكن إذا كان الإنسان من هذا الصنف صادقًا، فينبغي أن نعامله كما يريد لنا السيد أن نعامله.

وإليك بعض النصوص لأجل المستفسرين المرتابين:

«إِنْ شَاءَ أَحَدٌ أَنْ يَعْمَلَ مَشِيئَتَهُ يَعْرِفُ ٱلتَّعْلِيمَ، هَلْ هُوَ مِنَ ٱللهِ، أَمْ أَتَكَلَّمُ أَنَا مِنْ نَفْسِي» (يوحنا 7:17). فإن لم يكن الإنسان راغبًا في أن يعمل مشيئة الله، فلن يعرف التعليم. وليس بين المرتابين صنف يجهل أن الله يريد منهم أن يتركوا الخطية؛ فإن كان الإنسان راغبًا في أن يرجع عن الخطية، وأن يقبل النور ويشكر الله على ما يعطيه، غير منتظر أن ينال نورًا على الكتاب كله دفعة واحدة، فسينال مزيدًا من النور يومًا فيومًا، ويتقدم خطوة فخطوة، ويُقاد خارجًا من الظلمة إلى نور السماء الصافي.

وفي دانيال 12:10 قيل لنا: «كَثِيرُونَ يَتَطَهَّرُونَ وَيُبَيَّضُونَ وَيُمَحَّصُونَ، أَمَّا ٱلْأَشْرَارُ فَيَفْعَلُونَ شَرًّا. وَلَا يَفْهَمُ أَحَدُ ٱلْأَشْرَارِ، لَكِنِ ٱلْفَاهِمُونَ يَفْهَمُونَ».

إن الله لن يكشف أسراره لأعدائه أبدًا. أبدًا! فإذا أصرّ الإنسان على العيش في الخطية، فلن يعرف تعاليم الله.

«سِرُّ ٱلرَّبِّ لِخَائِفِيهِ، وَعَهْدُهُ لِتَعْلِيمِهِمْ» (مزمور 25:14).

وفي يوحنا 15:15 نقرأ: «لَا أَعُودُ أُسَمِّيكُمْ عَبِيدًا، لِأَنَّ ٱلْعَبْدَ لَا يَعْلَمُ مَا يَعْمَلُ سَيِّدُهُ، لَكِنِّي قَدْ سَمَّيْتُكُمْ أَحِبَّاءَ لِأَنِّي أَعْلَمْتُكُمْ بِكُلِّ مَا سَمِعْتُهُ مِنْ أَبِي». فحين تصيرون أحباء المسيح تعرفون أسراره. وقد قال الرب: «هَلْ أُخْفِي عَنْ إِبْرَاهِيمَ مَا أَنَا فَاعِلُهُ»؟ (تكوين 18:17)

والذين يشبهون الله هم الأرجح أن يفهموا الله. فإن كان الإنسان غير راغب في الرجوع عن الخطية، فلن يعرف مشيئة الله، ولن يكشف الله له أسراره. أما إذا كان راغبًا في الرجوع عن الخطية، فسيدهش حين يرى كيف يدخل النور!

أذكر ليلة كان فيها الكتاب المقدس أجفّ كتاب في الكون عندي وأشدّه ظلمة. وفي اليوم التالي صار مختلفًا كل الاختلاف: خُيّل إليّ أني وجدت مفتاحه؛ فقد كنت قد وُلدت من الروح. ولكن قبل أن أعرف شيئًا من فكر الله كان لا بد لي أن أترك خطيتي. إني أومن أن الله يلاقي كل نفس عند موضع التسليم، حين تكون راغبة في أن تدعه يهديها ويقودها. إن مشكلة كثير من المرتابين هي عجبهم بأنفسهم: فهم أعلم من القدير! وهم لا يأتون بروح متعلمة. ولكن ما إن يأتي الإنسان بروح قابلة حتى يتبارك؛ لأنه «إِنْ كَانَ أَحَدُكُمْ تُعْوِزُهُ حِكْمَةٌ، فَلْيَطْلُبْ مِنَ ٱللهِ ٱلَّذِي يُعْطِي ٱلْجَمِيعَ بِسَخَاءٍ وَلَا يُعَيِّرُ، فَسَيُعْطَى لَهُ» (يعقوب 1:5).

المحتويات

الطريق إلى الله Dwight L. Moody

صفحة 1 / 1 · 11 دقيقة متبقية في الفصل