فصل 4 · قراءة 2 د

خضوع الروح للآب وللابن

ليس يلزم من كون الروح القدس أقنومًا إلهيًّا أن يكون الروح القدس مساويًا للآب في كلّ معنًى من المعاني. فإنّ الكتب المقدسة، وإن كانت هي نفسها تعلّمنا أنّه في يسوع المسيح قد حلّ كلّ ملء اللاهوت جسديًّا (كولوسي 2:9)، وأنّه كان إلهًا حقًّا وإلهًا تامًّا حتى إنّه استطاع أن يقول: «أنا والآب واحد» (يوحنا 10:30)، وأن يقول: «الذي رآني فقد رأى الآب»

(يوحنا 14:9) — فإنّها تعلّمنا كذلك بالوضوح عينه أنّ يسوع المسيح لم يكن مساويًا للآب من كلّ وجه، بل كان خاضعًا للآب في وجوهٍ كثيرة. وعلى هذا المثال نفسه تعلّمنا الكتب المقدسة أنّ الروح القدس، وإن يكن أقنومًا إلهيًّا، فهو خاضع للآب وللابن.

ففي يوحنا 14:26 نتعلّم أنّ الروح القدس إنّما هو مُرسَل من الآب، وأنّه مُرسَل باسم الابن. وقد أعلن يسوع ذلك إعلانًا في غاية الوضوح، فقال: «وأمّا المعزّي، الروح القدس، الذي سيرسله الآب باسمي، فهو يعلّمكم كلّ شيء، ويذكّركم بكلّ ما قلته لكم». وأمّا في يوحنا 15:26 فيكون يسوع نفسه هو الذي يرسل الروح من عند الآب، وهذا هو نصّ العبارة بحروفها: «ومتى جاء المعزّي الذي سأرسله أنا إليكم من الآب، روح الحقّ، الذي من عند الآب ينبثق، فهو يشهد لي». وكما أنّنا نتعلّم في مواضع أخرى من الكتاب أنّ يسوع المسيح كان مُرسَلًا من الآب (يوحنا 6:29؛ 8:29، 42)، كذلك نتعلّم ههنا أنّ الروح القدس هو بدوره مُرسَل من يسوع المسيح.

ثمّ إنّ خضوع الروح القدس للآب وللابن يظهر أيضًا في هذه الحقيقة، وهي أنّه يستمدّ بعض أسمائه من الآب ومن الابن. فإنّنا نقرأ في رومية 8:9 ما يلي: «وأمّا أنتم فلستم في الجسد بل في الروح، إن كان روح الله ساكنًا فيكم. ولكن إن كان أحد ليس له روح المسيح، فذلك ليس له». فههنا عندنا اسمان اثنان من أسماء الروح: أحدهما مستمدّ من علاقته هو بالآب، وهو «روح الله»، والآخر مستمدّ من علاقته هو بالابن، وهو «روح المسيح».

وفي أعمال الرسل 16:7 يُذكر بأنّه «روح يسوع». ويُرى خضوع الروح للابن أيضًا في هذه الحقيقة، وهي أنّ الروح القدس لا يتكلّم من نفسه، بل إنّما يتكلّم بالكلام الذي يسمعه. فإنّنا نقرأ في يوحنا 16:13 ما يلي: «وأمّا متى جاء ذاك، روح الحقّ، فهو يرشدكم إلى جميع الحقّ، لأنّه لا يتكلّم من نفسه، بل كلّ ما يسمع يتكلّم به، ويخبركم بأمور آتية». ويعود خضوع الروح للابن فيظهر مرّةً أخرى في هذه الحقيقة المُعلَنة، وهي أنّ عمل الروح القدس ليس أن يمجّد نفسه بل أن يمجّد المسيح. يقول يسوع في يوحنا 16:14: «ذاك يمجّدني، لأنّه يأخذ ممّا لي ويخبركم». وعلى هذا المثال نفسه لم يطلب يسوع أن يُعظّم نفسه أو يُظهرها في مظهر العظمة، بل كانت إرادته أن يرفع المجد إلى ذاك الذي أرسله، أي إلى أبيه.

فمن هذه الفصول جميعها يظهر ظهورًا بيّنًا أنّ الروح القدس، في عمله الحاضر الذي يعمله الآن، وإن كان له كلّ صفات اللاهوت، فهو خاضع للآب وللابن. على أنّنا سنرى من الجهة الأخرى، فيما بعدُ، أنّ يسوع نفسه، في حياته ههنا على الأرض، إنّما عاش وعلّم وعمل بقوّة الروح القدس.

صفحة 1 / 2 · 2 دقيقة متبقية في الفصل