فصل 5 · قراءة 44 د

أقنوم الروح القدس وعمله كما تُعلنه أسماؤه

يُستعمل في العهدين القديم والجديد، في الكلام عن الروح القدس، خمسة وعشرون اسمًا مختلفًا على أقلّ تقدير. وفي هذه الأسماء من عميق المعنى ما لا يُدرك غوره. فإنّنا إن نحن درسناها درسًا متأنّيًا، وجدنا فيها إعلانًا عجيبًا عن أقنوم الروح القدس وعن عمله.

أوّلًا — الروح. أبسط اسمٍ يُذكر به الروح القدس في الكتاب المقدس هو «الروح». وهذا الاسم هو أيضًا الأساس الذي تُبنى عليه سائر الأسماء، فمن ثمّ نبتدئ به درسنا. والكلمتان اليونانية والعبرانية اللتان تُرجمتا هكذا تعنيان في أصل معناهما «نَسَمة» أو «ريح». وكلا المعنيين قائمٌ في الاسم حين يُطلق على الروح القدس.

أ) أمّا فكرة النَّسَمة فتظهر لنا في يوحنا 20:22، حيث نقرأ: «ولمّا قال هذا نفخ وقال لهم: اقبلوا الروح القدس». وهي فكرةٌ مُلمَحٌ إليها أيضًا في التكوين 2:7: «وجبل الربّ الإله آدم ترابًا من الأرض، ونفخ في أنفه نسمة حياة، فصار آدم نفسًا حيّة». ويزداد هذا الأمر وضوحًا وبيانًا متى نحن قابلنا به ما جاء في المزمور 104:30: «ترسل روحك فتُخلَق، وتجدّد وجه الأرض»؛ وما جاء في أيّوب 33:4: «روح الله صنعني ونسمة القدير أحيتني». فما معنى هذا الاسم إذا نحن نظرنا إليه من جهة هذه الفصول جميعًا؟ إنّ الروح هو نَسَمة الله الخارجة منه، هو حياته الدفينة في أعماقه، تخرج منه في صورةٍ شخصية لتُحيي وتبعث الحياة. فنحن حين نقبل الروح القدس إنّما نقبل حياة الله نفسه الدفينة في أعماقه، لتسكن فينا نحن سكنى شخصية. ومتى أدركنا هذه الفكرة إدراكًا حقيقيًّا غمرتنا بما فيها من مهابةٍ تطأطئ لها الرؤوس. فقف هنيهةً وفكّر: ماذا يعني أن تكون الحياة الدفينة في أعماق ذلك الكائن غير المحدود الأزليّ الذي ندعوه الله ساكنةً فيك أنت سكنى شخصية؟ ما أرهب الحياة وما أجلّها، وما أعظم مجدها الذي يفوق كلّ وصفٍ ويعلو على كلّ بيان، متى نحن أدركنا هذا الأمر حقّ الإدراك!

ب) وأمّا فكرة الروح القدس بوصفه «الريح» فتظهر في يوحنا 3:6-8: «المولود من الجسد جسدٌ هو، والمولود من الروح هو روح. لا تتعجّب أنّي قلت لك: ينبغي أن تولدوا من فوق. الريح تهبّ حيث تشاء، وتسمع صوتها، لكنّك لا تعلم من أين تأتي ولا إلى أين تذهب. هكذا كلّ من وُلد من الروح». وفي اليونانية هي الكلمة عينها التي تُرجمت في موضعٍ من هذا الفصل «روح» وفي موضعٍ آخر منه «ريح». ويظهر أنّه كان ينبغي أن تُترجم الكلمة ترجمةً واحدة في الموضعين كليهما. ويكون النصّ عندئذٍ هكذا: «المولود من الجسد جسدٌ هو، والمولود من الروح هو روح. لا تتعجّب أنّي قلت لك: ينبغي أن تولدوا من فوق. الريح تهبّ حيث تشاء، وتسمع صوتها، لكنّك لا تعلم من أين تأتي ولا إلى أين تذهب. هكذا كلّ من وُلد من الريح». ولعلّ المعنى التامّ لهذا الاسم، مُطلَقًا على الروح القدس أو على الريح القدس، فوق ما تبلغه أفهامنا؛ غير أنّنا نستطيع أن نرى من معناه هذا القدر على الأقلّ: (1) إنّ الروح، كالريح، ذو سلطانٍ مطلق. «الريح تهبّ حيث تشاء» (يوحنا 3:8). فأنت لا تستطيع أن تُملي على الريح أمرك، ولا أن تفرض عليها مشيئتك، بل هي تفعل ما تشاء وتذهب حيث تشاء وتهبّ كيف تشاء. وهكذا الروح القدس تمامًا: هو صاحب السلطان المطلق، ولسنا نستطيع نحن أن نُملي عليه شيئًا ولا أن نرسم له طريقًا. فإنّه هو «الروح الواحد بعينه، قاسمًا لكلّ واحدٍ بمفرده، كما يشاء» (1 كورنثوس 12:11). فإذا كانت الريح تهبّ من الشمال فقد تشتهي أنت أن تهبّ من الجنوب؛ ولكنّك مهما صرخت في وجه الريح صراخًا، ومهما ألححت عليها قائلًا: «هبّي من الجنوب»، فإنّها تمضي في هبوبها من الشمال لا تلوي على شيء. غير أنّك، وإن كنت لا تستطيع أن تُملي على الريح، وهي تهبّ كما تشاء، فأنت تستطيع أن تتعلّم النواميس التي تحكم حركاتها، ثمّ تنسجم أنت مع تلك النواميس فتجعل الريح تعمل لك عملك. فأنت تستطيع أن تنصب طاحونتك الهوائية بحيث تدور عجلاتها من أيّ جهةٍ هبّت الريح، فتطحن لك الريح عندئذٍ حَبّك أو تضخّ لك ماءك. وهكذا نحن أيضًا: فمع أنّنا لا نستطيع أن نُملي على الروح القدس أمرنا، فإنّنا نستطيع أن نتعلّم نواميس أعماله وطرائق عمله، وأن ننسجم نحن مع تلك النواميس، وقبل ذلك كلّه أن نُسلّم إرادتنا تسليمًا مطلقًا لإرادته هو صاحبة السلطان؛ فعندئذٍ يعمل روح الله ذو السلطان من خلالنا، ويُتمّم عمله المجيد بواسطتنا نحن، ونكون له آلةً في يده يعمل بها ما يشاء.

(2) والروح، كالريح، غير منظور، ولكنّه محسوسٌ حقيقيّ عظيم القدرة. فأنت تسمع صوت الريح (يوحنا 3:8)، وأمّا الريح نفسها فلا تراها قطّ. وكذلك أنت تسمع صوت الروح، وأمّا هو فغير منظورٍ أبدًا. (والكلمة المترجَمة «صوت» في يوحنا 3:8 هي عينها الكلمة التي تُترجم في مواضع أخرى «صوتًا» بمعنى النطق والكلام؛ وقد جاءت في العربية: «وتسمع صوتها».)

ونحن لا نسمع صوت الريح فحسب، بل نرى أيضًا آثارها العظيمة الباهرة. فنحن نحسّ نسمة الريح على وجناتنا، ونرى الغبار والأوراق تُساق أمامها في الطريق، ونرى السفن في عرض البحر تُدفع دفعًا سريعًا إلى موانئها؛ وأمّا الريح نفسها فتبقى على ذلك كلّه غير منظورة. وهكذا الأمر في الروح تمامًا: نحسّ نحن نسمته على نفوسنا، ونرى الأمور العظيمة التي يصنعها بين أيدينا، وأمّا هو نفسه فلا نراه. هو غير منظورٍ لا يقع تحت البصر، ولكنّه حقيقيٌّ محسوسٌ لا تخطئه النفس.

ولن أنسى أبدًا ساعةً مهيبة في كنيسة شارع شيكاغو بمدينة شيكاغو، حين كان الدكتور و. و. وايت يُلقي كلمة الوداع قبل ذهابه إلى الهند ليعمل هناك بين الطلبة. ففجأةً، ومن غير أن يسبق ذلك ما يُنذر به، امتلأ المكان بحضورٍ مهيبٍ مجيد. وكان ذلك عندي أنا حقيقةً لا ريب فيها؛ غير أنّ سؤالًا قام في نفسي: «أهذا شيءٌ ذاتيٌّ فحسب، أي إحساسٌ في داخلي أنا وحدي، أم أنّ ههنا حضورًا حقيقيًّا قائمًا خارج نفسي؟» ولمّا انقضى الاجتماع سألت أناسًا شتّى هل أحسّوا بشيء، فوجدت أنّهم هم أيضًا، في اللحظة عينها من الاجتماع، وإن لم يروا أحدًا بأعينهم، قد أحسّوا إحساسًا بيّنًا بحضورٍ غامرٍ قاهر، هو حضور الروح القدس. وقد مضت على ذلك سنون كثيرة، ولا يزال بعضهم يتحدّث عن تلك الساعة إلى يومنا هذا.

وفي مناسبةٍ أخرى، في بيتي أنا بمدينة شيكاغو، وقد جثوت للصلاة مع صديقٍ حميم، بينما نحن نصلّي، خُيّل إلينا كأنّ حضورًا مهيبًا لا يُرى قد دخل الغرفة. وأدركت حينئذٍ ما عناه أليفاز بقوله: «فمرّت روحٌ على وجهي، اقشعرّ شعر جسدي» (أيّوب 4:15). كانت تلك اللحظة غامرةً تأخذ باللبّ، ولكنّها كانت من المجد بمقدار ما كانت من المهابة. وما هذان إلّا مثالان من أمثلةٍ كثيرة يمكن أن تُساق. لم يرَ أحدٌ منّا الروح القدس في وقتٍ من الأوقات، غير أنّنا أحسسنا بحضوره إحساسًا بيّنًا لا لبس فيه. لقد عاينّا قدرته العظيمة، ولسنا نستطيع أن نشكّ في حقيقته. ويقول لنا بعضهم إنّهم لا يؤمنون بشيءٍ لا تراه أعينهم. وما رأى واحدٌ منهم الريح قطّ، ومع ذلك فهم جميعًا يؤمنون بالريح. لقد أحسّوا بالريح ورأوا آثارها؛ وهكذا نحن أيضًا، بما لا يُدانيه شكّ، قد أحسسنا بحضور الروح العظيم وعاينّا أعماله الجبّارة.

(3) والروح، كالريح، خفيُّ المسالك. فأنت لا تستطيع أن تقول من أين يأتي ولا إلى أين يذهب.

ليس في الطبيعة شيء أخفى مسلكًا من الريح. غير أنّ الروح القدس في أعماله أخفى منها مسلكًا. فنسمع كيف يبتدئ عمله العظيم فجأةً وعلى غير انتظار في جماعاتٍ متباعدة كلَّ التباعد. ولا شكّ أنّ ثمّة أسبابًا خفيّة تدعوه إلى أن يبتدئ عمله هكذا، غير أنّ هذه الأسباب كثيرًا ما تكون بعيدةً عن إدراكنا كلَّ البعد. فلسنا نعلم من أين يأتي ولا إلى أين يذهب، ولا نستطيع أن نقول أين يُظهر بعدُ قدرته العظيمة المملوءة نعمة.

(4) والروح، كالريح، لا غنى عنه البتّة. فمن غير ريحٍ — أي هواءٍ متحرّك — لا تكون حياة؛ ومن ثمّ يقول يسوع: «الحقّ الحقّ أقول لك: إن كان أحدٌ لا يولد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت الله». فلو أنّ الريح انقطعت عن الهبوب ساعةً واحدة لا غير، لانقطع أكثر ما على هذه الأرض من حياة. ومرّةً بعد مرّة، حين كانت تصدر تقارير الصحّة عن مدن الولايات المتحدة المختلفة، كان يتبيّن أنّ أصحّ خمس مدنٍ في الولايات المتحدة كلّها هي خمس مدنٍ واقعة على شواطئ البحيرات العظمى. وقد عجب كثيرون من هذا التقرير حين زاروا بعض تلك المدن فوجدوها أبعد ما تكون عن أن تكون أنظف المدن أو أحسنها ترتيبًا من جهة الصحّة العامّة؛ ومع ذلك، سنةً بعد سنة، كان التقرير يعود بالنتيجة عينها. وتفسير ذلك بسيطٌ جدًّا لا تعقيد فيه: إنّها الريح الهابّة من على تلك البحيرات هي التي حملت إلى تلك المدن الحياة والصحّة معًا. وهكذا الأمر بعينه: فمتى كفّت الريح عن الهبوب في قلبٍ ما أو كنيسةٍ ما أو جماعةٍ ما، تبعها الموت لا محالة؛ وأمّا متى هبّت الريح هبوبًا دائمًا على الفرد أو الكنيسة أو الجماعة، ففيها حياةٌ روحيةٌ وصحّةٌ فائضتان.

(5) وممّا يتّصل اتّصالًا وثيقًا بما تقدّم أنّ الروح القدس، كالريح، واهبٌ للحياة. وهذه الفكرة تعود فتظهر في الكتب المقدسة مرّةً بعد مرّة، حتى ما يكاد القارئ يخطئها. من ذلك ما نقرأه في يوحنا 6:63: «الروح هو الذي يحيي، أمّا الجسد فلا يفيد شيئًا. الكلام الذي أكلّمكم به هو روحٌ وحياة»؛ ومن ذلك أيضًا قوله: «الحرف يقتل ولكنّ الروح يحيي». ولعلّ أبلغ فصلٍ في هذا الباب وأغزره معنًى وأدعاه إلى التأمّل هو حزقيال 37:8-10: «ونظرت وإذا بالعصب واللحم كساها، وبُسط الجلد عليها من فوق، وليس فيها روح. فقال لي: تنبّأ للروح، تنبّأ يا ابن آدم، وقل للروح: هكذا قال السيّد الربّ: هلمّ يا روح من الرياح الأربع، وهبّ على هؤلاء القتلى ليحيوا.

فتنبّأت كما أمرني، فدخل فيهم الروح، فحيوا وقاموا على أقدامهم جيشٌ عظيمٌ جدًّا جدًّا». فإسرائيل، في رؤيا النبيّ تلك، لم يكن إلّا عظامًا كثيرةً جدًّا ويابسةً جدًّا، حتى نادى النبيّ عليها بكلمة الله؛ فكان عندئذٍ صوتٌ ورجفة، وتقاربت العظام كلُّ عظمٍ إلى عظمه، وصعد عليها العصب واللحم، وبُسط عليها الجلد من فوق، ومع ذلك كلّه لم تكن فيها حياة بعدُ. فلمّا هبّت الريح أخيرًا، وهي نسمة روح الله، حينئذٍ فقط، ولا قبل ذلك، «قاموا على أقدامهم جيشٌ عظيمٌ جدًّا جدًّا». فكلّ حياةٍ في المؤمن الواحد، وفي المعلّم، وفي الواعظ، وفي الكنيسة، إنّما هي من عمل الروح القدس وحده، لا من عملٍ آخر سواه.

وقد تتعرّف يومًا من الأيام برجلٍ، فما إن تسمع كلامه وترى سيرته حتى تنفر منه وتشمئزّ. فكلّ شيءٍ فيه يُعلن أنّه رجلٌ ميت، جثّةٌ أدبية، وليس ميتًا فحسب، بل هو متعفّنٌ يسرع فيه الفساد. فتبتعد عنه بأسرع ما تستطيع. ثمّ تلقاه بعد شهورٍ من ذلك. فتتردّد في مكالمته، وتودّ لو خرجت من حضرته وأنت لا تطيق البقاء فيها؛ ولكنّك تكلّمه على كلّ حال، فما يكاد ينطق أمامك بجملٍ قليلة حتى تلحظ فيه تغيّرًا عجيبًا. فحديثه عذبٌ نقيّ يرفع النفس ويُعلي بها، وكلّ ما في هيئته وسمته جاذبٌ محبَّب. ولا تلبث أن تكتشف أنّ سيرة الرجل كلَّها وحياته كلَّها قد تبدّلتا وتغيّرتا من أصلهما. لم يعد جثّةً متعفّنة، بل صار ابنًا حيًّا لله. فماذا عسى أن يكون قد حدث؟ لقد هبّت عليه ريح الله؛ لقد قبل الروح القدس، الريح القدس.

وفي يوم ربٍّ هادئ من الأيام تزور كنيسةً من الكنائس. وكلّ ما يتعلّق بمظهر الكنيسة الخارجيّ على أحسن ما يُشتهى ويُرام: بيت اجتماعٍ جميل، وأرغن ثمين، وجوقةٌ موهوبة، وواعظٌ عالم. والخدمة مرتَّبة ترتيبًا حسنًا؛ غير أنّك لا تمكث في الاجتماع طويلًا حتى تُضطرّ إلى أن ترى أن لا حياة هناك البتّة، وأنّ الأمر كلَّه شكلٌ ورسم لا غير، وأنّه لا يُنجَز هناك شيء لله ولا للناس. فتمضي عنها وفي قلبك ثقل. ثمّ تُضطرّ بعد شهور إلى زيارة تلك الكنيسة ثانيةً؛ ومظهر الكنيسة الخارجيّ على ما كان عليه قبلًا تقريبًا، ولكنّ الخدمة لا تكاد تمضي قليلًا حتى تلحظ فيها فرقًا عظيمًا. فثمّة قوّةٌ جديدة في الترنيم، وروحٌ جديدة في الصلاة، وقبضةٌ جديدة في الوعظ؛ وكلّ ما في الكنيسة يفيض بحياة الله ويطفح بها. فماذا عسى أن يكون قد حدث؟

لقد هبّت على تلك الكنيسة ريح الله؛ لقد جاء الروح القدس، الريح القدس.

وتذهب يومًا من الأيام لتسمع واعظًا قد بلغك عن مواهبه ثناءٌ عظيم. فما إن يقوم ليعظ حتى تعلم أنّه لم يُبالَغ البتّة في مدح مواهبه من الوجهة العقلية وحدها. فعبارته لا تُعاب، وأسلوبه جميل، ومنطقه لا يُطعن فيه، وعقيدته فوق النقد. والإصغاء إليه متعةٌ للعقل ولذّةٌ للذهن؛ ومع ذلك كلّه، وهو يعظ، لا تستطيع أن تدفع عن نفسك شعورًا بالحزن، إذ ليس في وعظ الرجل قبضةٌ حقيقية ولا قوّة ولا حقيقة من أيّ نوعٍ كان. فتمضي عنه وفي قلبك ثقلٌ إذ تفكّر في هذا التبديد لمواهب فاخرة رائعة. وتمرّ شهور، وربّما مرّت سنون، فإذا أنت تجد نفسك تصغي مرّةً أخرى إلى هذا الواعظ المشهور؛ ولكن يا للتغيير! تلك العبارة عينها التي لا تُعاب، وذلك الأسلوب الجميل، والمنطق الذي لا يُطعن فيه، والإلقاء البارع، والعقيدة السليمة — ولكن ههنا الآن شيءٌ زائد على ذلك كلّه: ههنا حقيقة، وحياة، وقبضة، وقوّة في الوعظ. فيجلس الرجال والنساء حابسين أنفاسهم وهو يتكلّم، والخطاة منحنون بدموع التوبة، مُنخَسين في قلوبهم ببكيت الخطية؛ ورجالٌ ونساء وفتيانٌ وفتيات ينبذون أنانيّتهم وخطيّتهم ومحبّتهم للعالم، ويقبلون يسوع المسيح ويسلّمون له حياتهم كلَّها.

فماذا حدث؟ لقد هبّت ريح الله على ذلك الرجل، وامتلأ هو من الريح القدس.

(6) والروح القدس، كالريح، لا يُقاوَم. نقرأ في أعمال الرسل 1:8: «لكنّكم ستنالون قوّة متى حلّ الروح القدس عليكم، وتكونون لي شهودًا في أورشليم وفي كلّ اليهودية والسامرة وإلى أقصى الأرض». ولمّا تمّ هذا الموعد الذي وعد به ربّنا في استفانوس، نقرأ: «ولم يقدروا أن يقاوموا الحكمة والروح الذي كان يتكلّم به». إنّ الإنسان الممتلئ من الروح القدس يتحوّل إلى إعصار. فمن ذا الذي يثبت أمام الريح؟ لمّا زار الإعصار مدينة سانت كلاود بولاية مينيسوتا منذ سنين خلت، رفعت الريح عربات شحنٍ محمَّلة وألقت بها بعيدًا عن السكّة، وخلعت جسرًا من حديد من أساساته، ولوته وطوته بعضه على بعض، ثمّ رمت به.

ولمّا زار إعصارٌ بعد ذلك مدينة سانت لويس بولاية ميزوري، قطع أعمدة التلغراف التي يبلغ قطرها قدمًا كأنّها قصبات غليون، وقطع أشجارًا هائلة من قرب أصولها، وقصّ أركان المباني الآجُرّية التي مرّ بها كأنّما قُطعت بسكّين؛ فلم يثبت أمامه شيءٌ البتّة. وهكذا الأمر: لا يثبت شيء أمام واعظٍ للكلمة ممتلئ من الروح. فلا يستطيع أحدٌ من الناس أن يقاوم الحكمة والروح الذي به يتكلّم. لقد استولت ريح الله على تشارلز ج. فيني، وكان محاميًا ريفيًّا مغمورًا لا يعرفه أحد، فأرسلته في ولاية نيويورك، ثمّ في نيو إنغلاند، ثمّ في إنجلترا، يحصد الرجال الأشدّاء حصدًا بمنطقه الذي لا يُقاوَم، منطقٍ وهبه إيّاه الروح.

وفي ليلةٍ من الليالي في مدينة روتشستر، خرج عشراتٌ من المحامين من مقاعدهم صفًّا بعد صفّ، يتقدّمهم قاضي محكمة الاستئناف، فانحنوا في ممرّات الكنيسة وسلّموا حياتهم كلَّها لله. ثمّ إنّ ريح الله استولت بعد ذلك على د. ل.

مودي، وكان شابًّا من رجال الأعمال في شيكاغو لم ينل حظًّا من التعليم؛ وبقوّة هذه الريح التي لا تُقاوَم حُصد الرجال والنساء والشبّان أمام كلماته، وجيء بهم في اعترافٍ متواضع بالخطية وتسليمٍ لها إلى قدمَي يسوع المسيح، فامتلأوا حياة الله، وصاروا منذ ذلك الحين أعمدةً في كنائس بريطانيا العظمى وفي العالم كلّه. وأعظم ما نحتاج إليه نحن اليوم، في الأفراد والكنائس والوعّاظ على السواء، هو أن تهبّ علينا ريح الله. وإنّ كثيرًا ممّا يجده كثيرون من الناس من صعوبةٍ في يوحنا 3:5: «أجاب يسوع: الحقّ الحقّ أقول لك: إن كان أحدٌ لا يولد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت الله» — كان يزول لو أنّنا ذكرنا فقط أنّ «الروح» تعني «الريح»، وترجمنا الآية ترجمةً حرفية في جميع أجزائها: «إن كان أحدٌ لا يولد من الماء والريح لا يقدر أن يدخل ملكوت الله». ويكون المعنى عندئذٍ فيما يظهر: «إن كان أحدٌ لا يولد من قوّة الروح المطهِّرة المحيية (أو من الكلمة المطهِّرة — يوحنا 15:3، أفسس 5:26، يعقوب 1:18، 1 بطرس 1:23 — ومن قوّة الروح القدس المحيية)».

ثانيًا — روح الله. كثيرًا ما يُتحدَّث عن الروح القدس في الكتاب المقدس بأنّه روح الله. من ذلك ما نقرأه في 1 كورنثوس 3:16، حيث يقول الرسول: «أما تعلمون أنّكم هيكل الله، وروح الله يسكن فيكم؟»

وفي هذا الاسم الفكرة الجوهرية عينها التي في الاسم المتقدّم، ولكن مع هذه الزيادة: أنّ أصله الإلهيّ وطبيعته الإلهية وقدرته الإلهية مُبرَزةٌ فيه. فهو ليس «الريح» فحسب، كما رأينا آنفًا، بل هو «ريح الله».

ثالثًا — روح يهوه. يُستعمل هذا الاسم للروح القدس في إشعياء 11:2 بحسب الترجمة الأمريكية المنقّحة: «ويحلّ عليه روح يهوه» — وهي في العربية: «ويحلّ عليه روح الربّ»، إذ تضع الترجمة العربية «الربّ» حيث يقوم في الأصل العبريّ اسم العهد «يهوه». وفكرة الاسم هي بطبيعة الحال الفكرة عينها التي في الاسم السابق، إلّا أنّ الله ههنا مُتصوَّرٌ بوصفه إله العهد لإسرائيل. وهكذا يُتحدَّث عنه في السياق الذي ورد فيه هذا الاسم؛ والكتاب المقدس بطبيعة الحال، جريًا على تلك الدقّة التي لا تخطئ والتي يُظهرها دائمًا في استعماله لأسماء الله المختلفة، يتحدّث في هذا السياق عن الروح بوصفه روح يهوه، لا بوصفه روح الله فحسب.

رابعًا — روح السيّد يهوه. يُدعى الروح القدس روح السيّد يهوه في إشعياء 61:1-3 بحسب الترجمة الأمريكية المنقّحة، وهو في العربية: «روح السيّد الربّ عليّ، لأنّ الربّ مسحني لأبشّر المساكين، أرسلني لأعصب منكسري القلب، لأنادي للمسبيّين بالعتق» إلى آخر الكلام. وإنّما يُتحدَّث ههنا عن الروح القدس لا بوصفه روح يهوه فحسب، بل بوصفه روح السيّد يهوه؛ وذلك بسبب العلاقة التي يُتحدَّث بها عن الله نفسه في هذا السياق: فهو ليس يهوه إله العهد لإسرائيل فحسب، بل هو يهوه سيّد إسرائيل ومولاهم، فضلًا عن كونه إلههم الحافظ عهده لهم. واسم الروح ههنا أبلغ في التعبير وأوفى بالمعنى من اسم «روح الله».

خامسًا — روح الله الحيّ. يُدعى الروح القدس «روح الله الحيّ» في 2 كورنثوس 3:3: «ظاهرين أنّكم رسالة المسيح، مخدومة منّا، مكتوبة لا بحبرٍ بل بروح الله الحيّ، لا في ألواحٍ حجرية بل في ألواح قلبٍ لحمية». فما معنى هذا الاسم؟ إنّ السياق نفسه هو الذي يوضّحه لنا. فالرسول بولس يعقد مقابلةً بين كلمة الله المكتوبة بالحبر على الورق، وبين كلمة الله المكتوبة على «ألواحٍ هي قلوبٌ لحمية» بالروح القدس، وهو الذي يُدعى في هذا السياق «روح الله الحيّ»، لأنّه يجعل الله حقيقةً حيّةً قائمة في اختبارنا الشخصيّ، بدلًا من أن يكون مجرّد تصوّرٍ عقليّ في الذهن. فكثيرون من الناس يؤمنون بالله وهم على غاية الاستقامة في تصوّرهم عنه، ولكنّ الله بعد ذلك كلّه ليس عندهم إلّا قضيّةً عقليةً لاهوتية لا أكثر. وإنّما عمل الروح القدس أن يجعل الله شيئًا أعظم جدًّا من فكرةٍ لاهوتية، مهما تكن تلك الفكرة مستقيمةً صحيحة. إنّه هو روح الله الحيّ، وإنّما عمله أن يجعل الله إلهًا حيًّا لنا نحن، كائنًا نعرفه ولنا به معرفةٌ شخصية ومعاملةٌ خاصّة، كائنًا هو أحقّ عندنا وأقرب إلى الحسّ من أشدّ أصدقائنا من البشر التصاقًا بنا وأدناهم إلى قلوبنا.

أفلك أنت إلهٌ حقيقيّ؟ حسنًا، إنّ ذلك ممكنٌ لك، بل هو في متناول يدك. فالروح القدس هو روح الله الحيّ، وهو قادرٌ على أن يهبك إلهًا حيًّا ومستعدٌّ لذلك، وأن يجعل الله حقيقةً ثابتة راسخة في اختبارك الشخصيّ. غير أنّ كثيرين لهم إلهٌ عاش يومًا من الأيام وعمل وتكلّم، إلهٌ عاش وعمل عند خلق الكون، ولعلّه عاش وعمل أيضًا في أيام موسى وإيليّا ويسوع المسيح والرسل، ولكنّه لم يعد اليوم يحيا ولا يعمل.

فإن كان له وجودٌ أصلًا، فقد سحب نفسه من كلّ عملٍ فاعلٍ في الطبيعة أو في تاريخ الإنسان. فهو قد خلق الطبيعة وأعطاها نواميسها وقواها، ثمّ تركها الآن تجري بنفسها من غير تدخّلٍ منه. وخلق الإنسان وأعطاه قدراتٍ شتّى، ثمّ تركه الآن يشقّ لنفسه مصيره بيده. وقد يمضون إلى أبعد من هذا: فقد يؤمنون بإلهٍ كلّم إبراهيم وموسى وداود وإشعياء ويسوع والرسل، ولكنّه لم يعد يتكلّم بعدُ. فنحن نقرأ في الكتاب المقدس ما كلّم به أولئك الرجال المختلفين، وأمّا أن يكلّمنا نحن فذلك ما لا سبيل لنا إلى انتظاره.

وفي مقابلة هؤلاء جميعًا، إنّما عمل الروح القدس، روح الله الحيّ، أن يجعلنا نعرف إلهًا يحيا ويعمل ويتكلّم في يومنا هذا، إلهًا مستعدًّا أن يقترب إلينا نحن كما اقترب من قبلُ إلى إبراهيم وموسى وإشعياء والرسل، بل كما اقترب إلى يسوع نفسه. ولسنا نعني بذلك أنّ عنده إعلاناتٍ جديدة يعلنها لنا بعدُ، فإنّه قد أرشد الرسل إلى جميع الحقّ (يوحنا 16:13)؛ ولكن مع أنّ إعلان حقّ الله قد تمّ تمامًا كاملًا في الكتاب المقدس فلا زيادة عليه، فإنّ الله حيٌّ اليوم كما كان حيًّا بالأمس، وهو سيكلّمنا نحن كلامًا مباشرًا كما كلّم مختاريه في الزمان القديم. فطوبى للإنسان الذي يعرف الروح القدس بوصفه روح الله الحيّ، والذي له من ثمّ إلهٌ حقيقيّ: إلهٌ يحيا في يومنا هذا، إلهٌ يستطيع أن يتّكل عليه اليوم ليقوم عنه بأمره ويتولّى عنه شأنه، إلهٌ يتمتّع معه بشركةٍ شخصيةٍ حميمة، إلهٌ يرفع إليه صوته بالصلاة فيردّ هو عليه الجواب.

سادسًا — روح المسيح. نقرأ في رومية 8:9: «وأمّا أنتم فلستم في الجسد بل في الروح، إن كان روح الله ساكنًا فيكم.

ولكن إن كان أحدٌ ليس له روح المسيح، فذلك ليس له». فالروح القدس يُدعى ههنا روح المسيح. وليس معنى «روح المسيح» في هذا الفصل روحًا شبيهةً بروح المسيح فحسب؛ بل هو يعني شيئًا أعظم من ذلك بكثير، إنّه يعني ذاك الذي يقوم وراء الروح الشبيهة بروح المسيح ويكون هو منشأً لها؛ فهو اسمٌ من أسماء الروح القدس نفسه. فلماذا يُدعى الروح القدس روح المسيح؟ إنّ ذلك لأسبابٍ عدّة: (1) لأنّه عطيّة المسيح. فالروح القدس ليس عطيّة الآب فحسب، بل هو عطيّة الابن أيضًا. فإنّنا نقرأ في يوحنا 20:22 أنّ يسوع «نفخ وقال لهم: اقبلوا الروح القدس».

فالروح القدس إذًا هو نسمة المسيح، كما هو أيضًا نسمة الله الآب. والمسيح نفسه هو الذي ينفخ فينا نحن ويمنحنا الروح القدس. وفي يوحنا 14:15 وما يليه من الآيات بعده يعلّمنا يسوع أنّ الآب إنّما يعطينا الروح القدس استجابةً لصلاته هو التي يرفعها من أجلنا. وفي أعمال الرسل 2:33 نقرأ أنّ يسوع «إذ ارتفع بيمين الله، وأخذ موعد الروح القدس من الآب»، سكب ذلك سكبًا على المؤمنين؛ أي أنّ يسوع، وقد ارتفع إلى يمين الله في الأعالي، ينال من الآب — استجابةً لصلاته التي رفعها — الروح القدس، ثمّ يسكب هو على الكنيسة ذاك الذي ناله من الآب.

وفي متى 3:11 نقرأ أنّ يسوع هو الذي يعمّد بالروح القدس. وفي يوحنا 7:37-39 يدعو يسوع كلّ من عطش من الناس أن يُقبل إليه ويشرب، والسياق يوضّح كلّ الوضوح أنّ الماء الذي يعطيه إنّما هو الروح القدس، الذي يصير في الذين يقبلونه ينبوع حياةٍ وقوّةٍ تفيض منهم إلى الآخرين حولهم. فالمسيح الممجَّد هو وحده الذي يعطي الكنيسة الروح القدس. وفي الأصحاح الرابع من إنجيل يوحنا والآية العاشرة منه يعلن يسوع صراحةً لا لبس فيها أنّه هو الذي يعطي الماء الحيّ، أي الروح القدس. وفي هذه الفصول كلّها على اختلافها وتعدّدها يُقدَّم المسيح بوصفه هو المُعطي للروح القدس؛ ومن ثمّ يُدعى الروح القدس «روح المسيح».

(2) ولكن ثمّة سببٌ أعمق من هذا كلّه لتسمية الروح القدس «روح المسيح»، وهو أنّ من عمل الروح القدس أن يُعلن لنا المسيح ويكشفه لأنظارنا. ففي يوحنا 16:14 نقرأ: «ذاك (أي الروح القدس) يمجّدني، لأنّه يأخذ ممّا لي ويخبركم». وعلى نحوٍ مشابه لهذا كُتب في يوحنا 15:26: «ومتى جاء المعزّي الذي سأرسله أنا إليكم من الآب، روح الحقّ، الذي من عند الآب ينبثق، فهو يشهد لي». فهذا إذًا هو عمل الروح القدس على وجه التحديد: أن يشهد للمسيح، وأن يُعلن يسوع المسيح للناس أجمعين. وهو بوصفه المُعلِن للمسيح والكاشف عنه إنّما يُدعى «روح المسيح».

(3) ولكن ثمّة سببٌ أعمق من هذا كلّه أيضًا، بل هو أعمق الأسباب جميعًا، لتسمية الروح القدس روح المسيح؛ ألا وهو أنّ من عمله هو أن يصوّر المسيح ويكوّنه في داخلنا نحن حضورًا حيًّا حاضرًا. ففي رسالة أفسس 3:16-17 يرفع الرسول بولس صلاته إلى الآب أن يعطي المؤمنين، بحسب غنى مجده، أن يتأيّدوا بالقوّة بروحه في الإنسان الباطن، حتى يحلّ المسيح بالإيمان في قلوبهم ويتّخذ فيها له مسكنًا دائمًا.

فهذا إذًا هو عمل الروح القدس: أن يجعل المسيح يحلّ في قلوبنا، وأن يصوّر المسيح الحيّ في داخلنا. فكما صوّر الروح القدس يسوع المسيح تصويرًا حرفيًّا جسديًّا في بطن العذراء مريم (لوقا 1:35)، هكذا يصوّر الروح القدس يسوع المسيح تصويرًا روحيًّا في قلوبنا نحن اليوم.

وفي يوحنا 14:16-18 أخبر يسوع تلاميذه أنّ الروح القدس متى جاء إليهم فإنّه هو نفسه يأتي معه؛ أي أنّ نتيجة مجيء الروح القدس ليسكن في قلوبهم إنّما هي مجيء المسيح نفسه إليهم. فمن امتياز كلّ مؤمنٍ بالمسيح، أيًّا كان ذلك المؤمن، أن يكون المسيح الحيّ مصوَّرًا بقوّة الروح القدس في قلبه هو؛ ومن ثمّ يُدعى الروح القدس، الذي يصوّر المسيح هكذا في داخل القلب، روح المسيح. فما أعجب هذا الأمر وما أروعه! وما أمجد معنى هذا الاسم وأبهاه! فلنتأمّله نحن طويلًا حتى نفهمه بقدر ما يمكن للإنسان أن يفهمه، وحتى نبتهج ابتهاجًا عظيمًا بما فيه من مجد.

سابعًا — روح يسوع المسيح. يُدعى الروح القدس روح يسوع المسيح في فيلبي 1:19: «لأنّي أعلم أنّ هذا يؤول لي إلى خلاصٍ بطلبتكم ومؤازرة روح يسوع المسيح». فالروح ليس روح الكلمة الأزليّ فحسب، بل هو روح الكلمة المتجسّد. وهو ليس روح المسيح فحسب، بل هو روح يسوع المسيح على وجه التحديد. فإنّ الإنسان يسوع، المرتفع إلى يمين الآب في العلاء، هو الذي يقبل الروح ثمّ يرسله بعد ذلك إلينا نحن. ومن ثمّ نقرأ في أعمال الرسل 2:32-33: «فيسوع هذا أقامه الله، ونحن جميعًا شهودٌ لذلك. وإذ ارتفع بيمين الله، وأخذ موعد الروح القدس من الآب، سكب هذا الذي أنتم الآن تبصرونه وتسمعونه».

ثامنًا — روح يسوع. يُدعى الروح القدس روح يسوع في أعمال الرسل 16:6-7: «وبعدما اجتازوا في فريجية وكورة غلاطية، منعهم الروح القدس أن يتكلّموا بالكلمة في أسيا. فلمّا أتوا إلى ميسيا حاولوا أن يذهبوا إلى بثينية، فلم يدعهم الروح». وباستعمال هذا الاسم على وجه الخصوص، أعني «روح يسوع»، تصير فكرة العلاقة القائمة بين الروح وبين الإنسان يسوع أوضح وأبين وأشدّ جلاءً ممّا هي عليه في الاسم الذي تقدّمه، أعني «روح يسوع المسيح».

تاسعًا — روح ابنه. يُدعى الروح القدس روح ابنه في غلاطية 4:6: «ثمّ بما أنّكم أبناء، أرسل الله روح ابنه إلى قلوبكم صارخًا: يا أبا الآب». ونحن نرى من السياق الذي وردت فيه هذه الآية (أعني الآيتين الرابعة والخامسة قبلها) أنّ هذا الاسم إنّما يُعطى للروح القدس في صلةٍ خاصّة بشهادته هو لبنوّة المؤمن لله.

إنّ «روح ابنه» هو نفسه الذي يشهد لنا بأنّنا أبناء.

والفكرة في ذلك هي أنّ الروح القدس روحٌ بنويّ، روحٌ يُنشئ فينا نحن إحساسًا بالبنوّة. فإن نحن قبلنا الروح القدس، لم نعد نفكّر في الله كأنّنا عبيدٌ نخدم تحت قهرٍ وعبودية، بل نكون أبناءً نحيا في حرّيةٍ مفرحة. فلسنا نخاف الله بعدُ خوف العبيد، بل نثق به ونفرح فيه. فمتى قبلنا نحن الروح القدس لم نأخذ روح العبودية أيضًا للخوف، بل أخذنا روح التبنّي الذي به نصرخ إلى الله: «يا أبا الآب» (رومية 8:15). وهذا الاسم من أسماء الروح القدس هو من أغزرها معنًى وأبعثها على التأمّل على الإطلاق. ويحسن بنا أن نتدبّره ونتأمّله طويلًا حتى ندرك ملء ما فيه من معنًى مفرح. وسنعود إليه مرّةً أخرى حين نأتي إلى درس عمل الروح القدس.

عاشرًا — الروح القدس. هذا الاسم كثير الورود جدًّا، وهو أشدّ أسمائه جميعًا أُلفةً عند أكثرنا. ومن أشهر الفصول التي يَرد فيها هذا الاسم لوقا 11:13: «فإن كنتم وأنتم أشرار تعرفون أن تعطوا أولادكم عطايا جيّدة، فكم بالحريّ الآب الذي من السماء يعطي الروح القدس للذين يسألونه؟». وهذا الاسم يُبرز لنا الصفة الأدبية الجوهرية لهذا الروح. فهو قدّوسٌ في ذاته وبذاته. ونحن من فرط أُلفتنا بهذا الاسم وكثرة تردّده على ألسنتنا نُهمل أن نزن ما فيه من معنًى ونتدبّره حقّ التدبّر. فليتنا ندرك إدراكًا أعمق وأدوم أنّه هو الروح القدّوس! ولحسُن بنا أن ننحني في حضرته، كما فعل السرافيم في رؤيا إشعياء، صارخين: «قدّوس، قدّوس، قدّوس». ومع ذلك، فما أكثر ما نتكلّم عنه ونصلّي طالبين إيّاه من غير تفكيرٍ ولا تدبّر!

إنّنا نصلّي طالبين منه أن يأتي إلى كنائسنا وإلى قلوبنا معًا؛ ولكن ماذا عساه أن يجد هو إن جاء إلى هناك؟ أفلا يجد كثيرًا ممّا يؤلمه ويُحزنه أشدّ الحزن ويجرح مشاعره؟ وماذا كنّا نقول نحن لو أنّ نساءً دنساتٍ من أحطّ أوكار الإثم في مدينةٍ عظيمة ذهبن إلى أطهر امرأةٍ في تلك المدينة ودعونها أن تجيء وتسكن معهنّ في شرّهنّ المقزّز، من غير أن تكون لهنّ نيّةٌ في ترك طرقهنّ الشرّيرة؟ غير أنّ ذلك كلَّه لا يبلغ في فظاعته وشناعته أن نسأل أنا وأنت الروح القدس أن يجيء ويسكن في قلوبنا ونحن لا نفكّر البتّة في ترك نجاستنا أو أنانيّتنا أو محبّتنا للعالم أو خطيّتنا. بل إنّ ذلك لا يبلغ في فظاعته أن ندعو نحن الروح القدس أن يجيء إلى كنائسنا وهي مملوءة محبّةً للعالم وأنانيّةً وخصامًا وحسدًا وكبرياء وكلَّ ما هو غير مقدَّس.

ولكن لو أنّ أهل ذلك المكان الأحطّ الأشدّ شرًّا ذهبوا إلى تلك المرأة الأطهر الأشبه بالمسيح، وسألوها أن تجيء وتسكن معهم، عازمين على أن ينبذوا كلّ ما هو شرّير، وأن يسلّموا هذه المرأة المقدّسة الشبيهة بالمسيح زمام المكان كلَّه، لذهبت إليهم بلا تردّدٍ ولا إبطاء. وهكذا الأمر فينا نحن: فمهما نكن خطاةً أنانيّين ناقصين، فإنّ الروح القدس غير المحدود في قداسته مستعدٌّ أن يجيء ويتّخذ مسكنه في قلوبنا، إن نحن سلّمناه زمام حياتنا كلَّها تسليمًا مطلقًا، وأذنّا له أن يقتاد كلّ شيءٍ فينا: في الفكر والخيال والشعور والقصد والعمل، إلى الطاعة لمشيئته. والروح القدس غير المحدود في قداسته مستعدٌّ أن يجيء إلى كنائسنا، مهما تكن الآن ناقصةً محبّةً للعالم، إن نحن رضينا أن نضع زمام كلّ شيء في يديه تسليمًا مطلقًا. ولكن لا ننسَ أبدًا أنّه هو الروح القدّوس، ومتى صلّينا طالبين إيّاه فلنصلّ طالبين إيّاه على هذا الوصف.

حادي عشر — روح الموعد القدّوس. يُدعى الروح القدس روح الموعد القدّوس في أفسس 1:13: «الذي فيه أيضًا أنتم، إذ سمعتم كلمة الحقّ، إنجيل خلاصكم، الذي فيه أيضًا إذ آمنتم خُتمتم بروح الموعد القدّوس». وعندنا ههنا الاسم عينه الذي تقدّم ذكره، مع هذه الفكرة الزائدة عليه: أنّ هذا الروح القدس هو موعد الآب والابن العظيم. فالروح القدس هو موعد الله العظيم الجامع لكلّ شيءٍ في هذا العصر الحاضر الذي نحن فيه؛ والأمر الوحيد الذي أمر يسوع التلاميذ أن ينتظروه بعد صعوده، قبل أن يشرعوا في عمله الذي أودعه إيّاهم، إنّما هو «موعد الآب»، أي الروح القدس (أعمال الرسل 1:4-5). وقد كان موعد الآب العظيم، إلى أن جاء المسيح، هو ذاك المخلّص الملك الآتي صاحب الكفّارة؛ ولكن لمّا جاء يسوع ومات موته الكفّاريّ على صليب الجلجثة، ثمّ قام وصعد إلى يمين الآب في العلاء، صار موعد الآب العظيم الثاني هو الروح القدس، ليقوم مقام ربّنا الغائب عنّا. (انظر أيضًا أعمال الرسل 2:33.)

ثاني عشر — روح القداسة. يُدعى الروح القدس روح القداسة في رومية 1:4: «وتعيّن ابن الله بقوّة من جهة روح القداسة، بالقيامة من الأموات: يسوع المسيح ربّنا». وقد يبدو للنظرة الأولى أن ليس بين هذين الاسمين — أعني الروح القدّوس وروح القداسة — فرقٌ جوهريّ يُعتدّ به ويُلتفت إليه. غير أنّ بينهما في الحقيقة فرقًا بيّنًا ظاهرًا لا يخفى. فاسم «الروح القدّوس»، كما تقدّم القول آنفًا، يُبرز الصفة الأدبية الجوهرية للروح بأنّه قدّوسٌ في ذاته؛ وأمّا اسم «روح القداسة» فيُخرج لنا فكرةً أخرى، هي أنّ الروح القدس ليس قدّوسًا في ذاته فحسب، بل هو يمنح القداسة لغيره أيضًا ويفيضها عليه. فالقداسة الكاملة التي هي له هو إنّما يمنحها للذين يقبلونه (1 بطرس 1:2).

ثالث عشر — روح القضاء. يُدعى الروح القدس روح القضاء في إشعياء 4:4: «إذا غسل السيّد قذر بنات صهيون، ونقّى دم أورشليم من وسطها بروح القضاء وبروح الإحراق». وفي هذا الفصل الواحد اسمان من أسماء الروح القدس: أوّلهما روح القضاء. وإنّما دُعي الروح القدس بهذا الاسم لأنّ من عمله أن يُظهر الخطية ويُخرجها إلى النور، وأن يبكّت الإنسان على خطية (يوحنا 16:7-9). فمتى جاء الروح القدس إلينا كان أوّل ما يصنعه بنا أن يفتح أعيننا لنرى خطايانا على حقيقتها كما يراها الله نفسه. إنّه يقضي في خطيّتنا ويحكم فيها. (وسنبسط الكلام في هذا الأمر حين ندرس يوحنا 16:7-11 عند النظر في عمل الروح القدس.)

رابع عشر — روح الإحراق. يُستعمل هذا الاسم في الفصل عينه الذي نقلناه آنفًا. (انظر ثالث عشر.) وهذا الاسم يُبرز عمله الفاحص المنقّي المُفني للزغل المنير المُنشّط. فالروح القدس كنارٍ في القلب الذي يسكن فيه؛ وكما تفحص النار وتنقّي وتُفني وتُنير وتُدفئ وتُنشّط، هكذا يفعل هو أيضًا. وفي سياق هذا الفصل إنّما عمل الروح القدس المطهِّر هو المُبرَز على وجه الخصوص (إشعياء 4:3، 4).

خامس عشر — روح الحقّ. يُدعى الروح القدس روح الحقّ في يوحنا 14:17: «روح الحقّ الذي لا يستطيع العالم أن يقبله، لأنّه لا يراه ولا يعرفه، وأمّا أنتم فتعرفونه لأنّه ماكثٌ معكم ويكون فيكم» (وانظر أيضًا يوحنا 15:26، ويوحنا 16:13). وإنّما دُعي الروح القدس روح الحقّ لأنّ من عمل الروح القدس أن يُبلّغ الحقّ ويوصله، وأن يمنح الحقّ للذين يقبلونه. وهذا الأمر يظهر في الفصل الذي تقدّم ذكره، ثمّ يظهر — إن أمكن أن يكون ذلك — أوضح منه وأجلى في يوحنا 16:13: «وأمّا متى جاء ذاك، روح الحقّ، فهو يرشدكم إلى جميع الحقّ، لأنّه لا يتكلّم من نفسه، بل كلّ ما يسمع يتكلّم به، ويخبركم بأمورٍ آتية». فكلّ حقٍّ إنّما هو من الروح القدس. ولسنا نبلغ نحن معرفة الحقّ إلّا حين يعلّمنا هو إيّاه.

سادس عشر — روح الحكمة والفهم. يُدعى الروح القدس روح الحكمة والفهم في إشعياء 11:2: «ويحلّ عليه روح الربّ، روح الحكمة والفهم، روح المشورة والقوّة، روح المعرفة ومخافة الربّ». ومعنى هذا الاسم من الوضوح والجلاء بحيث لا يحتاج إلى شرحٍ ولا بيان. فمن الظاهر البيّن، من الألفاظ المستعملة فيه ومن السياق الذي ورد فيه معًا، أنّ من عمل الروح القدس أن يمنح الحكمة والفهم للذين يقبلونه. فالذين يقبلون الروح القدس إنّما ينالون بذلك «روح القوّة والمحبّة والنصح»، أي روح الرأي السديد والعقل الرشيد (2 تيموثاوس 1:7).

سابع عشر — روح المشورة والقوّة. نجد هذا الاسم مستعملًا للروح القدس في الفصل عينه الذي أوردناه تحت العنوان السابق. ومعنى هذا الاسم أيضًا ظاهرٌ جليٌّ لا خفاء فيه: فإنّما يُدعى الروح القدس «روح المشورة والقوّة» لأنّه يعطينا المشورة في جميع تدابيرنا، ثمّ يعطينا القوّة على إتمامها وإخراجها إلى حيّز العمل (أعمال الرسل 8:29؛ 16:6-7؛ 1:8). فمن امتيازنا نحن أن تكون لنا مشورة الله في جميع تدابيرنا، وقوّة الله في كلّ عملٍ نتولّاه له. وإنّما ننال هذين بقبولنا الروح القدس، روح المشورة والقوّة.

ثامن عشر — روح المعرفة ومخافة الربّ. يُستعمل هذا الاسم أيضًا في الفصل المتقدّم ذكره (إشعياء 11:2). ومعنى هذا الاسم ظاهرٌ بيّنٌ هو أيضًا لا يحتاج إلى بيان. فمن عمل الروح القدس أن يمنحنا المعرفة، وأن يُنشئ فينا نحن توقيرًا ليهوه وهيبةً له، ذلك التوقير الذي يُظهر نفسه قبل كلّ شيءٍ آخر في الطاعة لوصاياه. فالذي يقبل الروح القدس تكون لذّته كلُّها في مخافة الربّ (انظر إشعياء 11:3). وهذه الأسماء الثلاثة الغزيرة المعنى التي تقدّم ذكرها آنفًا إنّما تشير على وجه الخصوص إلى عمل الروح القدس المملوء نعمةً في عبد الربّ، أي في يسوع المسيح نفسه (إشعياء 11:1-5).

تاسع عشر — روح الحياة. يُدعى الروح القدس روح الحياة في رومية 8:2: «لأنّ ناموس روح الحياة في المسيح يسوع قد أعتقني من ناموس الخطية والموت». وإنّما دُعي الروح القدس روح الحياة لأنّ من عمله الخاصّ أن يمنح الحياة (يوحنا 6:63؛ حزقيال 37:1-10). وفي السياق الذي ورد فيه هذا الاسم في الفصل المتقدّم ذكره، ابتداءً من الأصحاح السابع من رومية والآية السابعة منه، يعقد بولس مقابلةً بين ناموس موسى الذي هو خارجٌ عن الإنسان — وهو ناموسٌ مقدّسٌ وعادلٌ وصالح، وهذا حقٌّ لا مِراء فيه، ولكنّه مع ذلك عاجزٌ لا حول له — وبين روح الله الحيّ الساكن في القلب، وهو يمنح المؤمن حياةً روحيةً أدبية، ويجعله بها قادرًا على أن يوفي مطاليب ناموس الله؛ حتى إنّ ما عجز الناموس وحده عن إتمامه، إذ كان ضعيفًا بالجسد، يجعل روحُ الله المؤمنَ قادرًا عليه، إذ يمنحه الحياة ويسكن هو نفسه في قلبه، فيتمّ عندئذٍ برّ الناموس في السالكين لا بحسب الجسد بل بحسب الروح. فالروح القدس إذًا إنّما يُدعى «روح الحياة»، لأنّه هو الذي يمنح الحياة الروحية، وما يتبعها من غلبةٍ على الخطية، للذين يقبلونه.

عشرون — زيت الابتهاج. يُدعى الروح القدس «زيت الابتهاج» في عبرانيين 1:9: «أحببت البرّ وأبغضت الإثم، من أجل ذلك مسحك الله إلهك بزيت الابتهاج أكثر من شركائك». وقد يسأل سائلٌ من السائلين فيقول: وما الذي يحملنا نحن على الظنّ بأنّ «زيت الابتهاج» في هذا الفصل اسمٌ من أسماء الروح القدس؟ والجواب عن هذا السؤال إنّما نجده في مقابلة عبرانيين 1:9 بأعمال الرسل 10:38 وبلوقا 4:18. ففي أعمال الرسل 10:38 نقرأ هذا الكلام: «يسوع الذي من الناصرة كيف مسحه الله بالروح القدس والقوّة»؛ وفي لوقا 4:18 يُروى عن يسوع نفسه أنّه قال: «روح الربّ عليّ، لأنّه مسحني لأبشّر المساكين»، إلى آخر ما قال.

ففي هذين الفصلين كليهما يُقال لنا إنّ الروح القدس هو الذي مُسح به يسوع؛ وأمّا في الفصل الذي في رسالة العبرانيين فيُقال لنا إنّه إنّما مُسح بزيت الابتهاج. فالنتيجة الوحيدة الممكنة إذًا هي أنّ زيت الابتهاج إنّما يعني الروح القدس لا غير. فما أجمل هذا الاسم وما أغزر معناه وما أدعاه إلى التأمّل، وهو اسمٌ لمن ثمره أوّلًا «محبّة» ثمّ «فرح» (غلاطية 5:22)! فالروح القدس يصير ينبوع فرحٍ لا حدّ له ولا نهاية للذين يقبلونه؛ وهو يملأ النفس ويُشبعها حتى إنّ النفس التي تقبله لا تعطش إلى الأبد (يوحنا 4:14). ومهما تعظم الضيقات التي فيها يقبل المؤمن كلمة الله، فإنّ له مع ذلك كلّه ورغمًا عنه «فرح الروح القدس» (1 تسالونيكي 1:6).

وفي يوم الخمسين، لمّا اعتمد التلاميذ بالروح القدس، امتلأوا فرحًا مُطربًا غامرًا حتى ظنّ الناظرون إليهم أنّهم سكارى، فقالوا عنهم: «إنّهم قد امتلأوا سلافة». وبولس نفسه يعقد مقابلةً بين ذلك السُّكر الفاسد الذي يأتي من الإفراط في شرب الخمر، وبين ذلك الانتعاش السليم الذي لا تعقبه ردّةٌ ولا فتور ولا انتكاس، والذي إنّما يأتي من الامتلاء بالروح (أفسس 5:18-20). فحين يمسح الله إنسانًا من الناس بالروح القدس، فكأنّما هو يكسر فوق رأسه قارورة مرمرٍ ثمينة مملوءة زيت ابتهاج، حتى يجري الزيت سائلًا منحدرًا إلى أذيال ثيابه، ويغمر الإنسان كلَّه فرحٌ لا يُنطق به ومجيد.

حادي وعشرون — روح النعمة. يُدعى الروح القدس «روح النعمة» في عبرانيين 10:29: «فكم عقابًا أشرّ تظنّون أنّه يُحسب مستحقًّا من داس ابن الله، وحسب دم العهد الذي قُدّس به دنسًا، وازدرى بروح النعمة؟». وهذا الاسم يكشف لنا أنّ من عمل الروح القدس أن يدبّر نعمة الله ويطبّقها علينا نحن. وصحيحٌ أنّه هو نفسه مملوءٌ نعمةً وحنانًا، غير أنّ الاسم يعني أكثر من ذلك بكثير: إنّه يعني أنّه يجعل نعمة الله المتنوّعة لنا اختبارًا نذوقه بأنفسنا. فلسنا نقدر أن نستولي لأنفسنا على ذلك الملء غير المحدود من النعمة الذي أنعم الله به علينا في يسوع المسيح من البدء، إلّا بعمل روح النعمة في قلوبنا. فهي لنا منذ البدء من جهة كونها مُلكًا لنا وحقًّا من حقوقنا، ولكنّها لا تصير لنا اختبارًا نذوقه إلّا حين ندّعيها لأنفسنا بقوّة روح النعمة.

ثاني وعشرون — روح النعمة والتضرّعات. يُدعى الروح القدس «روح النعمة والتضرّعات» في نبوّة زكريا 12:10، حيث نقرأ: «وأفيض على بيت داود وعلى سكّان أورشليم روح النعمة والتضرّعات، فينظرون إليّ، الذي طعنوه، وينوحون عليه كنائحٍ على وحيدٍ له، ويكونون في مرارةٍ عليه كمن هو في مرارةٍ على بكره». وإنّ عبارة «روح النعمة والتضرّعات» الواردة في هذا الفصل هي بلا ريبٍ ولا شكّ اسمٌ من أسماء الروح القدس.

أمّا اسم «روح النعمة» فقد مرّ بنا تحت العنوان السابق؛ ولكن ههنا فكرةٌ زائدة عليه، هي فكرة ذلك العمل من أعمال النعمة الذي يقودنا إلى الصلاة الحارّة الملحّة. وإنّما دُعي الروح القدس بهذا الاسم لأنّه هو نفسه الذي يعلّمنا كيف نصلّي وبماذا نصلّي. فإنّ كلّ صلاةٍ حقيقية، بعد كلّ شيء، إنّما هي صلاةٌ في الروح (يهوذا 20). ونحن من ذواتنا وبأنفسنا لسنا نعلم ما نصلّي لأجله كما ينبغي؛ ولكنّ عمل روح الشفاعة القدّوس أن يشفع فينا بأنّاتٍ لا يُنطق بها، وأن يقودنا في الصلاة بحسب مشيئة الله (رومية 8:26-27). فسرّ كلّ صلاةٍ حقيقيةٍ فعّالة هو أن نعرف الروح القدس بوصفه «روح النعمة والتضرّعات».

ثالث وعشرون — روح المجد. يُدعى الروح القدس «روح المجد» في 1 بطرس 4:14: «إن عُيّرتم باسم المسيح فطوبى لكم، لأنّ روح المجد والله يحلّ عليكم. أمّا من جهتهم فيُجدَّف عليه، وأمّا من جهتكم فيُمجَّد». وهذا الاسم لا يعلّمنا فقط أنّ الروح القدس مجيدٌ في ذاته مجدًا لا حدّ له ولا نهاية، بل هو بالحريّ يعلّمنا أنّه هو الذي يمنحنا نحن مجد الله؛ فكما أنّ روح الحقّ هو الذي يمنحنا الحقّ، وكما أنّ روح الحياة هو الذي يمنحنا الحياة، وكما أنّ روح الحكمة والفهم والمشورة والقوّة والمعرفة ومخافة الربّ يمنحنا الحكمة والفهم والمشورة والقوّة والمعرفة ومخافة الربّ، وكما أنّ روح النعمة هو الذي يطبّق علينا نعمة الله المتنوّعة ويدبّرها لنا — فكذلك روح المجد هو المدبّر لنا مجد الله والقاسم لنا إيّاه بيده هو.

ففي الآية التي تسبقها مباشرةً نقرأ هذا القول: «بل كما اشتركتم في آلام المسيح افرحوا، لكي تفرحوا في استعلان مجده أيضًا مبتهجين». وإنّما في هذا السياق بعينه يُدعى روح المجد. ونحن نجد صلةً مشابهة لهذه الصلة بين الآلام التي نحتملها وبين المجد الذي يمنحنا الروح القدس إيّاه في رومية 8:16-17: «الروح نفسه أيضًا يشهد لأرواحنا أنّنا أولاد الله. فإن كنّا أولادًا فإنّنا ورثةٌ أيضًا، ورثة الله ووارثون مع المسيح، إن كنّا نتألّم معه لكي نتمجّد أيضًا معه». فالروح القدس إذًا هو مدبّر المجد لنا كما هو مدبّر النعمة، أو بالحريّ هو مدبّر تلك النعمة التي تبلغ غايتها ومنتهاها في المجد.

رابع وعشرون — الروح الأزليّ. يُدعى الروح القدس «الروح الأزليّ» في عبرانيين 9:14: «فكم بالحريّ يكون دم المسيح، الذي بروحٍ أزليّ قدّم نفسه لله بلا عيب، يطهّر ضمائركم من أعمالٍ ميتة لتخدموا الله الحيّ!». فأزليّة الروح القدس، ولاهوته، وجلاله الذي لا حدّ له — كلّ ذلك مُبرَزٌ لنا مُخرَجٌ في هذا الاسم الواحد.

خامس وعشرون — المعزّي. يُدعى الروح القدس «المعزّي» مرّةً بعد مرّة في الكتب المقدسة. من ذلك ما نقرأه في يوحنا 14:26: «وأمّا المعزّي، الروح القدس، الذي سيرسله الآب باسمي، فهو يعلّمكم كلّ شيء، ويذكّركم بكلّ ما قلته لكم». ومن ذلك أيضًا ما جاء في يوحنا 15:26: «ومتى جاء المعزّي الذي سأرسله أنا إليكم من الآب، روح الحقّ، الذي من عند الآب ينبثق، فهو يشهد لي». (وانظر أيضًا يوحنا 16:7.) والكلمة المترجَمة «المعزّي» في هذه الفصول تعني ذلك المعنى حقًّا، ولكنّها تعني إلى جانب ذلك أكثر منه بكثير.

وهي كلمةٌ يعسر عسرًا شديدًا أن تُترجم ترجمةً وافية بلفظةٍ واحدة. وقد وجد مترجمو الترجمة المنقّحة صعوبةً كبيرة في اختيار اللفظة الواحدة التي يؤدّون بها الكلمة اليونانية. فاقترحوا في هامش الترجمة المنقّحة لفظتَي «الشفيع» و«المعين»، ثمّ نقلوا الكلمة اليونانية نقلًا صوتيًّا كما هي: «البارقليط». والكلمة المترجَمة «المعزّي» إنّما تعني في أصل وضعها «المدعوّ إلى جانب آخر»، والفكرة القائمة فيها هي: من كان حاضرًا عن كثبٍ ليأخذ بناصر غيره ويقوم بأمره. وهي الكلمة عينها المترجَمة «شفيع» في 1 يوحنا 2:1: «يا أولادي، أكتب إليكم هذا لكي لا تخطئوا.

وإن أخطأ أحدٌ فلنا شفيعٌ عند الآب، يسوع المسيح البارّ». غير أنّ لفظة «شفيع»، بحسب ما نفهمها نحن اليوم، لا تؤدّي كامل قوّة الكلمة اليونانية التي تُرجمت بها.

أمّا من جهة تاريخها فإنّ «الشفيع» (advocatus) تعني الشيء عينه تقريبًا. فهي لفظةٌ لاتينية معناها «المدعوّ إلى آخر ليأخذ بناصره»؛ غير أنّها اكتسبت في استعمالنا الحديث معنًى ضيّقًا محصورًا. والكلمة اليونانية المترجَمة «المعزّي» (بارقليطوس) تعني «المدعوّ إلى الجانب»، أي المدعوّ ليقف دائمًا إلى جانب المرء، وهو أبدًا مستعدّ أن يقوم إلى جانبنا ويأخذ بناصرنا في كلّ أمرٍ نحتاج فيه إلى عونه.

وهو اسمٌ عجيب الحنوّ، بليغ التعبير، لذلك القدّوس. فإنّنا أحيانًا إذ نفكّر في الروح القدس يبدو لنا بعيدًا عنّا كلَّ البعد، نائيًا عن متناولنا؛ ولكنّنا متى فكّرنا في «البارقليطوس»، أي «القائم إلى جانبنا» أو «الآخذ بناصرنا»، فما أقربه عندئذٍ إلينا وما أدناه منّا! وقد كان يسوع نفسه، إلى الوقت الذي فيه أعطى التلاميذ هذا الوعد، هو بارقليطهم. فكانوا متى وقعوا في شدّةٍ أو عسرٍ التفتوا إليه هو دون سواه.

من ذلك، على سبيل المثال، أنّ التلاميذ ارتابوا مرّةً من المرّات كيف يصلّون وبماذا يصلّون، فالتفتوا إلى يسوع وقالوا له: «يا ربّ، علّمنا أن نصلّي»؛ فعلّمهم الربّ عندئذٍ تلك الصلاة العجيبة التي انحدرت إلينا عبر الأجيال كلّها (لوقا 11:1-4). وفي مناسبةٍ أخرى كان بطرس يغرق في أمواج بحر الجليل، فصرخ قائلًا: «يا ربّ، نجّني»؛ ففي الحال مدّ يسوع يده وأمسك به وخلّصه (متى 14:30-31). فكانوا هكذا في كلّ ضيقةٍ تنزل بهم وكلّ شدّةٍ تصيبهم يلتفتون إليه وحده. وهكذا الأمر معنا نحن الآن، وقد مضى يسوع إلى الآب: فإنّ لنا أقنومًا آخر، إلهٌ مثله، حكيمٌ مثله، قويٌّ مثله، محبٌّ مثله، حنونٌ مثله، مستعدٌّ للمعونة وقادرٌ عليها مثله، وهو دائمًا إلى جانبنا لا يفارقنا طرفة عين.

بل ما هو أفضل من ذلك: هو ساكنٌ في قلوبنا، وهو يأخذ بالأمر ويعين إن نحن وثقنا به أن يفعل.

فإنّ حقّ الروح القدس، كما يرسمه لنا اسم «البارقليطوس»، متى دخل قلوبنا مرّةً واحدة وثبت فيها، طرد عنّا كلّ وحشةٍ إلى الأبد؛ فكيف نستوحش نحن وهذا الصديق، خير الأصدقاء جميعًا وأوفاهم، معنا في كلّ حين؟ لقد دُعيت أنا في السنوات الثماني الأخيرة إلى احتمال ما كان في طبعه ومجراه حياةً شديدة الوحشة. فأنا في أكثر الوقت مفترقٌ عن امرأتي وأولادي بدواعي الواجب الذي عليّ. وقد افترقت ثمانية عشر شهرًا متوالية عن كلّ أهلي تقريبًا، تفصل بيني وبينهم ألوفٌ كثيرة من الأميال. ولكانت تلك الوحشة فوق طاقة الاحتمال، لولا ذلك الصديق الواحد الكافي كلَّ الكفاية، الذي كان معي دائمًا.

وإنّي لأذكر ليلةً كنت أذرع فيها ظهر باخرةٍ تتقاذفها العاصفة في بحار الجنوب. وكان أكثر أهلي على بُعد ثمانية عشر ألف ميل منّي، والباقي منهم لم يكن معي هناك. وكان الضبّاط مشغولين في مقصورة القيادة، وكنت أنا أذرع ظهر السفينة وحدي؛ فخطر لي خاطر يقول: «ها أنت ههنا وحدك تمامًا». ثمّ جاءني بعده خاطرٌ آخر: «لست وحدي؛ فإلى جانبي، وأنا أذرع هذا الظهر في الوحشة والعاصفة، يمشي الروح القدس»؛ وكان ذلك كافيًا لي. وقد قلت شيئًا من هذا مرّةً في مؤتمرٍ كتابيّ في مدينة سانت بول. فجاءني طبيبٌ عند ختام الاجتماع وقال لي في رفق: «أريد أن أشكرك على تلك الفكرة عن الروح القدس الذي هو معنا دائمًا. فأنا رجلٌ طبيب، وكثيرًا ما أُضطرّ أن أقود مركبتي بعيدًا في الريف في جوف الليل والعاصفة لأعود مريضًا من مرضاي، وكثيرًا جدًّا ما استوحشت في تلك الطرق وحشةً شديدة؛ ولكنّي لن أستوحش بعد اليوم أبدًا.

سأعلم دائمًا أنّ الروح القدس يمضي معي إلى جانبي في مركبتي». فإنّ فكرة الروح القدس بوصفه البارقليط الحاضر أبدًا، متى دخلت قلبك مرّةً واحدة وثبتت فيه، طردت عنك كلّ خوفٍ إلى الأبد. فكيف نخاف نحن في وجه أيّ تهديدٍ كان، وهذا الأقنوم الإلهيّ قائمٌ إلى جانبنا يشير علينا ويأخذ بناصرنا؟ قد يكون حولنا جمهورٌ عاوٍ صائح، أو عاصفةٌ متجهّمة مقبلة، ولكنّ ذلك كلَّه لا يهمّ في شيء؛ فهو واقفٌ بيننا وبين الجمهور والعاصفة معًا. وقد كنت وعدت ذات ليلةٍ أن أمشي أربعة أميال على قدميّ إلى بيت صديقٍ لي بعد جلسةٍ مسائية من جلسات مؤتمر. وكان الطريق إليه يمتدّ على جانب بحيرة.

ولمّا انطلقت إلى بيت صديقي كانت عاصفةٌ رعدية مقبلة. ولم أكن حسبت لهذا حسابًا، ولكنّي إذ كنت قد وعدت رأيت أنّه ينبغي لي أن أمضي.

وكان الطريق يمتدّ على حافّة البحيرة، وكثيرًا ما كان يدنو من الحافّة دنوًّا شديدًا، وكانت البحيرة تارةً قريبةً من الطريق وتارةً على عمق أقدامٍ كثيرة تحته. وكان الليل من شدّة الغيم مظلمًا حتى ما كان المرء يستطيع أن يرى أمامه شيئًا البتّة. وبين الحين والحين يلمع برقٌ خاطف يُعمي البصر، ترى فيه أين انجرف الطريق، ثمّ يعود الظلام بعده أشدّ سوادًا من ذي قبل. وكنت تسمع البحيرة تهدر في الأسفل. وقد بدا ذلك مكانًا خطرًا يُمشى فيه؛ غير أنّي كنت في ذلك الأسبوع عينه أتكلّم على شخصية الروح القدس، وعلى الروح القدس بوصفه صديقًا حاضرًا أبدًا؛ فخطر لي خاطر يقول: «ماذا كنت تقول للناس في تلك الكلمة عن الروح القدس بوصفه صديقًا حاضرًا أبدًا؟» ثمّ قلت لنفسي: «بيني وبين البحيرة الهادرة وحافّة الطريق يمشي الروح القدس»؛ فمضيت في طريقي لا أخاف، بل مبتهجًا.

ولمّا كنّا في مدينة لندن، حضرت فتاةٌ شابّة الاجتماع ذات ظهيرةٍ في قاعة ألبرت الملكية.

وكان بها من الخوف من الظلمة ما يجاوز الحدّ ويخرج عن المألوف، حتى ما كانت تستطيع أن تدخل غرفةً مظلمة وحدها. ولكنّ فكرة الروح القدس بوصفه صديقًا حاضرًا أبدًا رسخت في ذهنها ذلك اليوم ونفذت إلى قلبها. فمضت إلى بيتها وأخبرت أمّها بما سمعته ذلك اليوم من فكرةٍ عجيبة، وكيف طردت تلك الفكرة عنها كلّ خوفٍ إلى الأبد. وكانت الظلمة قد اشتدّت في ظهيرة الشتاء اللندنيّ، فرفعت أمّها بصرها إليها وقالت: «حسنًا، فلننظر أحقيقةٌ هو. اصعدي إلى أعلى البيت وأغلقي على نفسك بابًا في غرفةٍ مظلمة». فنهضت في الحال على قدميها، وأسرعت تصعد الدرج، ودخلت غرفةً مظلمة، وأغلقت الباب، وجلست.

فذهب عنها كلّ خوفٍ وزال عنها بالكلّية؛ وكما كتبت هي في اليوم التالي، بدت لها الغرفة كلُّها كأنّها قد امتلأت مجدًا عجيبًا، هو مجد حضور الروح القدس.

وفي فكرة الروح القدس بوصفه البارقليط دواءٌ أيضًا لداء الأرق. فقد قاسيت أنا نفسي من الأرق سنتين مروّعتين. كنت ليلةً بعد ليلة آوي إلى فراشي وقد كاد النعاس يقتلني، ويُخيَّل إليّ أنّه لا بدّ لي أن أنام، ثمّ لا أستطيع النوم. آه من عذاب تينك السنتين وما قاسيت فيهما! لقد خُيّل إليّ أنّي سأفقد عقلي إن لم يأتني فرجٌ من ذلك. ثمّ جاء الفرج أخيرًا، ومضت عليّ سنون طوال لا يخطر لي فيها من الأرق شبح. ثمّ إنّي ذات ليلةٍ من الليالي أويت إلى غرفتي في المعهد، واضطجعت على فراشي منتظرًا أن أغفو في لحظةٍ كما كانت عادتي؛ فما كاد رأسي يمسّ الوسادة حتى أدركت أنّ الأرق قد عاد إليّ مرّةً أخرى. ومن ذاقه مرّةً لا ينساه أبدًا ولا يخطئه أبدًا. وخُيّل إليّ كأنّ الأرق جالسٌ على طرف سريري يكشّر لي في وجهي ويقول: «ها قد عدت إليك سنتين أخريين». فقلت في نفسي: «آه، سنتان أخريان مروّعتان من الأرق!»

وكان قد اتّفق أنّي في ذلك الصباح عينه كنت أُلقي على طلبتنا في المعهد درسًا عن شخصية الروح القدس، وعن الروح القدس بوصفه صديقًا حاضرًا معنا أبدًا لا يفارقنا؛ فجاءني الخاطر في الحال يقول لي: «فيمَ كنت تكلّم الطلبة هذا الصباح؟ وماذا كنت تقول لهم أنت؟» فرفعت بصري إلى فوق وقلت: «أيّها الروح المبارك، يا روح الله، أنت ههنا حاضر، ولست أنا وحدي. فإن كان لك أن تقول لي شيئًا فقل». فابتدأ عندئذٍ يفتح لي ويكشف بعض الأمور العميقة الثمينة عن ربّي ومخلّصي، أمورًا ملأت نفسي فرحًا وراحةً وطمأنينة؛ وما شعرت بنفسي بعد ذلك إلّا وأنا نائمٌ نومًا هادئًا إلى صباح الغد. فمن ذلك الحين، كلّما جاءني الأرق في طريقي، تذكّرت أنّ الروح القدس ههنا حاضرٌ معي، ورفعت إليه بصري ليكلّمني ويعلّمني، ففعل هو ذلك، وطار الأرق عنّي وذهب.

وفي فكرة الروح القدس بوصفه البارقليط دواءٌ أيضًا للقلب المنكسر. فما أكثر القلوب الموجعة المنكسرة في عالمنا هذا المملوء موتًا وفراقًا عمّن نحبّهم أشدّ الحبّ وأعزّهم علينا! فكم من امرأةٍ لم يكن عليها منذ سنواتٍ قليلة، أو منذ شهورٍ أو أسابيع قليلة، همٌّ ولا غمّ ولا قلق من قلق الدنيا، إذ كان إلى جانبها زوجٌ مسيحيّ بلغ من الحكمة والقوّة أن ألقت عليه هي كلّ مسؤوليةٍ من مسؤوليات الحياة، فمشت في طريق الحياة خفيفة الحمل، قريرة العين بمحبّته وعشرته له. ثمّ جاء يومٌ واحدٌ مروّع أُخذ فيه منها، فبقيت وحدها، ووقعت عليها الهموم والمسؤوليات كلُّها دفعةً واحدة. فما أخوى ذلك القلب منذ ذلك الحين، وما أخوى العالم كلَّه في عينيها!

وقد جرّت نفسها جرًّا في حياتها وواجباتها بأحسن ما استطاعت، وقلبها موجعٌ يكاد ينكسر من الوجع. غير أنّ ثمّة واحدًا — لو أنّها كانت تعلم — هو أحكم وأحنى من أرقّ الأزواج وألطفهم، واحدًا مستعدًّا أن يحمل عنها كلّ همّ الحياة ومسؤوليّتها، واحدًا قادرًا — إن هي أذنت له وحدها بذلك — أن يملأ كلّ ركنٍ وزاويةٍ من قلبها الخاوي الموجع؛ وذاك الواحد هو البارقليط. وقد قلت شيئًا من هذا الكلام مرّةً في قاعة سانت أندروز بمدينة غلاسكو. فلمّا انتهى الاجتماع أقبلت إليّ امرأةٌ مسيحية كاسفة الوجه، عليها ثياب الأرامل، وأنا خارجٌ حينئذٍ من القاعة إلى غرفة الاستقبال. فأسرعت إليّ وقالت لي: «يا دكتور توري، هذا يوم ذكرى وفاة زوجي الحبيب.

فمنذ سنةٍ واحدة، في مثل هذا اليوم بعينه، أُخذ منّي. وقد جئت اليوم لأرى هل تستطيع أنت أن تقول لي كلماتٍ تعينني على حمل ما أنا فيه. وقد أعطيتني الكلمة عينها التي كنت أحتاج إليها. لن أستوحش بعد اليوم أبدًا». ثمّ مضت على ذلك سنةٌ ونصف السنة. وكنت أنا على يخت صديقٍ لي في بحيرات نهر كلايد. فإذا بقاربٍ صغير ينطلق ذات يومٍ من الشاطئ ويحاذي اليخت. وكان من أوّل من صعدوا إلى ظهر اليخت هذه الأرملة بعينها. فأسرعت إليّ مقبلة، وكان أوّل ما قالته لي: «إنّ الفكرة التي أعطيتني إيّاها ذلك اليوم في قاعة سانت أندروز، في ذكرى رحيل زوجي، لم تفارقني منذ ذلك الحين؛ وإنّ الروح القدس يُشبعني ويملأ قلبي حقًّا».

غير أنّ فكرة الروح القدس بوصفه البارقليط إنّما تأتي بأعظم العون وأوفره في عملنا نحن لسيّدنا. وأظنّ أنّه مأذونٌ لي أن أوضّح ذلك من اختباري أنا نفسي. لقد دخلت الخدمة لأنّي اضطُررت إلى ذلك اضطرارًا لا مفرّ منه. فقد أبيت سنينَ طويلة أن أكون مسيحيًّا، لأنّي كنت قد عقدت العزم على أن لا أكون واعظًا، وكنت أخشى أنّي إن سلّمت للمسيح وجب عليّ حينئذٍ أن أدخل الخدمة. وقد دار اهتدائي كلُّه على استسلامي له في هذه النقطة بعينها. وفي الليلة التي استسلمت فيها لم أقل: «سأقبل المسيح»، ولا: «سأترك الخطية»، ولا شيئًا من هذا القبيل؛ بل صرخت فقط: «ارفع هذا الحمل المروّع عن قلبي، وأنا أكرز بالإنجيل». غير أنّه ما كان أحدٌ أقلّ منّي استعدادًا للخدمة بحسب الطبع والمزاج.

فقد كنت منذ حداثتي وصغري خجولًا هيّابًا. وحتى بعد أن دخلت كلّية ييل، كنت إذا عدت إلى البيت في الصيف ودعتني أمّي لألقى صديقاتها، أصاب من الفزع بحيث كنت أحسب أنّي أتكلّم وأنا في الحقيقة لا أُخرج صوتًا مسموعًا. فإذا ذهبت صديقاتها سألتني أمّي: «لماذا لم تقل لهنّ شيئًا؟» فأجيب أنّي أظنّ أنّي قد قلت، فتقول أمّي: «ما نطقت بصوتٍ قطّ». فتصوّر أنت شابًّا على هذه الحال يدخل الخدمة! وما تجاسرت قطّ على أن أتكلّم ولو في اجتماع صلاةٍ علنيّ إلّا بعد أن صرت في مدرسة اللاهوت. وحينئذٍ رأيت أنّي إن كان لي أن أدخل الخدمة، فلا بدّ لي أن أقدر على الكلام في اجتماع صلاة على أقلّ تقدير.

فحفظت قطعةً صغيرة عن ظهر قلب لأقولها هناك؛ فلمّا جاءت الساعة نسيت أكثرها من هول الرعب الذي أصابني. وفي اللحظة الحاسمة قبضت بيدي على ظهر المقعد الذي أمامي، وجذبت نفسي إلى القيام في عجلة، وتشبّثت بالمقعد تشبّثًا. وكأنّ شلّالًا من شلّالات نياغارا يصعد في جانبٍ منّي وآخر ينحدر في الجانب الآخر؛ وتلعثم صوتي وتلجلج في فمي. فأعدت ما استطعت أن أذكره منها ثمّ جلست. فتصوّر أنت رجلًا على هذه الحال يدخل الخدمة! وفي أوائل أيام خدمتي كنت أكتب عظاتي بتمامها وأحفظها عن ظهر قلب، ثمّ أقوم فألوي زرًّا من أزراري بأصابعي حتى أفرغ من إلقائها بأحسن ما أستطيع، ثمّ أرتمي في كرسيّ المنبر وقد استراح صدري أنّ ذلك الأمر قد انقضى إلى الأسبوع القادم. ولست أستطيع أن أصف لك ما قاسيته وكابدته في تلك الأيام الأولى من خدمتي. ولكن جاء أخيرًا اليوم المفرح الذي فيه عرفت الروح القدس بوصفه البارقليط.

فلمّا استولت عليّ الفكرة وملكت عليّ نفسي أنّي متى قمت لأعظ كان ثمّة آخر واقفًا إلى جانبي، وأنّ الجمع يراني أنا وأمّا الله فيراه هو، وأنّ المسؤولية كلَّها ملقاةٌ عليه هو لا عليّ أنا، وأنّه قادرٌ كلَّ القدرة أن يفي بها ويتولّاها كلَّها وحده، وأنّ كلّ ما عليّ أنا أن أتنحّى وأتوارى عن الأنظار بأقصى ما أستطيع، وأدعه هو يعمل العمل — منذئذٍ لم يبقَ عندي خوفٌ من الوعظ البتّة. بل صار الوعظ أعظم فرحٍ في حياتي كلّها؛ وأحيانًا حين أقوم لأتكلّم وأدرك أنّه هو ههنا حاضر، وأنّ المسؤولية كلَّها ملقاةٌ عليه، يملأ قلبي من الفرح ما أكاد لا أضبط معه نفسي عن الهتاف والوثب. وهو مستعدٌّ أن يعيننا هكذا في كلّ عملٍ من أعمالنا: في صفوف مدارس الأحد، وفي العمل الفرديّ، وفي كلّ ضربٍ آخر من ضروب الجهاد المسيحيّ.

وكثيرون من الناس يتهيّبون أن يكلّموا غيرهم في قبول المسيح. فهم يخافون أن لا يقولوا الصواب، ويخشون أن يكون ضررهم أكثر من نفعهم. ونعم، إنّك ستفعل ذلك لا محالة إن فعلته أنت بنفسك وبقوّتك؛ ولكنّك إن آمنت بالبارقليط ووثقت به أن يقول هو، وأن يقول على طريقته هو لا على طريقتك، فلن تضرّ أبدًا بل ستُحسن دائمًا. وقد يبدو لك في حينه أنّك لم تُنجز شيئًا البتّة، ولكنّك ربّما وجدت بعد سنين أنّك قد أنجزت كثيرًا؛ وإن لم تجد ذلك في هذا العالم فستجده لا محالة في الأبدية.

وثمّة وجوهٌ كثيرة أخرى يقوم فيها البارقليط إلى جانبنا ويعيننا، سنبسط الكلام فيها حين نأتي إلى درس عمله. فهو يقوم إلى جانبنا حين نصلّي (رومية 8:26-27)، وحين ندرس الكلمة (يوحنا 14:26؛ يوحنا 16:12-14)، وحين نعمل العمل الفرديّ (أعمال الرسل 8:29)، وحين نعظ أو نعلّم (1 كورنثوس 2:4)، وحين نُجرَّب (رومية 8:2)، وحين نفارق هذا العالم (أعمال الرسل 7:54-60). فلنثبّت إذًا هذه الفكرة في نفوسنا الآن وإلى الأبد: أنّ الروح القدس إنّما هو واحدٌ مدعوٌّ إلى جانبنا ليأخذ بناصرنا ويقوم بأمرنا.

صفحة 1 / 32 · 44 دقيقة متبقية في الفصل