فصل 3 · قراءة 2 د
تمايز الروح القدس من الآب ومن ابنه يسوع المسيح
قد رأينا فيما تقدّم أنّ الروح القدس أقنوم، وأنّه أقنوم إلهيّ. وههنا يقوم أمامنا سؤالٌ آخر، وهو: أهو، بوصفه أقنومًا، منفصلٌ عن الآب وعن الابن متمايزٌ منهما؟ إنّ الذي يدرس أقوال العهد الجديد درسًا متأنّيًا لا يسعه إلّا أن يجد أنّه كذلك بما لا يبقى معه أدنى موضعٍ للشكّ. فإنّنا نقرأ في لوقا 3:21-22 ما يلي: «ولمّا اعتمد جميع الشعب اعتمد يسوع أيضًا. وإذ كان يصلّي انفتحت السماء، ونزل عليه الروح القدس بهيئة جسميّة مثل حمامة. وكان صوت من السماء قائلًا: أنت ابني الحبيب، بك سررت».
ففي هذا المشهد يُرسم أوضح تمايزٍ يمكن أن يُرسم على الإطلاق بين الثلاثة: تمايزٌ بين يسوع المسيح الذي كان قائمًا ههنا على الأرض، وبين الآب الذي كلّمه من السماء كما يكلّم أقنومٌ أقنومًا آخر، وبين الروح القدس الذي نزل في هيئةٍ جسمية مثل حمامة من عند الآب وهو المتكلّم، نازلًا إلى الابن وهو الذي كان يوجّه إليه الكلام، فاستقرّ على الابن بوصفه أقنومًا منفصلًا عنه متمايزًا منه كلّ التمايز. ثمّ إنّنا نرى بعد ذلك تمايزًا بيّنًا بين اسم الآب واسم الابن واسم الروح القدس في متى 28:19، حيث نقرأ: «فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمّدوهم باسم الآب والابن والروح القدس». ثمّ يعود تمايز الروح القدس من الآب ومن الابن فيبرز مرّةً أخرى بوضوحٍ فائقٍ في يوحنا 14:16، حيث نقرأ: «وأنا أطلب من الآب فيعطيكم معزّيًا آخر ليمكث معكم إلى الأبد». فههنا نرى الأقنوم الواحد، وهو الابن، يصلّي إلى أقنومٍ آخر، وهو الآب، والآب الذي يرفع إليه صلاته يهب أقنومًا آخر، معزّيًا آخر، استجابةً لصلاة الأقنوم الثاني، أي الابن.
وإذا كانت للكلمات معنًى على الإطلاق — وهي في الكتاب المقدس تعني ما تقوله قطعًا — فما من سبيلٍ إلى الخطأ في هذا الأمر: إنّ الآب والابن والروح ثلاثة أقانيم متمايزين بعضهم من بعض، منفصلين بعضهم عن بعض. وفي يوحنا 16:7 أيضًا يُرسم تمايزٌ واضح بين يسوع الذي يذهب إلى الآب، وبين الروح القدس الذي يأتي من عند الآب ليحلّ محلّه. يقول يسوع: «لكنّي أقول لكم الحقّ: إنّه خير لكم أن أنطلق، لأنّه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزّي، ولكن إن ذهبت أرسله إليكم».
ويُرسم تمايزٌ نظير هذا التمايز في أعمال الرسل 2:33، حيث نقرأ ما يلي: «وإذ ارتفع بيمين الله، وأخذ موعد الروح القدس من الآب، سكب هذا الذي أنتم الآن تبصرونه وتسمعونه». ففي هذا الفصل من الكتاب يُرسم أوضح تمايزٍ يمكن أن يُرسم بين ثلاثة: بين الابن الذي ارتُفع إلى يمين الآب، وبين الآب الذي ارتفع الابن إلى يمينه، وبين الروح القدس الذي يأخذه الابن من عند الآب ثمّ يسكبه هو على الكنيسة.
وجملة القول في هذا كلّه أنّ الكتاب المقدس يرسم أوضح تمايزٍ يمكن أن يُرسم بين الأقانيم الثلاثة: الروح القدس، والآب، والابن. فهم ثلاث ذواتٍ متمايزة، بينهم علاقاتٌ متبادلة، يعمل بعضهم في بعض، ويتكلّم بعضهم عن بعضٍ أو إلى بعض، ويُطلق بعضهم على بعضٍ ضمائر المخاطب والغائب.