فصل 2 · قراءة 8 د
لاهوت الروح القدس
قد رأينا في الفصل السابق رؤيةً واضحة لا لبس فيها أنّ الروح القدس أقنوم. ولكن أيّ ضربٍ من الأقانيم هو؟ أهو أقنومٌ محدود أم أقنومٌ غير محدود؟ أهو الله؟ إنّ هذا السؤال أيضًا قد أُجيب عنه في الكتاب المقدس إجابةً بيّنةً ظاهرةً لا غموض فيها. فإنّ في أسفار العهد القديم والعهد الجديد خمسة أدلّةٍ متمايزةٍ قاطعة على لاهوت الروح القدس.
أوّلًا — كلّ صفةٍ من الصفات الأربع التي يختصّ بها اللاهوت وحده منسوبةٌ إلى الروح القدس. فما هي الصفات التي يختصّ بها اللاهوت وحده؟ هي الأزلية، والحضور في كلّ مكان، والعلم بكلّ شيء، والقدرة على كلّ شيء. وهذه كلّها منسوبةٌ إلى الروح القدس في الكتاب المقدس. فنحن نجد الأزلية منسوبةً إلى الروح القدس في العبرانيّين 9:14، حيث نقرأ: «فكم بالحريّ يكون دم المسيح، الذي بروح أزليّ قدّم نفسه لله بلا عيب، يطهّر ضمائركم من أعمال ميّتة لتخدموا الله الحيّ!».
وأمّا صفة الحضور في كلّ مكان فإنّنا نجدها هي أيضًا منسوبةً إلى الروح القدس في المزمور 139:7-10، حيث نقرأ هذا الكلام: «أين أذهب من روحك؟ ومن وجهك أين أهرب؟ إن صعدت إلى السماوات فأنت هناك، وإن فرشت في الهاوية فها أنت. إن أخذت جناحي الصبح، وسكنت في أقاصي البحر، فهناك أيضًا تهديني يدك وتمسكني يمينك».
وأمّا صفة العلم بكلّ شيء فهي منسوبةٌ إلى الروح القدس في فصولٍ عدّةٍ من الكتاب. من ذلك ما نقرأه في 1 كورنثوس 2:10-11: «فأعلنه الله لنا نحن بروحه. لأنّ الروح يفحص كلّ شيء حتى أعماق الله. لأن من من الناس يعرف أمور الإنسان إلّا روح الإنسان الذي فيه؟ هكذا أيضًا أمور الله لا يعرفها أحد إلّا روح الله».
ومن ذلك أيضًا ما جاء في يوحنا 14:26، حيث نقرأ هذا الكلام: «وأمّا المعزّي، الروح القدس، الذي سيرسله الآب باسمي، فهو يعلّمكم كلّ شيء، ويذكّركم بكلّ ما قلته لكم». ثمّ إنّنا نقرأ فوق ذلك كلّه ما جاء في يوحنا 16:12-13: «إنّ لي أمورًا كثيرةً أيضًا لأقول لكم، ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن. وأمّا متى جاء ذاك، روح الحقّ، فهو يرشدكم إلى جميع الحقّ، لأنّه لا يتكلّم من نفسه، بل كلّ ما يسمع يتكلّم به، ويخبركم بأمور آتية». وأمّا صفة القدرة على كلّ شيء فإنّنا نجدها هي الأخرى منسوبةً إلى الروح القدس في لوقا 1:35، حيث نقرأ هذا الكلام: «فأجاب الملاك وقال لها: الروح القدس يحلّ عليك، وقوّة العليّ تظلّلك، فلذلك أيضًا القدّوس المولود منك يدعى ابن الله».
ثانيًا — ثلاثة أعمالٍ يختصّ بها اللاهوت وحده منسوبةٌ إلى الروح القدس. فنحن متى فكّرنا في الله وفي العمل الذي يعمله، كان أوّل عملٍ يخطر لنا على الدوام ونؤمن به هو عمل الخلق. والخلق في الكتب المقدسة إنّما هو منسوبٌ إلى الروح القدس. فإنّنا نقرأ في أيّوب 33:4: «روح الله صنعني ونسمة القدير أحيتني». ونقرأ مرّةً أخرى في المزمور 104:30: «ترسل روحك فتخلق، وتجدّد وجه الأرض». وفي معرض وصف الخليقة في الأصحاح الأوّل من سفر التكوين يُشار إلى عمل الروح وفاعليّته (التكوين 1-3). ثمّ إنّ منح الحياة هو أيضًا عملٌ من أعمال اللاهوت، وهذا العمل بدوره منسوبٌ في الكتب المقدسة إلى الروح القدس.
فإنّنا نقرأ في يوحنا 6:63 هذا الكلام الصريح: «الروح هو الذي يحيي. أمّا الجسد فلا يفيد شيئًا. الكلام الذي أكلّمكم به هو روح وحياة». ونقرأ أيضًا في رومية 8:11 ما يلي: «وإن كان روح الذي أقام يسوع من الأموات ساكنًا فيكم، فالذي أقام المسيح من الأموات سيحيي أجسادكم المائتة أيضًا بروحه الساكن فيكم».
وفي معرض وصف خلقة الإنسان في التكوين 2:7 نجد أنّ نسمة الله هي التي وهبت الحياة لنفس الإنسان. وهذا هو نصّ الكلام بحروفه: «وجبل الربّ الإله آدم ترابًا من الأرض، ونفخ في أنفه نسمة حياة. فصار آدم نفسًا حيّةً». والكلمة اليونانية التي نُقلت ههنا إلى «روح» إنّما تعني في أصل وضعها ومعناها «نَسَمة» أو «نَفَس». ومع أنّ الروح القدس، من حيث هو أقنوم، لا يبرز بروزًا واضحًا متميّزًا في هذه الإشارة الأولى إليه في التكوين 2:7، فإنّ هذا الفصل من الكتاب، إذا نحن فسّرناه على ضوء الإعلان الأتمّ الأكمل الذي جاء به العهد الجديد، إنّما هو إشارةٌ إلى الروح القدس نفسه.
ثمّ إنّ تأليف النبوّات الإلهية والإيحاء بها منسوبٌ هو أيضًا إلى الروح القدس. فإنّنا نقرأ في 2 بطرس 1:21 ما يلي: «لأنّه لم تأت نبوّة قطّ بمشيئة إنسان، بل تكلّم أناس الله القدّيسون مسوقين من الروح القدس». بل إنّ في العهد القديم نفسه إشارةً إلى الروح القدس بوصفه صاحب النبوّة ومصدرها. فإنّنا نقرأ في 2 صموئيل 23:2-3: «روح الربّ تكلّم بي وكلمته على لساني.
قال إله إسرائيل. إليّ تكلّم صخرة إسرائيل: إذا تسلّط على الناس بارّ يتسلّط بخوف الله». فنحن نرى إذًا أنّ الأعمال الثلاثة التي يختصّ بها اللاهوت وحده دون سواه — أعني الخلق، ومنح الحياة، والنبوّة — منسوبةٌ كلّها إلى الروح القدس.
ثالثًا — أقوالٌ يُذكر في العهد القديم صراحةً أنّ صاحبها هو الربّ، أي يهوه، هي في العهد الجديد مطبَّقةٌ على الروح القدس. من ذلك أنّ الروح القدس يشغل في فكر العهد الجديد مقام اللاهوت نفسه. ومن أبرز الأمثلة على ذلك وأدلّها ما نجده في إشعياء 6:8-10، حيث نقرأ: «ثمّ سمعت صوت السيّد قائلًا: من أرسل؟ ومن يذهب من أجلنا؟ فقلت: هأنذا أرسلني». وقد قيل لنا في العدد الخامس إنّ الذي رآه إشعياء والذي يتكلّم ههنا إنّما هو يهوه (فحيثما وردت كلمة «الربّ» في العهد القديم فهي قائمةٌ في العبرانية مقام «يهوه»، وهكذا نُقلت في الترجمة الأمريكية القياسية).
ثمّ إنّنا نقرأ في أعمال الرسل 28:25-27 هذا الكلام: «فانصرفوا وهم غير متّفقين بعضهم مع بعض، لمّا قال بولس كلمةً واحدةً: إنّه حسنًا كلّم الروح القدس آباءنا بإشعياء النبيّ قائلًا: اذهب إلى هذا الشعب وقل: ستسمعون سمعًا ولا تفهمون، وستنظرون نظرًا ولا تبصرون. لأنّ قلب هذا الشعب قد غلظ، وبآذانهم سمعوا ثقيلًا، وأعينهم أغمضوها. لئلّا يبصروا بأعينهم ويسمعوا بآذانهم ويفهموا بقلوبهم ويرجعوا، فأشفيهم». فنحن نرى إذًا أنّ ما هو منسوبٌ صراحةً إلى يهوه في العهد القديم إنّما هو منسوبٌ بعينه إلى الروح القدس في العهد الجديد؛ أي إنّ الروح القدس هو نفسه مُعرَّفٌ ههنا بأنّه يهوه.
ومن الأمور الجديرة بالملاحظة أنّ إنجيل يوحنا، في الأصحاح الثاني عشر منه، من العدد التاسع والثلاثين إلى العدد الحادي والأربعين، حيث تَرِد إشارةٌ أخرى إلى هذا الفصل من إشعياء، ينسب هذا الفصل عينه إلى المسيح (فلاحظ العدد الحادي والأربعين ملاحظةً دقيقة). فنحن نجد في مواضع شتّى من الكتاب أنّ الفصل الواحد بعينه يُشار به إلى يهوه، وإلى الروح القدس، وإلى يسوع المسيح.
أفلا يجوز لنا أن نجد تفسير هذا الأمر في التقديس الثلاثيّ الذي هتف به السرافيم في إشعياء 6:3، حيث نقرأ: «وهذا نادى ذاك وقال: قدّوس، قدّوس، قدّوس ربّ الجنود. مجده ملء كلّ الأرض»؟ ففي هذا الهتاف إيماءٌ بيّنٌ ظاهر إلى أنّ ربّ الجنود ثلاثة أقانيم، وهو الأمر الذي نجده أيضًا في العدد الثامن من هذا الأصحاح عينه، حيث يُمثَّل الربّ وهو قائلٌ ما يلي: «من أرسل؟ ومن يذهب من أجلنا؟».
ومن الأمثلة البارزة الأخرى على تطبيق فصولٍ من الكتاب في العهد الجديد على الروح القدس، مع أنّ العهد القديم يذكر صراحةً أنّ صاحبها إنّما هو يهوه، ما نجده في سفر الخروج 16:7، حيث نقرأ هذا الكلام: «وفي الصباح ترون مجد الربّ لاستماعه تذمّركم على الربّ. وأمّا نحن فماذا حتى تتذمّروا علينا؟». فههنا يُقال لنا صراحةً إنّ تذمّر بني إسرائيل إنّما كان تذمّرًا واقعًا على يهوه نفسه. ولكنّنا نقرأ في الرسالة إلى العبرانيّين 3:7-9 ما يلي: «لذلك كما يقول الروح القدس: اليوم، إن سمعتم صوته، فلا تقسّوا قلوبكم، كما في الإسخاط، يوم التجربة في القفر حيث جرّبني آباؤكم. اختبروني وأبصروا أعمالي أربعين سنةً».
فالتذمّر الذي يقول موسى في سفر الخروج إنّه كان على يهوه، يُقال لنا في الرسالة إلى العبرانيّين إنّه كان على الروح القدس. وهذا كلّه يجعل الأمر فوق كلّ شكٍّ وارتياب: إنّ الروح القدس يشغل في العهد الجديد مقام يهوه، أي مقام اللاهوت (المزمور 95:8-11).
رابعًا — إنّ اسم الروح القدس مقرونٌ باسم الله على وجهٍ يستحيل معه على عقلٍ متّقٍ متأمّلٍ أن يقرن باسم اللاهوت اسم أيّ كائنٍ محدودٍ من الكائنات، أيًّا كان ذلك الكائن وأيًّا كانت منزلته.
ولنا على ذلك مثالٌ واضح في 1 كورنثوس 12:4-6، حيث نقرأ هذا الكلام: «فأنواع مواهب موجودة، ولكنّ الروح واحد. وأنواع خدم موجودة، ولكنّ الربّ واحد. وأنواع أعمال موجودة، ولكنّ الله واحد، الذي يعمل الكلّ في الكلّ». فنحن نجد ههنا الله والربّ والروح مقترنين بعضهم ببعض في علاقة مساواةٍ يهولنا أن نتصوّرها ويرتاع لها القلب لو كان الروح كائنًا محدودًا من الكائنات. ثمّ إنّ لنا على ذلك مثالًا آخر هو أبرز منه وأشدّ دلالةً، وهو ما جاء في متى 28:19: «فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمّدوهم باسم الآب والابن والروح القدس». فمن ذا الذي أدرك ما يعلنه الكتاب عن الله الآب ثمّ يخطر له لحظةً واحدة أن يقرن اسم الروح القدس باسم الآب على هذا النحو، لو كان الروح القدس كائنًا محدودًا، ولو كان أرفع الكائنات الملائكية مقامًا وأعلاها منزلة؟
ولنا مثالٌ آخر بارزٌ من هذا القبيل نجده في 2 كورنثوس 13:14، حيث نقرأ هذا الكلام: «نعمة ربّنا يسوع المسيح، ومحبّة الله، وشركة الروح القدس مع جميعكم. آمين». فهل يستطيع أحدٌ من الناس أن يتأمّل هذه الكلمات ويدرك شيئًا من معناها الحقيقيّ من غير أن يرى رؤيةً واضحة أنّه كان يستحيل أن يُقرَن اسم الروح القدس باسم الله الآب على النحو الذي قُرِن به في هذه الآية، لو لم يكن الروح القدس نفسه كائنًا إلهيًّا؟
خامسًا — الروح القدس مدعوٌّ الله. إنّ البرهان الأخير الفاصل القاطع على لاهوت الروح القدس إنّما نجده في هذه الحقيقة عينها، وهي أنّه مدعوٌّ الله في العهد الجديد. فإنّنا نقرأ في أعمال الرسل 5:3-4 هذا الكلام: «فقال بطرس: يا حنانيّا، لماذا ملأ الشيطان قلبك لتكذب على الروح القدس وتختلس من ثمن الحقل؟ أليس وهو باق كان يبقى لك؟ ولمّا بيع، ألم يكن في سلطانك؟ فما بالك وضعت في قلبك هذا الأمر؟ أنت لم تكذب على الناس بل على الله».
ففي أوّل هذا الفصل كذب حنانيّا على الروح القدس؛ ولم يكن كذبه، إذ كذب على الروح القدس، على الناس بل على الله؛ أي إنّ الروح القدس الذي كذب عليه مدعوٌّ الله. وجملة القول في هذا كلّه: إنّ الله في كلمته يعلن إعلانًا صريحًا لا لبس فيه أنّ الروح القدس أقنومٌ إلهيّ، وذلك بطرقٍ شتّى لا تُخطئها العين: بنسبة جميع الصفات التي يختصّ بها اللاهوت وحده إليه، وبنسبة عدّة أعمالٍ يختصّ بها اللاهوت وحده إليه، وبردّ أقوالٍ يُذكر في العهد القديم أنّ صاحبها هو يهوه أو الربّ أو الله إلى الروح القدس في العهد الجديد، وبقَرن اسم الروح القدس باسم الله على وجهٍ يستحيل معه أن يُقرَن اسم أيّ كائنٍ محدودٍ باسم اللاهوت، وبدعوة الروح القدس الله صراحةً.