فصل 22 · قراءة 6 د
عمل الروح القدس في يسوع المسيح
إنّ يسوع المسيح نفسه هو الإعلان الكامل الوحيد في تاريخ البشر كلِّه لعمل الروح القدس التامّ في الإنسان.
1. يسوع المسيح إنّما وُلد من الروح القدس. فنحن نقرأ في لوقا 1:35: «فأجاب الملاك وقال لها: الروح القدس يحلّ عليكِ، وقوّة العليّ تظلّلكِ، فلذلك أيضًا القدّوس المولود منكِ يُدعى ابن الله». وقد سبق لنا أن رأينا فيما مضى أنّ المؤمن في التجديد إنّما يولد من الله ولادةً ثانية؛ وأمّا يسوع المسيح فقد وُلد من الله في تكوينه الأصليّ ذاته، لا في تجديدٍ لاحق. فهو ابن الله الوحيد (يوحنا 3:16). وإنّما بقوّة الروح وحدها، عاملةً في مريم، تكوّن ابن الله وتصوّر في أحشائها؛ فلم يكن لغير الروح في ذلك التكوين نصيب. فالإنسان المولود ثانيةً له طبيعةٌ جسديةٌ أخذها عن أبيه الأرضيّ، وله إلى جانبها طبيعةٌ جديدةٌ منحها الله إيّاه. وأمّا يسوع المسيح فلم تكن له إلّا الطبيعة الواحدة المقدّسة، وهي التي تُدعى في الإنسان الطبيعة الجديدة. ومع ذلك كلّه فقد كان إنسانًا حقيقيًّا كسائر الناس، إذ كانت له أمٌّ بشرية.
2. ويسوع المسيح عاش حياةً مقدّسةً لا عيب فيها ولا دنس، وقدّم نفسه لله بلا عيب، وإنّما كان ذلك كلُّه بعمل الروح القدس فيه. فنحن نقرأ في العبرانيين 9:14: «فكم بالحريّ يكون دم المسيح، الذي بروحٍ أزليّ قدّم نفسه لله بلا عيب، يطهّر ضمائركم من أعمالٍ ميتةٍ لتخدموا الله الحيّ!». فيسوع المسيح إنّما لاقى التجارب وغلبها على النحو الذي يمكن لسائر الناس أن يلاقوها به ويغلبوها، أي بقوّة الروح القدس. فقد جُرّب وتألّم في التجربة (العبرانيين 3:18)، وجُرّب في كلّ شيءٍ مثلنا نحن (العبرانيين 4:15)، ولكنّه لم يذعن للتجربة قطّ، ولا مرّةً واحدةً، ولا بأيّ وجهٍ من الوجوه. لقد جُرّب تجربةً خلت من الخطية خلوًّا تامًّا، ولكنّه أحرز انتصاراته في طريقٍ مفتوحةٍ لنا جميعًا لنحرز فيها نحن أيضًا الغلبة، أي بقوّة الروح القدس عينها.
3. ويسوع المسيح إنّما مُسح للخدمة وأُهِّل لها بالروح القدس. فنحن نقرأ في أعمال الرسل 10:38 هذا الكلام: «يسوع الذي من الناصرة كيف مسحه الله بالروح القدس والقوّة، الذي جال يصنع خيرًا ويشفي جميع المتسلَّط عليهم إبليس، لأنّ الله كان معه». وفي رؤيا نبويةٍ عن المسيّا الآتي في العهد القديم نقرأ في إشعياء 61:1: «روح السيّد الربّ عليّ، لأنّ الربّ مسحني لأبشّر المساكين، أرسلني لأعصب منكسري القلب، لأنادي للمسبيّين بالعتق وللمأسورين بالإطلاق». وفي رواية لوقا لحياة ربّنا على هذه الأرض نقرأ في لوقا 4:14 هذا القول: «ورجع يسوع بقوّة الروح إلى الجليل، وخرج خبرٌ عنه في جميع الكورة المحيطة».
وعلى نحوٍ مشابهٍ من هذا قال يسوع عن نفسه، وهو يتكلّم في المجمع في مدينة الناصرة: «روح الربّ عليّ، لأنّه مسحني لأبشّر المساكين، أرسلني لأشفي المنكسري القلوب، لأنادي للمأسورين بالإطلاق وللعمي بالبصر، وأُرسل المنسحقين في الحرّية، وأكرز بسنة الربّ المقبولة» (لوقا 4:18-19). وهذه الفصول جميعًا إنّما تحمل درسًا واحدًا بعينه، وهو أنّ يسوع المسيح إنّما تأهّل للخدمة التي كان الله قد دعاه إليها بتلك المسحة الخاصّة بالروح القدس، لا بشيءٍ سواها. فإنّه لَمّا وقف في نهر الأردنّ بعد معموديته «نزل عليه الروح القدس بهيئةٍ جسميةٍ مثل حمامة»؛ ففي ذلك الحين بعينه، وفي ذلك المكان بعينه، مُسح بالروح القدس، واعتمد بالروح القدس، وتجهّز للخدمة التي كانت ملقاةً أمامه. فيسوع المسيح إنّما نال جهازه للخدمة على النحو عينه الذي ننال به نحن جهازنا لخدمتنا، أي بمعموديةٍ محدَّدةٍ بالروح القدس.
4. ويسوع المسيح كان يُقاد بالروح القدس في تنقّلاته ههنا على الأرض. فنحن نقرأ في لوقا 4:1: «أمّا يسوع فرجع من الأردنّ ممتلئًا من الروح القدس، وكان يُقتاد بالروح في البرّية». فإذ كان يحيا إنسانًا ههنا على الأرض، وإذ كان يضع لنا نحن مثالًا نحتذيه، كانت كلّ خطوةٍ من خطوات حياته واقعةً تحت هداية الروح القدس.
5. ويسوع المسيح كان يُعلَّم من الروح الذي حلّ عليه واستقرّ عليه. فروح الله هو الذي كان ينبوع حكمته ومصدرها في أيّام جسده على هذه الأرض. ففي نبوّة العهد القديم عن المسيّا الآتي نقرأ في إشعياء 11:2-3: «ويحلّ عليه روح الربّ، روح الحكمة والفهم، روح المشورة والقوّة، روح المعرفة ومخافة الربّ. ولذّته تكون في مخافة الربّ، فلا يقضي بحسب نظر عينيه، ولا يحكم بحسب سمع أذنيه». ثمّ نقرأ فيما بعدُ في إشعياء 42:1 هذا القول: «هوذا عبدي الذي أعضده، مختاري الذي سُرّت به نفسي. وضعت روحي عليه فيُخرج الحقّ للأمم» إلى آخر الكلام. ويقول لنا متّى في إنجيله في متى 12:17-18 إنّ هذه النبوّة عينها قد تمّت في يسوع الذي من الناصرة.
6. والروح القدس مكث على يسوع بكلّ ملئه ولم يفارقه، فكانت الكلمات التي نطق بها من أجل ذلك هي كلام الله عينه. فنحن نقرأ في يوحنا 3:34: «لأنّ الذي أرسله الله يتكلّم بكلام الله، لأنّه ليس بكيلٍ يعطي الله الروح».
7. وبعد قيامته من الأموات أوصى يسوع المسيح بالروح القدس رسلَه الذين كان قد اختارهم لنفسه. فنحن نقرأ في أعمال الرسل 1:2: «إلى اليوم الذي ارتفع فيه، بعد ما أوصى بالروح القدس الرسل الذين اختارهم». وهذا الكلام إنّما يتعلّق بالزمان الذي جاء بعد قيامته؛ فنحن نرى يسوع ههنا لا يزال يعمل بقوّة الروح القدس حتى بعد قيامته هو من بين الأموات.
8. ويسوع المسيح إنّما صنع معجزاته على هذه الأرض بقوّة الروح القدس. ففي متى 12:28 نقرأ قوله: «ولكن إن كنت أنا بروح الله أُخرج الشياطين». وإنّما بالروح أيضًا أُعطيت قوّةُ صنع المعجزات لبعض الناس في الكنيسة بعد أن فارق ربّنا هذه الأرض وصعد إلى السماء (1 كورنثوس 12:9-10)؛ وبقوّة ذلك الروح عينه بغير زيادةٍ ولا نقصان صنع يسوع المسيح معجزاته هو.
9. وإنّما بقوّة الروح القدس أُقيم يسوع المسيح من الأموات. فنحن نقرأ في رومية 8:11: «وإن كان روح الذي أقام يسوع من الأموات ساكنًا فيكم، فالذي أقام المسيح من الأموات سيُحيي أجسادكم المائتة أيضًا بروحه الساكن فيكم». فالروح عينه الذي سيُحيي أجسادنا المائتة، والذي سيقيمنا نحن أنفسنا في يومٍ آتٍ من الأيّام، هو الذي أقام يسوع من بين الأموات. وتظهر لنا أمورٌ عدّة، بيّنةٌ كلَّ البيان، من هذا الدرس في عمل الروح القدس في يسوع المسيح: فأوّلها أنّنا نرى تمام ناسوته وكماله؛ فقد كان إنسانًا حقًّا في كلّ شيء. فقد عاش، وفكّر، وعمل، وعلّم، وقهر الخطية، وأحرز الانتصارات لله، وإنّما فعل ذلك كلَّه بقوّة ذلك الروح عينه الذي من امتيازنا نحن أيضًا أن يكون لنا.
وثانيها أنّنا نرى مقدار اتّكالنا نحن التامّ على الروح القدس واحتياجنا إليه. فإن كان يسوع المسيح، ابن الله الوحيد، إنّما عاش وعمل وأنجز وانتصر بقوّة الروح القدس لا بقوّةٍ سواها، فكم بالحريّ نكون نحن محتاجين إليه ومتّكلين عليه عند كلّ منعطفٍ من منعطفات الحياة، وفي كلّ طورٍ من أطوار الخدمة، وفي كلّ اختبارٍ من اختبارات الصراع مع الشيطان ومع الخطية؟
وثالث الأمور التي تظهر لنا هو ذلك العالم العجيب من الامتياز والبركة والغلبة الذي قد فُتح بابه أمامنا.
فالروح عينه الذي وُلد به يسوع في الأصل هو رهن تصرّفنا نحن، حتى نولد نحن أيضًا ثانيةً منه. والروح عينه الذي به قدّم يسوع نفسه لله بلا عيب هو رهن تصرّفنا نحن، حتى نقدّم نحن أيضًا أنفسنا له بلا عيب. والروح عينه الذي به مُسح يسوع للخدمة هو رهن تصرّفنا نحن، حتى نُمسح نحن أيضًا للخدمة التي دعانا إليها. والروح عينه الذي قاد يسوع المسيح في تنقّلاته ههنا على الأرض هو مستعدٌّ اليوم أن يقودنا نحن أيضًا. والروح عينه الذي علّم يسوع ومنحه الحكمة والفهم والمشورة والقوّة والمعرفة ومخافة الربّ هو حاضرٌ ههنا اليوم ليعلّمنا نحن.
فيسوع المسيح هو مثالنا الذي نحتذيه (1 يوحنا 2:6)، وفيه تمّ قول الكتاب: «ليكون هو بكرًا بين إخوةٍ كثيرين» (رومية 8:29). وكلّ ما أدركه هو بالروح القدس فلنا نحن أن ندركه اليوم.
تمّ الكتاب