فصل 21 · قراءة 11 د

عمل الروح القدس في الأنبياء والرسل

إنّ عمل الروح القدس في الرسل والأنبياء عملٌ متمايزٌ كلّ التمايز عن عمله في سواهم. فهو يمنح الرسل والأنبياء موهبةً خاصّةً بهم من أجل غرضٍ خاصّ.

ونحن نقرأ في 1 كورنثوس 12:4-11، ثمّ في 28 و29: «فأنواع مواهبَ موجودة، ولكنّ الروح واحد...

فإنّه لواحدٍ يُعطى بالروح كلام حكمة، ولآخر كلام علمٍ بحسب الروح الواحد، ولآخر إيمانٌ بالروح الواحد، ولآخر مواهب شفاءٍ بالروح الواحد، ولآخر عمل قوّات، ولآخر نبوّة، ولآخر تمييز الأرواح، ولآخر أنواع ألسنة، ولآخر ترجمة ألسنة. ولكنّ هذه كلّها يعملها الروح الواحد بعينه، قاسمًا لكلّ واحدٍ منهم بمفرده كما يشاء هو... فوضع الله أناسًا في الكنيسة: أوّلًا رسلًا، ثانيًا أنبياء، ثالثًا معلّمين، ثمّ قوّات، وبعد ذلك مواهب شفاء، أعوانًا، تدابير، وأنواع ألسنة. ألعلّ الجميع رسل؟ ألعلّ الجميع أنبياء؟ ألعلّ الجميع معلّمون؟ ألعلّ الجميع أصحاب قوّات؟ ألعلّ للجميع مواهب شفاء؟ ألعلّ الجميع يتكلّمون بألسنة؟ ألعلّ الجميع يترجمون؟» فظاهرٌ كلّ الظهور من هذه الآيات جميعها أنّ عمل الروح القدس في الرسل والأنبياء إنّما هو عملٌ متمايزٌ متميّزٌ، لا يشبه عمله في سائر الناس.

وقد شاع في أيامنا هذه شيوعًا عظيمًا ذلك التعليم القائل إنّ عمل الروح القدس في الكارزين والمعلّمين وسائر المؤمنين، إذ يرشدهم إلى الحقّ ويفتح أذهانهم لفهم كلمة الله، هو ذلك العمل بعينه، ولا يفارق عمل الروح القدس في الأنبياء والرسل إلّا في الدرجة لا غير. وظاهرٌ من ذلك الفصل الذي أوردناه للتوّ أنّ هذا التعليم مخالفٌ لتعليم الكتاب كلّ المخالفة، وأنّه غير صحيح البتّة. فإنّه يغفل عن تلك الحقيقة المصرَّح بها تصريحًا: أنّه مع أنّ «الروح واحد» فإنّ ثمّة «أنواع مواهب» و«أنواع خدم» و«أنواع أعمال» (1 كورنثوس 12:4-6)، وأنّه ليس «الجميع أنبياء» ولا «الجميع رسلًا» (1 كورنثوس 12:29).

وقد ذهب واعظٌ لامع، وهو يسعى أن يقلّل من شأن الفرق بين عمل الروح القدس في الرسل والأنبياء وعمله في سائر الناس، إلى أن يلفت الأنظار إلى أنّ الكتاب المقدس يقول إنّ بصلئيل كان سيُملأ «من روح الله» ليخترع مخترعاتٍ في عمل الهيكل وصنعته (الخروج 31:1-11).

وهو يسوق هذا الأمر برهانًا على أنّ إلهام النبيّ لا يفارق إلهام الفنّان ولا إلهام المهندس؛ ولكنّه إذ يفعل ذلك يغفل عن أنّ الهيكل إنّما كان سيُبنى على المثال «الذي أُظهر» لموسى «في الجبل» (الخروج 25:9 و40)، وأنّه من ثمّ كان هو نفسه نبوّةً وشرحًا لحقّ الله. فما كان ذلك مجرّد بناءٍ من الأبنية ولا هندسةً من الهندسة، بل كان هو كلمة الله نفسها مصوغةً في الخشب والذهب والفضّة والنحاس والنسيج والجلد وما إلى ذلك. وقد كان بصلئيل محتاجًا من الإلهام الخاصّ ليُعلن الحقّ في الخشب والذهب والفضّة والنحاس وغيرها، بمقدار ما يحتاج إليه الرسول أو النبيّ ليُعلن كلمة الله بالقلم والحبر على الرقّ. وفي أيامنا هذه كلامٌ كثير واستدلالٌ كثير في أمر الإلهام، يبدو في أوّل النظر عميق العلم غزير المادّة، ولكنّه لا يحتمل تحليلًا دقيقًا صارمًا إذا هو قُوبل بأقوال كلمة الله على وجه التحديد. فما في الكتاب المقدس شيءٌ هو أشدّ إلهامًا من المسكن؛ ولو أنّ النقّاد الهدّامين درسوه درسًا أوفى لتخلّوا عن نظرياتهم البارعة الواهية في تركيب أسفار موسى الخمسة من مصادر شتّى.

2. ثمّ إنّ حقًّا كان مكتومًا عن الناس دهورًا من الدهور، لم يكتشفوه هم ولم يكن في وسعهم قطّ أن يكتشفوه بمجرّد مسالك العقل البشريّ وحدها، قد أُعلن للرسل والأنبياء بالروح. نقرأ في أفسس 3:3-5: «أنّه بإعلانٍ عرّفني بالسرّ. كما سبقت فكتبت بالإيجاز. الذي بحسبه حينما تقرأونه، تقدرون أن تفهموا درايتي بسرّ المسيح. الذي في أجيالٍ أُخر لم يُعرَّف به بنو البشر، كما قد أُعلن الآن لرسله القدّيسين وأنبيائه بالروح». فالكتاب المقدس يحوي حقًّا لم يكن الناس قد اكتشفوه من قبل أن ينطق به الكتاب، وهو يحوي حقًّا ما كان في وسعهم قطّ أن يكتشفوه لو تُركوا لأنفسهم.

وقد أعلن أبونا السماويّ لنا نحن أولاده هذا الحقّ، بنعمةٍ منه عظيمة، على أيدي خدّامه: الرسل والأنبياء. والروح القدس هو واسطة هذا الإعلان وصاحبه. وكثيرون هم الذين يقولون لنا اليوم إنّه ينبغي لنا أن نمتحن أقوال الكتاب المقدس بنتائج العقل البشريّ، أو بما يسمّونه «الوجدان المسيحيّ». وسخافة هذا القول كلّه ظاهرةٌ لا تخفى، متى نحن ذكرنا أنّ إعلان الله يفوق العقل البشريّ ويعلو عليه علوًّا، وأنّ كلّ وجدانٍ ليس ثمرة درس حقّ الكتاب واستيعابه فليس وجدانًا مسيحيًّا. وأمّا أنّ الكتاب المقدس يحوي حقًّا لم يكتشفه الإنسان قطّ، فذاك أمرٌ مصرَّحٌ به في الأسفار المقدسة نفسها، ونحن نعلمه أيضًا واقعًا ثابتًا من الواقع.

فما من تعليمٍ واحد من تلك التعاليم الفريدة الثمينة التي يعلّمها الكتاب المقدس قد اهتدى إليه الناس يومًا من الأيام أو اكتشفوه في معزلٍ عن الكتاب. فإن كان وجداننا يفارق أقوال هذا السفر، الذي هو سفر الله بأجلى بيان، فهو وجدانٌ لم يصر بعدُ مسيحيًّا تمامًا؛ وليس العلاج أن نحاول إنزال إعلان الله إلى مستوى وجداننا، بل أن نرفع وجداننا إلى مستوى كلمة الله.

3. وكان ذلك الإعلان الذي أُعطي للأنبياء مستقلًّا عن تفكيرهم هم. فقد أُعطي لهم بروح المسيح الذي كان فيهم، وكان معناه هو نفسه موضع بحثٍ وتفتيشٍ لأذهانهم. فلم يكن فكرهم هم، بل فكره هو. نقرأ في 1 بطرس 1:10-12: «الخلاص الذي فتّش وبحث عنه أنبياء، الذين تنبّأوا عن النعمة التي لأجلكم، باحثين أيّ وقتٍ أو ما الوقت الذي كان يدلّ عليه روح المسيح الذي فيهم، إذ سبق فشهد بالآلام التي للمسيح والأمجاد التي بعدها. الذين أُعلن لهم أنّهم ليس لأنفسهم بل لنا كانوا يخدمون بهذه الأمور التي أُخبرتم بها أنتم الآن، بواسطة الذين بشّروكم في الروح القدس المرسَل من السماء، التي تشتهي الملائكة أن تطّلع عليها». وهذه الكلمات تجعل الأمر واضحًا كلّ الوضوح: أنّ أقنومًا كان في الأنبياء، وهو مع ذلك مستقلٌّ عن الأنبياء، وذلك الأقنوم هو الروح القدس، قد أعلن حقًّا مستقلًّا عن تفكيرهم هم، حقًّا لم يكونوا هم أنفسهم يفهمونه كلّ الفهم، وكانوا هم محتاجين أن يفتّشوا عنه ويبحثوا فيه ويدرسوه درسًا بكلّ اجتهاد. فقد كان أقنومٌ آخر غيرهم هو الذي يفكّر وهو الذي يتكلّم، وكانوا هم من ورائه يجهدون ليفهموا ما كان هو يقول.

4. ولم يكن نطق النبيّ في وقتٍ من الأوقات بمشيئة النبيّ نفسه، بل كان إنّما يتكلّم من عند الله، وكان النبيّ مسوقًا في نطقه ذاك من الروح القدس. نقرأ في 2 بطرس 1:21: «لأنّه لم تأتِ نبوّةٌ قطّ بمشيئة إنسان، بل تكلّم أناس الله القدّيسون مسوقين من الروح القدس».

فإذًا لم يكن النبيّ إلّا آلةً في يد آخر: فبمقدار ما كان روح الله يسوقه، كان هو يتكلّم بما يسوقه إليه.

5. والروح القدس هو الذي كان المتكلّم في تلك الأقوال النبويّة، وكلمته هو هي التي كانت على لسان النبيّ. ونحن نقرأ في عبرانيين 3:7: «لذلك كما يقول الروح القدس: اليوم إن سمعتم صوته». ثمّ نقرأ أيضًا في عبرانيين 10:15-16: «ويشهد لنا الروح القدس أيضًا، لأنّه بعدما قال سابقًا: هذا هو العهد الذي أعهده معهم بعد تلك الأيام، يقول الربّ، أجعل نواميسي في قلوبهم وأكتبها في أذهانهم».

ونقرأ أيضًا في أعمال الرسل 28:25: «فانصرفوا وهم غير متّفقين بعضهم مع بعض، لمّا قال بولس كلمةً واحدة: إنّه حسنًا كلّم الروح القدس آباءنا بإشعياء النبيّ...». ونقرأ كذلك في 2 صموئيل 23:2: «روح الربّ تكلّم بي وكلمته على لساني». ففي هذه الفصول كلّها يُقال لنا إنّ الروح القدس هو الذي كان المتكلّم في تلك الأقوال النبويّة، وإنّ كلمته هو، لا كلمتهم هم أنفسهم، هي التي كانت على لسان النبيّ. فما كان النبيّ إلّا الفم الذي تكلّم به الروح القدس ونطق. وأمّا من حيث هو إنسانٌ من الناس، أعني في غير ما علّمه الروح إيّاه فيه واستخدمه له، فقد كان النبيّ قد يكون في ضعفه كسائر الناس أجمعين؛ ولكنّه متى كان الروح عليه، وقد أُخذ من ذاته وسِيق سوقًا من الروح القدس، كان كاملًا في تعاليمه، لأنّ تعاليمه في تلك الحال لم تكن تعاليمه هو، بل تعاليم الروح القدس.

ومتى سِيق النبيّ هكذا من الروح القدس، كان الله هو المتكلّم لا النبيّ. فمثلًا، ما من شكٍّ كبير في أنّ بولس كان له في أمورٍ كثيرة اعتقاداتٌ خاطئة؛ ولكنّه حين كان يعلّم بوصفه رسولًا في قوّة الروح كان كاملًا — أو بالأحرى كان الروح، الذي يعلّم بواسطته، منزّهًا عن كلّ خطأ، وكان التعليم الناشئ عن ذلك كاملًا كمال الله نفسه. فحسنٌ بنا إذًا أن نميّز بعنايةٍ بين ما قد يكون بولس فكّر فيه بوصفه إنسانًا وما علّم به بوصفه رسولًا.

وفي الكتاب المقدس عندنا سجلّ ذلك الذي علّم به بوصفه رسولًا لا سواه. ويظنّ بعضهم أنّ بولس، في 1 كورنثوس 7:6 و25: «ولكن أقول هذا على سبيل الإذن لا على سبيل الأمر... ولكنّني أُعطي رأيًا كمن رحمه الربّ أن يكون أمينًا»، يُقرّ بأنّه لم يكن متيقّنًا في هذه الحال أنّ عنده كلمة الربّ. فإن كان هذا هو التفسير الصحيح للفصل — وهو أمرٌ يجاوز الشكّ إلى الريب — رأينا كم كان بولس دقيقًا حين لم يكن متيقّنًا فيسجّل ذلك؛ وهذا يزيدنا يقينًا في سائر الفصول كلّها.

وقد يُقال أحيانًا إنّ بولس علّم في أوائل خدمته أنّ الربّ سيرجع في أيام حياته، وأنّه أخطأ في ذلك. ولكنّ بولس لم يعلّم قطّ في موضعٍ من المواضع أنّ الربّ سيرجع في أيام حياته.

نعم إنّه يقول في 1 تسالونيكي 4:17: «ثمّ نحن الأحياء الباقين سنُخطَف جميعًا معهم في السحب لملاقاة الربّ في الهواء، وهكذا نكون كلّ حينٍ مع الربّ». ولمّا كان هو لا يزال حيًّا حين كتب هذه الكلمات، لم يعُدّ نفسه في جملة أولئك الذين كانوا قد رقدوا من قبل، وهو يتكلّم عن رجوع الربّ. ولكن ليس في هذا القول تقريرٌ منه ولا تأكيدٌ بأنّه هو سيبقى حيًّا إلى أن يجيء الربّ.

وقد كان يحمل في تلك الحقبة من خدمته رجاء أن يبقى حيًّا، فعاش من ثمّ في موقف الترقّب والانتظار؛ وموقف الترقّب هذا هو الموقف الحقّ لكلّ مؤمنٍ من المؤمنين في كلّ العصور. ومن الممكن أنّ بولس كان يتوقّع أن يكون حيًّا إلى مجيء الربّ؛ ولكنّه إن كان قد توقّع ذلك فإنّه لم يعلّم به. فقد حفظه الروح القدس من هذا كما حفظه من سائر الأخطاء في تعاليمه.

6. والروح القدس في الرسول لم يكن يعلّمه الفكرة (أو «المعنى») وحدها فحسب، بل كان يعلّمه أيضًا الألفاظ التي بها تُعبَّر تلك الفكرة. نقرأ في 1 كورنثوس 2:13: «التي نتكلّم بها أيضًا، لا بأقوالٍ تعلّمها حكمةٌ إنسانية، بل بما يعلّمه الروح القدس، قارنين الروحيّات بالروحيّات». وهذا الفصل إنّما يعلّم أنّ الألفاظ، كما الفكرة سواءً بسواء، هي التي اختارها الروح القدس وهو الذي علّمها. وهذه أيضًا نتيجةٌ لازمة من أنّ الفكر إنّما يُنقل من ذهنٍ إلى ذهنٍ بالألفاظ، وأنّ الألفاظ هي التي تُعبّر عن الفكر؛ فلو كانت الألفاظ ناقصة لكان الفكر المعبَّر عنه بتلك الألفاظ ناقصًا هو أيضًا لا محالة، وكان بذلك المقدار عينه غير صحيح.

وما من شيءٍ في الأمر كلّه أوضح من قول بولس هذا: «بما يعلّمه الروح». وقد سبق الروح القدس نفسه كلّ تلك النظريات الحديثة البارعة الكاذبة، التي لا سند لها من الكتاب البتّة، في شأن عمله في الرسل. وكلّما درسنا صياغة أقوال هذا السفر العجيب درسًا أدقّ وأمعن، ازددنا اقتناعًا بالدقّة المدهشة في الألفاظ المستعملة للتعبير عن الفكر. وكثيرًا ما يكون حلّ الإشكال الظاهريّ في درس الألفاظ المستعملة على وجه التحديد. فإنّ ما في تلك الألفاظ بعينها من ضبطٍ ودقّةٍ وكمالٍ لأمرٌ يُدهش العقول.

وقد يبدو تعليم الوحي اللفظيّ في عين الطالب السطحيّ أمرًا موضع شكٍّ وريبة، بل أمرًا سخيفًا؛ ولكنّ كلّ إنسانٍ قد نال التجديد وعلّمه الروح، وهو يتأمّل ألفاظ الكتاب على الدوام، لا بدّ أن يقتنع بأنّ حكمة الله كائنةٌ في الألفاظ عينها، كما هي كائنةٌ في الفكر الذي تجهد الألفاظ أن تنقله. فتغيير كلمةٍ أو حرفٍ أو زمنٍ أو حالةٍ أو عددٍ كان يُلقي بنا في مواضع كثيرة إلى التناقض أو إلى الباطل؛ أمّا إذا أخذنا الألفاظ كما كُتبت تمامًا، زالت المشكلات وأشرق الحقّ. وإنّ أصل الطبيعة الإلهيّ ليُشرق أوضح إشراقًا باستعمال المجهر، إذ نرى كمال الصورة وتوفيق الوسائل للغايات في أدقّ ذرّات المادّة.

وكذلك أصل الكتاب المقدس الإلهيّ يُشرق أوضح إشراقًا تحت المجهر، إذ نلحظ ذلك الكمال الذي به تكشف لفتةٌ في لفظةٍ واحدة عن فكر الله المطلق كشفًا تامًّا.

ولكن قد يسأل سائل: «إن كان الروح القدس هو صاحب ألفاظ الكتاب، فكيف نعلّل اختلاف الأسلوب والصياغة؟ وكيف نفسّر مثلًا أنّ بولس كان يستعمل دائمًا اللغة البولسية ويوحنّا اللغة اليوحنّاوية، وهكذا؟» والجواب عن هذا السؤال يسيرٌ جدًّا كلّ اليسر. فلو أنّا عجزنا عن تعليل هذه الحقيقة، لما كان لذلك وزنٌ كبير في مقابل التصريح الواضح من كلمة الله عند كلّ من كان من التواضع والحكمة بحيث يعترف بأنّ ثمّة أمورًا كثيرة جدًّا يعجز هو عن تعليلها، ولو كان علمه أوسع لعلّلها بأيسر سبيل. غير أنّ هذه الاختلافات يسيرة التعليل.

فإنّ الروح القدس من الحكمة ومن التمكّن في استعمال اللغة بحيث إنّه، حين يُعلن الحقّ لفردٍ من الأفراد أو بواسطته، يستعمل الألفاظ والعبارات وصور التعبير والاصطلاحات التي في معجم ذلك الإنسان وفي قوالب فكره، ويفيد من خصائصه التي تفرّد بها. بل إنّ من دلائل الحكمة الإلهية في هذا السفر العجيب أنّ الحقّ الواحد بعينه يُعبَّر عنه بدقّةٍ مطلقة في صور تعبيرٍ متباينةٍ كلّ هذا التباين البعيد.

7. ثمّ إنّ أقوال الرسل والأنبياء إنّما كانت هي كلمة الله. فنحن حين نقرأ هذه الكلمات لسنا نصغي إلى صوت إنسانٍ من الناس البتّة، بل نحن نصغي إلى صوت الله نفسه. نقرأ في مرقس 7:13: «مبطلين كلام الله بتقليدكم الذي سلّمتموه. وأمورًا كثيرة مثل هذه تفعلون». وكان يسوع قد جعل الناموس المعطى بموسى في مقابلة تلك التقاليد الناموسية؛ وهو إذ يفعل ذلك يقول في هذا الفصل إنّ الناموس المعطى بموسى إنّما هو «كلام الله». وفي 2 صموئيل 23:2 نقرأ: «روح الربّ تكلّم بي وكلمته على لساني». فههنا أيضًا يُقال لنا إنّ نطق نبيّ الله إنّما كان هو كلمة الله. وكذلك يقول الله في 1 تسالونيكي 2:13: «من أجل ذلك نحن أيضًا نشكر الله بلا انقطاع، لأنّكم إذ تسلّمتم منّا كلمة خبرٍ من الله، قبلتموها لا ككلمة أناس، بل كما هي بالحقيقة ككلمة الله، التي تعمل أيضًا فيكم أنتم المؤمنين». فههنا يصرّح بولس تصريحًا بأنّ الكلمة التي تكلّم هو بها، وقد علّمها إيّاه روح الله، كانت هي كلمة الله عينها.

صفحة 1 / 8 · 11 دقيقة متبقية في الفصل