فصل 20 · قراءة 1 س
المعمودية بالروح القدس
من أعمق العبارات معنًى وأبعدها غورًا ممّا يُستعمل في الكتب المقدسة في الكلام عن الروح القدس عبارةُ «اعتمدوا بالروح القدس». وكان يوحنا المعمدان أوّل من استعمل هذه العبارة. فإنّه إذ تكلّم عن نفسه وعن ذاك الآتي بعده قال: «أنا أعمّدكم بماءٍ للتوبة، ولكن الذي يأتي بعدي هو أقوى منّي، الذي لستُ أهلًا أن أحمل حذاءه. هو سيعمّدكم بالروح القدس ونار» (متى 3:11). وحرف الجرّ الثاني في هذه الآية مطبوعٌ في الترجمة الإنجليزية بحروفٍ مائلة، وهو غير موجودٍ في الأصل اليونانيّ البتّة. فليس الكلام ههنا عن معموديّتين مختلفتين، إحداهما بالروح القدس والأخرى بالنار، بل عن معموديةٍ واحدة لا غير، هي المعمودية بالريح القدس والنار معًا.
ثمّ استعمل يسوع بعد ذلك العبارة عينها. فهو يقول في أعمال الرسل 1:5: «لأنّ يوحنا عمَّد بالماء، وأمّا أنتم فستتعمَّدون بالروح القدس، ليس بعد هذه الأيام بكثير». ولمّا تمّ هذا الموعد الذي وعد به يوحنا المعمدان ووعد به ربّنا من بعده، نقرأ في أعمال الرسل 2:3-4 هذا الكلام: «وظهرت لهم ألسنةٌ منقسمة كأنّها من نار واستقرّت على كلّ واحدٍ منهم. وامتلأ الجميع من الروح القدس، وابتدأوا يتكلّمون بألسنةٍ أخرى كما أعطاهم الروح أن ينطقوا». فههنا نجد عبارةً أخرى، هي عبارة «امتلأوا من الروح القدس»، مستعمَلةً بالمعنى عينه الذي لعبارة «اعتمدوا بالروح القدس».
ونقرأ أيضًا في أعمال الرسل 10:44-46: «فبينما بطرس يتكلّم بهذه الأمور حلّ الروح القدس على جميع الذين كانوا يسمعون الكلمة. فاندهش المؤمنون الذين من أهل الختان، كلُّ من جاء مع بطرس، لأنّ موهبة الروح القدس قد انسكبت على الأمم أيضًا. لأنّهم كانوا يسمعونهم يتكلّمون بألسنةٍ ويعظّمون الله. حينئذٍ أجاب بطرس». ثمّ إنّ بطرس نفسه، وهو يصف هذا الاختبار بعد ذلك للإخوة في أورشليم، يعود فيقصّ عليهم الخبر على هذا النحو، فيقول: «فلمّا ابتدأتُ أتكلّم، حلّ الروح القدس عليهم كما علينا أيضًا في البداءة. فتذكّرتُ كلام الربّ كيف قال: إنّ يوحنا عمَّد بماء وأمّا أنتم فستعمَّدون بالروح القدس.
فإن كان الله قد أعطاهم الموهبة كما لنا أيضًا بالسويّة مؤمنين بالربّ يسوع المسيح، فمن أنا؟ أقادرٌ أن أمنع الله؟» (أعمال الرسل 11:15-17). فههنا يسمّي بطرس صراحةً وبيانًا ذلك الاختبار الذي جاء كرنيليوس وأهلَ بيته اعتمادًا بالروح القدس. فنحن نرى من ذلك أنّ العبارتين «حلّ الروح القدس» و«موهبة الروح القدس» هما في التحقيق عبارتان مرادفتان لقولنا «اعتمدوا بالروح القدس». وثمّة عباراتٌ أخرى غير هاتين تُستعمل هي أيضًا في وصف هذه البركة العجيبة، من ذلك قولهم: «يقبلون الروح القدس» (أعمال الرسل 2:38؛ أعمال الرسل 19:2-6)، و«حلّ الروح القدس عليهم» (أعمال الرسل 19:2-6)، و«موهبة الروح القدس» (عبرانيين 2:4؛ 1 كورنثوس 12:4، 11، 13)، و«وها أنا أُرسل إليكم موعد أبي. فأقيموا في مدينة أورشليم إلى أن تُلبَسوا قوّةً من الأعالي» (لوقا 24:49).
فما هي المعمودية بالروح القدس؟ أوّلًا: إنّ المعمودية بالروح القدس اختبارٌ محدَّدٌ مضبوط، يمكن للإنسان — بل ينبغي له — أن يعرف هل ناله أم لم ينله بعدُ. وهذا الأمر ظاهرٌ ظهورًا بيّنًا من الأمر الذي أعطاه ربّنا لتلاميذه في لوقا 24:49 وفي أعمال الرسل 1-4، وهو أن لا يبرحوا من أورشليم ليقوموا بالعمل الذي كان قد ائتمنهم عليه، إلى أن يكونوا قد نالوا موعد الآب هذا. وهو ظاهرٌ أيضًا من الأصحاح الثامن من سفر أعمال الرسل، في العددين الخامس عشر والسادس عشر، حيث يُقال لنا صراحةً لا لبس فيها إنّ الروح القدس «لم يكن قد حلّ بعدُ على أحدٍ منهم». وهو ظاهرٌ كذلك من الأصحاح التاسع عشر من سفر أعمال الرسل، في العدد الثاني، حيث وجّه بولس إلى تلك الجماعة الصغيرة من التلاميذ الذين في أفسس هذا السؤال المحدَّد: «هل قبلتم الروح القدس لمّا آمنتم؟» فقبول الروح القدس كان اختبارًا بالغًا من الوضوح حدًّا يستطيع الإنسان معه أن يجيب بـ«نعم» أو بـ«لا» عن سؤال ما إذا كان قد قبل الروح القدس أم لم يقبله. وقد أجاب التلاميذ في هذه الحادثة بـ«لا»، وأنّهم ولا سمعوا هل أُعطي الروح القدس.
ولم يقولوا ما تجعلهم ترجمتُنا الإنجليزية المعتمَدة يقولونه، أي إنّهم ولا سمعوا هل يوجد روحٌ قدسٌ البتّة. فإنّهم كانوا يعلمون أنّ ثمّة روحًا قدسًا؛ بل كانوا يعلمون فوق ذلك أنّ ثمّة موعدًا واضحًا بالمعمودية بالروح القدس، غير أنّهم لم يكونوا قد سمعوا بعدُ أنّ ذلك الموعد قد تمّ. فأخبرهم بولس أنّه قد تمّ بالفعل، وخطا بهم تلك الخطوات التي بها اعتمدوا بالروح القدس قبل أن ينفضّ ذلك الاجتماع. والأمر عينه ظاهرٌ ظهورًا لا يقلّ عن هذا من غلاطية 3:2، وهو أنّ المعمودية بالروح القدس اختبارٌ واضح يستطيع الإنسان أن يعرف هل ناله أم لم ينله. ففي هذه الفقرة يقول بولس للمؤمنين الذين في غلاطية: «أريد أن أتعلّم منكم هذا فقط: أبأعمال الناموس أخذتم الروح أم بخبر الإيمان؟» فقد كان قبولهم للروح واضحًا في وعيهم الشخصيّ وضوحًا بلغ ببولس أن يحتجّ به ويجعله أساسًا يبني عليه برهانه كلَّه.
وقد كثُر في هذه الأيام الكلام عن المعمودية بالروح القدس، وكثُرت الصلاة من أجل المعمودية بالروح، ولكنّه كلامٌ غائمٌ غامضٌ ليس فيه وضوحٌ البتّة. فيقوم الرجال في الاجتماع ويصلّون طالبين أن يعتمدوا بالروح القدس؛ فلو أنّك ذهبتَ بعد ذلك إلى من رفع تلك الصلاة ووجّهتَ إليه هذا السؤال: «هل نلتَ ما طلبتَ؟ هل اعتمدتَ بالروح القدس؟» لكان الأرجح جدًّا أنّه يتردّد ويقول: «أرجو ذلك». على أنّه ليس في الكتاب المقدس شيءٌ من هذا الغموض البتّة. فالكتاب المقدس واضحٌ في هذا الأمر كلَّ الوضوح، كما هو واضحٌ في كلّ أمرٍ سواه. إنّه يعرض علينا اختبارًا بالغًا من التحديد والواقعية حدًّا يستطيع الإنسان معه أن يعرف هل نال المعمودية بالروح القدس أم لم ينلها، وأن يجيب بـ«نعم» أو بـ«لا» عن هذا السؤال: «هل قبلتَ الروح القدس؟»
ثانيًا: من الظاهر أنّ المعمودية بالروح القدس عملٌ من أعمال الروح القدس، منفصلٌ عن عمله التجديديّ ومتميّزٌ منه وزائدٌ عليه. وهذا ظاهرٌ ظهورًا بيّنًا من أعمال الرسل 1:5، حيث يقول يسوع: «لأنّ يوحنا عمَّد بالماء، وأمّا أنتم فستتعمَّدون بالروح القدس، ليس بعد هذه الأيام بكثير».
فمن الجليّ إذًا أنّ التلاميذ لم يكونوا بعدُ قد اعتمدوا بالروح القدس، وأنّهم كانوا سيعتمدون بها بعد أيامٍ قليلة لا غير. غير أنّ الرجال الذين خاطبهم يسوع بهذا الكلام كانوا رجالًا مجدَّدين من قبلُ، وقد نطق ربّنا نفسه عنهم بذلك نطقًا صريحًا لا مواربة فيه.
فقد قال لهم في يوحنا 15:3: «أنتم الآن أنقياء لسبب الكلام الذي كلّمتكم به». ولكن ما معنى أن يكون الإنسان نقيًّا بالكلمة؟ الجواب عن هذا السؤال في 1 بطرس 1:23: «مولودين ثانيةً، لا من زرعٍ يفنى، بل ممّا لا يفنى، بكلمة الله الحيّة الباقية إلى الأبد». وكان يسوع قد قال لهم قبل ذلك بقليلٍ في تلك الليلة عينها، في يوحنا 13:10: «الذي قد اغتسل ليس له حاجةٌ إلّا إلى غسل رجليه، بل هو طاهرٌ كلُّه.
وأنتم طاهرون ولكن ليس كلُّكم». فقد نطق الربّ يسوع على جماعة الرسل تلك بأنّهم طاهرون، أي إنّهم رجالٌ مجدَّدون، ما خلا ذلك الواحد الذي لم يكن رجلًا مجدَّدًا في يومٍ من الأيام، وهو يهوذا الإسخريوطي الذي كان مزمعًا أن يسلّمه (انظر العدد 11). وأمّا الأحد عشر الباقون فقد وسمهم يسوع المسيح بأنّهم رجالٌ مجدَّدون. ومع ذلك كلّه فهو يقول لهؤلاء الرجال أنفسهم في أعمال الرسل 1:5 إنّ المعمودية بالروح القدس اختبارٌ لم يكونوا قد أدركوه بعدُ، بل هو لا يزال في المستقبل أمامهم. فمن الظاهر إذًا أنّ الولادة الثانية من الروح القدس بالكلمة شيء، وأنّ المعمودية بالروح القدس شيءٌ آخر متميّزٌ منه وزائدٌ عليه.
والأمر عينه ظاهرٌ من أعمال الرسل 8:12 متى قوبل بالعددين الخامس عشر والسادس عشر من الأصحاح عينه. فنحن نقرأ في العدد الثاني عشر أنّ جماعةً كبيرة من التلاميذ قد صدّقوا كرازة فيلبّس بالأمور المختصّة بملكوت الله وباسم يسوع المسيح، وأنّهم «كانوا معتمدين باسم الربّ يسوع» (العدد 16). ولا شكّ عندنا البتّة أنّه كان في هذه الجماعة من المؤمنين المعتمدين بعض المجدَّدين على أقلّ تقدير.
ومهما تكن الصورة الصحيحة لمعمودية الماء، فلا ريب عندنا أنّهم اعتمدوا بتلك الصورة الصحيحة نفسها، إذ كان الذي تولّى تعميدهم رجلًا مُرسَلًا موكَّلًا من الروح. غير أنّنا نقرأ في العددين الخامس عشر والسادس عشر هذا الكلام: «اللذين (أي بطرس ويوحنا) لمّا نزلا صلّيا لأجلهم لكي يقبلوا الروح القدس، لأنّه لم يكن قد حلّ بعدُ على أحدٍ منهم، غير أنّهم كانوا معتمدين باسم الربّ يسوع». فمؤمنين معتمدين كانوا، ومعتمدين باسم الربّ يسوع كانوا، ورجالًا مجدَّدين كان بعضهم بلا أدنى ريبٍ ولا شكّ؛ ومع ذلك كلّه لم يكن واحدٌ منهم قد قبل الروح القدس بعدُ ولا اعتمد به.
فمرّةً أخرى يظهر لنا جليًّا أنّ المعمودية بالروح القدس عملٌ من أعمال الروح القدس، متميّزٌ من عمله التجديديّ وزائدٌ عليه. فقد يُجدَّد الإنسان بالروح القدس ولا يكون مع ذلك معتمدًا بالروح القدس. ففي التجديد مسحةُ الحياة بقوّة الروح، ومن ينلها فهو رجلٌ مخلَّص؛ وأمّا في المعمودية بالروح القدس فمسحةُ القوّة، ومن ينلها فهو رجلٌ مؤهَّلٌ مجهَّزٌ للخدمة. على أنّ المعمودية بالروح القدس قد تقع في لحظة التجديد عينها لا بعدها. وقد وقعت كذلك بالفعل في أهل بيت كرنيليوس مثلًا، كما يرويه لنا السجلّ المقدس. فنحن نقرأ في أعمال الرسل 10:43 أنّ بطرس بينما هو يكرز بلغ إلى الموضع الذي قال فيه عن يسوع: «له يشهد جميع الأنبياء أنّ كلّ من يؤمن به ينال باسمه غفران الخطايا»؛ وعند تلك النقطة بعينها آمن كرنيليوس وأهلُ بيته، ونقرأ في الحال: «فبينما بطرس يتكلّم بهذه الأمور حلّ الروح القدس على جميع الذين كانوا يسمعون الكلمة. فاندهش المؤمنون الذين من أهل الختان، كلُّ من جاء مع بطرس، لأنّ موهبة الروح القدس قد انسكبت على الأمم أيضًا. لأنّهم كانوا يسمعونهم يتكلّمون بألسنةٍ ويعظّمون الله». فما إن آمنوا بتلك الشهادة المؤدّاة عن يسوع حتى اعتمدوا بالروح القدس، بل اعتمدوا به قبل أن يعتمدوا بالماء. فوقع التجديد ووقعت المعمودية بالروح القدس في اللحظة الواحدة بعينها لا في لحظتين؛ وهكذا يقعان اليوم أيضًا في اختباراتٍ كثيرة من اختبارات الناس. ويظهر لنا أنّ الكنيسة لو كانت في حالٍ سويّة لكان هذا هو الاختبار المألوف بين المؤمنين. غير أنّ الكنيسة اليوم ليست في حالٍ سويّة.
فإنّ قسمًا كبيرًا جدًّا من الكنيسة قائمٌ في أيامنا هذه في الموضع الذي كان فيه المؤمنون في السامرة قبل أن ينزل إليهم بطرس ويوحنا، والذي كان فيه التلاميذ في أفسس قبل أن يأتي إليهم بولس ويخبرهم بامتيازهم الأوسع: مؤمنون معتمدون، معتمدون باسم الربّ يسوع، معتمدون لتوبةٍ عن الخطايا، ولكنّهم لم يعتمدوا بعدُ بالروح القدس.
ومع ذلك كلّه، فإنّ المعمودية بالروح القدس هي حقُّ الميلاد لكلّ مؤمنٍ من المؤمنين. فقد اشتُريت لنا بموت المسيح؛ ولمّا صعد هو إلى يمين الآب أخذ موعد الآب وسكبه على الكنيسة. فإن كان أحدٌ اليوم لم ينل المعمودية بالروح القدس اختبارًا شخصيًّا، فما ذلك إلّا لأنّه لم يطالب بحقّ ميلاده. فكلُّ عضوٍ من أعضاء جسد المسيح معتمدٌ بالروح القدس بالإمكان، أي إنّ هذه البركة معدودةٌ له وموضوعةٌ بين يديه (1 كورنثوس 12:13): «لأنّنا جميعنا بروحٍ واحدٍ أيضًا اعتمدنا إلى جسدٍ واحد، يهودًا كنّا أم يونانيّين، عبيدًا أم أحرارًا، وجميعنا سُقينا روحًا واحدًا». غير أنّ كثيرين من المؤمنين لم يصر لهم بعدُ ما هو لهم بالإمكان أمرًا واقعيًّا فعليًّا في اختبارهم الشخصيّ.
فجميع الناس مبرَّرون بالإمكان في موت يسوع المسيح على الصليب، أي إنّ التبرير مُعَدٌّ لهم وهو حقٌّ لهم (رومية 5:18)؛ غير أنّ ما هو لكلّ إنسانٍ بالإمكان يجب على كلّ إنسانٍ أن يستولي عليه لنفسه بالإيمان بالمسيح، فيصير التبرير حينئذٍ له بالفعل وبالاختبار. وهكذا الأمر تمامًا في هذا الباب: فالمعمودية بالروح القدس، وإن كانت مُلكًا لكلّ مؤمنٍ بالإمكان، يجب على كلّ مؤمنٍ أن يستولي عليها لنفسه قبل أن تصير له بالاختبار.
بل نحن نستطيع أن نمضي إلى أبعد من هذا كلّه فنقول إنّه بالمعمودية بالروح القدس وحدها يصير الإنسان عضوًا في جسد المسيح بأتمّ معاني الكلمة وأملئها وأوفاها؛ وذلك أنّه ليس ينال القوّة على القيام بتلك الوظائف التي أقامه الله لها وعيّنه لأدائها بوصفه جزءًا من الجسد إلّا بالمعمودية بالروح وحدها لا بغيرها.
وقد رأينا من قبلُ أنّ لكلّ مؤمنٍ حقيقيّ من المؤمنين الروحَ القدس (رومية 8:9)، ولكن ليس لكلّ مؤمنٍ منهم المعموديةُ بالروح القدس (وإن كان في وسع كلّ مؤمنٍ أن ينالها كما رأينا للتوّ). فأن يسكن الروح القدس فينا شيء — ولعلّه يسكن فينا في مقدسٍ خفيّ من أعماق كياننا، وراء حدود الوعي الواضح — وأن يستولي الروح القدس استيلاءً تامًّا على من يسكن فيه شيءٌ آخر مختلفٌ كلَّ الاختلاف وأعظم منه جدًّا. وثمّة قومٌ يُلحّون على أنّ لكلّ مؤمنٍ المعموديةَ بالروح بالإمكان، حتى ليبلغ بهم الإلحاح أن يعلّموا أنّ لكلّ مؤمنٍ المعموديةَ بالروح اختبارًا واقعًا. ولكن ما لم تكن المعمودية بالروح اليوم شيئًا غير المعمودية بالروح التي كانت في الكنيسة الأولى، بل ما لم تكن شيئًا لا حقيقة له البتّة، فإمّا أن يكون قسمٌ كبيرٌ جدًّا ممّن نعدّهم عادةً مؤمنين ليسوا بمؤمنين، وإمّا أن يكون في وسع الإنسان أن يكون مؤمنًا ورجلًا مجدَّدًا من غير أن يكون قد اعتمد بالروح القدس.
وقد كان الأمر كذلك بلا شكّ في الكنيسة الأولى. كان كذلك في الرسل قبل يوم الخمسين، وكان كذلك في الكنيسة التي في أفسس، وكان كذلك في الكنيسة التي في السامرة. وثمّة ألوفٌ في أيامنا هذه يستطيعون أن يشهدوا بأنّهم قبلوا المسيح ووُلدوا ثانيةً، ثمّ اعتمدوا بعد ذلك — وربّما بعد ذلك بزمنٍ طويل — بالروح القدس اختبارًا واضحًا محدَّدًا.
وهذا أمرٌ عظيم الشأن من الوجهة العمليّة؛ فإنّ كثيرين من الناس لا يتمتّعون بملء ذلك الامتياز الذي كان في وسعهم أن يتمتّعوا به لو شاءوا، لأنّهم يحاولون أن يقنعوا أنفسهم بأنّهم قد اعتمدوا بالروح القدس وهم لم يعتمدوا، وذلك بأن يحمّلوا آياتٍ مفردة من الكتاب فوق ما تحتمل وأكثر ممّا تطيق، ويخالفوا بذلك تعليم الكتب المقدسة الصريح في جملته ومجموعه. فلو أنّهم اعترفوا لأنفسهم فحسب بأنّهم لم يعتمدوا بعدُ، لاستطاعوا حينئذٍ أن يخطوا تلك الخطوات التي بها يعتمدون بالروح القدس اختبارًا شخصيًّا واضحًا.
والأمر التالي الذي يتبيّن لنا من تعليم الكتاب هو أنّ المعمودية بالروح القدس مقترنةٌ في كلّ حينٍ بالشهادة وبالخدمة، وأنّها إنّما هي في المقام الأوّل لأجلهما هما. فقد قال ربّنا في لوقا 24:49، وهو يتكلّم عن هذه المعمودية بعينها التي كانوا سينالونها عمّا قريب: «وها أنا أُرسل إليكم موعد أبي. فأقيموا في مدينة أورشليم إلى أن تُلبَسوا قوّةً من الأعالي».
وقال أيضًا في أعمال الرسل 1:5-8: «لأنّ يوحنا عمَّد بالماء، وأمّا أنتم فستتعمَّدون بالروح القدس، ليس بعد هذه الأيام بكثير… لكنّكم ستنالون قوّةً متى حلّ الروح القدس عليكم، وتكونون لي شهودًا في أورشليم وفي كلّ اليهودية والسامرة وإلى أقصى الأرض». وفي السجلّ الذي يقصّ علينا إتمام هذا الموعد الذي وعد به ربّنا، نقرأ في أعمال الرسل 2:4: «وامتلأ الجميع من الروح القدس، وابتدأوا يتكلّمون بألسنةٍ أخرى كما أعطاهم الروح أن ينطقوا». ثمّ يتبع ذلك الخبر المفصَّل عمّا قاله بطرس هناك وعن النتيجة التي كانت من ذلك الكلام. وكانت النتيجة أنّ بطرس وسائر الرسل تكلّموا بقوّةٍ عظيمة بلغت أن بُكِّتت ثلاثة آلاف نفسٍ في ذلك اليوم الواحد على خطاياهم، فنبذوا خطيّتهم وتخلّوا عنها، واعترفوا بقبولهم يسوع المسيح في المعمودية، وواظبوا من بعدُ على تعليم الرسل والشركة وكسر الخبز والصلوات.
ونقرأ في الأصحاح الرابع من سفر أعمال الرسل، في الأعداد من الحادي والثلاثين إلى الثالث والثلاثين، أنّ الرسل لمّا امتلأوا من الروح القدس كانت النتيجة أنّهم «كانوا يتكلّمون بكلام الله بمجاهرة»، وأنّه «بقوّةٍ عظيمة كان الرسل يؤدّون الشهادة بقيامة الربّ يسوع». وفي الأصحاح التاسع من سفر أعمال الرسل لنا وصفٌ لاعتماد بولس نفسه بالروح القدس. فنحن نقرأ في الأعداد من السابع عشر إلى العشرين: «فمضى حنانيّا ودخل البيت ووضع عليه يديه وقال: أيّها الأخ شاول، قد أرسلني الربّ يسوع الذي ظهر لك في الطريق الذي جئتَ فيه، لكي تُبصر وتمتلئ من الروح القدس. فللوقت وقع من عينيه شيءٌ كأنّه قشور، فأبصر في الحال، وقام واعتمد. وتناول طعامًا فتقوّى… وللوقت جعل يكرز في المجامع بالمسيح: أنّ هذا هو ابن الله». ونقرأ في العدد الثاني والعشرين أنّه كان «يحيّر اليهود الساكنين في دمشق محقّقًا أنّ هذا هو المسيح». وفي 1 كورنثوس 12 لنا أوفى بحثٍ في المعمودية بالروح القدس يوجد في فقرةٍ من فقرات الكتاب المقدس كلّه.
فهذه هي الفقرة الكلاسيكية الجامعة في هذا الموضوع كلّه. والنتائج المسجَّلة فيها إنّما هي مواهبُ للخدمة.
وليس القصد الأوّل من المعمودية بالروح القدس أن تجعل المؤمنين سعداء في أنفسهم، بل أن تجعلهم نافعين لغيرهم. فليست هي لمجرّد فرح المؤمن في نفسه ولذّته الخاصّة، بل هي في المقام الأوّل لأجل كفاءته هو في الخدمة وإجادته لها. ولستُ أقول إنّ المعمودية بالروح القدس لا تجعل المؤمن سعيدًا؛ فإنّ من جملة ثمر الروح «الفرح»، فمن اعتمد بالروح القدس فلا بدّ أن يتبع ذلك فرحٌ لا محالة. وما عرفتُ قطّ إنسانًا اعتمد بالروح القدس إلّا ودخل حياته، عاجلًا أو آجلًا، فرحٌ جديد، فرحٌ أعلى وأنقى وأملأ ممّا عرفه في يومٍ من الأيام. غير أنّ هذا كلَّه ليس هو الغرض الأوّل من هذه المعمودية، ولا هو أهمّ نتائجها ولا أبرزها ولا أعظمها شأنًا.
ولا بدّ من التشديد الشديد على هذه النقطة، فإنّ كثيرين من المسيحيين إنّما يطلبون الفرح الشخصيّ حين يطلبون المعمودية بالروح. فهم يذهبون إلى المؤتمرات وإلى الاجتماعات المعقودة لأجل تعميق الحياة المسيحية، ثمّ يرجعون فيخبرون بأيّ بركةٍ عجيبة نالوا، مشيرين إلى فرحٍ جديد قد دخل قلوبهم. غير أنّك إذا راقبتهم عسر عليك أن ترى أنّهم صاروا أنفع لرعاتهم أو لكنائسهم ممّا كانوا عليه قبلُ، فتُضطرّ اضطرارًا إلى أن تظنّ أنّهم مهما يكونوا قد نالوا من شيء، فإنّهم لم ينالوا تلك المعمودية الحقيقية بالروح القدس. إنّ الفرح والابتهاج أمران حسنان جميلان، كلٌّ منهما في موضعه الذي جُعل له.
ومتى جاءا فاشكر الله عليهما — وكاتب هذه السطور يعرف عنهما شيئًا — ولكن في عالمٍ كالذي نعيش فيه اليوم، حيث الخطية وبرُّ الذات وعدم الإيمان ظافرةٌ كلَّ هذا الظفر، وحيث يجرف تيّارٌ مروّع رجالًا ونساءً وشبّانًا وفتيات إلى جهنّم الأبدية، لأَنْ أقضي حياتي كلّها فلا يمسّني طربٌ واحد، ولكن تكون لي قوّةٌ أشهد بها للمسيح وأربح بها آخرين للمسيح فأخلّصهم، أحبُّ إليّ وأوثر عندي من أن تكون لي نشواتٌ ثلاثمائة وخمسة وستّين يومًا في السنة ولا تكون لي قوّةٌ أردّ بها تيّار الخطية المروّع، وأجيء بالرجال والنساء والأولاد إلى معرفةٍ مخلِّصة بربّي ومخلّصي يسوع المسيح.
وليس الغرض الأوّل من المعمودية بالروح القدس أن تجعل المؤمنين في ذواتهم وأشخاصهم قدّيسين. ولستُ أقول إنّه ليس من عمل الروح القدس أن يجعل المؤمنين قدّيسين، فإنّه كما رأينا من قبلُ هو «روح القداسة»، وليس لنا سبيلٌ إلى بلوغ القداسة البتّة إلّا بقوّته هو. بل لستُ أقول أيضًا إنّ المعمودية بالروح القدس لا تأتي بتغييرٍ روحيّ عظيم وارتقاءٍ بالنفس وتطهيرٍ لها، فإنّ الموعد إنّما هو: «هو سيعمّدكم بالروح القدس ونار» (والفكرة في النار كما تُستعمل في هذا المقام إنّما هي فكرة الفحص والتمحيص والتنقية والتطهير والإحراق).
وقد جرى في الرسل يوم الخمسين تغييرٌ عجيبٌ باهر، وجرى تغييرٌ عجيب مثله في ألوفٍ اعتمدوا بالروح القدس منذ يوم الخمسين إلى يومنا هذا؛ غير أنّ الغرض الأوّل من المعمودية بالروح القدس إنّما هو الكفاءة في الشهادة والخدمة. فهي إنّما تتّصل بمواهب الخدمة اتّصالًا أوثق من اتّصالها بنِعَم الخُلُق وفضائله. إنّها إنّما هي نقلُ القوّة الروحية أو نقلُ المواهب في الخدمة؛ وقد تكون للإنسان أحيانًا مواهب نادرة بقوّة الروح، ولا يظهر فيه مع ذلك كلّه إلّا القليل من نِعَم الروح.
(انظر في هذا 1 كورنثوس 13:1-3؛ ومتى 7:22-23.) وفي كلّ فقرةٍ من فقرات الكتاب المقدس تُذكر فيها المعمودية بالروح القدس، تجدها مقترنةً بالشهادة أو بالخدمة.
ولعلّنا نبلغ فكرةً أوضح وأجلى عن حقيقة المعمودية بالروح القدس إن نحن وقفنا هنيهةً من الزمان لننظر في النتائج التي تنتج عن هذه المعمودية بالروح القدس. فما هي إذًا نتائج المعمودية بالروح القدس؟
1. إنّ مظاهر المعمودية بالروح القدس على وجه التعيين والتخصيص ليست واحدةً في جميع الأشخاص، ولا هي تجري على وتيرةٍ واحدة فيهم. وهذا يظهر ظهورًا جليًّا لا لبس فيه من 1 كورنثوس 12:4-13: «فأنواع مواهب موجودة، ولكنّ الروح واحد. وأنواع خدمٍ موجودة، ولكنّ الربّ واحد. وأنواع أعمالٍ موجودة، ولكنّ الله واحد، الذي يعمل الكلّ في الكلّ. ولكنّه لكلّ واحدٍ يُعطى إظهار الروح للمنفعة. فإنّه لواحدٍ يُعطى بالروح كلامُ حكمة، ولآخر كلامُ علمٍ بحسب الروح الواحد، ولآخر إيمانٌ بالروح الواحد، ولآخر مواهب شفاءٍ بالروح الواحد. ولآخر عملُ قوّات، ولآخر نبوّة، ولآخر تمييز الأرواح، ولآخر أنواع ألسنة، ولآخر ترجمة ألسنة. ولكنّ هذه كلَّها يعملها الروح الواحد بعينه، قاسمًا لكلّ واحدٍ بمفرده كما يشاء. لأنّه كما أنّ الجسد هو واحدٌ وله أعضاء كثيرة، وكلُّ أعضاء الجسد الواحد إذا كانت كثيرة هي جسدٌ واحد، كذلك المسيح أيضًا. لأنّنا جميعنا بروحٍ واحدٍ أيضًا اعتمدنا إلى جسدٍ واحد، يهودًا كنّا أم يونانيّين، عبيدًا أم أحرارًا، وجميعنا سُقينا روحًا واحدًا». فههنا نرى معموديةً واحدة لا معموديّات، ولكن نرى معها مظاهر شتّى عظيمة التنوّع لقوّة تلك المعمودية الواحدة.
فأنواع المواهب مختلفة متعدّدة، ولكنّ الروح الذي يهبها واحد. وتختلف المواهب باختلاف خطوط الخدمة التي يدعو الله إليها أشخاصًا مختلفين من الناس. فالكنيسة جسد، ولمختلف أعضاء الجسد وظائفُ مختلفة يؤدّيها كلُّ عضوٍ منها؛ والروح يمنح من اعتمد به تلك المواهب بعينها التي تؤهّله للخدمة التي دعاه الله إليها. ومن المهمّ جدًّا أن نُبقي هذا الأمر ماثلًا في أذهاننا. فإنّ كثيرين من الناس، إذ أخفقوا في رؤية هذا الأمر، ضلّوا في هذا الموضوع كلِّه ضلالًا بعيدًا. ففي أوّل درسي لهذا الموضوع لاحظتُ هذه الحقيقة، وهي أنّ الذين اعتمدوا بالروح القدس كانوا في مواضع كثيرة من الكتاب يتكلّمون بألسنة (انظر مثلًا أعمال الرسل 2:4؛ وأعمال الرسل 10:46؛ وأعمال الرسل 19:6)، فتساءلتُ في نفسي: أفيتكلّم بألسنةٍ كلُّ من يعتمد بالروح القدس؟
ولم أكن أعرف أحدًا يتكلّم بألسنةٍ في أيامنا هذه، ولا كنتُ أدري أهي المعمودية بالروح القدس للعصر الحاضر الذي نحن فيه أم ليست له. غير أنّي كنتُ يومًا من الأيام أدرس 1 كورنثوس 12، فلاحظتُ كيف قال بولس للمؤمنين في تلك الكنيسة الموهوبة موهبةً عجيبة التي في كورنثوس، وقد نطق عليهم جميعًا في العدد الثالث عشر بأنّهم قد اعتمدوا بالروح: «فوضع الله أناسًا في الكنيسة: أوّلًا رسلًا، ثانيًا أنبياء، ثالثًا معلّمين، ثمّ قوّات، وبعد ذلك مواهب شفاء، أعوانًا، تدابير، وأنواع ألسنة. ألعلّ الجميع رسل؟ ألعلّ الجميع أنبياء؟ ألعلّ الجميع معلّمون؟ ألعلّ الجميع أصحاب قوّات؟
ألعلّ للجميع مواهب شفاء؟ ألعلّ الجميع يتكلّمون بألسنة؟ ألعلّ الجميع يترجمون؟» فرأيتُ حينئذٍ أنّ الكتاب المقدس إنّما يعلّم أنّ الإنسان قد يعتمد بالروح القدس ولا تكون له مع ذلك كلّه موهبة الألسنة.
ورأيتُ فوق ذلك أيضًا أنّ موهبة الألسنة، بحسب ما يقوله الكتاب، هي آخر المواهب جميعًا وأقلّها شأنًا وخطرًا، وأنّنا نحن مأمورون أن نجدّ للمواهب الحسنى (1 كورنثوس 13:31؛ 1 كورنثوس 14.
5، 12، 14، 18، 19، 27، 28). ثمّ إنّي وقعتُ بعد ذلك في تجربة الوقوع في خطأٍ آخر، هو أدقّ مسلكًا وألطف مأخذًا من هذا الأوّل، ولكنّه في الحقيقة لا يقلّ عنه مخالفةً لتعليم الكتاب، وهو أنّ من اعتمد بالروح القدس فلا بدّ أن ينال موهبة المبشّر.
فقد كنتُ قرأتُ قصّة د. ل. مودي، وقصّة تشارلز ج. فيني، وقصص غيرهما ممّن اعتمدوا بالروح القدس، وقرأتُ عن القوّة التي جاءتهم بوصفهم مبشّرين؛ فخطر لي هذا الخاطر ودار في نفسي: أفلا ينال كلُّ من يعتمد بالروح القدس قوّةً بوصفه مبشّرًا؟ غير أنّ هذا الظنّ أيضًا مخالفٌ لتعليم الكتاب.
فإن كان الله قد دعا رجلًا ليكون مبشّرًا، ثمّ اعتمد ذلك الرجل بالروح القدس، فإنّه ينال قوّةً بوصفه مبشّرًا؛ وأمّا إن كان الله قد دعاه ليكون شيئًا آخر، فإنّه ينال قوّةً ليصير ذلك الشيء الآخر. وثمّة ثلاثة شرورٍ عظيمة تنشأ من هذا الخطأ، أعني الخطأ القائل إنّ كلّ من يعتمد بالروح القدس لا بدّ أن ينال قوّةً بوصفه مبشّرًا.
(1) وأوّلها شرّ خيبة الرجاء. فكثيرون من الناس يطلبون المعمودية بالروح القدس وهم يتوقّعون قوّةً بوصفهم مبشّرين، والله لم يدعُهم هو إلى ذلك العمل البتّة؛ فهم يستوفون شروط نوال المعمودية بالروح، وينالون المعمودية بالروح بالفعل، ولكنّ القوّة بوصفهم مبشّرين لا تأتيهم. وينتهي هذا الأمر في حالاتٍ كثيرة إلى خيبة رجاءٍ مرّةٍ أليمة، بل ينتهي أحيانًا إلى قنوطٍ ويأس. بل إنّ من انتظر قوّة المبشّر فلم ينلها قد يتشكّك أحيانًا في نفسه هل هو ابنٌ لله أم ليس بابنٍ له. غير أنّه لو كان قد فهم الأمر على حقيقته وأدركه كما هو، لعلم أنّ كونه لم ينل قوّةً بوصفه مبشّرًا ليس دليلًا على أنّه لم ينل المعمودية بالروح، فضلًا عن أن يكون دليلًا على أنّه ليس ابنًا لله.
(2) والشرّ الثاني أخطر من هذا، ألا وهو شرّ التجاسر. فكثيرًا ما يندفع رجلٌ لم يدعُه الله إلى عمل المبشّر أو الخادم إلى ذلك العمل اندفاعًا، لأنّه قد نال — أو لأنّه يظنّ أنّه قد نال — المعمودية بالروح القدس. فهو يظنّ أنّ كلّ ما يحتاج إليه الإنسان لكي يصير كارزًا إنّما هو المعمودية بالروح القدس لا غير. وهذا الظنّ غير صحيحٍ البتّة. فإنّ الرجل، لكي ينجح خادمًا للإنجيل، محتاجٌ إلى دعوةٍ إلى ذلك العمل بعينه دون سواه، ومحتاجٌ فوق ذلك إلى تلك المعرفة بكلمة الله التي تُعدّه لهذا العمل وتؤهّله له. فإن كان الرجل مدعوًّا إلى الخدمة، ودرس الكلمة حتى صار عنده ما يكرز به، ثمّ اعتمد بالروح القدس، فإنّه ينجح كارزًا؛ وأمّا إن لم يكن مدعوًّا إلى ذلك العمل، أو لم تكن له تلك المعرفة اللازمة بكلمة الله، فإنّه لا ينجح في العمل، ولو نال المعمودية بالروح القدس.
(3) والشرّ الثالث هو شرّ اللامبالاة وعدم الاكتراث. فكثيرون من الناس يعلمون علمًا يقينًا أنّهم غير مدعوّين إلى عمل الكرازة. فإن ظنّوا إذًا أنّ المعمودية بالروح القدس إنّما تنقل قوّةً بوصف الإنسان مبشّرًا، أو قوّةً على الكرازة لا غير، لم تكن مسألة المعمودية بالروح القدس ذات شأنٍ شخصيّ عندهم البتّة. فههنا مثلًا أمٌّ من الأمّهات لها بيتٌ ملآن بالأولاد. وهي تعلم حقّ العلم أنّها غير مدعوّةٍ إلى القيام بعمل المبشّر، وتعلم أنّ واجبها إنّما هو مع أولادها وفي بيتها الذي وضعها الله فيه. فإن هي قرأت عن المعمودية بالروح القدس أو سمعت عنها، وأخذت الانطباع بأنّ المعمودية بالروح القدس إنّما تنقل قوّةً على القيام بعمل المبشّر أو على الكرازة، فستقول في نفسها: «إنّ المبشّر محتاجٌ إلى هذه البركة، وخادمي محتاجٌ إليها، وأمّا أنا فليست هي لي». وأمّا إن هي فهمت الأمر على ما يعلّمه الكتاب المقدس — أنّ المعمودية بالروح، مع أنّها تنقل قوّة، فإنّ الكيفية التي تظهر بها تلك القوّة متوقّفةٌ كلَّ التوقّف على خطّ العمل الذي يدعونا الله إليه، وأنّه لا يمكن أن يُعمل عملٌ فعّال بغيرها — ورأت فوق ذلك أنّه ليس في كنيسة يسوع المسيح اليوم وظيفةٌ أقدس ولا أكرم من وظيفة الأمومة المقدَّسة، فإنّها ستقول: «لعلّ المبشّر محتاجٌ إلى هذه المعمودية، ولعلّ خادمي محتاجٌ إليها؛ وأمّا أنا فلا بدّ لي منها، لأربّي أولادي بتأديب الربّ وإنذاره».
2. ومع أنّ مواهب المعمودية بالروح القدس ومظاهرها متنوّعة، فستكون لكلّ من اعتمد هذه المعمودية بعضُ المواهب. فنحن نقرأ في 1 كورنثوس 12:7: «ولكنّه لكلّ واحدٍ يُعطى إظهار الروح للمنفعة». فأصغر عضوٍ شأنًا وأحقره قدرًا في جسد المسيح له وظيفةٌ من الوظائف يؤدّيها في ذلك الجسد. فالجسد ينمو إذ يكون «مركَّبًا معًا، ومقترنًا بمؤازرة كلّ مفصل» (أفسس 4:16)، ولكلّ مفصلٍ من أقلّها شأنًا ينقل الروح القدس قوّةً على أداء الوظيفة التي تخصّه.
3. والروح القدس هو الذي يقرّر كيف تُظهر المعمودية بالروح نفسها في كلّ حالةٍ بعينها. فنحن نقرأ في 1 كورنثوس 12:11: «ولكنّ هذه كلَّها يعملها الروح الواحد بعينه، قاسمًا لكلّ واحدٍ بمفرده كما يشاء». فالروح القدس هو صاحب السلطان المطلق في أن يقرّر الكيفية التي تُظهر بها المعمودية بالروح القدس نفسها، أي في أيّ موهبةٍ خاصّة أو عملٍ من الأعمال أو قوّةٍ من القوى. فليس لنا نحن أن ننتقي حقلًا من حقول الخدمة لأنفسنا ثمّ نسأل الروح القدس أن يؤهّلنا لتلك الخدمة التي اخترناها.
وليس لنا أن نختار موهبةً من المواهب ثمّ نسأل الروح القدس أن ينقل إلينا هذه الموهبة التي اخترناها نحن لأنفسنا.
بل إنّما علينا نحن أن نضع أنفسنا وضعًا تامًّا كاملًا تحت تصرّف الروح القدس، ليرسلنا هو حيث يشاء، وليختار لنا هو من ضروب الخدمة ما يشاء، ولينقل إلينا هو من المواهب ما يشاء.
فهو صاحب السلطان المطلق، وموقفنا نحن إنّما هو موقف التسليم غير المشروط له. وإنّي لأفرح بأنّ الأمر إنّما هو هكذا. وإنّي لأبتهج بأنّه هو، بحكمته ومحبّته اللتين لا حدّ لهما ولا نهاية، هو الذي يختار حقل الخدمة ويختار المواهب، وأنّ ذلك الاختيار ليس متروكًا لي أنا بقصر نظري وحماقتي. وإنّما لأنّ كثيرين من الناس أخفقوا في الاعتراف بسلطان الروح هذا، أخفقوا كذلك في نوال البركة ولقوا خيبة الرجاء. إنّهم يحاولون أن يختاروا هم موهبتهم لأنفسهم، فلا ينالون في آخر الأمر شيئًا. وقد عرفتُ مرّةً ابنًا من أبناء الله في اسكتلندا، قد سمع بالمعمودية بالروح القدس وبالقوّة التي تنتج عنها، فترك بتضحيةٍ عظيمة عمله في تصفيح السفن، وكان يتقاضى عليه أجورًا كبيرة. وقد سمع أنّ ثمّة حاجةً عظيمة إلى خدّامٍ للإنجيل في شمال غربيّ أمريكا، فجاء هو إلى الشمال الغربيّ. واستوفى شروط المعمودية بالروح القدس، وأنا أعتقد أنّه اعتمد بالروح القدس؛ غير أنّ الله لم يكن قد اختاره لعمل المبشّر، فلم تأتِه القوّة بوصفه مبشّرًا. ولم يبدُ أنّ حقلًا من الحقول ينفتح أمامه، فوقع في كآبةٍ شديدة وظلمةٍ عميقة، حتى إنّه شكّ في قبوله هو نفسه عند الله.
وفي صباح يومٍ من الأيام دخل كنيستنا في مينيابوليس وسمعني أتكلّم عن المعمودية بالروح القدس؛ ولمّا بيّنتُ في كلامي أنّ المعمودية بالروح القدس تُظهر نفسها بطرقٍ كثيرة مختلفة، وأنّ كون الإنسان لم تكن له قوّةٌ بوصفه مبشّرًا ليس دليلًا البتّة على أنّه لم ينل المعمودية بالروح القدس، دخل النور قلبه وأشرق فيه. فوضع نفسه وضعًا تامًّا كاملًا في يدي الله، ليختار الله هو له حقل العمل ويختار له المواهب. ولم يلبث أن انفتح له بابٌ من الأبواب في عمل الإرسالية في مدارس الأحد؛ وحينئذٍ، لمّا كفّ عن أن يختار لنفسه بنفسه، وترك للروح القدس أن يقسم له كما يشاء هو، حدث أمرٌ عجيب: فقد نال قوّةً بوصفه مبشّرًا، وجال في نواحي الأرياف في إحدى ولاياتنا الشمالية الغربية بقوّةٍ جبّارة بوصفه مبشّرًا.
4. ومع أنّ القوّة قد تكون من نوعٍ من الأنواع في شخصٍ ومن نوعٍ آخر في شخصٍ آخر، فستكون هناك قوّةٌ على كلّ حال، قوّة الله نفسها بعينها، متى اعتمد الإنسان بالروح القدس. فنحن نقرأ في أعمال الرسل 1:5 و8: «لأنّ يوحنا عمَّد بالماء، وأمّا أنتم فستتعمَّدون بالروح القدس، ليس بعد هذه الأيام بكثير… لكنّكم ستنالون قوّةً متى حلّ الروح القدس عليكم، وتكونون لي شهودًا في أورشليم وفي كلّ اليهودية والسامرة وإلى أقصى الأرض».
وبالحقّ إنّ كلّ من يقرأ هذه الصفحات ممّن لم ينالوا بعدُ المعمودية بالروح القدس، إن هو طلبها بالطريقة التي رسمها الله وعيّنها نالها لا محالة، ودخلت خدمته قوّةٌ لم تكن فيها قطّ من قبلُ، قوّةٌ للعمل عينه الذي دعاه الله إليه ووضعه بين يديه. وليس هذا تعليم الكتاب فحسب، بل هو تعليم الاختبار الدينيّ على مدى القرون.
وسِيَر أهل الإيمان حافلةٌ بأمثلة رجالٍ عملوا بأقصى ما استطاعوا من الجهد، إلى أن قِيدوا يومًا من الأيام إلى أن يروا أنّ ثمّة اختبارًا كهذا الاختبار هو المعمودية بالروح القدس، فطلبوه ونالوه؛ ومن تلك الساعة دخلت خدمتهم قوّةٌ جديدة غيّرت طابعهم تغييرًا تامًّا. وأوّل من يخطر بالبال في هذا الباب رجالٌ مثل المبشّر مودي وبرينِرد؛ غير أنّ الحالات من هذا القبيل ليست محصورةً في بضعة رجالٍ استثنائيّين دون سائر الناس. فقد قابل كاتب هذه السطور بنفسه، وراسل بقلمه، مئاتٍ وألوفًا من الناس في أنحاء العالم كلِّه، كان في وسعهم أن يشهدوا شهادةً محدَّدة قاطعة للقوّة الجديدة التي منحها الله لهم بالمعمودية بالروح القدس. وكان هؤلاء الألوف من الرجال والنساء في كلّ فرعٍ من فروع الخدمة المسيحية؛ فبعضهم خدّامٌ للإنجيل، وبعضهم مبشّرون، وبعضهم عاملون في الإرساليات، وبعضهم أمناء في جمعية
الشبان المسيحية، ومعلّمو مدارس الأحد، وآباء، وأمّهات، وعاملون في الخدمة الشخصية. وما من شيءٍ في الوجود يفوق ما في كثيرٍ من هذه الشهادات من وضوحٍ ويقينٍ وفرح.
ولن أنسى خادمًا للإنجيل لقيتُه منذ سنين في مؤتمرٍ لجمعية السعي المسيحي للشبّان في ولاية كنتيكت، بمدينة نيو بريتن. وكنتُ أتكلّم هناك في موضوع الخدمة الشخصية، فلمّا قاربتُ الكلمة على الانتهاء قلتُ إنّه لا بدّ لنا، لكي نقوم بالخدمة الشخصية قيامًا فعّالًا، أن نعتمد بالروح القدس، ثمّ شرحتُ في جملٍ قليلة جدًّا ما الذي أعنيه بهذا الكلام. وفي ختام الكلمة جاءني هذا الخادم على المنبر وقال: «ليست لي هذه البركة التي كنتَ تتكلّم عنها، ولكنّي أريدها. أفتصلّي من أجلي؟» فقلتُ: «ولمَ لا نصلّي الآن؟» فقال: «نصلّي». فوضعنا كرسيّين جنبًا إلى جنب، وأدرنا ظهرينا إلى الجمع وهو يخرج من قاعة الترسانة، وصلّينا معًا لكي يعتمد هو بالروح القدس. وبعد ذلك بأسابيع جاءني في مؤتمرٍ في واشنطن رجلٌ كان قد شهد ذلك المشهد، فأخبرني كيف رجع هذا الخادم إلى كنيسته رجلًا متغيّرًا، وكيف صارت جماعته تملأ الكنيسة، وكيف كان أكثرها من الشبّان، وأنّه كانت هناك اهتداءات في كلّ خدمة.
ثمّ إنّ هذا الخادم دُعي بعد ذلك بسنين إلى حقلٍ آخر من حقول الخدمة. وقد أشار عليه أشدُّ أصدقائه روحانيّةً وتقوًى ألّا يذهب إلى هناك، إذ كانت العناصر المسيطرة كلُّها في الكنيسة التي دُعي إليها مناوئةً معاديةً للعمل التبشيريّ المقدام؛ غير أنّه لسببٍ من الأسباب أحسّ في نفسه أنّها دعوة الله إليه، فقبلها ومضى.
وفي ستّة أشهرٍ لا غير كان هناك تسعةٌ وستّون اهتداءً، وكان ثمانيةٌ وثلاثون منهم من رجال الأعمال في تلك المدينة.
وبعد أن حضرتُ منذ سنين في مدينة مونتريال مؤتمرًا مشتركًا بين المقاطعات لجمعية الشبان المسيحية لمقاطعات كندا، وردني كتابٌ من شابٍّ من الشبّان، كتب فيه يقول: «كنتُ حاضرًا في اجتماعك الأخير في مونتريال. وسمعتُك تتكلّم عن المعمودية بالروح القدس.
فمضيتُ إلى غرفتي هناك وطلبتُ تلك المعمودية لنفسي أنا، فنلتُها في تلك الساعة. وأنا رئيس لجنة الرقابة في جمعية السعي المسيحي التي في كنيستنا. فدعوتُ سائر أعضاء اللجنة إلى الاجتماع معًا، فوجدتُ أنّ اثنين منهم كانا حاضرَين في ذلك الاجتماع وقد اعتمدا بالروح القدس من قبلُ. ثمّ صلّينا معًا من أجل سائر أعضاء اللجنة، فاعتمدوا هم أيضًا بالروح القدس. ونحن الآن خارجون إلى الكنيسة كلِّها، وشبّان الكنيسة يُؤتى بهم إلى المسيح واحدًا في إثر واحدٍ على التوالي».
وجاءني مرّةً في أحد المؤتمرات سيّدةٌ ورجلٌ معها، فأخبراني كيف أنّهما، وإن لم يكونا قد رأياني قطّ من قبلُ ولا عرفاني، قد قرآ تقرير كلمةٍ كنتُ ألقيتُها في مدينة بوسطن في مؤتمرٍ للعاملين المسيحيين عن المعمودية بالروح القدس، وأنّهما اشتهيا هذه المعمودية لنفسيهما فنالاها.
ثمّ أخبرني الرجل بعد ذلك بالبركة التي دخلت خدمته هو بوصفه مشرفًا على مدرسة الأحد.
ولمّا فرغ من كلامه قاطعته امرأته قائلةً: «نعم، وأحسن ما في الأمر أنّي صرتُ قادرةً أن أنفذ إلى قلوب أولادي، وهو أمرٌ لم أستطعه قطّ من قبلُ». فههنا ثلاثة خطوطٍ من الخدمة مختلفةٍ كلَّ الاختلاف بعضها عن بعض، ولكن كانت في كلّ حالةٍ منها قوّة. وقد لا تظهر نتائج تلك القوّة في الحال اهتداءاتٍ يراها الناس. فاستفانوس قد امتلأ من الروح القدس، ولكنّه إذ شهد بقوّة الروح القدس لربّه القائم من الأموات لم يرَ اهتداءً واحدًا في حينه. وكلّ ما رآه إنّما كان صريفَ الأسنان والنظرات الغاضبة والحجارة التي لا رحمة فيها ولا شفقة؛ وهكذا قد يكون الأمر معنا نحن أيضًا. غير أنّه كان هناك اهتداءٌ حتى في تلك الحال بعينها، وإن يكن قد مضى زمنٌ طويل قبل أن يراه أحد؛ وذلك الاهتداء، أعني اهتداء شاول الطرسوسيّ، كان وحده يساوي أكثر من مئات الاهتداءات العادية.
5. ومن النتائج الأخرى التي تنتج عن المعمودية بالروح القدس المجاهرةُ في الشهادة وفي الخدمة معًا. فنحن نقرأ في هذا الباب في أعمال الرسل 4:31: «ولمّا صلّوا تزعزع المكان الذي كانوا مجتمعين فيه، وامتلأ الجميع من الروح القدس، وكانوا يتكلّمون بكلام الله بمجاهرة». فالمعمودية بالروح القدس تنقل إلى من ينالها حرّيةً جديدة وجرأةً لا خوف معها في الشهادة للمسيح. إنّها تحوّل الجبناء إلى أبطالٍ أشدّاء.
فقد أثبت بطرس أنّه رجلٌ جبان في ليلة صلب ربّنا، إذ أنكر بالأيمان واللعنات أنّه يعرف الربّ. ولكنّ بطرس هذا نفسه، بعد يوم الخمسين، أُحضر ليقف أمام ذلك المجمع بعينه الذي كان قد حكم على يسوع بالموت، وهُدّد هناك؛ فقال وهو ممتلئٌ من الروح القدس: «يا رؤساء الشعب وشيوخ إسرائيل، إن كنّا نُفحَص اليوم عن إحسانٍ إلى إنسانٍ سقيم، بماذا شُفي هذا، فليكن معلومًا عند جميعكم وجميع شعب إسرائيل، أنّه باسم يسوع المسيح الناصريّ، الذي صلبتموه أنتم، الذي أقامه الله من الأموات، بذاك وقف هذا أمامكم صحيحًا.
هذا هو الحجر الذي احتقرتموه أيّها البنّاؤون، الذي صار رأس الزاوية. وليس بأحدٍ غيره الخلاص. لأنْ ليس اسمٌ آخر تحت السماء، قد أُعطي بين الناس، به ينبغي أن نخلص» (أعمال الرسل 4:8-12). ثمّ لمّا أمره المجمع بعد ذلك، هو ورفيقه يوحنا، ألّا يتكلّما البتّة ولا يعلّما أحدًا باسم يسوع، أجاباهم قائلين: «إن كان حقًّا أمام الله أن نسمع لكم أكثر من الله، فاحكموا. لأنّنا نحن لا يمكننا أن لا نتكلّم بما رأينا وسمعنا» (أعمال الرسل 4:19-20).
وفي مناسبةٍ أخرى متأخّرة عن هذه، لمّا هُدّدوا وأُمروا ألّا يتكلّموا في هذا الأمر، وكانت حياتهم كلُّها في خطرٍ محدق، قال بطرس للمجمع في وجوههم: «ينبغي أن يُطاع الله أكثر من الناس. إله آبائنا أقام يسوع الذي أنتم قتلتموه معلّقين إيّاه على خشبة. هذا رفّعه الله بيمينه رئيسًا ومخلّصًا، ليعطي إسرائيل التوبة وغفران الخطايا. ونحن شهودٌ له بهذه الأمور، والروح القدس أيضًا، الذي أعطاه الله للذين يطيعونه» (أعمال الرسل 5:29-32). وكثيرٌ من الناس في أيامنا هذه يزول جبنُهم الطبيعيّ ويتلاشى متى امتلأوا من الروح القدس، فيؤدّون شهادتهم ليسوع المسيح بمجاهرةٍ عظيمة وحرّيةٍ واسعة، غير خائفين من العواقب البتّة ولا مبالين بها.
6. والمعمودية بالروح القدس تجعل من ينالها مشغولًا بالله وبالمسيح وبالأمور الروحية. ففي السجلّ الذي يقصّ علينا خبر يوم الخمسين نقرأ: «وامتلأ الجميع من الروح القدس، وابتدأوا يتكلّمون بألسنةٍ أخرى كما أعطاهم الروح أن ينطقوا. فبُهت الجميع وتعجّبوا قائلين بعضهم لبعض: أترى ليس جميع هؤلاء المتكلّمين جليليّين؟ فكيف نسمع نحن كلُّ واحدٍ منّا لغته التي وُلد فيها؟… كريتيّون وعربٌ، نسمعهم يتكلّمون بألسنتنا بعظائم الله!» (أعمال الرسل 2:4، 7، 8، 11). ثمّ تتبع ذلك عظة بطرس، وهي عظةٌ من أوّلها إلى آخرها مستغرقةٌ كلَّها في يسوع المسيح وحده وفي مجده. ثمّ نقرأ فوق ذلك أيضًا هذا الكلام: «ولمّا صلّوا تزعزع المكان الذي كانوا مجتمعين فيه، وامتلأ الجميع من الروح القدس، وكانوا يتكلّمون بكلام الله بمجاهرة. وبقوّةٍ عظيمة كان الرسل يؤدّون الشهادة بقيامة الربّ يسوع، ونعمةٌ عظيمة كانت على جميعهم… حينئذٍ امتلأ بطرس من الروح القدس وقال لهم: يا رؤساء الشعب وشيوخ إسرائيل، إن كنّا نُفحَص اليوم عن إحسانٍ إلى إنسانٍ سقيم، بماذا شُفي هذا، فليكن معلومًا عند جميعكم وجميع شعب إسرائيل، أنّه باسم يسوع المسيح الناصريّ، الذي صلبتموه أنتم، الذي أقامه الله من الأموات، بذاك وقف هذا أمامكم صحيحًا» (أعمال الرسل 4:31، 33؛ أعمال الرسل 4:8-10).
ونقرأ كذلك عن شاول الطرسوسيّ أنّه لمّا امتلأ من الروح القدس «للوقت جعل يكرز في المجامع بالمسيح» (أعمال الرسل 10:44-46). ونقرأ كذلك عن أهل بيت كرنيليوس هذا الكلام: «فبينما بطرس يتكلّم بهذه الأمور حلّ الروح القدس على جميع الذين كانوا يسمعون الكلمة. فاندهش المؤمنون الذين من أهل الختان، كلُّ من جاء مع بطرس، لأنّ موهبة الروح القدس قد انسكبت على الأمم أيضًا. لأنّهم كانوا يسمعونهم يتكلّمون بألسنةٍ ويعظّمون الله». فههنا نرى أهل بيت كرنيليوس كلَّهم وقد أخذوا يعظّمون الله ما إن امتلأوا من الروح القدس.
وفي أفسس 5:18-19 يُقال لنا إنّ نتيجة الامتلاء من الروح هي أنّ الممتلئين هكذا يكلّمون بعضهم بعضًا بمزامير وتسابيح وأغانيّ روحية، مترنّمين ومرتّلين في قلوبهم للربّ. فالرجال الممتلئون من الروح القدس لا يترنّمون بالأغاني الغزلية ولا بالألحان الهزلية ولا بأغاني الأوبرا، ما دامت قوّة الروح القدس حالّةً عليهم. ولو حلّ الروح القدس على أحدٍ من الناس وهو يصغي إلى أبرأ أغاني العالم وأسلمها، لما استلذّها ولا طاب له سماعها، بل لاشتاق أن يسمع شيئًا عن المسيح. فالرجال المعتمدون بالروح القدس لا يكثرون الكلام عن أنفسهم ولا عن شؤونهم، بل يكثرون الكلام عن الله، ولا سيّما عن المسيح. ولا بدّ أن يكون الأمر كذلك ولا يكون على غيره، إذ إنّ وظيفة الروح القدس إنّما هي أن يشهد للمسيح المُمجَّد (يوحنا 15:26؛ يوحنا 16:14).
وخلاصةُ ما تقدّم كلِّه: إنّ المعمودية بالروح القدس إنّما هي أن يحلّ روح الله على المؤمن، فيملأ ذهنه بالحقائق، ولا سيّما بحقائق المسيح، ويستولي على قواه وملكاته استيلاءً تامًّا، وينقل إليه مواهب ليست له بغير هذه المعمودية، ولكنّها تؤهّله للخدمة التي دعاه الله إليها.
وللعهد الجديد كلامٌ كثير جدًّا في ضرورة المعمودية بالروح القدس. فقد قال ربّنا، وهو مزمعٌ أن يترك تلاميذه ليمضي ويكون مع الآب: «وها أنا أُرسل إليكم موعد أبي. فأقيموا في مدينة أورشليم إلى أن تُلبَسوا قوّةً من الأعالي» (لوقا 24:49). وكان قد ائتمنهم للتوّ وأوصاهم على أن يكونوا شهودًا له لجميع الأمم، مبتدئين بذلك من أورشليم (العددان 47 و48)؛ ولكنّه ههنا يقول لهم إنّهم قبل أن يقوموا بهذه الشهادة يجب عليهم أن ينتظروا حتى ينالوا موعد الآب، فيُوهَبوا هكذا قوّةً من الأعالي لأجل عمل الشهادة الذي كانوا سيقومون به. وليس ثمّة أدنى شكّ فيما عناه يسوع بقوله «موعد أبي»، ذلك الموعد الذي كان عليهم أن ينتظروه قبل أن يبتدئوا الخدمة التي ألقاها هو عليهم؛ فإنّنا نقرأ في أعمال الرسل 1:4-5: «وفيما هو مجتمعٌ معهم أوصاهم أن لا يبرحوا من أورشليم، بل ينتظروا موعد الآب الذي سمعتموه منّي؛ لأنّ يوحنا عمَّد بالماء، وأمّا أنتم فستتعمَّدون بالروح القدس، ليس بعد هذه الأيام بكثير». فالوسيلة التي كانت عطيّة القوّة أن تأتي إليهم من خلالها إنّما هي المعمودية بالروح القدس.
ثمّ إنّه مضى في كلامه فقال لتلاميذه: «لكنّكم ستنالون قوّةً متى حلّ الروح القدس عليكم، وتكونون لي شهودًا في أورشليم وفي كلّ اليهودية والسامرة وإلى أقصى الأرض» (أعمال الرسل 1:8). فمن هم يا ترى الرجال الذين قال لهم يسوع هذا الكلام؟ إنّهم التلاميذ الذين درّبهم هو نفسه بيده لهذا العمل.
فقد عاشوا أكثر من ثلاث سنين في أوثق ما تكون الصلة والمعاشرة به هو نفسه؛ وكانوا شهود عيانٍ لمعجزاته ولموته ولقيامته، وكانوا بعد لحظاتٍ قليلة سيكونون شهود عيانٍ لصعوده إذ يُرفع إلى السماء أمام أعينهم. وماذا عساه كان عليهم بعد ذلك أن يفعلوا؟ أن يذهبوا فحسب فيخبروا العالم بما رأته عيونهم وما سمعته آذانهم من فم ابن الله نفسه. أفلم يكونوا مجهَّزين مستعدّين لهذا العمل؟ إنّنا نحن بأفكارنا الحديثة عن الإعداد للعمل المسيحيّ نقول إنّهم كانوا مجهَّزين تجهيزًا تامًّا كاملًا. غير أنّ يسوع قال: «لا، لستم مجهَّزين.
فثمّة إعدادٌ آخر فوق ذلك الإعداد الذي نلتموه من قبلُ، هو من الضرورة للعمل الفعّال بحيث لا يجوز لكم أن تخطوا خطوةً واحدة إلى الأمام حتى تنالوه. وهذا الإعداد الآخر هو موعد الآب، أي المعمودية بالروح القدس». فإن كان الرسل، على ما كان لهم من التأهيل النادر الذي لا نظير له للعمل الذي كانوا سيقومون به، محتاجين إلى هذا الإعداد الآخر للعمل، فكم بالحريّ نحن نكون محتاجين إليه؟ أفلا يبدو، في ضوء ما طلبه يسوع من تلاميذه قبل أن يقوموا بالعمل، أنّه من أشدّ التجاسر جرأةً أن يقوم أحدٌ منّا بالشهادة والعمل للمسيح قبل أن ننال نحن أيضًا موعد الآب، أي المعمودية بالروح القدس؟ ولقد كانت هناك حاجةٌ ماسّة جوهرية إلى أن يُعمل شيءٌ في الحال ومن غير إبطاء.
فالعالم كلّه كان هالكًا في تلك الساعة، وهم وحدهم دون سائر الناس كانوا يعرفون الحقّ المخلِّص؛ ومع ذلك كلّه أوصاهم يسوع وصيةً صارمة: «انتظروا». فهل تكون في الدنيا شهادةٌ أقوى من هذه الشهادة على ضرورة المعمودية بالروح القدس المطلقة وعلى أهمّيتها، بوصفها إعدادًا لعملٍ يكون مقبولًا عند المسيح ومرضيًّا له؟ ولكنّ هذا كلَّه ليس كلَّ شيء.
فنحن نقرأ في أعمال الرسل 10:38: «يسوع الذي من الناصرة، كيف مسحه الله بالروح القدس والقوّة، الذي جال يصنع خيرًا ويشفي جميع المتسلَّط عليهم إبليس، لأنّ الله كان معه». فإلامَ يشير هذا الكلام في حياة يسوع المسيح كما هي مسجَّلة لنا؟ إن نحن رجعنا إلى لوقا 3:21-22 وإلى لوقا 4:1 و4 و17 و18 وجدنا الجواب عن هذا السؤال. فنحن نقرأ في لوقا 3:21-22 أنّ يسوع أيضًا لمّا اعتمد وكان يصلّي انفتحت السماء، ونزل عليه الروح القدس بهيئةٍ جسمية مثل حمامة، وكان صوتٌ من السماء: «أنت ابني الحبيب، بك سُررتُ». ثمّ إنّ أوّل ما نقرأه بعد ذلك، ولا يفصل بين الأمرين إلّا نسب يسوع البشريّ لا غير، هو: «أمّا يسوع فرجع من الأردنّ ممتلئًا من الروح القدس، وكان يُقتاد بالروح في البرّية» (لوقا 4:1).
ثمّ تتبع ذلك قصّة تجربته في البرّية؛ ثمّ نقرأ بعد ذلك في العدد الرابع عشر: «ورجع يسوع بقوّة الروح إلى الجليل، وخرج خبرٌ عنه في جميع الكورة المحيطة».
ونقرأ أيضًا في العددين السابع عشر والثامن عشر هذا الكلام: «فدُفع إليه سفر إشعياء النبيّ. ولمّا فتح السفر وجد الموضع الذي كان مكتوبًا فيه: روح الربّ عليّ، لأنّه مسحني لأبشّر المساكين» إلى آخر الكلام. فقد كان إذًا عند نهر الأردنّ، وفي اتّصالٍ وثيق بمعموديته هو، أن مُسح يسوع بالروح القدس والقوّة، ولم يدخل هو في خدمته العلنية البتّة حتى اعتمد بالروح القدس. ومن كان يسوع هذا يا ترى؟
إنّ الإيمان الشائع في العالم المسيحيّ كلِّه هو أنّه قد حُبل به حبلًا يفوق الطبيعة بقوّة الروح القدس، وأنّه كان ابن الله الوحيد، وأنّه كان إلهيًّا، إلهًا حقًّا من إلهٍ حقّ، وهو مع ذلك إنسانٌ حقيقيّ. فإن كان واحدٌ كهذا، «تاركًا لنا مثالًا لكي نتبع خطواته»، لم يجترئ على الخدمة التي أرسله الآب لأجلها إلى أن اعتمد هكذا بالروح القدس اعتمادًا محدَّدًا، فماذا يكون شأننا نحن إن تجرّأنا على ذلك؟ فإن نحن تجرّأنا عليه، في ضوء هذه الوقائع المسجَّلة، أفلا يبدو الأمر تجاسرًا لا يُغتفر؟ ولا شكّ أنّ كثيرين منّا قد فعلوه عن جهلٍ منهم، ولكن هل يسعنا نحن أن نحتجّ بالجهل بعد الآن؟ إنّ المعمودية بالروح القدس إعدادٌ لازمٌ لا غنى عنه لكلّ عملٍ فعّال للمسيح، في كلّ خطٍّ من خطوط الخدمة.
وقد تكون لنا دعوةٌ واضحة جدًّا إلى الخدمة، واضحةٌ إلى أقصى ما يمكن أن تكون، كما كانت للرسل؛ ولكنّ الوصية ملقاةٌ علينا كما أُلقيت عليهم: أنّنا قبل أن نبتدئ تلك الخدمة يجب أن ننتظر حتى نُلبَس قوّةً من الأعالي. وعطيّة القوّة هذه إنّما تكون بالمعمودية بالروح القدس لا بغيرها. ولكنّ هذا كلَّه ليس كلَّ شيء بعدُ.
فنحن نقرأ في أعمال الرسل 7:14-16: «ولمّا سمع الرسل الذين في أورشليم أنّ السامرة قد قبلت كلمة الله، أرسلوا إليهم بطرس ويوحنا، اللذين لمّا نزلا صلّيا لأجلهم لكي يقبلوا الروح القدس، لأنّه لم يكن قد حلّ بعدُ على أحدٍ منهم، غير أنّهم كانوا معتمدين باسم الربّ يسوع». فقد كانت هناك في السامرة جماعةٌ كبيرة من المهتدين الجدد الفرحين؛ ولكنّ بطرس ويوحنا لمّا نزلا إليهم ليتفقّدا العمل أحسّا أنّ ثمّة أمرًا جوهريًّا لم ينله هؤلاء التلاميذ الأحداث بعدُ، وأنّه يجب عليهما قبل أن يفعلا شيئًا آخر البتّة أن يحرصا على أن ينالوه هم.
وكذلك نقرأ في أعمال الرسل 19:1-2: «فحدث فيما كان أبلّوس في كورنثوس، أنّ بولس بعدما اجتاز في النواحي العالية جاء إلى أفسس. فإذ وجد تلاميذ قال لهم: هل قبلتم الروح القدس لمّا آمنتم؟» فلمّا وجد أنّهم لم يقبلوا الروح القدس، كان أوّل ما رآه أنّه ينبغي لهم أن يقبلوا الروح القدس. فلم يمضِ في العمل مع الذين من خارج حتى تجهَّزت للخدمة تلك الجماعة الصغيرة المؤلَّفة من اثني عشر تلميذًا لا غير. فنحن نرى إذًا أنّ الرسل، متى وجدوا مؤمنين بالمسيح، كان أوّل ما يفعلونه في كلّ حينٍ أن يسألوهم سؤالًا صريحًا هل قبلوا الروح القدس اختبارًا واضحًا؛ فإن لم يكونوا قد قبلوه حرصوا في الحال على أن تُخطى الخطوات التي بها يقبلون الروح القدس. فمن الظاهر إذًا أنّ المعمودية بالروح القدس ضرورية في كلّ مسيحيّ من المسيحيين، لأجل الخدمة التي يطلبها منه المسيح وينتظرها منه.
وما من شكّ أنّ قليلةً هي الأخطاء الأعظم من هذا الخطأ الذي نرتكبه اليوم في مشاريعنا المسيحية المختلفة: أن نقيم رجالًا ليعلّموا صفوف مدارس الأحد، وليقوموا بالخدمة الشخصية، بل ليكرزوا بالإنجيل أيضًا، لأنّهم اهتدوا ونالوا قدرًا معيّنًا من التعليم، ربّما يشمل دورةً جامعية ودراسةً في مدرسةٍ لاهوتية، ولكنّهم لم يعتمدوا بعدُ بالروح القدس. فنحن نظنّ أنّ الرجل إن كان متديّنًا على وجهٍ يُرجى معه الخير، ونال تعليمًا جامعيًّا ولاهوتيًّا، وخرج منه مستقيم العقيدة إلى حدٍّ معقول، فهو الآن مستعدٌّ لأن نضع نحن أيدينا عليه ونرسمه ليكرز بالإنجيل. غير أنّ يسوع المسيح يقول: «لا». فثمّة إعدادٌ آخر جوهريّ كلَّ الجوهرية، لا يجوز للرجل البتّة أن يقوم بهذا العمل حتى يكون قد ناله.
«فأقيموا في مدينة أورشليم إلى أن تُلبَسوا قوّةً من الأعالي». وقد قال أستاذٌ لاهوتيّ مشهور إنّه ينبغي أن يُوجَّه إلى كلّ مرشّحٍ للخدمة هذا السؤال: «هل قابلتَ الله؟» نعم، ولكن ينبغي لنا أن نمضي إلى أبعد من هذا وأن نكون أشدّ وضوحًا وتحديدًا: فينبغي أن نوجّه إلى كلّ مرشّحٍ للخدمة هذا السؤال: «هل اعتمدتَ بالروح القدس؟» فإن لم يكن قد اعتمد بها، وجب علينا أن نقول له ما قاله يسوع لأوّل الكارزين بالإنجيل: «اجلس إلى أن تُلبَس قوّةً من الأعالي». على أنّ هذا الأمر ليس صحيحًا في الخدّام المرسومين وحدهم فحسب، بل هو صحيحٌ في كلّ مسيحيّ من المسيحيين، فإنّ المسيحيين جميعًا مدعوّون إلى خدمةٍ من الخدم.
فكلّ رجلٍ يشتغل في العمل المسيحيّ ولم يكن قد نال المعمودية بالروح القدس، ينبغي له أن يوقف عمله في مكانه ذاك حيث هو، وألّا يمضي فيه قُدُمًا حتى يكون قد «لُبس قوّةً من الأعالي».
ولكن ماذا يكون من أمر عملنا نحن في أثناء ذلك الانتظار؟ «وماذا فعل العالم في تلك الأيام العشرة التي كان التلاميذ الأوّلون ينتظرون فيها؟» لقد كانوا يعرفون الحقّ المخلِّص، وكانوا هم وحدهم دون سائر الناس يعرفونه؛ ومع ذلك كلّه لزموا الصمت طاعةً لأمر الربّ.
ولم يخسر العالم من ذلك شيئًا. فلا ريب أنّهم لمّا جاءتهم القوّة أنجزوا في يومٍ واحد أكثر ممّا كانوا سينجزونه في سنين طوال لو أنّهم مضوا في عصيان وصية المسيح. ونحن أيضًا، بعد أن ننال المعمودية بالروح، ننجز لربّنا في يومٍ واحد عملًا حقيقيًّا أكثر ممّا كنّا ننجزه في سنين بغير هذه القوّة. ولو كان لا بدّ من قضاء أيامٍ كثيرة في الانتظار لكانت تلك الأيام أيامًا أُحسن إنفاقها؛ غير أنّنا سنرى فيما بعد أنّه لا حاجة بنا إلى قضاء أيامٍ في الانتظار، وأنّ المعمودية بالروح القدس يمكن أن تُنال في هذا اليوم عينه. وقد يقول قائلٌ من الناس إنّ الرسل كانوا قد خرجوا في جولاتٍ تبشيرية في أثناء حياة المسيح على الأرض، قبل أن يعتمدوا بالروح القدس.
وهذا صحيح، ولكنّ ذلك كان قبل أن يُعطى الروح القدس، وقبل أن تُعطى الوصية: «فأقيموا في مدينة أورشليم إلى أن تُلبَسوا قوّةً من الأعالي». وأمّا بعد ذلك الحين فقد كان الخروج بغير هذه المسحة عصيانًا وحماقةً وتجاسرًا معًا؛ ونحن إنّما نعيش في أيامنا هذه بعد أن أُعطي الروح القدس، وبعد أن أُعطيت الوصية القائلة بأن نقيم إلى أن نُلبَس قوّةً من الأعالي.
ونأتي الآن إلى السؤال الأوّل في الأهمّية، ألا وهو: من الذي يستطيع أن يعتمد بالروح القدس؟ ففي أحد المؤتمرات منذ سنين أرسلت إليّ امرأةٌ مسيحية على جانبٍ عظيم من الذكاء، وكانت عاملةً معروفة في حقل التعليم كما في حقل مدارس الأحد، هذا السؤال: «لقد أخبرتنا بضرورة المعمودية بالروح القدس، ولكن من الذي يستطيع أن ينال هذه المعمودية؟ إنّ الكنيسة التي أنتمي إليها تعلّم أنّ المعمودية بالروح القدس كانت مقصورةً على العصر الرسوليّ. أفلا تخبرنا من الذي يستطيع أن ينال المعمودية بالروح القدس؟» وهذا السؤال قد أُجيب عنه في الكتاب المقدس بأصرح العبارات وأوضحها.
فنحن نقرأ في أعمال الرسل 2:38-39: «فقال لهم بطرس: توبوا وليعتمد كلُّ واحدٍ منكم على اسم يسوع المسيح لغفران الخطايا، فتقبلوا عطيّة الروح القدس. لأنّ الموعد هو لكم ولأولادكم ولكلّ الذين على بُعد، كلِّ من يدعوه الربّ إلهنا». فما هو «الموعد» الذي يشير إليه بطرس في العدد التاسع والثلاثين؟ ثمّة تفسيران اثنان لهذه الفقرة: أحدهما أنّ الموعد المذكور في هذا العدد هو موعد الخلاص، والآخر أنّ الموعد المذكور في هذا العدد هو موعد عطيّة الروح القدس (أو المعمودية بالروح القدس؛ ومقابلةُ فقرات الكتاب بعضها ببعض تُظهر أنّ العبارتين مترادفتان).
فأيّ التفسيرين هو الصحيح؟ ثمّة ناموسان في التفسير معترَفٌ بهما عند علماء الكتاب المقدس كافّة، وهما ناموس الاستعمال (أو «usus loquendi» كما يُسمّى) وناموس السياق. فكم من آيةٍ في الكتاب المقدس، لو وقفت وحدها منفردة، لاحتملت تفسيرين أو ثلاثةً أو أكثر من ذلك؛ ولكن متى طُبّق هذان الناموسان في التفسير، تقرّر على وجه اليقين الذي لا شكّ فيه أنّ واحدًا فقط من التفاسير الممكنة المختلفة هو التفسير الصحيح. وناموس الاستعمال هو هذا: أنّك متى وجدتَ كلمةً أو عبارةً في فقرةٍ من فقرات الكتاب وأردتَ أن تعرف ما الذي تعنيه، فلا تذهب إلى معجمٍ من المعاجم، بل اذهب إلى الكتاب المقدس نفسه، وانظر في الفقرات المختلفة التي تُستعمل فيها الكلمة، ولا سيّما كيف يستعملها الكاتب الذي تدرسه، ولا سيّما كيف تُستعمل في ذلك السفر بعينه الذي وُجدت فيه الفقرة. وهكذا تستطيع أن تعيّن على وجه التحقيق ما هو المعنى الدقيق للكلمة أو للعبارة في الفقرة التي بين يديك.
وأمّا ناموس السياق فهو هذا: أنّك متى درستَ فقرةً من الفقرات فلا تنزعها من موضعها الذي هي فيه، بل انظر إلى ما قبلها وإلى ما بعدها؛ فإنّها وإن كانت قد تحتمل معاني شتّى لو وقفت وحدها منفردة، فليس يمكن أن تعني إلّا شيئًا واحدًا لا غير في السياق الذي وُجدت فيه. فلنطبّق الآن هذين الناموسين على الفقرة التي بين أيدينا. ولنطبّق أوّلًا وقبل كلّ شيء ناموس الاستعمال. فنحن إنّما نحاول أن نكتشف ما الذي تعنيه عبارة «الموعد» في أعمال الرسل 2:39. فإذا رجعنا إلى أعمال الرسل 1:4-5 قرأنا: «وفيما هو مجتمعٌ معهم أوصاهم أن لا يبرحوا من أورشليم، بل ينتظروا موعد الآب الذي سمعتموه منّي؛ لأنّ يوحنا عمَّد بالماء، وأمّا أنتم فستتعمَّدون بالروح القدس، ليس بعد هذه الأيام بكثير». فمن الظاهر إذًا أنّ موعد الآب المذكور ههنا إنّما يعني المعمودية بالروح القدس. ثمّ انتقل بعد ذلك إلى الأصحاح الثاني وإلى العدد الثالث والثلاثين منه: «وإذ ارتفع بيمين الله، وأخذ موعد الروح القدس من الآب، سكب هذا الذي أنتم الآن تبصرونه وتسمعونه». ففي هذه الفقرة يُقال لنا بأصرح العبارات إنّ الموعد هو موعد الروح القدس.
فإن كانت هذه العبارة الفريدة تعني المعمودية بالروح القدس في أعمال الرسل 1:4-5، وتعني الشيء عينه في أعمال الرسل 2:33، فبأيّ ناموسٍ من نواميس التفسير يمكن أن تعني شيئًا آخر مختلفًا كلَّ الاختلاف بعد ستّة أعدادٍ في أعمال الرسل 2:39؟ فناموس الاستعمال يقرّر إذًا ويثبت أنّ الموعد المذكور في أعمال الرسل 2:39 إنّما هو موعد المعمودية بالروح القدس. ولنطبّق الآن ناموس السياق، فنجد أنّ هذا الناموس، إن أمكن أن يكون ذلك، أشدّ حسمًا للأمر من ذاك الأوّل. فارجع إلى العدد الثامن والثلاثين: «فقال لهم بطرس: توبوا وليعتمد كلُّ واحدٍ منكم على اسم يسوع المسيح لغفران الخطايا، فتقبلوا عطيّة الروح القدس». فمن الظاهر إذًا أنّ الموعد المقصود ههنا هو موعد عطيّة الروح القدس أو المعمودية به. فقد تقرّر إذًا بالناموسين كليهما أنّ الموعد في أعمال الرسل 2:39 هو موعد عطيّة الروح القدس، أي المعمودية بالروح القدس.
فلنقرأ الآية إذًا على هذا النحو، واضعين هذه العبارة المرادفة لها موضع عبارة «الموعد»: «لأنّ الموعد هو لكم ولأولادكم ولكلّ الذين على بُعد، كلِّ من يدعوه الربّ إلهنا». يقول بطرس: «هو لكم»، أي للجمع المحتشد أمامه.
وليس في ذلك شيءٌ لنا نحن. فإنّنا لم نكن هناك حاضرين، وذلك الجمع كان كلُّه من اليهود، ولسنا نحن يهودًا. غير أنّ بطرس لم يقف عند هذا الحدّ، بل مضى في كلامه فقال: «ولأولادكم»، أي للجيل التالي من اليهود، أو لجميع أجيال اليهود الآتية. وليس في ذلك بعدُ شيءٌ لنا، إذ لسنا نحن يهودًا. ولكنّ بطرس مضى إلى أبعد من ذلك أيضًا فقال: «ولكلّ الذين على بُعد». وهذا القول يشملنا نحن ويدخلنا فيه. فنحن الأمم الذين كنّا قبلًا «بعيدين»، وأمّا الآن فقد صرنا «قريبين بدم المسيح» (أفسس 2:13، 17). ولكن لئلّا يكون في الأمر أدنى التباسٍ أو غموض، يزيد بطرس على ذلك فيقول: «كلِّ من يدعوه الربّ إلهنا». فبطرس يعلن إذًا في يوم الخمسين عينه أنّ المعمودية بالروح القدس إنّما هي لكلّ ابنٍ من أبناء الله في كلّ عصرٍ آتٍ من عصور تاريخ الكنيسة.
ومنذ سنين، في مؤتمرٍ للخدّام في مدينة شيكاغو، جاءني خادمٌ للإنجيل من الجنوب الغربيّ بعد محاضرةٍ ألقيتُها عن المعمودية بالروح القدس، وقال لي: «إنّ الكنيسة التي أنتمي إليها تعلّم أنّ المعمودية بالروح القدس كانت للعصر الرسوليّ وحده». فأجبتُه قائلًا: «لا يهمّني في شيءٍ ما تعلّمه الكنيسة التي تنتمي أنت إليها، ولا ما تعلّمه الكنيسة التي أنتمي أنا إليها. وإنّما سؤالي الوحيد هو هذا: ماذا تعلّم كلمة الله؟ فإنّها تقول: لأنّ الموعد هو لكم ولأولادكم ولكلّ الذين على بُعد، كلِّ من يدعوه الربّ إلهنا. فهل دعاك الله أنت؟» فقال: «نعم، لقد دعاني بالتأكيد». فقلتُ له: «أفالموعد لك أنت إذًا؟» قال: «نعم، إنّه لي». فأخذه لنفسه وقبله، وكانت النتيجة خدمةً قد تغيّرت وتبدّلت من أصلها.
ومنذ سنين، في مؤتمرٍ من مؤتمرات الطلبة، كان الذي يقود الاجتماعات خادمًا أسقفيًّا معروفًا، رجلًا موقَّرًا محبوبًا جدًّا بين الناس. وقد تكلّمتُ في ذلك المؤتمر عن المعمودية بالروح القدس، ووقفتُ عند معنى أعمال الرسل 2:39 ودلالته. وفي تلك الليلة، إذ جلسنا معًا بعد انفضاض الاجتماعات، قال لي خادم الله هذا: «يا أخي توري، لقد شُغفتُ جدًّا بما قلتَه اليوم عن المعمودية بالروح القدس. فإن كان تفسيرك لأعمال الرسل 2:39 صحيحًا فقد ثبتت دعواك وقامت حجّتك، ولكنّي في شكٍّ من ذلك. فلنتباحث فيه معًا». وقد فعلنا ذلك بالفعل.
وبعد ذلك بسنين، في تموز سنة 1894، كنتُ في مؤتمر الطلبة في نورثفيلد. فبينما أنا داخلٌ من الباب الخلفيّ لقاعة ستون في ذلك اليوم، إذا بهذا الخادم الأسقفيّ نفسه داخلٌ من الباب الأماميّ. فلمّا رآني أسرع نحوي عبر القاعة ومدّ إليّ يده وقال: «لقد كنتَ على صواب في أمر أعمال الرسل 2:39 في نوكسفيل، وأحسبني على حقٍّ أن أخبرك بما هو أحسن من ذلك: لقد اعتمدتُ بالروح القدس». وإنّي لأفرح بأنّي كنتُ على صواب، لا لأنّ لكوني أنا على صواب شأنًا يُذكر، بل لأنّ الحقّ الذي ثبت هكذا حقٌّ لا تُقدَّر أهمّيته ولا تُحدّ. أفليس أمرًا مجيدًا أن يستطيع الإنسان أن يجول في أنحاء العالم، ويقف أمام جماهير المؤمنين، فيقول لهم — وهو يعلم أنّ كلمة الله تحت قدميه إذ يقول لهم —: «تستطيعون جميعًا أن تعتمدوا بالروح القدس»؟ غير أنّ لهذا الفكر المفرح فرحًا لا يُنطق به جانبه المهيب. فإن كان يجوز لنا أن نعتمد بالروح القدس، فيجب علينا أن نعتمد.
فإن كنّا نحن معتمدين بالروح القدس، خلصت على أيدينا نفوسٌ ما كانت لتخلص البتّة لو لم نكن معتمدين هذه المعمودية. فإن لم نكن مستعدّين لأن ندفع ثمن هذه المعمودية، ومن ثمّ لم نعتمد بها، كنّا مسؤولين أمام الله عن كلّ نفسٍ من تلك النفوس كان يمكن أن تخلص فلم تخلص، وذلك لأنّنا لم ندفع الثمن ومن ثمّ لم ننل البركة.
وإنّي كثيرًا ما أرتعد على نفسي وعلى إخوتي في الخدمة، ولا على إخوتي في الخدمة وحدهم فحسب، بل على إخوتي في كلّ صورةٍ من صور العمل المسيحيّ، حتى أشدّها تواضعًا وأخفاها ذكرًا. ولماذا؟ أَلِأنّنا نكرز بالضلال؟ لا. إنّ كثيرين في هذه الأيام المظلمة يفعلون ذلك بالفعل، وإنّي لأرتعد عليهم أيضًا؛ ولكن ليس هذا هو ما أعنيه الآن. أفأعني أنّي أرتعد لأنّنا لا نكرز بالحقّ؟ فإنّه من الممكن جدًّا ألّا يكرز الإنسان بالضلال، ولا يكرز مع ذلك بالحقّ أيضًا؛ وكم من رجلٍ لم ينطق بكلمة ضلالٍ واحدة في حياته كلِّها وهو مع ذلك لا يكرز بالحقّ، وإنّي لأرتعد عليهم أيضًا؛ ولكن ليس هذا هو ما أعنيه الآن.
إنّما أعني أنّي أرتعد على أولئك الذين يكرزون منّا بالحقّ، بالحقّ عينه كما هو في يسوع، بالحقّ كما هو مسجَّلٌ في كلمة الله المكتوبة، بالحقّ في بساطته وفي نقاوته وفي ملئه، ولكنّهم يكرزون به «بكلام الحكمة الإنسانية المُقنِع» لا «ببرهان الروح والقوّة» (1 كورنثوس 2:4)، يكرزون به بنشاط الجسد لا بقوّة الروح القدس.
وما من شيءٍ في الوجود كلِّه أشدّ إماتةً من الإنجيل مجرَّدًا من قوّة الروح. «لأنّ الحرف يقتل ولكنّ الروح يحيي». إنّ الكرازة بالإنجيل، سواء أكانت من على المنبر أم في السبل الأكثر هدوءًا، لَعملٌ مهيبٌ رهيب. فهي تعني الموت أو الحياة لمن يسمعونها، وكونها تعني الموت أو تعني الحياة إنّما يتوقّف إلى حدٍّ بعيد جدًّا على ما إذا كنّا نكرز بها بالمعمودية بالروح القدس أم بغير هذه المعمودية.
فلا بدّ لنا أن نعتمد بالروح القدس. بل إنّ الإنسان بعد أن يعتمد بالروح القدس، مهما تكن تلك المعمودية واضحة، محتاجٌ إلى أن يمتلئ من الروح. وهذا هو تعليم العهد الجديد الصريح الذي لا لبس فيه. فنحن نقرأ في أعمال الرسل 2:4: «وامتلأ الجميع من الروح القدس، وابتدأوا يتكلّمون بألسنةٍ أخرى كما أعطاهم الروح أن ينطقوا». وكان بطرس واحدًا من أولئك الحاضرين في تلك المناسبة ممّن امتلأوا من الروح القدس؛ بل هو أبرز من في ذلك الأصحاح كلِّه بوصفه رجلًا قد اعتمد بالروح القدس. غير أنّنا نقرأ في أعمال الرسل 4:8: «حينئذٍ امتلأ بطرس من الروح القدس وقال لهم» إلى آخر الكلام. فههنا نقرأ ثانيةً أنّ بطرس امتلأ من الروح القدس.
ثمّ نقرأ في العدد الحادي والثلاثين من هذا الأصحاح عينه أنّهم إذ كانوا مجتمعين يصلّون «امتلأ الجميع من الروح القدس، وكانوا يتكلّمون بكلام الله بمجاهرة». وقد قيل لنا صراحةً في السياق إنّ اثنين من الحاضرين هناك كانا يوحنا وبطرس. فهذه إذًا هي الحادثة الثالثة التي امتلأ فيها بطرس من الروح القدس. فليس يكفي إذًا أن يمتلئ الإنسان من الروح القدس مرّةً واحدة فقط في حياته كلِّها. بل نحن محتاجون إلى امتلاءٍ جديد لكلّ حالةٍ طارئة جديدة تعرض لنا في الخدمة المسيحية. وقد أدّى الإخفاق في إدراك هذه الحاجة إلى الامتلاء المتجدّد من الروح القدس إلى أن نُحّي جانبًا وأُقصي عن العمل كثيرٌ من الرجال ممّن استخدمهم الله يومًا من الأيام استخدامًا عظيمًا.
فكثيرون في أيامنا هذه ممّن عرفوا يومًا من الأيام ما هو العمل بقوّة الروح القدس قد فقدوا وظيفتهم وفقدوا قوّتهم. ولستُ أقول إنّ الروح القدس قد تركهم ومضى عنهم — ولستُ أعتقد أنّه تركهم — ولكنّ مظهر حضوره وقوّته فيهم قد ذهب. وإنّ من أشدّ المناظر إحزانًا بيننا اليوم منظرَ أولئك الرجال والنساء الذين كدحوا يومًا من الأيام للسيّد بقوّة الروح القدس الجبّارة، وهم اليوم لا نفع فيهم عمليًّا البتّة، بل هم عائقٌ للعمل وحجرُ عثرةٍ فيه، وذلك لأنّهم يحاولون أن يمضوا في طريقهم بقوّة بركةٍ نالوها منذ سنةٍ أو خمس سنين أو عشرين سنة. فلأجل كلّ خدمةٍ جديدة تُقام، ولأجل كلّ نفسٍ جديدة يُتعامَل معها، ولأجل كلّ عملٍ جديد يُعمل للمسيح، ولأجل كلّ يومٍ جديد وكلّ حالةٍ طارئة جديدة تعرض في الحياة المسيحية وفي الخدمة، ينبغي لنا أن نطلب طلبًا محدَّدًا وأن ننال امتلاءً جديدًا من الروح القدس. فيجب ألّا «نُهمل» الموهبة التي فينا (1 تيموثاوس 4:14): «فلهذا السبب أذكّرك أن تُضرم أيضًا موهبة الله التي فيك» (2 تيموثاوس 1:6). فالامتلاءات المتكرّرة من الروح القدس ضرورية لدوام القوّة وازديادها.
وقد ينشأ ههنا هذا السؤال: «أفنسمّي هذه الامتلاءات الجديدة من الروح القدس معمودياتٍ جديدة بالروح القدس؟» والجواب عن ذلك أنّ تعبير «معمودية» لم يُستعمل في الكتب المقدسة قطّ عن اختبارٍ ثانٍ، وأنّ في فكرة المعمودية نفسها شيئًا من معنى الابتداء والأوّليّة؛ فمن أراد منّا أن يكون كتابيًّا في لفظه، فالأحسن فيما يظهر ألّا يستعمل لفظ «معمودية» عن اختبارٍ ثانٍ، بل أن يقصره على الاختبار الأوّل وحده. ومن جهةٍ أخرى، فإنّ تعبير «امتلأوا من الروح القدس» قد استُعمل في أعمال الرسل 2:4 لوصف الاختبار الموعود به في أعمال الرسل 1:5، حيث الكلمات المستعملة هي: «ستتعمَّدون بالروح القدس».
ومن الظاهر من هذه الفقرة ومن فقراتٍ أخرى غيرها أنّ التعبيرين مترادفان إلى حدٍّ بعيد جدًّا.
على أنّنا إن نحن قصرنا تعبير «المعمودية بالروح القدس» على اختبارنا الأوّل كنّا أقرب إلى الكتاب وأشبه بلسانه، وكان حسنًا أن نتكلّم عن معموديةٍ واحدة وامتلاءاتٍ كثيرة. غير أنّي أوثر كثيرًا جدًّا أن يتكلّم الإنسان عن معمودياتٍ جديدة بالروح القدس، قائمًا بذلك على ذلك الحقّ البالغ الأهمّية، وهو أنّنا محتاجون إلى امتلاءاتٍ متكرّرة من الروح القدس، من أن يُلحّ على دقّة اللفظ إلحاحًا يُغفله عن الحقّ القائل بضرورة الامتلاءات المتكرّرة؛ أي إنّي أوثر أن يكون لي الاختبار الصحيح بالاسم الخاطئ، على أن يكون لي الاختبار الخاطئ بالاسم الصحيح.
فنحن محتاجون إذًا إلى أن نمتلئ من الروح القدس. وكثيرًا ما أُسأل هذا السؤال: «هل نلتَ البركة الثانية؟» فأقول: نعم، ونلتُ الثالثة والرابعة والخامسة ومئاتٍ سواها، وإنّي لأتطلّع اليوم إلى بركةٍ جديدة أخرى. ونأتي الآن إلى السؤال الأوّل في الأهمّية من الوجهة العملية، ألا وهو: ماذا يجب على الإنسان أن يفعله لكي ينال المعمودية بالروح القدس؟ وهذا السؤال مُجابٌ عنه في الكتاب المقدس أوضح جوابٍ وأقطعه. فقد رسم الكتاب المقدس طريقًا بيّنًا واضحًا يتألّف من خطواتٍ قليلة بسيطة يستطيع كلُّ إنسانٍ أن يخطوها، ومن خطا هذه الخطوات دخل إلى البركة دخولًا مقطوعًا به لا شكّ فيه. وهذا قولٌ جازمٌ جدًّا، وما كنّا نحن لنجترئ على مثل هذا الجزم لولا أنّ الكتاب المقدس جازمٌ بالقدر عينه. ولكن أيّ حقٍّ لنا نحن في الارتياب والتردّد وكلمة الله جازمةٌ قاطعة؟ وفي هذا الطريق سبع خطوات: 1. الخطوة الأولى أن نقبل يسوع المسيح مخلّصًا لنا وربًّا. فنحن نقرأ في أعمال الرسل 2:38: «توبوا وليعتمد كلُّ واحدٍ منكم على اسم يسوع المسيح لغفران الخطايا، فتقبلوا عطيّة الروح القدس». أفليس هذا القول جازمًا كالقول الذي قلناه آنفًا؟ فبطرس يقول لنا إنّنا إن فعلنا أمورًا معيّنة كانت النتيجة هي: «فتقبلوا عطيّة الروح القدس». والخطوات السبع جميعها موجودةٌ في هذه الفقرة، غير أنّنا سنرجع فيما بعد إلى فقراتٍ أخرى تلقي عليها مزيدًا من الضوء. والخطوتان الأوليان في كلمة «توبوا». قال بطرس: «توبوا». فما معنى أن يتوب الإنسان؟ إنّ الكلمة اليونانية التي تُترجم «توبة» إنّما تعني «فكرًا لاحقًا» أو «تغييرًا للذهن». فأن تتوب معناه أن تغيّر ذهنك. ولكن أن تغيّر ذهنك في ماذا؟ في ثلاثة أمور: في الله، وفي يسوع المسيح، وفي الخطية. وأمّا تعيين الأمر الذي يقع فيه تغيير الذهن في كلّ موضعٍ بعينه، فمردّه إلى السياق الذي وردت فيه الكلمة.
وبحسب ما يعيّنه السياق في هذه الحال، فإنّ تغيير الذهن إنّما هو في المقام الأوّل من جهة يسوع المسيح.
فقد كان بطرس قد قال لهم للتوّ في العدد السادس والثلاثين: «فليعلم يقينًا جميع بيت إسرائيل أنّ الله جعل يسوع هذا، الذي صلبتموه أنتم، ربًّا ومسيحًا. فلمّا سمعوا نُخسوا في قلوبهم، وقالوا لبطرس ولسائر الرسل: ماذا نصنع أيّها الرجال الإخوة؟»
فحينئذٍ قال لهم بطرس: «توبوا»، أي «غيّروا أذهانكم من جهة يسوع؛ انتقلوا من تلك الحال الذهنية التي رفضته وصلبته إلى الحال الذهنية التي تقبله ربًّا وملكًا ومخلّصًا». فهذه إذًا هي الخطوة الأولى نحو نوال المعمودية بالروح القدس: أن تقبل يسوع مخلّصًا وربًّا؛ وأوّل ذلك كلّه أن تقبله مخلّصًا لك. أفعلتَ أنت ذلك؟ وما معنى أن تقبل يسوع مخلّصًا لك؟ معناه أن تقبله ذاك الذي حمل خطايانا عنّا في مكاننا على الصليب (غلاطية 3:13؛ 2 كورنثوس 5:21)، وأن تثق بأنّ الله يغفر لنا لأنّ يسوع المسيح مات في مكاننا. ومعناه أن تُسند كلّ رجائك في القبول أمام الله إلى ذلك العمل المُتمَّم الذي أتمّه المسيح على صليب الجلجثة، لا إلى شيءٍ آخر سواه.
وكثيرون من الناس ينادون بأنّهم مسيحيّون وهم لم يفعلوا هذا البتّة. فإن أنت ذهبتَ إلى كثيرين ممّن يسمّون أنفسهم مسيحيّين وسألتهم هل هم مخلَّصون، أجابوك: «نعم». فإن سألتهم بعد ذلك: «وعلامَ تتّكلون أساسًا لخلاصكم؟» أجابوك بنحوٍ من هذا: «إنّي أذهب إلى الكنيسة، وأتلو صلواتي، وأقرأ كتابي المقدس، وقد اعتمدتُ، وانضممتُ إلى الكنيسة، وأتناول عشاء الربّ، وأحضر اجتماع الصلاة، وأجتهد أن أعيش على أقوم ما أعرف». فإن كانت هذه الأمور هي التي تتّكل عليها أساسًا لقبولك أمام الله، فلستَ مخلَّصًا البتّة؛ وذلك لأنّ هذه الأمور كلَّها إنّما هي أعمالك أنت (وهي كلُّها لائقةٌ في مواضعها، ولكنّها مع ذلك أعمالك أنت).
وقد قيل لنا صراحةً في رومية 3:20 إنّه «بأعمال الناموس كلُّ ذي جسدٍ لا يتبرّر أمامه». ولكنّك إن أنت ذهبتَ إلى آخرين غيرهم وسألتهم هل هم مخلَّصون، أجابوك: «نعم». فإن سألتهم بعد ذلك علامَ يتّكلون أساسًا لقبولهم أمام الله، أجابوك بما معناه: «لستُ أتّكل على شيءٍ فعلتُه قطّ، ولا على شيءٍ أنا فاعلُه؛ إنّما أتّكل على ما فعله يسوع المسيح لأجلي إذ حمل خطاياي في جسده على الصليب. إنّي أتّكل على عمل كفّارته المُتمَّم». فإن كان هذا هو ما تتّكل عليه أنت، فأنت مخلَّص، وقد قبلتَ يسوع المسيح مخلّصًا لك، وخطوتَ بذلك الخطوة الأولى نحو المعمودية بالروح القدس.
والفكرة عينها معلَّمةٌ في مواضع أخرى من الكتاب المقدس، من ذلك ما جاء في غلاطية 3:2. فههنا يسأل بولس المؤمنين الذين في غلاطية: «أبأعمال الناموس أخذتم الروح أم بخبر الإيمان؟» فماذا عنى بولس بهذا الكلام؟ لقد حُبس بولس مرّةً في غلاطية، وهو مجتازٌ فيها، بمرضٍ ألمّ به هناك. ولسنا نعلم ما كان ذلك المرض الذي ألمّ به، غير أنّه على كلّ حال لم يكن من الشدّة بحيث يمنعه أن يكرز للغلاطيّين بالإنجيل، أي بالبشرى السارّة، بأنّ يسوع المسيح قد افتداهم من لعنة الناموس إذ صار لعنةً في مكانهم بموته على صليب الجلجثة. فصدّق هؤلاء الغلاطيّون هذه الشهادة، وهذا التصديق هو خبر الإيمان؛ وقد وضع الله خاتم رضاه على إيمانهم إذ أعطاهم الروح القدس اختبارًا شخصيًّا. ولكنّ بولس لمّا ترك غلاطية نزل من أورشليم قومٌ متهوّدون، وهم رجالٌ كانوا يقيمون ناموس موسى مقام الإنجيل، فعلّموهم أنّه لا يكفي أن يؤمنوا بيسوع المسيح فحسب، بل يجب عليهم فوق ذلك أن يحفظوا ناموس موسى، ولا سيّما ناموس موسى في الختان، وأنّهم بغير ختانٍ لا يستطيعون أن يخلصوا، أي إنّهم لا يستطيعون أن يخلصوا بمجرّد الإيمان بيسوع (أعمال الرسل 15:1).
فاضطرب هؤلاء المهتدون الأحداث الذين في غلاطية كلَّ الاضطراب. فلم يعودوا يدرون أمخلَّصون هم أم غير مخلَّصين، ولا هم يدرون ماذا يجب عليهم أن يفعلوا، وصار الأمر كلُّه بلبلةً وحيرة. وهو أشبه شيءٍ بما يجري في أيامنا هذه حين يأتي المتهوّدون المحدَثون فيلاحقون المهتدين الأحداث ويقولون لهم إنّه لا بدّ لهم، فوق الإيمان بيسوع المسيح، أن يحفظوا سبت اليوم السابع الموسويّ، وإلّا فلا خلاص لهم البتّة. وما هذا كلُّه إلّا ذلك النزاع القديم بعينه ينفجر في نقطةٍ جديدة. فلمّا سمع بولس بما جرى في غلاطية اغتاظ غيظًا شديدًا، وكتب الرسالة إلى أهل غلاطية ليكشف عن ضلال هؤلاء المتهوّدين كلَّ الكشف. فبيّن لهم كيف أنّ إبراهيم نفسه قد تبرّر قبل أن يُختتن، وذلك بمجرّد إيمانه بالله (غلاطية 3:6)، وكيف أنّه اختُتن بعد أن تبرّر ختمًا للإيمان الذي كان له من قبلُ وهو في الغُرلة. ثمّ إنّ بولس، فوق هذا البرهان كلِّه على ضلال المتهوّدين، يحتجّ عليهم باختبارهم الشخصيّ. فيقول لهم: «قد قبلتم الروح القدس، أليس كذلك؟» «نعم». «فكيف قبلتم الروح القدس، أبحفظ ناموس موسى أم بخبر الإيمان، أي بمجرّد قبول شهادة الله عن يسوع المسيح، أنّ خطاياكم وُضعت عليه، وأنّكم بذلك تبرّرتم وخلصتم؟»
وقد كان لهؤلاء الغلاطيّين اختبارٌ حقيقيّ في قبول الروح القدس، فيحتجّ به بولس عليهم ويذكّرهم كيف أنّهم إنّما قبلوا الروح القدس بمجرّد خبر الإيمان لا بشيءٍ سواه. فعطيّة الروح القدس إنّما هي خاتم الله على مجرّد قبول شهادة الله عن يسوع المسيح، أنّ خطايانا قد وُضعت عليه، وأنّنا نثق هكذا بأنّ الله يغفر لنا ويبرّرنا. فهذه إذًا هي الخطوة الأولى نحو نوال الروح القدس. ولكن لا يجب علينا أن نقبل يسوع مخلّصًا لنا فحسب، بل يجب علينا أن نقبله ربًّا لنا أيضًا. وسنتكلّم في هذا الأمر فيما بعد في اتّصالٍ بفقرةٍ أخرى، وذلك عند الخطوة الرابعة.
2. والخطوة الثانية في ذلك الطريق المؤدّي إلى بركة الاعتماد بالروح القدس هي نبذ الخطية والتخلّي عنها. فالتوبة، كما رأينا فيما تقدّم، تغييرٌ للذهن من جهة الخطية، كما هي تغييرٌ للذهن من جهة المسيح؛ تغييرٌ ينقل الذهن من تلك الحال التي تحبّ الخطية وتتساهل معها وتنغمس فيها، إلى تلك الحال التي تبغض الخطية وتنبذها. فالروح القدس روحٌ قدّوس، ولا يمكن البتّة أن يكون لنا هو والخطية معًا. فلا بدّ لنا إذًا أن نختار بين الروح القدس والخطية الدنسة. وليس يمكن أن يكون لنا الاثنان معًا في وقتٍ واحد. فمن لا يتخلّى عن الخطية لا يمكن أن يكون له الروح القدس. وليس يكفي أن ننبذ خطيةً واحدة أو اثنتين أو ثلاثًا، ولا أن ننبذ خطايا كثيرة؛ بل يجب علينا أن ننبذ كلّ خطيةٍ من الخطايا. فإن نحن تشبّثنا بخطيةٍ واحدةٍ معلومة لنا، أغلقت تلك الخطية علينا باب البركة. وههنا نجد السبب في إخفاق كثيرين من الناس ممّن يصلّون طالبين المعمودية بالروح القدس، ويذهبون إلى المؤتمرات فيسمعون عن المعمودية بالروح القدس، ويقرأون الكتب عن المعمودية بالروح القدس، بل ربّما قضوا ليالي بأسرها في الصلاة من أجل المعمودية بالروح القدس، ولا ينالون شيئًا. ولماذا؟ لأنّ ثمّة خطيةً هم متشبّثون بها.
وكثيرًا ما يقول لي الناس مشافهةً أو يكتبون إليّ: «لقد صلّيتُ طالبًا المعمودية بالروح القدس سنةً» (أو خمس سنين، أو عشر سنين — وقال لي رجلٌ: عشرين سنة) «فلماذا لا أنال؟» وفي كثيرٍ من هذه الحالات أجدني مسوقًا إلى أن أجيب بهذا الجواب: «إنّها الخطية؛ ولو أنّي استطعتُ أن أنظر في هذه اللحظة إلى داخل قلبك كما ينظر الله إلى قلبك، لاستطعتُ أن أضع إصبعي على الخطية بعينها». وقد تكون تلك الخطية ممّا يطيب لك أن تسمّيه خطيةً صغيرة، ولكن ليس ثمّة في الحقيقة خطايا صغيرة. نعم، إنّ بعض الخطايا تتعلّق بأمورٍ صغيرة، ولكنّ كلّ خطيةٍ إنّما هي عملُ تمرّدٍ على الله، فليست إذًا خطيةٌ من الخطايا خطيةً صغيرة. فنزاعٌ مع الله في أصغر الأمور وأتفهها كافٍ وحده لأن يغلق على الإنسان باب البركة. ويروي السيّد فيني عن امرأةٍ كانت في اهتمامٍ عظيم من جهة المعمودية بالروح القدس. فكانت في كلّ ليلةٍ بعد انفضاض الاجتماعات تمضي إلى غرفتها وتصلّي إلى عمق الليل، حتى خشي أصدقاؤها عليها أن يذهب عقلها؛ ومع ذلك كلّه لم تأتِ البركة. وفي ذات ليلةٍ، وهي تصلّي، عرض لها أمرٌ صغير من أمور زينة الرأس، أمرٌ لا يزعج كثيرين من المسيحيين اليوم في الأرجح، ولكنّه كان أمر نزاعٍ بينها وبين الله، فعرض لها (كما كان يعرض لها مرارًا من قبلُ) وهي جاثيةٌ في الصلاة. فمدّت يدها إلى رأسها، ونزعت الدبابيس من شعرها وطرحتها بعيدًا عنها عبر الغرفة وقالت: «هي ذي تذهب!» وفي الحال حلّ عليها الروح القدس. فلم يكن أمر زينة الرأس في ذاته هو الذي أغلق عليها باب البركة، بقدر ما كان أمر ذلك النزاع القائم بينها وبين الله.
فإن كان ثمّة أمرٌ يعرض لك دائمًا متى اقتربتَ إلى الله أشدّ الاقتراب، فذلك هو الأمر الذي يجب أن تعالجه.
ومنذ سنين، في مؤتمرٍ في إحدى الولايات الجنوبية، لفت رئيس الجلسة — وهو خادمٌ في الكنيسة المعمدانية — نظري إلى رجلٍ من الحاضرين وقال لي: «هذا الرجل هو بابا طائفتنا؛ فكلُّ ما يقوله فيها نافذٌ ماضٍ. وهو ليس معنا في هذا الأمر البتّة، ولكنّي مسرورٌ على كلّ حالٍ أن أراه ههنا». وقد واظب هذا الرجل على حضور الاجتماعات كلِّها. وفي ختام الاجتماع الأخير، بعد أن كنتُ قد تكلّمتُ فيه عن شروط نوال المعمودية بالروح القدس، وجدتُ هذا الرجل ينتظرني في الردهة. فقال: «لم أقم اليوم استجابةً لدعوتك». فأجبتُ: «قد رأيتُ أنّك لم تقم». فقال: «حسبتُك قلتَ إنّك لا تريد أن يقوم إلّا من يستطيع أن يقول إنّه سلّم نفسه لله». فقلتُ: «هذا ما قلتُه». قال: «حسنًا، أنا لم أستطع أن أقول ذلك». قلتُ: «فقد أحسنتَ كلَّ الإحسان إذ لم تقم. فما كنتُ أريدك أن تكذب على الله». فقال: «اسمع يا سيّدي، لقد ضربتني اليوم ضربةً موجعة. قلتَ إن كان ثمّة أمرٌ يعرض دائمًا متى اقتربتَ إلى الله أشدّ الاقتراب، فذلك هو الأمر الذي يجب أن تعالجه. وثمّة أمرٌ يعرض لي دائمًا متى اقتربتُ إلى الله. ولستُ مخبرك ما هو، وأحسبك تعرفه». فقلتُ: «نعم». (وكنتُ أشمّ رائحته.) فقال: «حسنًا، إنّما أردتُ أن أقول لك هذا فحسب».
وكان ذلك بعد ظهر يوم الجمعة. وكان عليّ أن أذهب إلى مدينةٍ أخرى؛ فلمّا رجعتُ مجتازًا في تلك المدينة صباح الثلاثاء التالي، وجدتُ الخادم الذي كان قد أدار الاجتماع واقفًا في المحطّة. فقال لي: «ليتك كنتَ معنا في اجتماع خدّامنا المعمدانيّين صباح أمس. لقد كان ذلك الرجل الذي أشرتُ لك إليه من شمال الولاية حاضرًا فيه. فقام في اجتماعنا وقال: أيّها الإخوة، لقد كنّا مخطئين في هذا الأمر كلَّ الخطأ. ثمّ أخبرهم بما فعل: فقد سوّى نزاعه مع الله، وتخلّى عن الأمر الذي كان يعرض له دائمًا متى اقترب إلى الله أشدّ الاقتراب. ثمّ مضى فقال: أيّها الإخوة، لقد نلتُ اختبارًا أوضح تحديدًا من الذي نلتُه حين اهتديتُ». وإنّ اختبارًا كهذا الاختبار لينتظر كثيرين غيره، من الخدّام ومن سائر الناس على السواء، ما إن يدين الواحد منهم خطيّته، وما إن ينحّي الأمر الذي هو موضع نزاعٍ بينه وبين الله، مهما يكن ذلك الأمر صغيرًا في الظاهر. فمن اشتهى المعمودية بالروح القدس اشتهاءً صادقًا فليخلُ بالله وحده، وليسأل الله أن يفحصه فحصًا دقيقًا وأن يُظهر إلى النور كلّ ما في قلبه أو في حياته ممّا لا يرضيه؛ ومتى أظهره الله إلى النور فليُنحّه عنه في الحال. فإن لم يُظهَر شيءٌ إلى النور بعد انتظارٍ صادقٍ أمين على الله، جاز لنا حينئذٍ أن نمضي إلى سائر الخطوات الأخرى. غير أنّه لا فائدة في الصلاة، ولا في الذهاب إلى المؤتمرات، ولا في قراءة الكتب المؤلَّفة عن المعمودية بالروح القدس، ولا في فعل أيّ شيءٍ آخر البتّة، حتى ندين نحن خطايانا.
3. والخطوة الثالثة هي الاعتراف العلنيّ بنبذنا للخطية وبقبولنا ليسوع المسيح. فبعد أن قال بطرس لسامعيه أن يتوبوا، قال لهم في أعمال الرسل 2:38: «توبوا وليعتمد كلُّ واحدٍ منكم على اسم يسوع المسيح لغفران الخطايا». فلم تكن توبة القلب وحدها كافيةً في هذا الأمر، بل كان لا بدّ من اعترافٍ علنيّ بتلك التوبة؛ والطريقة التي عيّنها الله للاعتراف بالتوبة إنّما هي المعمودية. ولم يكن أحدٌ ممّن خاطبهم بطرس قد اعتمد قطّ من قبلُ، وإنّما عنى بطرس بكلامه هذا معمودية الماء. ولكن ماذا يكون الأمر لو كان الإنسان قد اعتمد من قبلُ؟ إنّه حتى في هذه الحال لا بدّ من ذلك الذي تقوم المعمودية مقامه، ألا وهو الاعتراف العلنيّ بنبذنا للخطية وقبولنا ليسوع المسيح. فالمعمودية بالروح ليست للتلميذ الخفيّ الذي يستتر بإيمانه، بل هي للتلميذ المعلن المجاهر باعترافه.
ولا شكّ أنّ كثيرين في أيامنا هذه يحاولون أن يكونوا مسيحيّين في قلوبهم، وأنّ كثيرين منهم يعتقدون حقًّا أنّهم قد قبلوا يسوع مخلّصًا لهم وربًّا، وأنّهم قد نبذوا الخطية، ولكنّهم لا يرضون أن يعترفوا علانيةً بنبذهم للخطية وقبولهم للمسيح. ومثل هذا الإنسان لا يمكن البتّة أن تكون له المعمودية بالروح القدس. وقد يسأل سائلٌ من الناس فيقول: «أفليس جماعة الأصدقاء، وهم لا يؤمنون بمعمودية الماء، يعطون البرهان على أنّهم معتمدون بالروح القدس؟» ولا شكّ أنّ كثيرين منهم يفعلون ذلك بالفعل، غير أنّ هذا لا يغيّر شيئًا من تعليم كلمة الله. ولا شكّ أنّ الله يتنازل في مواضع كثيرة إلى جهل الناس متى انخدعوا في فهم تعليم كلمته، إن كانوا في ذلك صادقين مخلصين؛ غير أنّ هذه الحقيقة لا تغيّر شيئًا من كلمته. وحتى في عضوٍ من أعضاء جماعة «الأصدقاء» لا يؤمن صادقًا بمعمودية الماء، لا بدّ قبل أن تُنال البركة من ذلك الذي تقوم المعمودية مقامه، ألا وهو الاعتراف العلنيّ بقبولنا للمسيح وبنبذنا للخطية.