فصل 17 · قراءة 6 د

الصلاة والشكر والعبادة في الروح القدس

إنّ من أعمق فصول الكتاب المقدس معنًى، في موضوع الروح القدس وفي موضوع الصلاة معًا، فصلين اثنين: يهوذا 20 وأفسس 6:18. ففي يهوذا 20 نقرأ: «وأمّا أنتم أيّها الأحبّاء فابنوا أنفسكم على إيمانكم الأقدس، مصلّين في الروح القدس»؛ وفي أفسس 6:18 نقرأ: «مصلّين بكلّ صلاةٍ وطلبةٍ كلَّ وقتٍ في الروح، وساهرين لهذا بعينه بكلّ مواظبةٍ وطلبة، لأجل جميع القدّيسين». وهذان الفصلان يعلّماننا تعليمًا صريحًا لا لبس فيه أنّ الروح القدس هو الذي يقود المؤمن في صلاته. فإنّ التلاميذ أنفسهم لم يكونوا يعرفون كيف يصلّون كما ينبغي، فجاءوا إلى يسوع وقالوا له: «يا ربّ، علّمنا أن نصلّي» (لوقا 11:1).

ونحن اليوم أيضًا لسنا نعرف كيف نصلّي كما ينبغي لنا أن نصلّي، ولسنا نعلم ما نصلّي لأجله ولا كيف نطلبه؛ ولكنّ ههنا واحدًا حاضرًا أبدًا إلى جانبنا ليعيننا (يوحنا 14:16-17)، وهو يعلم ما ينبغي لنا أن نصلّي لأجله. فهو يُعين ضعفاتنا في أمر الصلاة كما يُعينها في سائر الأمور (رومية 8:26)، وهو نفسه الذي يعلّمنا أن نصلّي.

والصلاة الحقيقية هي الصلاة في الروح، أي الصلاة التي يوحي بها الروح القدس ويوجّهها. والصلاة التي يقودنا فيها الروح القدس هي الصلاة التي تكون «بحسب مشيئة الله» (رومية 8:27). فمتى طلبنا شيئًا بحسب مشيئة الله علمنا يقينًا أنّه يسمع لنا، وعلمنا كذلك أنّه قد منحنا الأشياء التي طلبناها منه (1 يوحنا 5:14-15). بل لنا أن نعلم أنّه قد صار لنا في اللحظة عينها التي نصلّي فيها، ونعلم ذلك يقينًا كما نعلمه بعد حينٍ حين يصير في أيدينا فعلًا. ولكن كيف لنا نحن أن نعرف مشيئة الله ونحن نصلّي إليه؟ إنّنا نعرفها من وجهين اثنين: أوّلهما ما هو مكتوبٌ في كلمته؛ فإنّ مواعيد الكتاب المقدس كلَّها أكيدةٌ لا يتطرّق إليها شكّ، وإن وعد الله بشيءٍ في الكتاب فلنا أن نتيقّن أنّ من مشيئته أن يهبنا ذلك الشيء بعينه. غير أنّ ثمّة أمورًا كثيرةً نحتاج إليها ولم يَرِد بها وعدٌ صريحٌ محدَّدٌ في الكلمة؛ ومع ذلك فإنّه حتى في هذه الحال إنّما هو من امتيازنا أن نعرف مشيئة الله، إذ إنّ من عمل الروح القدس أن يعلّمنا مشيئة الله وأن يقودنا في الصلاة على خطّ تلك المشيئة.

ويعترض قومٌ على العقيدة المسيحية في الصلاة، زاعمين أنّها تعلّم أنّ في وسعنا أن نأتي إلى الله بجهلنا فنغيّر مشيئته، ونُخضع حكمته غير المحدودة لحماقتنا نحن وجهلنا. ولكن ليست هذه هي العقيدة المسيحية في الصلاة البتّة؛ إنّما العقيدة المسيحية في الصلاة أنّ من امتياز المؤمن أن يعلّمه روح الله نفسه ليعرف ما هي مشيئة الله، فلا يطلب الأمور التي تدفعه حماقته إلى طلبها، بل يطلب الأمور التي يدفعه إلى طلبها روح الله الذي لا يضلّ أبدًا ولا يخطئ في شيء.

الصلاة الحقيقية هي الصلاة «في الروح»، أي الصلاة التي يوحي بها الروح ويوجّهها. فينبغي لنا متى دخلنا إلى حضرة الله أن نعترف بعلّتنا وضعفنا، وبجهلنا ما هو خيرٌ لنا، وما ينبغي أن نصلّي لأجله، وكيف ينبغي أن نصلّي لأجله؛ وأن نتطلّع، ونحن على وعيٍ بعجزنا التامّ عن الصلاة كما ينبغي، إلى الروح القدس ليعلّمنا أن نصلّي، وأن نلقي بأنفسنا عليه إلقاءً تامًّا لكي يوجّه هو صلواتنا، ويستخرج رغباتنا من أعماقنا، ويهدينا في التعبير عنها. وما من موضعٍ من المواضع نحتاج فيه إلى الاعتراف بجهلنا أكثر ممّا نحتاج إليه في الصلاة. فالاندفاع بغير مبالاةٍ ولا اكتراثٍ إلى حضرة الله، وطلبُ أوّل ما يخطر ببالنا، أو ما يسألنا أن نصلّي لأجله إنسانٌ آخر غير متروٍّ، ليس هو الصلاة «في الروح القدس»، وليس هو الصلاة الحقيقية. بل لا بدّ لنا أن ننتظر الروح القدس وأن نسلّم أنفسنا للروح القدس. فالصلاة التي يوحي بها الله الروح القدس هي الصلاة التي يستجيبها الله الآب.

والأشواق التي يولّدها الروح القدس في قلوبنا كثيرًا ما تكون أعمق من أن يُنطق بها، بل أعمق فيما يظهر من أن يفهمها فهمًا واضحًا المؤمنُ نفسه الذي يعمل الروح فيه: «ولكنّ الروح نفسه يشفع فينا بأنّاتٍ لا يُنطق بها» (رومية 8:26).

فالله نفسه «يفحص القلوب» ليعلم «ما هو اهتمام الروح» في هذه الأشواق التي لم يُنطق بها ولا يُستطاع النطق بها. غير أنّ الله يعلم حقًّا ما هو اهتمام الروح؛ فهو يعلم ماذا تعني هذه الأشواق التي وهبها الروح والتي نعجز نحن عن وضعها في كلمات، وإن كنّا نحن لا نعلم؛ وهذه الأشواق إنّما هي «بحسب مشيئة الله»، والله يمنحها إيّانا. وعلى هذا النحو يتمّ أنّ الله قادرٌ أن يفعل فوق كلّ شيءٍ أكثر جدًّا ممّا نطلب أو نفتكر، بحسب القوّة التي تعمل فينا (أفسس 3:20). وثمّة أحيانٌ أخرى تكون فيها قيادة الروح من الوضوح بحيث نصلّي بالروح وبالذهن أيضًا (1 كورنثوس 14:15)، فنفهم فهمًا صريحًا ما هو الأمر الذي يقودنا الروح القدس أن نصلّي لأجله.

ثانيًا: الروح القدس يوحي إلى المؤمن ويقوده في رفع الشكر كما يوحي إليه ويقوده في الصلاة. فنحن نقرأ في أفسس 5:18-20: «ولا تسكروا بالخمر الذي فيه الخلاعة، بل امتلئوا بالروح، مكلّمين بعضكم بعضًا بمزاميرَ وتسابيحَ وأغانيَّ روحية، مترنّمين ومرتّلين في قلوبكم للربّ، شاكرين كلَّ حينٍ على كلّ شيءٍ في اسم ربّنا يسوع المسيح، لله والآب». فالروح القدس لا يعلّمنا أن نصلّي فحسب، بل هو يعلّمنا أيضًا أن نرفع الشكر لله.

ومن أبرز خصائص الحياة المملوءة بالروح وأظهرها الشكرُ. ففي يوم الخمسين، لَمّا امتلأ التلاميذ من الروح القدس وتكلّموا كما أعطاهم الروح أن ينطقوا، نسمعهم يتكلّمون «بعظائم الله» (أعمال الرسل 2:4، 11)؛ وكذلك اليوم، متى امتلأ مؤمنٌ من المؤمنين من الروح القدس، امتلأ على الدوام شكرًا وتسبيحًا وحمدًا. والشكر الحقيقيّ إنّما هو شكرٌ مرفوعٌ «لله والآب»، بربّنا يسوع المسيح أو «في اسمه»، وذلك في الروح القدس.

ثالثًا: الروح القدس يوحي بالعبادة من جهة المؤمن. فنحن نقرأ في فيلبي 3:3: «لأنّنا نحن الختان، الذين نعبد الله بالروح، ونفتخر في المسيح يسوع، ولا نتّكل على الجسد». فالصلاة ليست عبادة، والشكر ليس عبادة. إنّما العبادة فعلٌ محدَّدٌ يصنعه المخلوق نحو الله. والعبادة انحناءٌ أمام الله في إقرارٍ متعبّدٍ به، وفي تأمّلٍ فيه هو نفسه وفي كمال كيانه وجلال ذاته. وقد قال قائل: «في صلواتنا نحن مشغولون باحتياجاتنا؛ وفي شكرنا نحن مشغولون ببركاتنا؛ وأمّا في عبادتنا فنحن مشغولون به هو». وما من عبادةٍ حقيقيةٍ مقبولةٍ إلّا التي يدفع إليها الروح القدس ويوجّهها: «ولكن تأتي ساعةٌ، وهي الآن، حين الساجدون الحقيقيّون يسجدون للآب بالروح والحقّ، لأنّ الآب طالبٌ مثل هؤلاء الساجدين له. الله روح، والذين يسجدون له فبالروح والحقّ ينبغي أن يسجدوا» (يوحنا 4:23-24). فالجسد يسعى أبدًا أن يقتحم كلّ مجالٍ من مجالات الحياة. وللجسد عبادته كما له شهواته. والعبادة التي يدفع إليها الجسد إنّما هي رجاسةٌ عند الله. ومن ههنا نرى حماقة كلّ محاولةٍ لعقد مؤتمرٍ جامعٍ للأديان، يحاول فيه ممثّلو أديانٍ مختلفةٍ اختلافًا جذريًّا أن يعبدوا معًا عبادةً واحدة.

وليست كلّ عبادةٍ جادّةٍ صادقةٍ عبادةً في الروح. فقد يكون الإنسان صادقًا كلَّ الصدق، جادًّا كلَّ الجدّ في عبادته، ولا يكون مع ذلك قد أخضع نفسه لقيادة الروح القدس في هذا الأمر، فتكون عبادته في الجسد. بل كثيرًا ما تكون العبادة، حتى مع شديد الوفاء لحرف الكلمة، غير كائنةٍ «في الروح»، أي غير موحًى بها منه ولا موجَّهةٍ به. ولكي نعبد كما ينبغي، لا بدّ لنا، كما يقول بولس، ألّا «نتّكل على الجسد»؛ أي لا بدّ لنا أن نعترف بعجز الجسد التامّ (أي ذاتنا الطبيعية في مقابل الروح الإلهيّ الساكن في المؤمن والذي ينبغي أن يصوغ فيه كلَّ شيء) عن أن يعبد عبادةً مقبولة. ولا بدّ لنا أيضًا أن ندرك خطر اقتحام الجسد عبادتَنا. فعلينا، في انعدامٍ تامٍّ للثقة بأنفسنا، أن نلقي بأنفسنا على الروح القدس ليقودنا في عبادتنا قيادةً مستقيمة. فكما أنّه لا بدّ لنا أن ننبذ كلَّ قيمةٍ مزعومةٍ لأنفسنا، وأن نلقي بأنفسنا على المسيح وعلى عمله الذي عمله لأجلنا على الصليب، وذلك من أجل التبرير، كذلك لا بدّ لنا أن ننبذ كلَّ مقدرةٍ مزعومةٍ على الخير في أنفسنا، ونلقي بأنفسنا إلقاءً تامًّا على الروح القدس وعلى عمله فينا، في الحياة المقدّسة، وفي المعرفة، وفي الصلاة، وفي الشكر، وفي العبادة، وفي كلّ ما نحن صانعوه.

صفحة 1 / 5 · 6 دقيقة متبقية في الفصل