فصل 11 · قراءة 7 د

الروح القدس يحرّر المؤمن من سلطان الخطيّة الساكنة فيه

يكتب الرسول بولس في رومية 8:2: «لأنّ ناموس روح الحياة في المسيح يسوع قد أعتقني من ناموس الخطيّة والموت». وأمّا ما هو ناموس الخطيّة والموت هذا فنتعلّمه من الأصحاح السابق، من الآية التاسعة إلى الآية الرابعة والعشرين منه. يخبرنا بولس الرسول أنّه كان في حياته زمانٌ كان فيه «بدون الناموس عائشًا» (الآية 9). ثمّ جاء الوقت الذي وقف فيه وجهًا لوجه أمام ناموس الله، فرأى بعينيه أنّ هذا الناموس مقدّس، وأنّ الوصيّة مقدّسة وعادلة وصالحة. فعزم عزمًا أكيدًا على أن يحفظ ناموس الله هذا المقدّس العادل الصالح، وأن يسير بمقتضاه في كلّ شيء. غير أنّه اكتشف سريعًا أنّه إلى جانب ناموس الله هذا الذي خارجه، وهو مقدّس عادل صالح، ناموسًا آخر في داخله، في أعماق نفسه، مناقضًا كلَّ المناقضة لناموس الله الذي خارجه.

فبينما كان ناموس الله الذي خارجه يقول له: «هذا الأمر الصالح، وهذا الأمر الصالح، وهذا الأمر الصالح، وهذا الأمر الصالح تفعل»، كان الناموس الذي في داخله يقول: «لا تستطيع أن تفعل هذا الصلاح الذي تريده». فنشب صراعٌ عنيف بين هذا الناموس المقدّس العادل الصالح الذي خارجه، والذي كان بولس نفسه يُسَرّ به بحسب الإنسان الباطن، وبين ذلك الناموس الآخر الذي في أعضائه، المحارب لناموس ذهنه، القائل له بلا انقطاع: «لا تستطيع أن تفعل الصلاح الذي تريده». ولكنّ هذا الناموس الذي في أعضائه — وهو أنّ الصالح الذي يريده لا يفعله، بل الشرّ الذي لا يريده فإيّاه يفعل دائمًا (الآية 19) — هو الذي أحرز الغلبة.

وانتهت محاولة بولس أن يحفظ ناموس الله إلى إخفاقٍ تامّ. فوجد نفسه يغوص أعمق فأعمق في وحل الخطيّة، مقيَّدًا مجرورًا إلى أسفل بناموس الخطيّة هذا الذي في أعضائه، حتى صرخ أخيرًا صرخةً مريرة: «ويحي أنا الإنسان الشقيّ! من يُنقذني من جسد هذا الموت؟» (الآية 24). ثمّ اكتشف بولس بعد ذلك اكتشافًا آخر، هو مفتاح الأمر كلّه. فوجد أنّه، فوق الناموسَين اللذين وجدهما من قبلُ — ناموس الله الذي خارجه، المقدّس العادل الصالح، وناموس الخطيّة والموت الذي في داخله، أي الناموس القائل إنّ الصالح الذي يريده لا يقدر أن يفعله، وإنّ الشرّ الذي لا يريده لا بدّ له أن يفعله على الدوام — هنالك ناموسًا ثالثًا، هو «ناموس روح الحياة في المسيح يسوع». وكان نصّ هذا الناموس الثالث على هذا النحو: «إنّ البرّ الذي لا تستطيع أنت أن تبلغه بقوّتك، بقدرة إرادتك المستحسنة لناموس الله، والبرّ الذي لا يقدر ناموس الله الذي خارجك أن يُتمّه فيك — وإن كان مقدّسًا عادلًا صالحًا — إذ هو ضعيفٌ بسبب جسدك، هذا البرّ يستطيع روح الحياة في المسيح يسوع أن يُنشئه فيك، حتى يتمّ فيك حكم الناموس، إن كنت لا تسلك حسب الجسد بل حسب الروح».

وبعبارةٍ أخرى: متى بلغنا نهاية أنفسنا، وأدركنا إدراكًا تامًّا كاملًا عجزنا عن حفظ ناموس الله، ورفعنا أعيننا في عجزٍ مطلقٍ لا حيلة فيه إلى الروح القدس الذي في المسيح يسوع، ليصنع لنا ما لا نقدر نحن أن نصنعه لأنفسنا، وسلّمنا أفكارنا ومقاصدنا ورغباتنا وعواطفنا لسلطانه المطلق تسليمًا كاملًا، وسلكنا هكذا حسب الروح — عندئذٍ يتولّى الروح نفسه الزمام، ويحرّرنا من سلطان الخطيّة الساكنة فينا، ويُدخل حياتنا كلَّها في الانسجام مع مشيئة الله وفي الخضوع لها. فمن امتياز ولد الله أن يكون له، بقوّة الروح القدس، ظفرٌ على الخطيّة كلَّ يومٍ وكلَّ ساعةٍ وكلَّ لحظةٍ من لحظات حياته.

وكثيرون من المسيحيّين اليوم يحيون في الاختبار الذي وصفه بولس في رومية 7:9-24. فكلّ يومٍ عندهم يوم هزيمة؛ وإن هم راجعوا حياتهم عند انقضاء النهار، فلا بدّ لهم أن يصرخوا: «ويحي أنا الإنسان الشقيّ! من يُنقذني من جسد هذا الموت؟» بل يذهب بعضهم إلى حدّ الاستنتاج بأنّ هذه هي الحياة المسيحيّة السويّة. غير أنّ بولس يقول لنا صريحًا إنّ هذا إنّما كان «لمّا جاءت الوصيّة» (الآية 9)، لا لمّا جاء الروح؛ وإنّه اختبار من هو تحت الناموس، لا اختبار من هو في الروح. وقد ورد الضمير «أنا» سبعًا وعشرين مرّةً في هذه الآيات الخمس عشرة، ولم يرد ذكر الروح القدس فيها ولا مرّةً واحدة؛ في حين أنّ الضمير «أنا» لا يرد في الأصحاح الثامن من رومية إلّا مرّتين في الأصحاح كلّه، والروح القدس يرد فيه على الدوام.

ثمّ يقول لنا بولس في الآية الرابعة عشرة إنّ هذا كان اختباره وهو «جسديّ، مبيعٌ تحت الخطيّة».

ولا ريب أنّ هذا لا يصف الاختبار المسيحيّ السويّ ولا يقرب منه. وفي المقابل، يُعلَّمنا في رومية 8:9 كيف لا نكون في الجسد بل في الروح. ففي الأصحاح الثامن من رومية صورةٌ بيّنةٌ للحياة المسيحيّة الحقّة، الحياة الممكنة لكلّ واحدٍ منّا، والتي يتوقّعها الله ويطلبها من كلّ واحدٍ منّا. فههنا حياةٌ لا تجيء فيها الوصيّة وحدها كما في الأصحاح السابع، بل يجيء الروح أيضًا، فيصنع فينا الطاعة للوصيّة، ويأتي بنا إلى الظفر التامّ الكامل على ناموس الخطيّة والموت.

فلنا ههنا حياةٌ ليست في الجسد بل في الروح، حيث لا نرى جمال الناموس ونُسَرّ به فحسب (رومية 7:22)، بل حيث يمنحنا الروح أيضًا قوّةً لحفظه (رومية 8:4). لا يزال لنا الجسد ولم يُنزع منّا، غير أنّنا لسنا في الجسد ولا نحيا حسب الجسد ولا نُساق بأهوائه. فنحن «بالروح نُميت أعمال الجسد» (الآية 13). ولا تزال رغبات البدن قائمةً فينا كما كانت، ولو جُعلت قاعدةً لحياتنا لقادتنا إلى الخطيّة لا محالة؛ غير أنّنا يومًا فيومًا، بقوّة الروح لا بقوّتنا، نُميت تلك الأعمال التي كانت رغبات البدن تقودنا إليها لو تُركنا وشأننا. ونحن نسلك بالروح، ومن ثمّ لا نُكمّل شهوة الجسد (غلاطية 5:16). وقد صلبنا الجسد مع الأهواء والشهوات صلبًا (غلاطية 5:24). ويكون من الإفراط في القول أن نقول إنّه لا تزال لنا طبيعةٌ جسديّة، لأنّ الطبيعة الجسديّة إنّما هي طبيعةٌ يحكمها الجسد ويسودها؛ بل الذي لنا هو الجسد، ولكن من امتيازنا، بقوّة الروح، أن ننال الظفر على الجسد والخطيّة كلَّ يومٍ وكلَّ ساعةٍ ظفرًا متّصلًا لا ينقطع.

غير أنّ هذا الظفر ليس فينا نحن، ولا في قوّةٍ من قوانا. فلو تُركنا لأنفسنا، وتخلّى عنّا روح الله، لكنّا عاجزين كما كنّا من قبلُ. «فإنّي أعلم أنّه ليس ساكنٌ فيّ، أي في جسدي، شيءٌ صالح».

(رومية 7:18). فالأمر كلّه إذًا بقوّة الروح الساكن فينا؛ غير أنّ قوّة الروح قد تكون من الامتلاء بحيث لا يشعر الإنسان بحضور الجسد أصلًا. فيُخيَّل إليه أنّ الجسد قد مات ومضى إلى غير رجعةٍ إلى الأبد، وما هو في الحقيقة إلّا مُبقًى في موضع الموت بقوّة الروح القدس وحدها. فلو رفعنا أعيننا لحظةً واحدةً عن يسوع المسيح، ولو أهملنا درس الكلمة والصلاة كلَّ يوم، لهوينا هَوِيًّا سريعًا. فلا بدّ لنا أن نحيا بالروح ونسلك بالروح إن أردنا ظفرًا متواصلًا لا ينقطع (غلاطية 5:16-25).

وحياة الروح التي في داخلنا يجب أن تُصان بدرس الكلمة والصلاة. ومن أشدّ ما رأيناه إحزانًا في هذه الدنيا أنّ بعض من دخلوا بقوّة الروح إلى حياة الظفر يعودون فيثقون بأنفسهم، ويتوهّمون أنّ الظفر إنّما هو فيهم هم، وأنّهم يستطيعون أن يهملوا درس الكلمة والصلاة وهم آمنون مطمئنّون. والأعماق التي يهوي إليها هؤلاء أحيانًا مرعبةٌ مخيفة. فعلى كلّ واحدٍ منّا أن يضع في قلبه كلمات الرسول الموحى بها: «إذًا من يظنّ أنّه قائم، فلينظر أن لا يسقط» (1 كورنثوس 10:12).

عرفت مرّةً رجلًا بدا لي أنّه يخطو في الحياة المسيحيّة خطًى عجيبةً واسعة. فصار معلّمًا لغيره، وبورك به ألوفٌ من الناس. وخُيّل إليّ أنّه أخذ يثق بنفسه ثقةً زائدة، فارتعدت عليه وخفت. فدعوته إلى غرفتي، وتحادثنا حديثًا طويلًا من القلب إلى القلب. وقلت له صريحًا بلا مواربة إنّه يبدو كأنّه يقترب اقترابًا خطرًا من أرضٍ بالغة الخطر. وقلت له إنّي وجدت الأمان في أن لا أكون، عند انقضاء كلّ يوم، شديد الثقة بأنّه لم يكن في ذلك اليوم إخفاقٌ ولا هزيمة، بل في أن أنفرد بالله وأسأله أن يفحص قلبي ويُريني إن كان في حياتي الظاهرة أو الباطنة شيءٌ لا يرضيه؛ وإنّ إخفاقاتٍ كثيرةً كانت تُكشف لي مرارًا بعد مرار فيلزم الاعتراف بها خطيّة. فأجابني قائلًا: «كلّا، لست محتاجًا إلى ذلك. فإن فعلت أمرًا خطأً رأيته في الحال».

«إنّي أحاسب الله حسابًا قصيرًا جدًّا، وأعترف بالأمر في الحال». فقلت له إنّه يبدو لي أنّ الأمان إنّما هو في أن نأخذ وقتًا منفردين مع الله ليفحصنا فحصًا تامًّا؛ فإنّا وإن كنّا لا نعلم على أنفسنا شيئًا، فقد يعلم الله علينا شيئًا (1 كورنثوس 4:4)، فيُظهره لنا ويُخرجه إلى النور، فنعترف بإخفاقنا ونُبعده عنّا. فقال: «كلّا»، إنّه لا يرى ذلك ضروريًّا. فانتهز الشيطان فرصة ثقته بنفسه هذه. فسقط في خطيّةٍ مروّعةٍ مفزعة؛ وهو، وإن يكن قد اعترف بها وأظهر التوبة عنها، فقد نُحّي عن خدمة الله تنحيةً نهائيّة.

ونقرأ في يوحنا 8:32: «وتعرفون الحقّ، والحقّ يحرّركم». ففي هذه الآية نجد أنّ الحقّ، أي كلمة الله، هو الذي يحرّرنا من سلطان الخطيّة وهو الذي يهبنا الظفر عليها. ونقرأ أيضًا في المزمور 119:11: «خبّأت كلامك في قلبي لكيلا أخطئ إليك». فههنا أيضًا نرى أنّ الكلمة الساكنة فينا، المخبوءة في قلوبنا، هي التي تحفظنا أحرارًا من الخطيّة. وفي هذا الأمر، كما في كلّ أمرٍ سواه، نجد أنّ ما يُنسب في موضعٍ من الكتاب إلى الروح القدس يُنسب في موضعٍ آخر إلى الكلمة. فالروح القدس إنّما يعمل بالكلمة، ولا فائدة البتّة من الكلام عن سكنى الروح القدس فينا إن نحن أهملنا الكلمة وتركناها جانبًا. فإن لم نكن نتغذّى بالكلمة كلَّ يوم، فلسنا سالكين حسب الروح، ولن يكون لنا ظفرٌ على الجسد ولا على الخطيّة البتّة.

صفحة 1 / 6 · 7 دقيقة متبقية في الفصل