فصل 1 · قراءة 20 د

أقنومية الروح القدس

قبل أن يستطيع الإنسان أن يفهم عمل الروح القدس فهمًا صحيحًا، لا بدّ له أوّلًا أن يعرف الروح نفسه. وإنّ من أكثر مصادر الخطأ والاضطراب في شأن عمل الروح القدس شيوعًا وتردّدًا محاولةَ الإنسان أن يدرس عمله وأن يفهمه من غير أن يأتي أوّلًا وقبل كلّ شيء إلى معرفته هو نفسه أقنومًا. فالأمر في غاية الخطورة من جهة العبادة أن نحسم هذه المسألة ونقطع فيها برأي: أالروح القدس أقنومٌ إلهيّ يستحقّ أن ينال منّا السجود والإيمان والمحبّة والتسليم التامّ لذاته، أم هو مجرّد تأثير صادر من الله، أو قوّة أو استنارة يمنحنا الله إيّاها؟ فإن كان الروح القدس أقنومًا، وكان أقنومًا إلهيًّا، ثمّ نحن لا نعرفه على هذه الصفة، فإنّنا بذلك إنّما نسلب كائنًا إلهيًّا ما هو حقٌّ واجبٌ له من السجود والإيمان والمحبّة والتسليم له.

والأمر كذلك في غاية الخطورة من الوجهة العملية أن نحسم هذه المسألة: أالروح القدس مجرّد قوّة عجيبةٍ غامضة، علينا نحن في ضعفنا وجهلنا أن نتوصّل بطريقة ما إلى قبضها واستخدامها، أم هو أقنومٌ حقيقيّ، قدّوسٌ بلا حدّ، حكيم بلا حدّ، قديرٌ بلا حدّ، حنونٌ بلا حدّ، هو الذي يقبض علينا نحن ويستخدمنا؟ فالتصوّر الأوّل تصوّرٌ وثنيّ محض، لا يختلف في جوهره وأصله عن فكر عابد التمائم الإفريقيّ الذي له إلهه الذي يستخدمه كيف شاء. وأمّا التصوّر الآخر فتصوّرٌ ساميٌّ مسيحيّ. فلنفترض أنّنا نفكّر في الروح القدس كما يفكّر فيه كثيرون، أي بوصفه مجرّد قوّة أو تأثير: عندئذٍ يكون فكرنا الدائم: «كيف أنال من الروح القدس مزيدًا؟» وأمّا إذا فكّرنا فيه على الطريقة الكتابية بوصفه أقنومًا إلهيًّا، فيكون فكرنا بالحريّ: «كيف ينال الروح القدس منّي أنا مزيدًا؟» إنّ تصوّر الروح القدس تأثيرًا إلهيًّا أو قوّةً إلهية علينا أن نقبضها ونستخدمها بطريقة ما إنّما يقود إلى تعظيم الذات والاكتفاء بها.

والذي يفكّر كثيرًا في الروح القدس ثمّ يظنّ خطأً أنّه قد ناله، يكاد لا يخطئه أن يمتلئ كبرياء، فيسلك كأنّه أفضل من سائر المسيحيّين. وكثيرًا ما يسمع الإنسان أمثال هؤلاء يقولون: «أنا رجل الروح القدس»، أو «أنا امرأة الروح القدس». وأمّا إذا نحن أدركنا مرّةً واحدة أنّ الروح القدس أقنومٌ إلهيّ، له جلالٌ لا حدّ له ومجدٌ وقداسةٌ وقدرة، وأنّه في تنازلٍ عجيبٍ قد جاء إلى قلوبنا ليتّخذ فيها مسكنًا له، ويمتلك حياتنا ويستخدمها، فإنّ ذلك يجعلنا أشدّ مهابةً وأعمق خشوعًا. وما أعرف فكرًا أدعى إلى الاتّضاع، ولا أشدّ استيلاءً على النفس، من هذا الفكر: أنّ أقنومًا له جلال اللاهوت ومجده ساكن في قلبي، وهو مستعدٌّ أن يستخدمني.

والأمر في غاية الخطورة أيضًا من جهة الاختبار العمليّ أن نعرف الروح القدس أقنومًا. فإنّ الألوف وعشرات الألوف من الرجال والنساء يستطيعون أن يشهدوا بالبركة التي دخلت حياتهم هم أنفسهم حين جاءوا إلى معرفة الروح القدس، لا بوصفه مجرّد تأثير منعمٍ لطيف (صادر من الله حقًّا)، بل بوصفه أقنومًا حقيقيًّا، حقيقيًّا كما أنّ يسوع المسيح نفسه حقيقيّ: صديقًا محبًّا حاضرًا معهم في كلّ حين، ومعينًا قديرًا، لا يقف إلى جانبهم على الدوام فحسب، بل يسكن في قلوبهم كلّ يوم وكلّ ساعة، وهو مستعدٌّ في كلّ حين أن يتولّى أمرهم في كلّ شدّةٍ من شدائد الحياة تنزل بهم. وقد كلّمني ألوفٌ من خدّام الكلمة والعاملين المسيحيّين والمؤمنين في أوضع مراتب الحياة وأدناها، أو كتبوا إليّ بأقلامهم، عن التحوّل التامّ الذي طرأ على اختبارهم المسيحيّ كلّه حين أدركوا هذا الفكر (لا إدراكًا لاهوتيًّا فحسب، بل إدراكًا اختباريًّا) وهو أنّ الروح القدس أقنوم، فعرفوه من ثمّ معرفةً شخصية. وفي الكتاب المقدس أربعة أدلّة متمايزة على الأقلّ تشهد بأنّ الروح القدس أقنوم.

1. جميع الخصائص التي تميّز الشخصية منسوبةٌ إلى الروح القدس في الكتاب المقدس. فما هي الخصائص التي تميّز الشخصية، أو ما هي علاماتها الفارقة؟ هي المعرفة، والشعور أو العاطفة، والإرادة. فكلّ كائنٍ يفكّر ويشعر ويريد فهو شخصٌ حقيقيّ لا محالة. ومتى قلنا إنّ الروح القدس أقنوم، فهم بعضهم أنّنا نعني أنّ للروح القدس يدين ورجلين وعينين وأذنين وفمًا وما أشبه ذلك؛ ولكنّ هذه ليست خصائص الشخصية بل خصائص الجسدية. وهذه الخصائص أو العلامات المميّزة للشخصية منسوبةٌ كلّها إلى الروح القدس مرارًا في العهد القديم والعهد الجديد.

نقرأ في 1 كورنثوس 2:10-11: «فأعلنه الله لنا نحن بروحه. لأنّ الروح يفحص كلّ شيء حتى أعماق الله. لأن من من الناس يعرف أمور الإنسان إلّا روح الإنسان الذي فيه؟ هكذا أيضًا أمور الله لا يعرفها أحد إلّا روح الله». فههنا تُنسب المعرفة إلى الروح القدس. ونحن نتعلّم في هذا الفصل أنّ الروح القدس ليس مجرّد تأثير يستنير به عقلنا لكي ندرك الحقّ، بل هو كائنٌ يعرف الحقّ هو بنفسه معرفةً ذاتية.

ونقرأ في 1 كورنثوس 12:11: «ولكنّ هذه كلّها يعملها الروح الواحد بعينه، قاسمًا لكلّ واحد بمفرده، كما يشاء». فههنا تُنسب الإرادة إلى الروح، ونتعلّم من ذلك أنّ الروح القدس ليس قوّةً نقبض عليها نحن ونستخدمها بحسب مشيئتنا نحن، بل هو أقنومٌ ذو جلال وسلطان مطلق، يقبض هو علينا ويستخدمنا بحسب مشيئته هو. وهذا التمييز ذو أهمّيةٍ أساسية جوهرية في دخولنا في علاقةٍ صحيحة مع الروح القدس. وفي هذه النقطة بعينها دون سواها يضلّ كثيرون من طالبي الحقّ المخلصين في طلبهم، ممّن يلتمسون القوّة والفاعليّة في الخدمة، فيحيدون عن الطريق القويم.

فهم يمدّون أيديهم ويجاهدون جهادًا ليمتلكوا قوّةً غامضةً جبّارة يستطيعون أن يستخدموها في عملهم بحسب مشيئتهم هم أنفسهم. وهم لن يمتلكوا أبدًا تلك القوّة التي يلتمسونها حتى يأتوا إلى الإقرار بأنّه ليست ثمّة قوّة إلهية موضوعة ليقبض عليها الناس ويستخدموها في عماهم وجهلهم، بل ثمّة أقنومٌ حكيم بلا حدّ، وقديرٌ كذلك بلا حدّ، وهو راضٍ أن يمتلكهم هو ويستخدمهم بحسب مشيئته هو الكاملة. ونحن متى وقفنا هنيهةً نتأمّل هذا الأمر، وجب علينا أن نبتهج ابتهاجًا بأنّه ليست ثمّة قوّة إلهية يستطيع كائناتٌ في مثل جهلنا، وفي مثل استعدادنا للزلل والخطأ، أن يقبضوا عليها ويستخدموها. فما أفظع العواقب التي كانت تنجم عن ذلك وما أهولها لو كان الأمر على خلاف ذلك! ولكن يا للفرح المقدّس الذي لا بدّ أن يغمر قلوبنا غمرًا حين ندرك هذا الفكر: إنّ ثمّة أقنومًا إلهيًّا لا يخطئ قطّ ولا يزلّ، وهو راضٍ أن يمتلكنا هو، وأن يمنحنا من المواهب ما يراه هو نفسه خيرًا لنا، وأن يستخدمنا بحسب مشيئته الحكيمة المحبّة.

ثمّ إنّنا نقرأ في رومية 8:27 هذا الكلام: «ولكنّ الذي يفحص القلوب يعلم ما هو اهتمام الروح، لأنّه بحسب مشيئة الله يشفع في القدّيسين». ففي هذا الفصل يُنسب «الاهتمام» إلى الروح القدس. والكلمة اليونانية التي نُقلت ههنا إلى «اهتمام» كلمةٌ جامعة واسعة المعنى، تشمل معاني الفكر والشعور والقصد جميعًا. وهي الكلمة عينها المستعملة في رومية 8:7، حيث نقرأ هذا الكلام: «لأنّ اهتمام الجسد هو عداوة لله، إذ ليس هو خاضعًا لناموس الله، لأنّه أيضًا لا يستطيع». فيكون لنا إذًا في هذا الفصل من الكتاب جميع العلامات الفارقة المميّزة للشخصية منسوبةً كلّها إلى الروح القدس.

ونحن نجد أقنومية الروح القدس بارزةً في أرقّ صورةٍ وأدلّها وأشدّها مساسًا بالقلب في رومية 15:30، حيث نقرأ: «فأطلب إليكم أيّها الإخوة، بربّنا يسوع المسيح، وبمحبّة الروح، أن تجاهدوا معي في الصلوات من أجلي إلى الله». فههنا تُنسب «المحبّة» إلى الروح القدس. ويحسن بالقارئ أن يقف عند هاتين الكلمتين: «محبّة الروح»، وأن يتأمّلهما تأمّلًا مليًّا. فنحن كثيرًا ما نطيل الوقوف عند محبّة الله الآب، وهي موضوع فكرنا اليوميّ الدائم الذي لا ينقطع. وكثيرًا ما نطيل الوقوف كذلك عند محبّة يسوع المسيح الابن. فمن ذا الذي يخطر له أن يدعو نفسه مسيحيًّا وقد مضى عليه يومٌ لم يتأمّل فيه محبّة مخلّصه؟ ولكن كم مرّةً تأمّلنا نحن في «محبّة الروح»؟

وفي كلّ يوم من أيّام حياتنا، إن كنّا نحيا كما ينبغي للمسيحيّين أن يحيوا، إنّما نجثو في حضرة الله الآب، ونرفع أعيننا إلى وجهه، ونقول له: «أشكرك يا أبتاه، لأنّ محبّتك العظيمة حملتك على أن تبذل ابنك الوحيد ليموت على الصليب في الجلجثة من أجلي».

وفي كلّ يوم من أيّام حياتنا كذلك، نرفع أعيننا أيضًا إلى وجه ربّنا ومخلّصنا يسوع المسيح، ونقول له: «أيّها الربّ المجيد المخلّص، يا يسوع يا ابن الله، أشكرك لأنّك أحببتني محبّةً عظيمة حتى إنّك لم تتمسّك بمقامك معادلًا لله، بل تركته وتخلّيت عنه طائعًا مختارًا، وخلّفت وراءك كلّ مجد السماء لتأتي إلى هذا العالم المنكسر، وتحمل خطاياي أنا على نفسك، وتموت في مكاني أنا على الصليب في الجلجثة». ولكن كم مرّةً جثونا نحن على ركبنا وقلنا للروح القدس هذا الكلام: «أيّها الروح الأزليّ غير المحدود، روح الله، أشكرك لأنّك أحببتني حتى إنّك جئت إلى هذا العالم المظلم الخاطئ لتطلبني. وقد تبعتني وطلبتني في طول أناةٍ وصبرٍ حتى رأيت أنا أخيرًا كم كنت ضالًّا هالكًا، وكم كنت محتاجًا إلى مخلّص. ثمّ فتحت عينيّ لأرى أنّ يسوع المسيح هو بعينه المخلّص الذي أحتاج إليه تمام الاحتياج»؟ ونحن على ذلك مدينون بخلاصنا لمحبّة الروح مثلما نحن مدينون به لمحبّة الآب ولمحبّة الابن سواءً بسواء، لا فرق بين هذه وتلك. فلولا محبّة الله الآب، إذ نظر إليّ من عليائه في خرابي التامّ، وأعدّ لي كفّارةً كاملة في موت ابنه هو على صليب الجلجثة، لكنت أنا اليوم في جهنّم.

ولولا محبّة يسوع المسيح، كلمة الله الأزليّ، إذ نظر إليّ هو أيضًا في خرابي التامّ، وفي طاعته للآب نحّى جانبًا كلّ مجد السماء واحتمل عوضًا عنه كلّ عار الأرض، وأخذ مكاني أنا، مكان اللعنة، على صليب الجلجثة، وسكب حياته سكبًا كاملًا تامًّا من أجلي أنا، لكنت أنا اليوم في جهنّم. ولكن لولا محبّة الروح القدس، المرسَل من الآب استجابةً لصلاة الابن (يوحنا 14:16)، تلك المحبّة التي حملته على أن يطلبني ويلتمسني في عماي التامّ وفي خرابي، وأن يتبعني يومًا بعد يوم، وأسبوعًا بعد أسبوع، وسنةً بعد سنة، وأنا مصرٌّ على أن أصمّ أذنيّ عن توسّلاته وتضرّعاته، وأن يتبعني في مسالك الخطيّة ودروبها، حيث لا بدّ أنّ سيره فيها كان عذابًا أليمًا لذلك القدّوس، حتى أصغيت إليه أخيرًا ففتح هو عينيّ لأرى خرابي التامّ، ثمّ أعلن لي يسوع بوصفه المخلّص الذي يسدّ كلّ حاجةٍ من حاجاتي على التمام، ثمّ أهّلني بعد ذلك أن أقبل هذا اليسوع مخلّصًا لي أنا نفسي؛ لولا هذه المحبّة الصبورة الطويلة الأناة، التي لا تكلّ ولا تعرف حدًّا لحنانها، محبّة الروح القدس، لكنت اليوم في جهنّم. أجل، إنّ الروح القدس ليس مجرّد تأثير أو مجرّد قوّة أو مجرّد استنارة، بل هو أقنومٌ حقيقيّ، حقيقيٌّ كما أنّ الله الآب حقيقيّ، أو كما أنّ يسوع المسيح ابنه حقيقيّ.

وأقنومية الروح القدس بارزةٌ في العهد القديم بروزها في العهد الجديد سواءً بسواء، لا تقصر إحداهما عن الأخرى، فإنّنا نقرأ في نحميا 9:20 هذا الكلام: «وأعطيتهم روحك الصالح لتعليمهم، ولم تمنع منّك عن أفواههم، وأعطيتهم ماءً لعطشهم». فههنا يُنسب إلى الروح القدس الإدراك والصلاح معًا. وثمّة من يقول لنا إنّه وإن صحّ أنّ أقنومية الروح القدس موجودة في العهد الجديد، فهي غير موجودةٍ في العهد القديم. ولكنّها موجودة قطعًا وبلا ريبٍ في هذا الفصل من الكتاب. ومن البديهيّ الذي لا يحتاج إلى بيانٍ أنّ تعليم أقنومية الروح القدس ليس مكتمل النموّ في العهد القديم اكتماله في العهد الجديد. ولكنّ التعليم موجودٌ هناك على كلّ حال.

ولعلّه ليس في الكتاب المقدس كلّه فصلٌ تبرز فيه أقنومية الروح القدس في رقّةٍ وحنانٍ أعظم ممّا تبرز به في أفسس 4:30: «ولا تحزنوا روح الله القدّوس الذي به ختمتم ليوم الفداء». فههنا يُنسب الحزن إلى الروح القدس. فالروح القدس ليس تأثيرًا أعمى لا شخصية له، ولا هو قوّةً تدخل حياتنا لتنيرها وتقدّسها وتمنحها القوّة. كلّا، بل هو أعظم من ذلك بما لا يُقاس ولا يُحدّ: هو أقنومٌ قدّوس يأتي ليسكن في قلوبنا، ويرى كلّ فعل نفعله، وكلّ كلمة نتكلّم بها، وكلّ فكر نأويه في صدورنا، بل أعبر خاطر وأسرعه يُسمح له أن يمرّ في أذهاننا؛ وإن كان في فعل أو كلمة أو عملٍ شيء نجس أو غير مقدّس أو قاسٍ أو أنانيٌّ أو دنيءٌ أو حقيرٌ أو كاذب، فإنّ ذلك القدّوس الذي لا حدّ لقداسته يحزن من أجله حزنًا عميقًا. وما أعرف فكرًا أعون من هذا الفكر على أن يحيا الإنسان حياةً مقدّسة، وأن يسلك في وداعةٍ وخشوعٍ في حضرة ذلك القدّوس. فكم من شابٍّ قد رُدّ عن الاستسلام للتجارب المحيطة بالشباب في مقتبل العمر بهذا الفكر وحده: لو أنّي استسلمت للتجربة التي تهاجمني الآن، لبلغ خبرها أمّي القدّيسة، فحزنت من أجله حزنًا يفوق كلّ وصف.

وكم من شابٍّ قد وضع يده على مقبض باب مكانٍ من أمكنة الخطيّة، وهو مزمعٌ في تلك اللحظة عينها أن يدخل إليه، فجاءه هذا الفكر: «لو أنّي دخلت إلى هناك لبلغ الخبر أمّي، ولكاد ذلك أن يقتلها قتلًا»، فأدار ظهره لذلك الباب، ومضى عنه في سبيله ليحيا حياةً طاهرةً نقيّة، لئلّا يُحزن أمّه ويكسر قلبها.

ولكن ثمّة واحدٌ أقدس من كلّ أمّ، واحدٌ أشدّ حساسيةً تجاه الخطيّة من أطهر امرأةٍ مشت على هذه الأرض، وهو يحبّنا حبًّا لم تحبّه أمٌّ قطّ؛ وهذا الواحد ساكن في قلوبنا إن كنّا مسيحيّين، وهو يرى كلّ فعل نفعله في وضح النهار أو تحت ستر الليل؛ ويسمع كلّ كلمة ننطق بها في العلن أو في الخفاء؛ ويرى كلّ فكر نأويه، ويبصر كلّ خاطر وكلّ تصوّرٍ يُسمح له أن يستقرّ في أذهاننا ولو لحظةً واحدة؛ وإن كان ثمّة شيء غير مقدّس أو نجس أو أنانيٌّ أو دنيءٌ أو حقيرٌ أو قاسٍ أو فظٌّ أو ظالمٌ أو شرّيرٌ على أيّ وجهٍ من الوجوه، في فعل أو كلمة أو فكر أو خاطر، فإنّه يحزن من أجله. فإن نحن تركنا تلك الكلمات: «لا تحزنوا روح الله القدّوس»، تغوص في قلوبنا وتصير شعار حياتنا، حفظتنا من خطايا كثيرة.

فكم من فكر أو خاطر قد قرع باب ذهني طالبًا الدخول إليه، وكاد أن يجد عندي مأوًى وقَبولًا، حتى جاءني هذا الفكر: «إنّ الروح القدس يرى ذلك الفكر وسيحزن من أجله»، فمضى ذلك الفكر عنّي.

2. أعمالٌ كثيرة لا يستطيع أن يعملها إلّا شخصٌ حقيقيّ منسوبةٌ إلى الروح القدس. فإنّنا إن أنكرنا أقنومية الروح القدس، صارت فصولٌ كثيرة من الكتاب المقدس فارغةً من كلّ معنًى، بل صارت سخيفةً لا يقبلها العقل. من ذلك أنّنا نقرأ في 1 كورنثوس 2:10: «فأعلنه الله لنا نحن بروحه. لأنّ الروح يفحص كلّ شيء حتى أعماق الله». فهذا الفصل يضع أمامنا الروح القدس، لا بوصفه مجرّد استنارة نقدر بها أن ندرك أعماق الله، بل بوصفه أقنومًا يفحص هو بنفسه أعماق الله، ثمّ يُعلن لنا الاكتشافات الثمينة التي بلغها.

ونقرأ في الرؤيا 2:7: «من له أذن فليسمع ما يقوله الروح للكنائس.

من يغلب فسأعطيه أن يأكل من شجرة الحياة التي في وسط فردوس الله».

فههنا يُوضع أمامنا الروح القدس، لا بوصفه مجرّد استنارة لا شخصية لها ولا كيان، تأتي إلى أذهاننا فتنيرها، بل بوصفه أقنومًا يتكلّم، ويهمس من أعماق حكمته في أذن عبده المصغي إليه بحقّ الله الثمين.

ثمّ إنّنا نقرأ في غلاطية 4:6 هذا الكلام: «ثمّ بما أنّكم أبناء، أرسل الله روح ابنه إلى قلوبكم صارخًا: يا أبا الآب». فههنا يُمثَّل الروح القدس صارخًا في قلب المؤمن الواحد بعينه. فليس هو مجرّد تأثير إلهيّ يُنشئ في قلوبنا اليقين ببنوّتنا لله، بل هو الذي يصرخ هو نفسه في داخل قلوبنا، وهو الذي يشهد مع روحنا نحن أنّنا أولاد الله. (انظر أيضًا رومية 8:16). ثمّ إنّ الروح القدس مُمثَّلٌ في الكتاب أيضًا بوصفه من يصلّي. فإنّنا نقرأ في رومية 8:26 هذا الكلام: «وكذلك الروح أيضًا يعين ضعفاتنا، لأنّنا لسنا نعلم ما نصلّي لأجله كما ينبغي. ولكنّ الروح نفسه يشفع فينا بأنّات لا ينطق بها». ومن الواضح البيّن من هذا الفصل أنّ الروح القدس ليس مجرّد تأثير يحرّكنا إلى الصلاة، ولا هو مجرّد استنارة تعلّمنا كيف نصلّي، بل هو أقنومٌ يصلّي هو بنفسه فينا نحن وبواسطتنا نحن.

وفي هذا الفكر عزاءٌ عجيب لا يوصف: أنّ لكلّ مؤمنٍ حقيقيّ أقنومين إلهيّين اثنين يصلّيان لأجله. أحدهما يسوع المسيح الابن، الذي كان مرّةً ههنا على هذه الأرض، والذي يعرف كلّ شيء عن تجاربنا، والذي يستطيع أن يرثي لضعفاتنا ويحسّ بها، والذي قد صعد الآن إلى يمين الآب، وهو في ذلك المقام، مقام السلطان والقدرة، حيٌّ في كلّ حين ليشفع فينا (العبرانيّين 7:25؛ 1 يوحنا 2)؛ والآخر أقنومٌ إلهيّ مثله سواءً بسواء، يسير إلى جانبنا كلّ يوم من أيّامنا، بل هو يسكن في أعمق أعماق كياننا، ويعرف حاجاتنا كما لا نعرفها نحن أنفسنا، ومن تلك الأعماق يشفع فينا لدى الآب. فمقام المؤمن حقًّا وصدقًا مقام أمانٍ كاملٍ لا نقص فيه، وله هذان الأقنومان الإلهيّان يصلّيان لأجله.

ثمّ إنّنا نقرأ مرّةً أخرى في يوحنا 15:26 هذا الكلام: «ومتى جاء المعزّي الذي سأرسله أنا إليكم من الآب، روح الحقّ، الذي من عند الآب ينبثق، فهو يشهد لي». فههنا يُوضع أمامنا الروح القدس بوصفه أقنومًا يؤدّي شهادته ليسوع المسيح، لا بوصفه مجرّد استنارة تُقدر المؤمن على أن يشهد هو نفسه للمسيح، بل بوصفه أقنومًا يشهد هو بنفسه ومن ذاته؛ ثمّ يُرسم في هذه الآية وفي الآية التي تليها تمايزٌ واضحٌ بيّن بين شهادة الروح القدس نفسه وشهادة المؤمن الذي أدّى الروح له شهادته، فإنّنا نقرأ في الآية التالية: «وتشهدون أنتم أيضًا لأنّكم معي من الابتداء». فههنا إذًا شاهدان اثنان لا شاهدٌ واحد: الروح القدس يشهد للمؤمن، ثمّ المؤمن هو بدوره يشهد للعالم.

ثمّ إنّه يُتحدَّث عن الروح القدس أيضًا بوصفه معلّمًا يعلّم تلاميذه ويدرّبهم. فإنّنا نقرأ في يوحنا 14:26 هذا الكلام الصريح: «وأمّا المعزّي، الروح القدس، الذي سيرسله الآب باسمي، فهو يعلّمكم كلّ شيء، ويذكّركم بكلّ ما قلته لكم». وعلى هذا المثال نفسه، وفي المعنى عينه، نقرأ كذلك ما جاء في يوحنا 16:12-14، وهذا نصّه: «إنّ لي أمورًا كثيرةً أيضًا لأقول لكم، ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن. وأمّا متى جاء ذاك، روح الحقّ، فهو يرشدكم إلى جميع الحقّ، لأنّه لا يتكلّم من نفسه، بل كلّ ما يسمع يتكلّم به، ويخبركم بأمور آتية. ذاك يمجّدني، لأنّه يأخذ ممّا لي ويخبركم». وفي العهد القديم كذلك نقرأ ما جاء في نحميا 9:20، وهذا نصّه: «وأعطيتهم روحك الصالح لتعليمهم، ولم تمنع منّك عن أفواههم، وأعطيتهم ماءً لعطشهم».

ومن الواضح البيّن في هذه الفصول جميعها أنّ الروح القدس ليس مجرّد استنارة تُقدرنا على إدراك الحقّ، بل هو أقنومٌ يأتي إلينا هو نفسه ليعلّمنا يومًا فيومًا حقّ الله. وإنّه لامتيازٌ لأوضع مؤمنٍ بيسوع المسيح وأصغرهم شأنًا، لا أن يستنير ذهنه ليدرك حقّ الله فحسب، بل أن يكون له معلّمٌ إلهيّ يعلّمه كلّ يوم الحقّ الذي يحتاج هو أن يعرفه (1 يوحنا 2:20-27).

ثمّ إنّ الروح القدس مُمثَّلٌ أيضًا بوصفه قائد أولاد الله ومرشدهم في الطريق. فإنّنا نقرأ في رومية 8:14 هذا الكلام: «لأنّ كلّ الذين ينقادون بروح الله، فأولئك هم أبناء الله». فليس هو مجرّد تأثير يُقدرنا على أن نبصر الطريق التي يريد الله لنا أن نسلكها، ولا مجرّد قوّة تمنحنا القدرة على أن نسلك تلك الطريق، بل هو أقنومٌ يأخذ بيدنا ويقودنا في رفقٍ في السبل التي يريد الله لنا أن نسير فيها.

ثمّ إنّ الروح القدس مُمثَّلٌ أيضًا بوصفه أقنومًا له السلطان الكامل أن يأمر الناس وأن ينهاهم في خدمتهم ليسوع المسيح. فإنّنا نقرأ عن الرسول بولس ورفقائه في أعمال الرسل 16:6-7 هذا الكلام: «وبعد ما اجتازوا في فريجيّة وكورة غلاطيّة، منعهم الروح القدس أن يتكلّموا بالكلمة في أسيّا. فلمّا أتوا إلى ميسيّا حاولوا أن يذهبوا إلى بثينيّة، فلم يدعهم الروح». فههنا أقنومٌ هو الذي يتولّى توجيه سلوك بولس ورفقائه وتدبير أمرهم كلّه، وهو أقنومٌ قد اعترفوا هم بسلطانه عليهم، وخضعوا له في الحال من غير إبطاءٍ ولا تردّد.

بل إنّنا نمضي أبعد من هذا كلّه، فنقول: إنّ الروح القدس مُمثَّلٌ بوصفه صاحب السلطان الأعلى في الكنيسة، وهو الذي يدعو الناس إلى العمل، وهو الذي يقيمهم في المناصب. فإنّنا نقرأ في أعمال الرسل 13:2 هذا الكلام: «وبينما هم يخدمون الربّ ويصومون، قال الروح القدس: أفرزوا لي برنابا وشاول للعمل الذي دعوتهما إليه». ثمّ إنّنا نقرأ في أعمال الرسل 20:28 هذا الكلام: «احترزوا إذًا لأنفسكم ولجميع الرعيّة التي أقامكم الروح القدس فيها أساقفةً، لترعوا كنيسة الله التي اقتناها بدمه». فما من شكٍّ يبقى لطالب حقٍّ منصفٍ في أنّ الذي يوضع أمامنا ههنا إنّما هو أقنوم، وأقنومٌ ذو جلال إلهيّ وسلطان مطلق.

فمن جميع الفصول المقتبسة ههنا يظهر ظهورًا بيّنًا أنّ أعمالًا كثيرة لا يستطيع أن يعملها إلّا شخصٌ حقيقيّ منسوبةٌ إلى الروح القدس.

3. يُحمَل على الروح القدس منصبٌ لا يمكن أن يُحمَل إلّا على شخصٍ حقيقيّ.

يقول لنا مخلّصنا في يوحنا 14:16-17 هذا الكلام: «وأنا أطلب من الآب فيعطيكم معزّيًا آخر ليمكث معكم إلى الأبد، روح الحقّ الذي لا يستطيع العالم أن يقبله، لأنّه لا يراه ولا يعرفه، وأمّا أنتم فتعرفونه لأنّه ماكث معكم ويكون فيكم». وكان ربّنا قد أعلن للتلاميذ من قبلُ أنّه مزمعٌ أن يفارقهم عن قريب، فاستولى عليهم إحساسٌ رهيبٌ بالوحشة والوحدة، وملأ الحزن قلوبهم (يوحنا 16:6) وهم يتصوّرون في أنفسهم وحدتهم وعجزهم المطلق التامّ حين يتركهم يسوع وحدهم على هذه الصورة.

وليعزّيهم في حزنهم يقول لهم الربّ إنّهم لن يُتركوا وحدهم البتّة، وإنّه في مفارقته إيّاهم إنّما يمضي إلى الآب، وإنّه سيطلب من الآب فيعطيهم هو معزّيًا آخر يحلّ محلّه هو نفسه في أثناء غيابه عنهم. أفيمكن أن يكون يسوع المسيح قد استعمل مثل هذا الكلام لو كان ذلك المعزّي الآخر الآتي ليحلّ محلّه مجرّد تأثير لا شخصية له ولا كيان؟ «لكنّي أقول لكم الحقّ: إنّه خير لكم أن أنطلق، لأنّه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزّي، ولكن إن ذهبت أرسله إليكم» — أكان يقول هذا لو كان هذا المعزّي الذي كان مزمعًا أن يرسله مجرّد تأثير أو قوّة لا شخصية لها؟

كلّا، بل كان أقنومٌ إلهيّ ماضيًا ذاهبًا، وكان أقنومٌ آخر إلهيٌّ مثله آتيًا ليحلّ محلّه؛ وكان ذلك خيرًا للتلاميذ، أعني أن يمضي الواحد منهما ليمثّلهم أمام الآب، لأنّ آخر إلهيًّا مثله كافيًا مثله كان آتيًا ليحلّ محلّه بينهم. وهذا الوعد الذي وعد به ربّنا ومخلّصنا بمجيء المعزّي الآخر وثباته معنا هو أعظم المواعيد كلّها وأفضلها في هذا التدبير الحاضر الذي نحن فيه. وهذا هو موعد الآب (أعمال الرسل 4)، موعد المواعيد. وسنعود إلى تناوله مرّةً أخرى حين نأتي إلى درس أسماء الروح القدس.

4. تُحمَل على الروح القدس معاملةٌ لا يمكن أن تُحمَل إلّا على أقنوم. فإنّنا نقرأ في إشعياء 63: «ولكنّهم تمرّدوا وأحزنوا روح قدسه، فتحوّل لهم عدوًّا، وهو حاربهم». فههنا يُقال لنا إنّ الروح القدس يُتمرَّد عليه ويُحزَن (أفسس 4:30). ولا يتمرّد أحدٌ إلّا على شخص، ولا يتمرّد على شخصٍ إلّا إذا كان ذلك الشخص ذا سلطان. ولا يمكن أن يُحزَن إلّا شخصٌ حقيقيّ.

فأنت لا تستطيع البتّة أن تُحزن مجرّد تأثير أو مجرّد قوّة. ونقرأ في العبرانيّين 10:29 هذا الكلام: «فكم عقابًا أشرّ تظنّون أنّه يحسب مستحقًّا من داس ابن الله، وحسب دم العهد الذي قدّس به دنسًا، وازدرى بروح النعمة؟». فههنا يُقال لنا إنّ الروح القدس هو الذي «يُزدرى به» (أي «يُعامَل بالإهانة والاحتقار» — كما جاء في معجم ثاير اليونانيّ الإنكليزيّ للعهد الجديد).

وليس في الكون إلّا ضربٌ واحد من الكائنات يمكن أن يُعامَل بالاحتقار (أي أن يُهان)، وهو الشخص. فمن السخف الذي لا يقبله عقلٌ أن يخطر ببال أحدٍ أن يعامل تأثيرًا أو قوّةً أو أيّ ضربٍ من الكائنات سوى الشخص بالاحتقار والإهانة. ونقرأ مرّةً أخرى في أعمال الرسل 5:3: «فقال بطرس: يا حنانيّا، لماذا ملأ الشيطان قلبك لتكذب على الروح القدس وتختلس من ثمن الحقل؟». فههنا يُمثَّل الروح القدس بوصفه من يمكن أن يُكذَب عليه. ولا يمكن أن يُكذَب على شيء إلّا على شخص.

ونقرأ في متى 12:31-32: «لذلك أقول لكم: كلّ خطيّة وتجديف يغفر للناس، وأمّا التجديف على الروح فلن يغفر للناس. ومن قال كلمةً على ابن الإنسان يغفر له، وأمّا من قال على الروح القدس فلن يغفر له، لا في هذا العالم ولا في الآتي».

فههنا يُقال لنا إنّ الروح القدس هو الذي يُجدَّف عليه. ويستحيل أن يُجدَّف على شيء من الأشياء إلّا على شخص. وإن لم يكن الروح القدس شخصًا، فما كان يمكن قطعًا أن يكون التجديف عليه خطيّةً أخطر وأفصل من التجديف على ابن الإنسان، ربّنا ومخلّصنا يسوع المسيح نفسه.

فههنا إذًا عندنا أربعة أدلّة متمايزة فاصلةٍ قاطعة على أنّ الروح القدس أقنوم.

أمّا من جهة النظر فيؤمن أكثرنا بهذا؛ ولكن هل نعامله نحن، في فكرنا الحقيقيّ عنه وفي موقفنا العمليّ منه، معاملتنا لأقنومٍ حقيقيّ؟ ففي ختام خطابٍ ألقيته عن أقنومية الروح القدس في أحد مؤتمرات الكتاب المقدس منذ سنين خلت، قالت لي امرأةٌ كانت عضوًا في الكنيسة سنين كثيرة، عضوًا في واحدةٍ من أشدّ طوائفنا الحديثة تمسّكًا بالعقيدة القويمة، هذا القول: «لم أفكّر فيه قطّ من قبلُ بوصفه أقنومًا». ولا شكّ عندي في أنّ هذه المرأة المسيحية كثيرًا ما رنّمت هذه الكلمات: «سبّحوا الله مصدر كلّ البركات، سبّحوه يا جميع الخلائق ههنا في الأرض، سبّحوه في الأعالي يا جنود السماء، سبّحوا الآب والابن والروح القدس». ولا شكّ كذلك أنّها كثيرًا ما رنّمت: «المجد للآب والابن والروح القدس، كما كان في البدء والآن وكلّ أوان وإلى دهر الداهرين. آمين».

ولكنّ ترنيم الكلمات شيء، وإدراك معنى ما نرنّم به إدراكًا حقيقيًّا شيء آخر غيره. فلو أنّ هذه المرأة المسيحية سُئلت عن عقيدتها التي تؤمن بها، لقالت بلا شكّ إنّها تؤمن بأنّ في اللاهوت ثلاثة أقانيم: الآب والابن والروح القدس؛ ولكنّ الاعتراف اللاهوتيّ باللسان شيء، والإدراك العمليّ للحقّ الذي نعترف به شيء آخر غيره.

فالسؤال إذًا لا بدّ منه البتّة، ولا مندوحة عنه: مهما تكن قويمًا في تعابير قانون إيمانك، أتعدّ الروح القدس أقنومًا حقيقيًّا حقًّا، كما هو يسوع المسيح، محبًّا حكيمًا قويًّا، أهلًا لثقتك ولمحبّتك ولتسليمك كما هو يسوع المسيح نفسه؟ إنّ الروح القدس إنّما جاء إلى هذا العالم ليكون لتلاميذ ربّنا بعد ذهابه هو عنهم، وليكون لنا نحن أيضًا، ما كان يسوع المسيح هو نفسه لهم في أيّام معاشرته إيّاهم (يوحنا 14:16-17).

أهو ذاك لك أنت؟ أتعرفه أنت معرفةً حقيقية؟ إنّك تسمع في كلّ أسبوعٍ من أسابيع حياتك كلّها تلك البركة الرسولية التي تقول: «نعمة ربّنا يسوع المسيح، ومحبّة الله، وشركة الروح القدس مع جميعكم» (2 كورنثوس 13:14)؛ ولكنّك إذ تسمعها بأذنيك، أتدرك حقًّا ما فيها من معنًى وما لها من دلالة؟ أتعرف أنت شركة الروح القدس؟ أتعرف معاشرة الروح القدس؟ أتعرف مشاركة الروح القدس؟

أتعرف أنت مرافقة الروح القدس؟ أتعرف صداقة الروح القدس الشخصية الحميمة؟

ههنا، في هذا وحده، يكمن كلّ سرّ الحياة المسيحية الحقّة، حياة الحرّية والفرح والقوّة والملء. أن يكون للإنسان الروح القدس صديقًا حاضرًا معه في كلّ حين، وأن يكون واعيًا أنّ له هذا الصديق الحاضر في كلّ حين، وأن يسلّم حياته بجميع أبوابها تسليمًا تامًّا لسلطانه — هذه هي الحياة المسيحية الحقّة.

إنّ تعليم أقنومية الروح القدس مميّزٌ للدين الذي علّمه يسوع، تمييز تعليم لاهوت يسوع المسيح نفسه وتعليم كفّارته له سواءً بسواء. ولكن لا يكفي أن نؤمن بالتعليم إيمانًا، بل لا بدّ لنا أن نعرف الروح القدس نفسه معرفةً شخصية. وكلّ غاية هذا الفصل (أعانني الله أن أقولها في خشوعٍ ومهابة) هي أن أعرّفك أنت بصديقي، الروح القدس.

صفحة 1 / 15 · 20 دقيقة متبقية في الفصل