سُكنى السيد
مسيحيون جسديون

فصل 1 · قراءة 17 د

مسيحيون جسديون

«وَأَنَا أَيُّهَا ٱلْإِخْوَةُ لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أُكَلِّمَكُمْ كَرُوحِيِّينَ، بَلْ كَجَسَدِيِّينَ» (كورنثوس الأولى 3:1).

يتحدث الرسول بولس هنا عن مرحلتين من مراحل الحياة المسيحية، وعن نوعين من المسيحيين: «لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أُكَلِّمَكُمْ كَرُوحِيِّينَ، بَلْ كَجَسَدِيِّينَ كَأَطْفَالٍ فِي ٱلْمَسِيحِ» (كورنثوس الأولى 3:1). كانوا مسيحيين، في المسيح، لكنهم بدلًا من أن يكونوا مسيحيين روحيين، كانوا جسديين. «سَقَيْتُكُمْ لَبَنًا لَا طَعَامًا، لِأَنَّكُمْ لَمْ تَكُونُوا بَعْدُ تَسْتَطِيعُونَ، بَلِ ٱلْآنَ أَيْضًا لَا تَسْتَطِيعُونَ، لِأَنَّكُمْ بَعْدُ جَسَدِيُّونَ» (كورنثوس الأولى 3:2-3). وها هي الكلمة ترد مرة ثانية. «فَإِنَّهُ إِذْ» —وهذا هو البرهان— «فِيكُمْ حَسَدٌ وَخِصَامٌ وَٱنْشِقَاقٌ، أَلَسْتُمْ جَسَدِيِّينَ وَتَسْلُكُونَ بِحَسَبِ ٱلْبَشَرِ؟ لِأَنَّهُ مَتَى قَالَ وَاحِدٌ: ‹أَنَا لِبُولُسَ› وَآخَرُ: ‹أَنَا لِأَبُلُّوسَ› أَفَلَسْتُمْ جَسَدِيِّينَ؟» (كورنثوس الأولى 3:3-4). أربع مرات يُظهر الرسول جسدانية هؤلاء الناس. وبالحكمة التي يعطيه إياها الروح القدس يشعر بولس: لا أستطيع أن أكتب إلى هؤلاء المسيحيين الكورنثيين ما لم أعرف حالتهم، وما لم أخبرهم بها.

إن قدّمتُ طعامًا روحيًا لأناس هم مسيحيون جسديون، فإني أضرّهم أكثر مما أنفعهم، لأنهم غير مؤهَّلين لتناوله. لا أستطيع أن أطعمهم طعامًا قويًا، بل ينبغي أن أطعمهم لبنًا. ولهذا يخبرهم منذ مطلع الرسالة بما يراه من حالتهم.

في الأصحاحين السابقين تكلّم بولس عن خدمته بأنها بالروح القدس؛ وها هو الآن يبدأ يخبرهم بما يجب أن تكون عليه حالة الناس لكي يقبلوا الحق الروحي، فيقول: «لست حرا أن أكلمكم كما أود، لأنكم جسديون، ولا تستطيعون أن تقبلوا الحق الروحي» (كورنثوس الأولى 3:1). وهذا يضع أمامنا فكرة مهيبة، وهي أن في كنيسة المسيح صنفين من المسيحيين. فبعضهم عاشوا مؤمنين سنين كثيرة، ومع ذلك يبقون أطفالًا على الدوام؛ وآخرون رجال روحيون لأنهم أسلموا أنفسهم لقوة الروح القدس ولقيادته ولسلطانه الكامل. فإن أردنا أن ننال بركة، وجب علينا أولًا أن نحسم إلى أيّ الصنفين ننتمي. هل نحيا، بنعمة الله، حياة روحية في اتضاع عميق، أم نحيا حياة جسدية؟

إذن، لنحاول أولًا أن نفهم المقصود بالحالة الجسدية التي قد يعيش فيها المؤمنون.

نلاحظ مما نجده في رسالة كورنثوس أربع علامات للحالة الجسدية. أولًا: إنها ببساطة حالة طفولة مطوَّلة. وأنتم تعرفون ما يعني ذلك. لنفترض أن طفلًا جميلًا عمره ستة أشهر. إنه لا يستطيع أن يتكلم، ولا يستطيع أن يمشي، لكننا لا نقلق لذلك؛ فهذا طبيعي، وهكذا ينبغي أن يكون. لكن لنفترض أننا بعد سنة وجدنا الطفل لم ينمُ قط، وبعد ثلاث سنين لا يزال بلا نموّ؛ لقلنا في الحال: «لا بد أن هناك مرضا رهيبا»؛ والطفل الذي كان في شهره السادس مصدر فرح لكل من رآه، صار لأمه وللجميع مصدر قلق وحزن. ثمة خلل ما؛ فالطفل لا يستطيع أن ينمو. كان من الصواب تمامًا في شهره السادس ألّا يتناول إلا اللبن، لكن السنين مضت وهو باقٍ في ضعفه نفسه. وهذه بعينها حالة كثيرين من المؤمنين. لقد تجدّدوا؛ ويعرفون ما هو اليقين والإيمان؛ ويؤمنون بغفران الخطية؛ ويبدأون في العمل لله؛ ومع ذلك، لسبب ما، لا يكاد يكون فيهم نموّ في الروحانية، في الحياة السماوية الحقيقية.

نحتكّ بهم، فنشعر في الحال أن شيئًا ما ينقصهم؛ فليس فيهم شيء من جمال القداسة ولا من قوة روح الله. هذه هي حالة الكورنثيين الجسديين، وهي ما عُبِّر عنه في ما قيل للعبرانيين: «لِأَنَّكُمْ -إِذْ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونُوا مُعَلِّمِينَ لِسَبَبِ طُولِ ٱلزَّمَانِ- تَحْتَاجُونَ أَنْ يُعَلِّمَكُمْ أَحَدٌ مَا هِيَ أَرْكَانُ بَدَاءَةِ أَقْوَالِ ٱللهِ، وَصِرْتُمْ مُحْتَاجِينَ إِلَى ٱللَّبَنِ، لَا إِلَى طَعَامٍ قَوِيٍّ» (عبرانيين 5:12). أليس أمرًا محزنًا أن ترى مؤمنًا تجدّد منذ خمس سنين أو عشر أو عشرين، ومع ذلك لا نموّ فيه ولا قوة ولا فرح بالقداسة؟

ما علامات الطفل الصغير؟ إحداها أن الطفل الصغير لا يستطيع أن يعين نفسه، بل يشغل الآخرين دائمًا بخدمته. كم يكون الرضيع في البيت طاغيةً في أحيان كثيرة! فالأم لا تستطيع أن تخرج، ولا بد من خادمة ترعاه؛ ولا بد من العناية به على الدوام. لقد خلق الله الإنسان ليعتني بالآخرين، أما الرضيع فقد خُلق ليُعتنى به ويُعان. وهكذا يوجد مسيحيون يريدون العون دائمًا. فلا بد لراعيهم ولأصدقائهم المسيحيين أن يعلّموهم ويعزّوهم على الدوام. يذهبون إلى الكنيسة، وإلى اجتماعات الصلاة، وإلى المؤتمرات، طالبين العون دائمًا —وتلك علامة الطفولة الروحية.

والعلامة الأخرى للطفل هي هذه: إنه لا يستطيع أن يفعل شيئًا لمعونة أخيه الإنسان. فكل إنسان يُنتظر منه أن يسهم بشيء في خير المجتمع؛ لكل واحد مكان يشغله وعمل يؤديه، أما الرضيع فلا يستطيع أن يفعل شيئًا للمجتمع. وهكذا الحال تمامًا مع المسيحيين. ما أقلّ ما يستطيع بعضهم أن يفعله! إنهم يشتركون في ما يُسمّى الخدمة، لكن قليلًا ما يمارسون قوة روحية أو يحملون بركة حقيقية. أليس ينبغي لكل واحد منا أن يسأل: «هل تجاوزت طفولتي الروحية؟» سيضطر بعضهم أن يجيب: «كلا، فبدلا من أن أتقدم، رجعت إلى الوراء، وقد ذهب فرح التجديد والمحبة الأولى». وا أسفاه! إنهم أطفال في المسيح؛ إنهم بعدُ جسديون.

والعلامة الثانية للحالة الجسدية هي هذه: الخطية والإخفاق على الدوام. يقول بولس: «لِأَنَّكُمْ بَعْدُ جَسَدِيُّونَ. فَإِنَّهُ إِذْ فِيكُمْ حَسَدٌ وَخِصَامٌ وَٱنْشِقَاقٌ، أَلَسْتُمْ جَسَدِيِّينَ وَتَسْلُكُونَ بِحَسَبِ ٱلْبَشَرِ؟» (كورنثوس الأولى 3:3).

يستسلم إنسان لحدّة طبعه. قد يكون خادمًا للكلمة، أو واعظًا بالإنجيل، أو معلّمًا في مدرسة الأحد، وفي غاية الحماسة في اجتماع الصلاة، ومع ذلك كثيرًا ما يبدو منه خصام أو مرارة أو حسد. وا أسفاه! وا أسفاه! ففي غلاطية 3:5 يُقال لنا إن أعمال الجسد هي على وجه الخصوص العداوة والحسد. كم مرة نرى بين المسيحيين الذين عليهم أن يعملوا معًا انشقاقات ومرارة! ليرحمهم الله، فإن ثمر الروح، الذي هو المحبة، كثيرًا ما يغيب عن شعبه الخاص.

تسأل: «لماذا أحارب حدة طبعي منذ عشرين سنة، ولا أستطيع أن أقهرها؟» ذلك لأنك كنت تحارب حدّة الطبع، ولم تكن تحارب أصلها.

لم ترَ أن ذلك كله ناتج من كونك في الحالة الجسدية، ومن أنك لم تُسلم نفسك كما ينبغي لروح الله. ربما لم تتعلّم ذلك قط؛ وربما لم تره قط في كلمة الله؛ وربما لم تؤمن به قط.

لكن الأمر هكذا؛ فحق الله يبقى لا يتغيّر.

يستطيع يسوع المسيح أن يعطينا النصرة على الخطية، وأن يحفظنا من التعدّي الفعلي. لستُ أقول لكم إن أصل الخطية سيُستأصل، وإنه لن يبقى فيكم بعدُ أي ميل طبيعي إلى الخطية؛ لكن حين يأتي الروح القدس، لا بقوته للخدمة كعطية فحسب، بل حين يأتي بالنعمة الإلهية ليملأ القلب، تكون هناك نصرة على الخطية، وقوة على ألا نكمّل شهوات الجسد. وأنتم ترون علامة الحالة الجسدية لا في عدم المحبة والانشغال بالذات والمرارة فحسب، بل في خطايا أخرى كثيرة. كم من محبة للعالم، وكم من طموح بين الناس، وكم من طلب للكرامة التي من الناس —وكل ذلك ثمر الحياة الجسدية— نجده في وسط النشاط المسيحي! لنتذكّر أن الحالة الجسدية هي حالة خطية وإخفاق متواصلين، وأن الله لا يريدنا أن نعترف بالخطايا الفردية فحسب، بل أن نصل إلى الإقرار بأنها علامة على أننا لا نحيا حياة صحيحة، وأننا بعدُ جسديون.

والعلامة الثالثة، التي ستوضّح أكثر ما كنت أقوله، هي أن هذه الحالة الجسدية قد توجد جنبًا إلى جنب مع مواهب روحية عظيمة. فهناك فرق بين المواهب والفضائل. ففضائل الروح هي الاتضاع والمحبة، مثل اتضاع المسيح ومحبته.

ففضائل الروح غايتها أن تحرّر الإنسان من الذات؛ أما مواهب الروح فغايتها أن تؤهّله للعمل. ونرى هذا واضحًا عند الكورنثيين. ففي الأصحاح الأول يقول بولس: «أَشْكُرُ إِلَهِي فِي كُلِّ حِينٍ مِنْ جِهَتِكُمْ عَلَى نِعْمَةِ ٱللهِ ٱلْمُعْطَاةِ لَكُمْ فِي يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ، أَنَّكُمْ فِي كُلِّ شَيْءٍ ٱسْتَغْنَيْتُمْ فِيهِ فِي كُلِّ كَلِمَةٍ وَكُلِّ عِلْمٍ» (كورنثوس الأولى 1:4-5).

وفي الأصحاحين الثاني عشر والرابع عشر نرى أن مواهب النبوة وعمل المعجزات كانت بينهم بقوة عظيمة؛ أما فضائل الروح فكانت غائبة على نحو لافت. وقد يحدث هذا في أيامنا كما حدث في زمن الكورنثيين. قد أكون خادمًا للإنجيل؛ وقد أعلّم كلمة الله تعليمًا جميلًا، ويكون لي تأثير، وأجمع جماعة كبيرة، ومع ذلك —وا أسفاه!— قد أكون إنسانًا جسديًا؛ إنسانًا قد يستخدمه الله، وقد يكون بركة للآخرين، ومع ذلك قد تظل الحياة الجسدية تسِمُه.

تعرفون جميعًا القاعدة القائلة إن الشيء يُسمّى بحسب أبرز سماته. ففي هؤلاء الكورنثيين الجسديين كان شيء قليل من روح الله، لكن الجسد كان هو الغالب؛ فالروح لم يكن له السلطان على حياتهم كلها. والرجال الروحيون لا يُدعَون كذلك لأنه لا جسد فيهم، بل لأن الروح فيهم قد نال السيادة، وحين تلتقيهم وتعاشرهم تشعر أن روح الله قد قدّسهم. آه، لنحذر لئلا تخدعنا البركة التي يعطينا الله إياها في عملنا، فتقودنا إلى الظن بأننا لا بد رجال روحيون لأنه باركنا. قد يعطينا الله مواهب نستخدمها، ومع ذلك لا تكون حياتنا بجملتها في قوة الروح القدس.

وعلامتي الأخيرة للحالة الجسدية هي أنها تجعل الإنسان غير أهل لقبول الحقائق الروحية. وهذا ما كتبه الرسول إلى الكورنثيين: «سَقَيْتُكُمْ لَبَنًا لَا طَعَامًا، لِأَنَّكُمْ لَمْ تَكُونُوا بَعْدُ تَسْتَطِيعُونَ، بَلِ ٱلْآنَ أَيْضًا لَا تَسْتَطِيعُونَ» (كورنثوس الأولى 3:2). في الكنيسة لدينا جماعة أكثرها رجال جسديون. نعطي هؤلاء تعليمًا روحيًا، فيُعجبون به، ويفهمونه، ويفرحون بمثل هذه الخدمة، ومع ذلك لا تتأثر حياتهم تأثرًا عمليًا. إنهم يعملون للمسيح على نحو ما، لكننا بالكاد نتبيّن فيهم تقديس الروح الحقيقي؛ ولا نجرؤ أن نقول إنهم رجال روحيون، ممتلئون من الروح القدس.

فلنعترف بهذا من جهة أنفسنا. قد يصير الإنسان في غاية الحماسة، وقد يستوعب كل تعليم يسمعه؛ وقد يكون قادرًا على التمييز، فالتمييز موهبة؛ وقد يقول: «ذاك الرجل يعينني في هذا الجانب، وذاك في اتجاه آخر، وثالث بارز في موهبة أخرى»؛ ومع ذلك تكون الحياة الجسدية طوال الوقت حيّة فيه بقوة، وحين يقع في خلاف مع صديق ما، أو خادم مسيحي، أو إنسان عالمي، يكون الأصل الجسدي حاملًا ثمره الرهيب، ويكون الطعام الروحي قد أخفق في أن يدخل إلى قلبه.

احذروا من ذلك. تأمّلوا الكورنثيين وتعلّموا منهم. لم يقل لهم بولس: «لا تستطيعون أن تحتملوا الحق كما أود أن أكلمكم به» لأنهم كانوا جهلاء أو أغبياء.

إننا نجد الحالة الجسدية لا في كورنثوس فحسب، بل في العالم المسيحي كله اليوم. كثيرون من المسيحيين يسألون: «ما سبب كل هذا الضعف في الكنيسة؟» ولن نطرح هذا السؤال بجدية تفوق ما يستحق، وإني لأرجو أن الله نفسه يطبعه على قلوبنا حتى نقول له: «لا بد أن يتغير هذا. ارحمنا». لكن، آه! تلك الصلاة وذلك التغيير لا يمكن أن يأتيا حتى نبدأ نرى أن هناك أصلًا جسديًا يسود في المؤمنين؛ فهم يعيشون بحسب الجسد أكثر مما بحسب الروح؛ إنهم مسيحيون جسديون.

هناك عبور «من الجسدي إلى الروحي». هل وجد بولس مؤمنين روحيين؟ لا شك أنه وجد. اقرأ فقط الأصحاح السادس من الرسالة إلى أهل غلاطية! تلك كانت كنيسة كان فيها الخصام والمرارة والحسد أمورًا رهيبة. لكن الرسول يقول في العدد الأول: «أَيُّهَا ٱلْإِخْوَةُ، إِنِ ٱنْسَبَقَ إِنْسَانٌ فَأُخِذَ فِي زَلَّةٍ مَا، فَأَصْلِحُوا أَنْتُمُ ٱلرُّوحَانِيِّينَ مِثْلَ هَذَا بِرُوحِ ٱلْوَدَاعَةِ، نَاظِرًا إِلَى نَفْسِكَ لِئَلَّا تُجَرَّبَ أَنْتَ أَيْضًا»

(غلاطية 6:1).

هناك نرى أن علامات الإنسان الروحي هي أنه يكون إنسانًا وديعًا، وأنه تكون له قوة ومحبة ليعين الساقطين ويُصلحهم. أما الإنسان الجسدي فلا يستطيع ذلك. وإن كانت هناك حياة روحية حقيقية يمكن أن تُعاش، فالسؤال العظيم هو: هل الطريق مفتوح، وكيف أستطيع أن أدخل إلى الحالة الروحية؟ وهنا أيضًا لديّ أربعة أجوبة قصيرة.

أولًا، يجب أن نعرف أن هناك حياة روحية كهذه يمكن للناس أن يعيشوها على الأرض. لا شيء يقطع جذور الحياة المسيحية مثل عدم الإيمان. فالناس لا يصدّقون ما قاله الله عمّا يريد أن يفعله لأولاده. لا يصدّق الناس أن الله حين يقول: «ٱمْتَلِئُوا بِٱلرُّوحِ»، يعني ذلك لكل مسيحي. ومع ذلك كتب بولس إلى أهل أفسس قائلًا: «وَلَا تَسْكَرُوا بِٱلْخَمْرِ ٱلَّذِي فِيهِ ٱلْخَلَاعَةُ، بَلِ ٱمْتَلِئُوا بِٱلرُّوحِ» (أفسس 5:18). فكما لا يجوز لك أن تسكر بالخمر، كذلك لا يجوز لك أن تحيا دون أن تمتلئ بالروح. فإن كان الله يقصد ذلك للمؤمنين، فأول ما نحتاج إليه هو أن ندرس كلمة الله ونحملها إلى إيماننا حتى تمتلئ قلوبنا باليقين أن هناك حياة كهذه ممكنة، وأن من واجبنا أن نحياها؛ وأننا نستطيع أن نكون رجالًا روحيين. تعلّمنا كلمة الله أن الله لا ينتظر من الإنسان أن يحيا كما ينبغي دقيقة واحدة ما لم يكن الروح القدس فيه ليقدّره على ذلك.

نحن لا نحتاج إلى الروح القدس فقط حين نذهب لنعظ، أو حين تواجهنا تجربة خاصة من إبليس، أو يكون علينا حمل ثقيل نحمله؛ فالله يقول: «ابني لا يستطيع أن يحيا حياة مستقيمة ما لم يقده روحي في كل دقيقة». هذه هي علامة ابن الله: «لِأَنَّ كُلَّ ٱلَّذِينَ يَنْقَادُونَ بِرُوحِ ٱللهِ، فَأُولَئِكَ هُمْ أَبْنَاءُ ٱللهِ» (رومية 8:14). وفي رومية 5 نقرأ: «لِأَنَّ مَحَبَّةَ ٱللهِ قَدِ ٱنْسَكَبَتْ فِي قُلُوبِنَا بِٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ ٱلْمُعْطَى لَنَا» (رومية 5:5). هذا ما ينبغي أن يكون الاختبار العادي اليومي للمؤمن، لا حياته في أوقات معيّنة فحسب. هل فكّر أب أو أم يومًا: «اليوم أريد أن يحبني ولدي»؟ كلا، بل ينتظران المحبة كل يوم. وهكذا يريد الله أن يكون لابنه في كل لحظة قلب ممتلئ بمحبة الروح. ففي نظر الله، من أشدّ الأمور منافاة للطبيعة أن ننتظر من إنسان أن يحب كما ينبغي وهو غير ممتلئ من الروح.

آه، لنؤمن أن الإنسان يستطيع أن يكون إنسانًا روحيًا. شكرًا لله، هناك الآن بركة تنتظرنا. «ٱمْتَلِئُوا بِٱلرُّوحِ». «انقادوا بالروح». ها هي البركة. إن اضطررت أن تقول: «يا الله، ليست لي هذه البركة»، فقلها؛ لكن قل أيضًا: «يا رب، أعلم أنها واجبي، والتزامي المهيب أن أنالها، لأني بدونها لا أستطيع أن أحيا في سلام كامل معك النهار كله؛ وبدونها لا أستطيع أن أمجدك وأعمل العمل الذي تريدني أن أعمله».

هذه هي خطوتنا الأولى من الجسدي إلى الروحي: أن ندرك أن الحياة الروحية، أي السلوك بالروح، في متناولنا.

كيف نستطيع أن نطلب من الله أن يقودنا إلى الحياة الروحية، إن لم يكن لنا اقتناع واضح واثق بأن هناك حياة كهذه يمكن نيلها؟

ثم تأتي الخطوة الثانية: يجب أن يرى الإنسان عار الحياة التي عاشها على هذا النحو وذنبها. بعض الناس يقرّون بأن هناك حياة روحية تُعاش، وأنهم لم يعيشوها، فيأسفون على أنفسهم، ويُشفقون عليها، ويفكرون: «يا للحسرة أني أضعف من أن أبلغها! يا للحسرة أن الله يعطيها لغيري ولم يعطها لي!» إنهم يُشفقون على أنفسهم كثيرًا، بدلًا من أن يقولوا: «وا أسفاه! إنه عدم أمانتنا وعدم إيماننا وعصياننا ما منعنا من أن نسلم أنفسنا لله تسليما كاملا. علينا أن نخجل ونخزى أمام الله لأننا لا نحيا كرجال روحيين». لا يتجدّد الإنسان دون أن يُبكَّت على الخطية. فحين يأتي ذلك التبكيت وتنفتح عيناه، يتعلّم أن يخاف من خطيته، ويهرب منها إلى المسيح، ويقبل المسيح منقذًا قديرًا. لكن الإنسان يحتاج إلى تبكيت ثانٍ على الخطية؛ فالمؤمن يجب أن يُبكَّت على خطيته الخاصة به. فخطايا الإنسان غير المتجدّد تختلف عن خطايا المؤمن.

فالإنسان غير المتجدّد، مثلًا، لا يُبكَّت عادةً على فساد طبيعته؛ بل يفكر أساسًا في الخطايا الخارجية: «لقد حلفت، وكذبت، وأنا في طريقي إلى الجحيم». فيُبكَّت عندئذ ليتجدّد. أما المؤمن فحالته مختلفة تمامًا. فخطاياه أكثر استحقاقًا للّوم بكثير، لأنه قد أُعطي النور والمحبة وروح الله. وخطاياه أعمق بكثير. لقد جاهد ليقهرها، ونما حتى رأى أن طبيعته فاسدة تمامًا، وأن الذهن الجسدي، أي الجسد الذي في داخله، يجعل حالته كلها شقيّة تمامًا.

وحين يُبكَّت المؤمن من الروح القدس، فإن حياة عدم الإيمان التي عاشها هي على الخصوص ما يدينه، لأنه يرى أن الذنب العظيم المرتبط بها قد منعه من نيل عطية روح الله القدوس كاملة. فيتّضع في الخزي وخجل الوجه، ويبدأ يصرخ: «بِسَمْعِ ٱلْأُذُنِ قَدْ سَمِعْتُ عَنْكَ، وَٱلْآنَ رَأَتْكَ عَيْنِي» (أيوب 42:5). يقترب الله منه. أيوب، الرجل البار الذي وثق به الله، رأى في نفسه خطية الذات العميقة وبرّها، مما لم يره من قبل قط. وما لم يأتِ إلى كل واحد منا هذا التبكيت على شرّ حالتنا الجسدية كمؤمنين، وما لم نكن مستعدين أن ننال هذا التبكيت من الله، وأن نأخذ وقتًا أمام الله لنتّضع ونُبكَّت، فلن نستطيع أبدًا أن نصير رجالًا روحيين.

ثم تأتي العلامة الثالثة، وهي أن الانتقال من الحالة الجسدية إلى الروحية ليس إلا خطوة واحدة. خطوة واحدة؛ آه، ما أبركها رسالة أحملها إليكم —إنها خطوة واحدة فقط. أعلم أن كثيرين سيرفضون الإقرار بأنها خطوة واحدة فقط؛ فهم يظنونها أصغر من أن تُحدث تغييرًا عظيمًا كهذا. لكن أما كان التجديد خطوة واحدة فقط؟

وهكذا الأمر حين ينتقل الإنسان من الجسدي إلى الروحي. تسأل: ألستُ حين أتكلم عن الإنسان الروحي أفكر في إنسان بلغ النضج الروحي، في قديس حقيقي؟ وتقول: «هل يأتي ذلك في يوم واحد؟ أليس هناك نمو في القداسة؟» فأجيب أن النضج الروحي لا يمكن أن يأتي في يوم. لا يمكننا أن نتوقع ذلك.

إنه يحتاج إلى نموّ حتى يتصوّر في الإنسان جمال صورة المسيح كله. ومع ذلك أقول إن الإنسان لا يحتاج إلا إلى خطوة واحدة ليخرج من الحياة الجسدية إلى الحياة الروحية. يكون ذلك حين يقطع الإنسان مع الجسد قطعًا تامًا؛ حين يُسلم الجسد إلى موت صليب المسيح؛ حين يرى أن كل ما فيه ملعون وأنه لا يستطيع أن ينقذ نفسه منه؛ ثم يطالب بقوة صليب المسيح المُميتة في داخله —حين يفعل الإنسان هذا ويقول: «هذه الحياة الروحية المعدة لي هي عطية إلهي المجانية في المسيح يسوع»، عندئذ يفهم كيف يمكن لخطوة واحدة أن تخرجه من الحالة الجسدية إلى الروحية. وفي تلك الحياة الروحية سيبقى الكثير مما يجب تعلّمه.

حين يكون الإنسان قد أسلم نفسه لقوة روح الله الحقيقية الحيّة العاملة المتسلّطة، يكون قد بلغ الوضع الصحيح الذي يستطيع فيه أن ينمو. أنت لا تفكر أبدًا في أن تنمو خارجًا من المرض إلى الصحة؛ قد تنمو من الضعف إلى القوة، كما يستطيع الطفل الصغير أن ينمو فيصير رجلًا قويًا؛ لكن حيث يوجد مرض، لا بد أن يأتي الشفاء إن كان للعلاج أن يتم.

يقول بولس إن الحياة الجسدية يجب أن تُستأصل. «ٱلَّذِينَ هُمْ لِلْمَسِيحِ قَدْ صَلَبُوا ٱلْجَسَدَ مَعَ ٱلْأَهْوَاءِ وَٱلشَّهَوَاتِ» (غلاطية 5:24). حين يفهم الإنسان ما يعنيه ذلك، ويقبله بالإيمان بما يستطيع المسيح أن يعمله، عندئذ تستطيع خطوة واحدة أن تنقله من الجسدي إلى الروحي. فعلُ إيمان بسيط واحد بقوة موت المسيح، وفعلُ تسليم واحد لشركة موت المسيح كما يستطيع الروح القدس أن يجعلها لنا —وهو سيجعلها لنا— سيأتي بالنجاة من قوة جهودك.

ما الذي أتى بالنجاة لذلك الخاطئ المسكين المحكوم عليه، الذي كان في أشد الظلمة والشقاء في حالته غير المتجدّدة؟ لقد شعر أنه لا يستطيع أن يعمل لنفسه شيئًا صالحًا. فماذا فعل؟ رأى أمامه المخلّص القدير، فألقى نفسه بين ذراعيه؛ وسلّم نفسه لتلك المحبة الكليّة القدرة وصرخ: «يا رب، ارحمني». ذلك كان الخلاص. لم يقبله المسيح من أجل ما فعله. أيها المؤمنون، إن كان أحد منا، وهو يعي أن الحالة الجسدية هي الغالبة فيه، مضطرًا أن يقول: «إنها تسمني؛ أنا إنسان متدين، إنسان جاد، صديق للإرساليات؛ أعمل للمسيح في كنيستي، لكن —وا أسفاه!— حدة الطبع والخطية ومحبة العالم لا تزال متسلطة على نفسي»، فليسمع كلمة الله. وإن جاء أحد وقال: «لقد جاهدت، وصليت، وبكيت، ولم ينفعني ذلك»، فعليك إذن أن تفعل أمرًا آخر.

يجب أن ترى أن المسيح الحيّ هو تدبير الله لحياتك المقدسة الروحية. يجب أن تؤمن أن ذلك المسيح الذي قبلك مرة، عند تجديدك، في محبته العجيبة، ينتظر الآن ليقول لك إنك تستطيع أن تصير إنسانًا روحيًا، مسلَّمًا لله بالتمام. إن آمنت بهذا، يزول خوفك وتقول: «هذا ممكن؛ إن كان المسيح سيقبل ويتولى الأمر، فسيتم».

ثم علامتي الأخيرة. يجب أن يخطو الإنسان تلك الخطوة، خطوة مهيبة لكنها مباركة. لقد كلّف بعضَكم خمس سنين أو عشرًا قبل أن تخطوا خطوة التجديد. بكيتم وصلّيتم سنين، ولم تجدوا سلامًا حتى خطوتم تلك الخطوة. وهكذا في الحياة الروحية، قد تذهب من معلّم إلى معلّم وتقول: «حدثني عن الحياة الروحية، وعن معمودية الروح، وعن القداسة»، ومع ذلك تبقى حيث كنت تمامًا. كثيرون منا يحبون أن تُنزع عنهم الخطية. من يحب أن يكون حادّ الطبع؟ من يحب أن تكون له نفس متكبرة؟ من يحب أن يكون له قلب عالمي؟ لا أحد.

نذهب إلى المسيح لكي ينزعها، فلا يفعل، فنسأل: «لماذا لا يفعل ذلك؟ لقد صليت بحرارة شديدة». ذلك لأنك أردته أن ينزع الثمار القبيحة بينما يبقى الأصل السامّ فيك. لم تطلب منه أن يُسمَّر الجسد على صليبه، وأن تُسلم نفسك من الآن فصاعدًا بالتمام لقوة روحه. هناك نجاة، لكن ليس بالطريقة التي نطلبها بها. لنفترض أن رسامًا لديه قطعة من القماش يريد أن يرسم عليها صورة جميلة. ولنفترض أن قطعة القماش هذه ليست ملكه، وأن لأي أحد الحق في أن يأخذها ويستخدمها لأي غرض آخر؛ أتظن أن الرسام يبذل عليها جهدًا كبيرًا؟ كلا. ومع ذلك يريد الناس من يسوع المسيح أن يتعب لأجلهم في نزع حدّة الطبع هذه أو تلك الخطية الأخرى، مع أنهم في قلوبهم لم يُخضعوا أنفسهم بالتمام لأمره ولحفظه. هذا لا يمكن أن يكون. لكن إن أتيت وسلّمت حياتك كلها إلى رعايته، فالمسيح يسوع عظيم للخلاص؛ المسيح يسوع ينتظر ليترأف؛ المسيح يسوع ينتظر ليملأك بروحه.

ألا تخطو هذه الخطوة؟ ليمنحنا الله أن يقودنا روحه لنُخضع أنفسنا له كما لم نفعل من قبل. ألا تأتي باعتراف متواضع؟ وا أسفاه! لقد سادت الحياة الجسدية أكثر مما ينبغي، ووسمتك تمامًا، أفليس لك وعي مرير بأن الله، مع كل البركة التي أغدقها عليك، لم يجعلك ما تريد أن تكون —إنسانًا روحيًا؟ إن الروح القدس وحده هو الذي يستطيع بسكناه أن يجعل الإنسان روحيًا. فتعال إذن وألقِ نفسك عند قدمي الله، بهذه الفكرة الواحدة: «يا رب، أقدم نفسي إناء فارغا ليملأ بروحك».

كل واحد منكم يرى كل يوم على مائدة الشاي فنجانًا فارغًا موضوعًا هناك، ينتظر أن يُملأ بالشاي حين يحين الوقت المناسب. وكذلك كل صحن وكل طبق، يُنظَّف ويُفرَّغ، مستعدًا لأن يُملأ.

مُفرَّغًا ومُنظَّفًا.

آه، تعال! وكما يُفرَز الإناء ليتسلّم ما سيحويه، قل للمسيح إنك ترغب من هذه الساعة أن تكون إناءً مفرَزًا ليُملأ بروحه، مسلَّمًا لتكون إنسانًا روحيًا. انحنِ في أعمق فراغ نفسك، وقل: «يا الله، ليس لي شيء!» وعندئذ، يقينًا، إذ تضع نفسك أمامه، يحق لك أن تقول: «إلهي سيتمم وعده!

أطالبه بملء الروح القدس ليجعلني، بدل مسيحي جسدي، مسيحيا روحيا». إن وضعت نفسك عند قدميه ومكثت هناك؛ إن ثبتّ في ذلك التسليم المتواضع وتلك الثقة التي كثقة الطفل، فكما أن الله حيّ، هكذا يقينًا ستأتي البركة.

آه، أليس علينا أن ننحني خجلًا أمام الله، ونحن نفكر في كنيسته كلها ونرى هذا القدر من الجسدانية سائدًا؟ أليس علينا أن ننحني خجلًا أمام الله، ونحن نفكر في هذا القدر من الجسدانية في قلوبنا وحياتنا؟

إذن لننحنِ بإيمان عظيم برحمة الله. النجاة قريبة، النجاة آتية، النجاة تنتظر، النجاة أكيدة. لنثق؛ فالله سيعطيها.

اكتمل الفصل 1

مسيحيون جسديون

صفحة 1 / 1 · 17 دقيقة متبقية في الفصل