فصل 9 · قراءة 6 د

العمل والمعرفة

أمّا هو فقال: «بل طوبى للذين يسمعون كلام الله ويحفظونه». — لوقا 11:28.

«إن شاء أحدٌ أن يعمل مشيئته يعرف التعليم، هل هو من الله، أم أتكلّم أنا من نفسي». — يوحنا 7:17.

منذ زمنٍ ليس ببعيد وصلتني رسالةٌ من شخصٍ كان بيّنًا أنه مسيحيٌّ جادّ، يسألني فيها بعض الإرشادات التي تعينه على درس الكتاب المقدس. وكان أوّل ما خطر لي أن أجيبه بأنّ في هذا الموضوع من الخطب والكتيّبات ما يكفي وزيادة، وأنه سيجد فيها كل ما أستطيع أن أقوله وقد قيل خيرًا ممّا أقوله أنا. ثم إنه بعد حينٍ يسير جعلتني اختباراتٌ بعينها في دائرتي القريبة أشعر بمقدار الحاجة إلى تعليمٍ في هذا الموضوع البالغ الأهمية، فوجدت أنّ ثمّة نقاطًا يحسن أن تُعطى إبرازًا خاصًّا. فها أنا أمسك القلم وصلاتي الحارّة ورجائي أن يكون ما أكتبه من الله، ينبوع النور والحياة، لكي يعين أولاده الصغار أن يروا كيف يستقون من كلمته الثمينة كل ذلك التعليم الإلهي وكل ذلك الغذاء، وكل ذلك الفرح الفائض وتلك القوّة التي ادّخرها لهم.

وإني أتصوّر نفسي مخاطبًا مسيحيًّا حدثًا قال لي: «أعنّي على درس كتابي. أعطني بعض القواعد التي أهتدي بها كيف أبدأ وكيف أمضي، حتى أعرف كتابي معرفةً جيّدة». وأوّل ما أقوله له، وهو الأمر الذي يسبق كل شيءٍ آخر، هو هذا: إنّ كل شيءٍ في درسك للكتاب المقدس متوقّف على الروح التي تأتي بها إليه، وعلى الغاية أو الهدف الذي تضعه أنت لنفسك نصب عينيك. ففي أمور هذا العالم كلها، إنما يحكم الإنسانَ ويحفزه ذلك الهدفُ الذي يضعه أمام عينيه. والأمر ليس بخلاف ذلك مع الكتاب المقدس. فإن كان هدفك أن تعرف الكتاب معرفةً جيّدة ليس إلا، فلا بدّ أن تُخيَّب في رجائك. وإن ظننت أنّ المعرفة الوافية بالكتاب لا بدّ أن تكون في ذاتها بركة، فأنت مخطئ.

فهي عند بعضهم لعنة. وهي عند آخرين لا قوّة فيها، إذ لا تجعلهم قدّيسين ولا تجعلهم سعداء. وهي عند غيرهم حِمل، تُثقلهم بدلًا من أن تُحييهم أو ترفعهم. فماذا ينبغي إذًا أن يكون الهدف أو الغاية، أي الاستعداد الحقيقي عند دارس الكتاب المقدس؟ إنّ كلمة الله طعام، وهي خبزٌ من السماء؛ وأوّل ما يلزم لدرس الكتاب هو: جوعٌ عظيم إلى البرّ، ورغبةٌ عظيمة في أن نعمل مشيئة الله كلها. والكتاب نور: وأوّل شرطٍ للتمتّع به قلبٌ يشتاق إلى أن يسلك في طرق الله. أوليس هذا هو ما تعلّمنا إيّاه الآيتان اللتان وضعتهما في الصدر؟

«طوبى للذين يسمعون كلام الله ويحفظونه». فليس في سماع كلمة الله ولا في معرفتها طوبى قطّ بمعزلٍ عن حفظها. فالكلمة ليست بشيءٍ البتّة إن لم تُحفَظ وإن لم تُطَع وإن لم تُعمَل. «إن شاء أحدٌ أن يعمل مشيئته يعرف» (يوحنا 7:17). وبحسب هذا القول من ربّنا، فإنّ كل معرفةٍ حقيقية لكلمة الله متوقّفة أوّلًا على الإرادة في أن نعملها.

أوليس هذا هو الدرس عينه الذي نلحّ عليه؟ إنّ الله يأبى أن يفتح المعنى الحقيقي لكلمته وبركتها لأحدٍ سوى أولئك الذين انعقدت إرادتهم عقدًا حازمًا على أن يعملوها. فعليّ أن أقرأ كتابي وليس لي إلا غرضٌ واحد: «مهما قال لكم فافعلوه» (يوحنا 2:5).

ولماذا يكون الأمر هكذا؟ إنّ ذلك يسهل إدراكه متى فكّرنا في الغاية التي من أجلها وُضعت الكلمات. فهي إنما تقف بين الإرادة والفعل. يريد إنسانٌ أن يصنع لك شيئًا؛ فقبل أن يصنعه يعبّر عن فكره أو عن قصده بكلمات؛ ثم يتمّم كلماته بأن يفعل ما وعد به. وهكذا هو الأمر مع الله أيضًا. فكلماته إنما تستمدّ قيمتها ممّا يفعله هو. ففي الخلق كانت كلمته بقوّة: قال فكان. وفي النعمة، هو يفعل ما يقول. يصلّي داود قائلًا: «وافعل كما نطقت» (صموئيل الثاني 7:25). ويقول سليمان عند تدشين الهيكل: «الذي كلّم بفمه داود أبي وأكمل بيديه»؛ «وأقام الرب كلامه الذي تكلّم به»؛ «الذي قد حفظت لعبدك داود أبي ما كلّمته به، فتكلّمت بفمك وأكملت بيدك كهذا اليوم»؛ «احفظ لعبدك داود أبي ما كلّمته به»؛ «فليتحقّق كلامك الذي كلّمت به عبدك» (أخبار الأيام الثاني 6:4، 10، 15، 16، 17). ويقول الله على لسان الأنبياء: «أنا الرب تكلّمت وفعلت». ويقولون هم من جهتهم: «ما تكلّمت به قد صار».

إنّ حقّ ما يعد به الله وقيمته إنما هما قائمان في هذا: أنه هو نفسه يفعله. فكلمة وعده مقصودٌ بها أن تُعمَل. وهذا لا يقلّ صحّةً في كلمة وصيّته، أي في تلك الأمور التي يريد منّا أن نعملها نحن. فإن كنّا لا نعملها، وإن سعينا إلى معرفتها، وأُعجبنا بجمالها ومدحنا حكمتها، ولكنّنا مع ذلك لا نعملها، فإنما نحن نخدع أنفسنا. إنها موضوعة لكي تُعمَل؛ ولا يمكن أن يُكشَف لنا معناها الحقيقي ولا بركتها إلا بقدر ما نعملها.

وليس لنا أن ننمو في الحياة الإلهية نموًّا حقيقيًّا إلا بقدر ما نعملها. «لتسلكوا كما يحقّ للرب، في كل رضًى، مثمرين في كل عمل صالح، ونامين في معرفة الله» (كولوسي 1:10). ومن ثمّ فلا يكون لنا رجاءٌ في بركةٍ ما البتّة إلا حين نُقبل على كلمات الله بالغاية عينها التي قصدها الله منها هو، وهي أن تُعمَل.

أوليس هذا هو ما نراه في كل ما حولنا، في طلب المعرفة أو في أيّ فرعٍ من فروع الصناعة؟ فالصبيّ المتدرّب أو التلميذ يُنتظَر منه أن يضع ما يتلقّاه من دروسٍ موضع التطبيق؛ وعندئذٍ فقط يكون مستعدًّا لمزيدٍ من التعليم. وكذلك هو الأمر في الحياة المسيحية: فيبقى درس الكتاب المقدس نظريًّا أكثر منه شيئًا آخر، ورياضةً لطيفة للذهن وللخيال، لا تساوي شيئًا يُذكَر لحياة قداسةٍ حقيقية أو شبهٍ حقيقيّ بالمسيح، إلى أن يصير الدارس مستعدًّا ألّا يفتح كتابه ولا يغلقه دون أن يجعل قصد الله قصده هو، ودون أن يصغي حين يقول الله: «اعمل كل ما أتكلّم به». وهذه كانت سمة قدّيسي الزمان القديم. «فذهب أبرام كما قال له الرب» (التكوين 12:4). «ففعل موسى بحسب كل ما أمره الرب. هكذا فعل» (الخروج 40:16) — وهذا هو وصف الرجل الذي كان بوصفه خادمًا أمينًا في كل بيته. وعن داود نقرأ: «وجدت داود بن يسّى رجلًا حسب قلبي، الذي سيصنع كل مشيئتي» (أعمال الرسل 13:22).

وفي المزمور 119 نسمعه وهو يكلّم الله عن كلمته، ويصلّي طالبًا النور الإلهي والتعليم الإلهي، غير أنّ ذلك مصحوبٌ في كل حينٍ بنذر الطاعة، أو بتعبيرٍ آخر من تعابير المحبّة والتلذّذ. فإنّ عمل مشيئة الله هو وحده، حتى مع ابن الله نفسه، السرّ الأوحد للدخول إلى رضى الله وإلى فكره.

وقد قرأت لتوّي كتاب السيد مودي الجديد، «المتعة والفائدة في درس الكتاب المقدس». ولا أشكّ في أنّ كثيرين سينتفعون بما فيه من إرشادات. وسيفكّرون، وهم على حقّ في ذلك: إنّ ما أعان رجلًا مثل مودي يقدر أن يعينني أنا أيضًا. ومع ذلك فقد يُخيَّبون في رجائهم. بل لا بدّ أن يُخيَّبوا، ما لم يأتوا إلى الكتاب بما أتى به السيد مودي: رغبةً صادقة في أن يعمل كل ما رأى أنّ الله يريده منه. أيها المسيحي الحدث! إني أتوسّل إليك برأفة الله، حين تسأل الله أن يقودك إلى كنوز كلمته، وإلى القصر الذي يسكن فيه المسيح، أن تفعل ذلك كمن يقدّم نفسه ذبيحةً حيّة، مستعدًّا لأن يعمل كل ما يتكلّم به الله.

ولا تظنّ أنّ هذا أمرٌ بديهيّ من تلقاء نفسه. إنه أعمق أهمّيةً ممّا تعلم. وهو غائبٌ عن درس الكتاب المقدس أكثر ممّا تظنّ. فاطلبه باتّضاعٍ عميق. إنّ أوّل ما يلزم للتلذّذ بطعامك هو الجوع. وأوّل ما يلزم لدرس الكتاب هو اشتياقٌ بسيطٌ حازم إلى أن تعرف ما يريدك الله أن تعمله، وعزمٌ جادّ إلى حدّ الموت على أن تعمله متى عرفته. «إن شاء أحدٌ أن يعمل مشيئته يعرف التعليم، هل هو من الله، أم أتكلّم أنا من نفسي». فلمثل هذا الإنسان تُفتَح كلمة الله.

صفحة 1 / 5 · 6 دقيقة متبقية في الفصل