فصل 8 · قراءة 3 د

البذرة هي الكلمة

أظنّ أنه يمكن القول بكل ثقة إنه ليس في الطبيعة كلها مثالٌ آخر يصوّر لنا ما هي كلمة الله تصويرًا أصدق ولا أغنى بالمعنى من مثال البذرة هذا. وأن تكون لنا فيه بصيرةٌ روحية تامّة، فذلك هو واسطةٌ عجيبة من وسائط النعمة. وأمّا أوجه الشبه فيسهل بيانها. فهناك ضآلة البذرة في الظاهر — إذ هي شيءٌ صغير لا يكاد يُذكَر إذا قيس بالشجرة التي تنبت منها. وهناك حياةٌ محبوسة هاجعة داخل قشرةٍ يابسة. وهناك حاجةٌ إلى تربةٍ ملائمة، لا يكون النموّ بدونها ممكنًا. وهناك النموّ البطيء الذي يمتدّ من الزمن ما يستدعي طول أناة الفلّاح. وهناك أخيرًا الثمر، وفيه تعيد البذرة إنتاج نفسها وتتكاثر. وفي هذه الوجوه كلها تعلّمنا البذرة أثمن الدروس في كيفية استعمالنا لكلمة الله.

فأوّلًا هناك درس الإيمان. والإيمان لا ينظر قطّ إلى ما تراه العين من المظاهر.

فبقدر ما نستطيع أن نحكم، يبدو من أبعد الأمور احتمالًا أن تهب كلمةٌ من الله حياةً في النفس، وأن تعمل فينا النعمة عينها التي تتكلّم هي عنها، وأن تغيّر أخلاقنا كلها، وأن تملأنا قوّةً. ومع ذلك فهكذا هو الأمر. ومتى تعلّمنا مرّةً أن نؤمن بأنّ الكلمة تقدر أن تعمل بفاعليةٍ الحقّ عينه الذي هي التعبير عنه، نكون قد وجدنا سرًّا من أهمّ الأسرار في درسنا للكتاب المقدس. وحينئذٍ نصير نقبل كل كلمةٍ منه بوصفها عربونًا لعملٍ إلهيّ وقوّةً لذلك العمل.

ثم هناك درس العمل. فالبذرة يلزم أن تُجمَع وأن تُحفَظ وأن تُلقى في التربة المهيّأة. وهكذا على الذهن أن يجمع من الكتاب، وأن يفهم، وأن يسلّم إلى القلب — وهو التربة الوحيدة التي تقدر هذه البذرة السماوية أن تنمو فيها — تلك الكلماتِ التي تسدّ حاجتنا. فنحن لا نقدر أن نهب حياةً ولا نموًّا. ولا حاجة بنا إلى ذلك: فالحياة هي هناك. لكنّ ما نقدر عليه هو أن نخبّئ الكلمة في قلوبنا، وأن نحفظها هناك، منتظرين الشمس التي تأتي من فوق.

والبذرة تعلّمنا كذلك درس الصبر. فأثر الكلمة في القلب ليس في أكثر الأحوال أثرًا فوريًّا. إنها تحتاج إلى وقتٍ لتضرب جذورها وتنمو: فقد قال المسيح: «وثبت كلامي فيكم» (يوحنا 15:7). وليس علينا فقط أن نزيد يومًا بعد يوم مخزوننا من معرفة الكتاب — فهذا أشبه بجمع الحَبّ في الأهراء — بل علينا أيضًا أن نسهر على تلك الكلمات من وصيةٍ أو وعدٍ التي أخذناها لأنفسنا على وجه الخصوص، وأن نفسح لها في قلوبنا مكانًا تمدّ فيه الجذور والأغصان معًا. علينا أن نعرف أيّ بذرةٍ وضعنا، وأن ننمّي انتظارًا ساهرًا صابرًا. «لأننا سنحصد في وقته إن كنّا لا نكلّ» (غلاطية 6:9).

وأخيرًا يأتي درس الإثمار. فمهما بدت تلك البذرة الصغيرة، بذرةُ كلمةٍ من الله، ضئيلةً لا وزن لها، ومهما بدت حياتها ضعيفة، ومهما كان الفكر الذي تتكلّم عنه عميق الخفاء، ومهما كان بطء نموّها مُجهِدًا لصبرنا وممتحنًا له — فكن على يقينٍ أنّ الثمر آتٍ لا محالة. فحقّ الله عينه وحياته وقوّته، تلك التي احتوت الكلمةُ على فكرها، ستنمو وتنضج في داخلك. وكما أنّ البذرة تحمل ثمرًا يحوي هو أيضًا البذرة عينها لإنتاجٍ جديد، كذلك الكلمة لن تأتيك بالثمر الذي وعدت به فحسب، بل سيصير ذلك الثمر في كل مرّةٍ بذرةً تحملها أنت إلى آخرين لتهبهم حياةً وبركة.

وليست الكلمة وحدها هي التي على هذا المثال، بل «يشبه ملكوت السماوات حبّة خردل» (متى 13:31). ونعمة هذا الملكوت كلها لا تأتي بطريقةٍ أخرى سوى أن تكون بذرةً مخفيّة في قلب المولود ثانيةً. فالمسيح بذرة. والروح القدس بذرة. ومحبّة الله المسكوبة في القلب بذرة. وعظمة القوّة الفائقة العاملة فينا هي أيضًا بذرة. فالحياة الخفيّة هي هناك موجودة في القلب، غير أنها لا يُشعَر بقوّتها في الحال ولا على الدوام. والمجد الإلهي هو هناك، لكنّه كثيرًا ما يكون بلا صورةٍ ولا جمال، لا يُعرَف إلا بالإيمان، ويُحسَب له حسابه ويُعمَل بموجبه حتى في الحين الذي لا يُشعَر فيه به، ويُنتظَر انتظارًا في انبثاقه أوّلًا ثم في نموّه بعد ذلك.

ومتى أُمسِك بهذه الحقيقة الجوهرية في كل مرّةٍ إمساكًا وثيقًا، وحُفظت بوصفها ناموس الحياة السماوية كلها على الأرض، صار درس كلمة الله عملًا من أعمال الإيمان والتسليم والاتّكال على الله الحيّ. إني أومن في اتّضاع، بل بشيءٍ من الرعدة، بتلك البذرة الإلهية التي في الكلمة، وبقوّة روح الله على أن يجعلها هو حقًّا في حياتي وفي اختباري. وإني أسلّم قلبي كلّه في جوعٍ لكي أقبل هذه البذرة الإلهية. وأنتظر الله أيضًا في اتّكالٍ وثقةٍ مطلقين ليعطي النموّ بقوّةٍ فوق ما نطلب أو نفتكر.

صفحة 1 / 3 · 3 دقيقة متبقية في الفصل