فصل 36 · قراءة 4 د

الشفيع

اعترفوا بعضكم لبعض بالزلّات، وصلّوا بعضكم لأجل بعض، لكي تُشفَوا. طلبة البارّ تقتدر كثيرًا في فعلها. كان إيليا إنسانًا تحت الآلام مثلنا، وصلّى صلاةً أن لا تمطر، فلم تمطر على الأرض ثلاث سنين وستة أشهر. يعقوب 5: 16، 17.

ما من شيء يُضعف قوة الدعوة إلى الاقتداء بقديسي الكتاب المقدس مثل تلك الفكرة القائلة إنّ حالاتهم إنما هي حالات استثنائية، وإنّ ما نراه فيهم ليس مما يُنتظر من جميع المؤمنين. أما قصد الله في الكتاب المقدس فهو النقيض من ذلك تمامًا. فهو إنما يعطينا هؤلاء الرجال لتعليمنا نحن وتشجيعنا، أنموذجًا لما تقدر نعمته أن تصنعه فينا، وتجسيدًا حيًّا لما تطالب به مشيئته هو وطبيعتنا نحن معًا، ولما تجعلانه في الوقت عينه أمرًا ممكنًا.

وإنما لكي يواجه ذلك الخطأ الشائع الذي أشرنا إليه، ولكي يعطي الثقة لكل واحد منا ممن يرمون إلى حياة صلاة فعّالة، كتب يعقوب: «كان إيليا إنسانًا تحت الآلام مثلنا». فإذ لم يكن ثمّة فرق بين طبيعته وطبيعتنا، ولا بين النعمة التي عملت فيه والنعمة التي تعمل فينا، فما من سبب يمنعنا أن نصلّي صلاةً فعّالة مثله. وإن كان لصلاتنا أن تكون ذات قوة، فعلينا أن نسعى لننال شيئًا من روح إيليا.

وهذه الأمنية — دعني أطلب نعمةً لأصلّي كما صلّى إيليا — أمنية مشروعة كل المشروعية، بل هي من ألزم ما يكون. فإن نحن طلبنا بأمانة سرّ قوته في الصلاة، انفتح لنا الطريق الذي سلكه هو. وسنجد ذلك السرّ في حياته مع الله، وفي عمله لله، وفي ثقته بالله.

إيليا عاش مع الله. إنّ الصلاة هي صوت حياتنا. فكما يحيا الإنسان، هكذا يصلّي. وليست الكلمات ولا الأفكار التي يشتغل بها في أوقات الصلاة المعيّنة هي التي يحسبها الله صلاته الحقيقية، بل ميل قلبه كما يظهر في رغباته وأفعاله. فالحياة تتكلّم بصوت أعلى وأصدق من الشفتين. ولكي أصلّي صلاةً حسنة، يجب أن أحيا حياةً حسنة. ومَن يسعى أن يحيا مع الله سيتعلّم أن يعرف فكره وأن يرضيه، حتى يصير قادرًا أن يصلّي بحسب مشيئته. فتأمّل كيف تكلّم إيليا، في أول رسالة حملها إلى أخآب، فقال: «حيّ هو الرب إله إسرائيل الذي وقفتُ أمامه». وتأمّل عزلته وانفراده عند نهر كريث، إذ كان يتلقّى خبزه من يد الله على أجنحة الغربان، ثم في صرفة على يد خدمة امرأة أرملة فقيرة. لقد سلك مع الله، وتعلّم أن يعرف الله معرفةً جيدة؛ فلما جاء الوقت، عرف كيف يصلّي إلى إله قد اختبره وجرّبه. فإنّ صلاة الإيمان لا تُولد إلا من حياة شركة حقيقية مع الله. فلتكن الصلة بين الحياة والصلاة صلةً واضحة وثيقة. وبمقدار ما نبذل ذواتنا لنسلك مع الله، نتعلّم أن نصلّي.

إيليا عمل لله. فقد ذهب حيث أرسله الله، ولم يذهب حيث لم يُرسَل. وفعل ما أمره به الله. ووقف وقفة الرجال في وجه الناس لأجل الله ولأجل خدمته. وشهد على الشعب وعلى خطاياهم شهادةً صريحة. وكل مَن سمعه استطاع أن يقول: «هذا الوقت علمتُ أنك رجل الله، وأنّ كلام الرب في فمك حقّ». وكانت صلواته كلها متّصلة اتّصالًا وثيقًا بعمله لله. فقد كان رجل عمل بمقدار ما كان رجل صلاة، لا يفضل أحدهما الآخر. ولما صلّى فنزل القحط أولًا ثم نزل المطر بعده، كان ذلك جزءًا من عمله النبوي، لكي يُردّ الشعب إلى الله بالدينونة وبالرحمة معًا.

ولما صلّى إيليا فنزلت النار من السماء على الذبيحة، كان ذلك لكي يُعرَف الله بأنه هو وحده الإله الحقيقي. فكل ما طلبه إنما كان لمجد الله لا لمجد نفسه. فما أكثر ما يطلب المؤمنون قوةً في الصلاة، لكي يقدروا أن ينالوا لأنفسهم هم عطايا صالحة! وهذه الأنانية الخفية المستترة تسلبهم القوة وتسلبهم الجواب معًا. وإنما حين تضيع الذات في الشوق إلى مجد الله، وحين تُكرَّس حياتنا كلها للعمل لله، عندئذ تأتي القدرة على الصلاة.

إنّ الله يحيا ليحبّ الناس ويخلّصهم ويباركهم؛ والمؤمن الذي يبذل نفسه لخدمة الله في هذا سيجد في ذلك حياته الجديدة في الصلاة. فالعمل لأجل الآخرين يبرهن على صدق صلاتنا لأجلهم. والعمل لله يكشف في آنٍ واحد حاجتنا إلى أن نصلّي بجرأة وحقّنا في ذلك. فاغرس في نفسك هذا الوعي، واذكره أمام الله جهارًا، أنك مبذول بالتمام لخدمته؛ فإنّ ذلك سيقوّي ثقتك بأنه سامع لك.

إيليا وثق بالله. فقد تعلّم أن يثق به لأجل حاجاته الشخصية في أزمنة الجوع؛ ثم تجاسر أن يثق به لأجل أمور أعظم استجابةً لصلاته لأجل شعبه. فأيّ ثقة بأنّ الله سامع له نراها في احتكامه إلى الإله الذي يجيب بالنار! وأيّ ثقة بأنّ الله فاعل ما يطلبه، حين أعلن لأخآب عن حفيف المطر الغزير المقبل، ثم انطرح ووجهه بين ركبتيه إلى الأرض يتضرّع لأجله، بينما كان غلامه يرجع ستّ مرات بالخبر عينه: «ليس شيء». إنّ الثقة التي لا تتزعزع بوعد الله وبصفاته، والوحدة الشخصية مع الله، وقد بُرهن عليها في العمل لله، هي التي أعطت القوة لتلك الطلبة الفعّالة، طلبةِ الرجل البارّ.

والمخدع هو المكان الذي فيه يجب أن يُتعلَّم هذا كله. وسهر الصباح هو مدرسة التدريب التي فيها نمارس تلك النعمة التي تؤهّلنا أن نصلّي كما صلّى إيليا. فلا نخفْ. فإنّ إله إيليا لم يزل حيًّا؛ والروح الذي كان فيه ساكن فينا. فلنكفّ عن تلك النظرات المحدودة الأنانية إلى الصلاة، التي لا ترمي إلا إلى نعمة تكفي لأن تُبقينا واقفين على أقدامنا.

فلنغرس في نفوسنا ذلك الوعي الذي كان لإيليا، وعيَ الحياة المبذولة بالتمام لله، وعندئذ نتعلّم أن نصلّي كما صلّى هو. وستحمل الصلاة إلينا وإلى غيرنا ذلك الاختبار الجديد المبارك، وهو أنّ صلواتنا نحن أيضًا فعّالة وتقتدر كثيرًا. ففي قوة ذلك الشفيع الفادي، الذي يحيا أبدًا ليشفع، لنتشجّع ولا نخفْ. فقد بذلنا ذواتنا لله، ونحن نعمل له. ونحن نتعلّم أن نعرفه وأن نثق به.

نحن نتعلّم أن نعرفه هو. ونستطيع أن نعتمد على حياة الله الكائنة فينا، وعلى الروح القدس الساكن فينا، أن يقودانا قدُمًا إلى هذه النعمة أيضًا: طلبةِ الرجل البارّ الفعّالة التي تقتدر كثيرًا في فعلها.

تمّ الكتاب

صفحة 1 / 4 · 4 دقيقة متبقية في الفصل